افتحوا له قلوبكم!

افتحوا له قلوبكم!1
نعيش الآن الأربعين يومًا المقدسة، التالية للقيامة… وفي هذه الأربعين يومًا وضع المسيح أساس كل شيء، فقد اجتمع مع تلاميذه وحدثهم عن كل ما يختص بالكنيسة. ونظامها وطقوسها ومباشرتها، حدثهم عن كل ما يصلح أن يقال للقادة، وليس لعامة الشعب.
ولذلك، عندما نقول عن الكنيسة أنها رسولية، فنعني أن الرسل أسسوها، وأن هؤلاء الرسل أخذوا العقيدة من المسيح نفسه، لأنه مكث معهم أربعين يومًا يحدثهم عن الكنيسة…
هناك أشياء لا يصح أن تقال لعامة الشعب، وكان المسيح يقولها لتلاميذه على انفراد… فنحن نرى بطرس الرسول يقول للمسيح – ذات يوم – “ألنا قلت هذا المثل، أم للجميع؟” ومعنى ذلك أنه يوجد كلام كان المسيح يقوله للتلاميذ وحدهم – دون سائر الناس!
فقد كان – في فترة الأربعين يومًا المقدسة – كلام يقال للاثني عشر… القادة… وخرج من المسيح تعليم رسولي- أعني إلهي- خلال هذه الفترة…
إن موسى النبي أمضى أربعين يومًا مع الله -على الجبل- حدثه الله فيها عن الأمور المختصة بالله.. وشرح له الإصحاحات وتفاصيلها، والعبادة… حتى أن الله قال له “اعمل كل شيء مثل المثال الذي عملته على الجبل”… لأن الله يحب أن التعليم يخرج منه… وهو يقول في الكتاب المقدس: الجميع متعلمين تعليمًا من الله… فالله هو مصدر التعليم، ويعطي التعليم للرسل… ثم يعطي الرسل التعليم للناس.
في بدء الخليقة أعطى الله هذا لآدم أيضًا… ولكن آدم أخطأ- حين أخذ المعرفة بعيدًا عن الله.. وأمنا حواء أخطأت أيضًا حين أخذت المعرفة من غير الله…
لقد حدّث المسيح تلاميذه عن الأمور المختصة بملكوت الله… خلال الأربعين يومًا المقدسة… وموسى النبي أمضى أربعين يومًا على الجبل يحدّثه الله خلالها عن الأمور المختصة بالملكوت أيضًا…!
“والأمور المختصة بالملكوت”… لها معان كثيرة… والكتاب المقدس يقول “ملكوت الله في داخلكم”… يعني أن الله يملك عليكم… وذلك هو معنى ملكوت الله بصفة عامة.
كيف تصل الكنيسة إلى كل قلب، وإلى كل عقل؟ … هذه أيضًا أمور خاصة بملكوت الله… ويمكن أن تكون ذات صفة فردية… خاصة بكل شخص… أو صفة عامة… تتصل بكيفية نشر الملكوت إلى كل مكان ليصل إلى كل شعب وكل فرد…!
لقد كلم المسيح تلاميذه عن الأمور المختصة بملكوت الله، في أحاديث نافعة وهامة… فهل أحاديثنا نحن أيضًا في هذه الأمور؟ في كثير من الأحيان تكون أحاديثنا تافهة بعيدة عن الأمور المتصلة بملكوت الله وليت كل منا يسأل نفسه قائلًا: أين هي الأمور المختصة بملكوت الله في قلبي، وفي حياتي…
ليت كل منا يسأل نفسه قائلًا: ماذا تريد يا رب أن تفعل معي… ماذا تريد يا رب أن تملك في؟ …
ليت كل منا ينادي الرب قائلًا: أملك مني يا رب، وتعال حدّثني عن الأمور المختصة بملكوتك!
ألم تتفكروا في ما هي الأمور المختصة بملكوت الله؟ وإذا كان الله يريد أن يملك أيًا منكم فكيف يملكه؟ … وما هي الأركان العاصية على مملكة الله في حياتك؟ وما هي الأعضاء المتمردة؟ … ما الذي يعوق ملكوت الله فيك…؟ كيف يمكن أن يملكك الله، وتصير ضمن ملكوت الله؟
في هذه الفترة – فترة الأربعين يومًا المقدسة – وضع المسيح كل أساس بناء الكنيسة… فهي فترة من أقدس الفترات في الكنيسة… كان المسيح خلالها يتمشى على الأرض- والأرض لا تدركه… وإنما تدركه مجموعة معينة من الناس – التلاميذ – فتحت قلوبها له.
قبل هذه الفترة، كان الكل يرونه ويختلطون به… كان يراه الأحباء والأعداء أيضًا… كان يجلس معه من يريد بركته… وكان يجلس معه أيضًا من يريد أن يمسكه بكلمة!
كان يقابله يوحنا الحبيب ويتكئ على صدره… وكان يقابله أيضًا يهوذا الإسخريوطي الخائن الذي باعه بثلاثين من الفضة!
كان الكل يرونه ويلتقون به ويخالطونه… ولكن في فترة الأربعين يومًا كان المسيح يمشي على الأرض، ولا يراه إلا المستحقون الذين فتحوا قلوبهم له… لم يكن يسمعه إلا الخاصة التي تستحق أن تسمع الكلمة من فمه…
كان المسيح يتمشى على الأرض، ولا تتمتع به كل الأرض… هذه نقطة مهمة…
وهنا يأتي معنى كلمة “الخاصة”… الخاصة التي يكشف لها ذاته. وتلك النقطة، تعطينا صورة للملكوت السماوي… إن الله موجود، ولكن ليس كل شخص يستطيع أن يتمتع به أو يراه…
إن المسيح يعيش وسط محبيه فقط!! هل لو جاء المسيح مرة ثانية، وتمشى على الأرض، تكون أنت ضمن الذين يقابلهم، ويحدثهم عن الأمور المختصة بملكوت الله؟ أم تحسب نفسك غريبًا بالنسبة له؟
في قصة بولس الرسول منظر متعب. كان بولس وهو سائر في الطريق، عندما ظهر له المسيح. فالآخرين الذين كانوا مع بولس سمعوا الصوت ولم يبصروا شيئًا…!
كان بولس يكلم المسيح… والآخرون لا… كانوا يرون بولس ويسمعونه ولكنهم لا يرون المسيح، ولا يسمعونه… لماذا؟ لأنهم لا يستحقون، ولأنهم لم يصلوا إلى الدرجة التي ينظرون فيها المسيح ويسمعون حديثه… “أما أنتم فطوبى لأعينكم لأنها تبصر، وطوبى لآذانكم لأنها تسمع...”.
هذه هي درجة الرسل، وامتيازهم… فلقد مكث المسيح أربعين يومًا على الأرض – بعد قيامته- من أجل الرسل… من أجل أحبائه… وأراد أن يجلس معهم ويحدثهم…!
لم يصعد المسيح إلى السماء بعد قيامته مباشرة… ولكنه أجل ذلك أربعين يومًا… وترك السارافيم والشاروبيم والأرباب والكراسي… وكل أمجاد السماء التي تنتظره واهتم بالتلاميذ. ومن أجلهم بقي أربعين يومًا على الأرض… وذلك لأهمية التلاميذ…
لقد ظهر المسيح مرة لخمسمائة أخ، وظهر أيضًا لتلميذي عمواس… ولكن الأهم كان من أجل الاثني عشر! فهل لك – يا أخي – هذه الأهمية في ملكوت الله؟ بحيث أن المسيح يؤخر صعوده أربعين يومًا من أجلك؟
يوجد أناس لهم مقام وأهمية في الملكوت… هؤلاء هم الذين يحملون الشعلة للأجيال كلها، ويتولون خدمة الكرازة في أقصى المسكونة وأنحاء الأرض… هم حملة المشاعل، وواضعوا الأساس!
هؤلاء هم الاثني عشر… وواحد آخر… هو بولس… فقد ظهر له المسيح وجاءه وأعطاه الرسالة…
أنا أخشى – أيها الأحباء – أن نكون مشغولين عن الأمور المختصة بملكوت الله… بأمور العالم وتفاهاته ومشاغله وأخطائه وشهواته…!
قد يأتي المسيح لواحد منكم، يقول له أتيتك خصيصًا لأحدثك عن الأمور المختصة بملكوت الله… فلا يجده مستعدًا… ويجده مشغولًا بأمور أخرى!
هناك أناس لا يريدون أن يفتحوا قلوبهم… والله لا يفرق بين الناس… وإنما هو إله للكل ومستعد لأن يجلس مع الجميع ويحدثهم عن الأمور المختصة بملكوت الله… ولكن هناك قلوب غير مستعدة… ومغلقة… وترفض المسيح! إنه يقف على الباب ويقرع، ولكن نحن الذين نغلق في وجهه الباب، ولا نريد أن نفتح له!
إن الله يريد أن يحدثنا… ولكننا نحن لا نعطيه فرصة، ولا نهتم به! هناك أناس لا أهمية في حياتهم للأمور المختصة بملكوت الله… ولا يولونها أي اهتمام…! لكن التلاميذ، كان كل عرق فيهم ينبض بمحبة المسيح، وكل فكر لهم يمتلئ بمحبة المسيح… لقد كان المسيح بالنسبة لهم، يملأ القلب والفكر والحياة… وكما قال بطرس “لقد تركنا كل شيء وتبعناك”…!
هؤلاء هم الذين استحقوا أن يأتي إليهم المسيح، ويمضي معهم أربعين يومًا… ليس فقط هذه المدة، بل قال لهم “ها أنا معكم كل الأيام، وإلى انقضاء الدهر”… وقال أيضًا “إذا اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي فهناك أكون في وسطهم”…
إن هذا الكلام موجه إلى المهتمين بكلام الله، الذين يريدون الأمور المختصة بالملكوت… إلى الأرض التي تنبت ثلاثين وستين ومائة !!
لهذه النفوس يأتي الله ويتحدث عن الأمور المختصة بملكوت الله.
يحدثنا نشيد الأناشيد، عن واحدة لم تكن مستعدة… جاء إليها المسيح ولكنها رفضته… فتركها ومضى، ثم نهضت تقول “حبيبي تحول وعبر…!” لماذا؟ لأنها لم تفتح له…!
إذا أردتم أن تسمعوا الأمور المختصة بملكوت الله، افتحوا لله قلوبكم… افتحوا للمسيح، وقولوا له تعال، وأدخل، وأملك!
لا تغاروا… من الرسل، لأن المسيح جلس معهم وتحدث إليهم… لأنكم لو كنتم في مشاعر الرسل، لفعل المسيح معكم مثلما فعل معهم.
لو كان عندكم لله، محبة الرسل، واستعدادهم، واهتمامهم لكلمة الله… لأتى إليكم المسيح وجلس معكم يحدثكم عن الأمور المختصة بملكوت الله!!
كثيرًا ما يأتي المسيح إليكم… في رسالة روحية. القلب الحساس هو وحده الذي يفطن إليها ويتلقاها… وهكذا… تأتينا أفكار من عند الله ورسائل مختصة بملكوت الله… ولكن… واحد يستفيد منها… والآخر لا يريد أن يستمع إلى النداء… ويفتح باب قلبه وحياته!
وفي ذلك ينطبق قول الكتاب المقدس عن المسيح: “في وسطكم قائم الذي لستم تعرفونه”.
هو- إذًا موجود- أتى خصيصًا ليتحدث عن الأمور المختصة بالملكوت… ولكن – كما يقول الكتاب “سمعًا لا يسمعون، وفهمًا لا يفهمون”!
نريد أن نعيش في روحانية الأربعين يومًا المقدسة، ولنفتح قلوبنا للمسيح، وأذاننا، وأذهاننا أيضًا… لكي نسمع الأمور المختصة بملكوت الله.
نريد هذه القلوب التي تحب هذه الأمور وتنشغل بها، وتفرح لها… نريد قلوبًا من نوع قلب داود الذي قال “فرحت بكلامك كمن وجد غنائم كثيرة… كلامك أحلى من العسل والشهد في فمي… باسمك أرفع يدي فتشبع نفسي كما من شحم ودسم…”.
إن المسيح يأتي، كما كان يجيء للتلاميذ خلال الأربعين يومًا المقدسة… فمن منكم يريد أن يفتح له؟
ان من يفتح ينال ويسمع فعلًا عن الأمور المختصة بالملكوت.
إن الأربعين يومًا المقدسة… قائمة في كل وقت، والمسيح يأتي في كل وقت… ولكن من الذي يستحق أن يستقبله؟
إنه مستعد أن يسكب في قلبك خلال دقيقة واحدة، ما سكبه في قلب يوحنا الحبيب… فقط افتح له قلبك…
يا أخوتي: عيشوا في بركة الأربعين يومًا المقدسة… عيشوا في عشرة المسيح واسمعوا حديثه عن الأمور المختصة بملكوت الله!
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في جريدة وطني بتاريخ 30-4-1972م




