احد الشعانين

في هذا اليوم دخل السيد المسيح إلى الهيكل كملك، إذ كان ملكوته قد اقترب.
كان قد أقترب اليوم الذي يدوس فيه الموت بموته، ويقضي على مملكه الشيطان، ويشتري العالم كله بدمه الكريم…
دخل إلى الهيكل ليؤسس مملكة ليست من هذا العالم، مملكة روحانية في القلب، تُبنى على الحب وليس على السلطة.
دخل أورشليم مدينة الملك العظيم، فارتجت المدينة لمقدمه…
صاحوا “أُوصَنَّا لابْنِ دَاوُدَ” (مت21: 9)، أوصنا أو هوشعنا أي خلصنا، خصلنا الآن لأنه حان وقت الخلاص.
هل طلبوا منه الخلاص كاِبن داود أم كاِبن الإنسان، أم كاِبن الله، أم كل هذا معًا؟
لقد جاء ليخلص العالم من عبودية الشيطان والخطية والعالم، وهي عبودية أصعب بكثير من العبودية للرومان.
العبودية لقيصر قاصرة على غربة هذا العالم فقط أما العبودية للشيطان فتضيع أبدية الإنسان كله.
عندما دخل المسيح إلى أورشليم كملك، فرح به البسطاء، بينما تضايق الشيوخ والرؤساء.
لقد نظر البسطاء إلى ملكه نظرة موضوعية، فامتلأت قلوبهم فرحًا. أما رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب ومعلموه، فلم تستطع نظرتهم أن تتجرد من الذات… وهذه الذاتية أتعبت قلوبهم، وقادت كل تصرفاتهم، وأدت بهم إلى الحقد والمؤامرة والجريمة… أمر ما كان يتفق مع كهنوتهم، ولا مع علمهم، ولا مع مثالياتهم…!
تعب هؤلاء الرؤساء والمعلمون وقالوا “هوذا الكل قد ساروا وراءه”… عجبًا! وأي ضرر في أن يسير الكل وراءه؟! أليس هذا الذي أشتهاه المعمدان، أن تكون العروس للعريس…؟!
ولكن هؤلاء الرؤساء والمعلمين لم يكونوا من نوع يوحنا المعمدان، بل لم يستطيعوا أن يقولوا إن معمودية يوحنا من السماء وعندما سألهم المسيح عن ذلك، قالوا “لا نعرف”، وكانوا يعرفون!!
ولكن الذاتية قادتهم إلى الباطل… محبة الظهور، محبة الاستحواذ على الجماهير، أسلمت عقلهم إلى ذهن مرفوض، ونظروا إلى المسيح كمنافس، فكرهوه!!
دخل المسيح إلى أورشليم كملك. أما هؤلاء فرفضوه. رفضوا أن يملك عليهم… قالوا “لَيْسَ لَنَا مَلِكٌ إِلاَّ قَيْصَرَ”!! بينما كانوا ينتظرون مجيء المسيا لكي يخلصهم من قيصر!! حقًا، ما أسهل أن تقود محبة الذات إلى التملق والنفاق، إن كان في ذلك تحقيق للذات حسبما يوهم الفهم المنحرف…!
أما رفضهم للمسيح، فلم يضر المسيح، إنما أضرهم هم…
كان المسيح يؤسس الملكوت، ويبني الكنيسة، ويدبر قضية الخلاص. وكان هؤلاء الرؤساء والمعلمون منشغلين بسلبياتهم: يدبرون المؤامرات، ويشجعون الخونة، ويفكرون في قتله، ويشعرون بملىء السعادة إن ساعدهم الشيطان على تحقيق رغباتهم الآثمة…
أن معارضات هؤلاء الكهنة ومؤامراتهم لم تمنع ملكوت المسيح…
وهذا الملك الوديع الذي دخل أورشليم راكبًا على جحش، هذا الملك الذي “ملك على خشبة”، وأسس مُلكه والمسامير في يديه، أنتشر ملكه إلى أقصى الأرض، على الرغم من كل المؤامرات…
وأنت أيها المبارك: ما هي تأملاتك في يوم أحد الشعانين، في تذكار المناداة بالمسيح ملكًا في أورشليم؟
قُل له: تعال يا رب وأملك. ليأت ملكوتك في قلبي، وفي قلوب جميع الناس. ليأت ملكوتك على كل الشعوب، وفي كل البلاد…
فلتملك يا رب على أفكاري، ومشاعري، وحواسي، وغرائزي، ومالي، ووقتي، فأصير كلي لك…
أبعد يا رب عني كل ما يعرقل ملكوتك داخلي…
أبعد عني الذاتية التي منعت ملكوتك عن رؤساء كهنة اليهود، وأبعد عني الحرفية التي أبعدت الفريسيين عن ملكوتك. وأبعد عني الحسد والغيرة التي بسببها أبتعد الشيوخ والرؤساء.
لا تسمح أن يوجد داخل قلبي شيء ينافسك…
تعال يا رب، وطهر هيكلك الذي هو قلبي… أنا قد أدخلت فيه موائد الصيارفة بمحبتي للمال، وباهتمامي بالمادة… قلبي لم يعد بيتًا للصلاة، كما تريد. اعطني يا رب المحبة التي أجعل بها هذا القلب بيتًا للصلاة.





