اتركيني الآن

من مذكرات راهب
1اتركيني الآن
“هذه المقالة ليست لكل أحد، إنها درجة روحية معينة، الذين هم أقل منها، لا ينتفعون بها”
هوذا أنا هكذا يا رب أتدخل باستمرار فيما لا يعنيني. لست أقصد التدخل في شئون غيري من الناس، كيف يتصرف، وكيف تتصرف أنت معه – ولو أنني أقع كثيرًا في هذا الخطأ – وإنما أقصد تدخلي في شئون نفسي بينما هي أمور لا تعنيني أنا بقدر ما تعنيك أنت!
نفسي ليست ملكي، وإنما هي ملكك، اشتريتها بدمك الكريم فأصبحت لك، وليس لي بعد أن أتدخل في شئونها، لأنك أنت تدبرها حسب مشيئتك الصالحة الطوباوية.
عليَّ إذن أن أنظر وأمجدك.
متى يأتي الوقت الذي لا أتدخل فيه في شئون نفسي، وإنما أتركها لك: حينما تسيرني أسير، وكيفما تصيرني أصير؟ متى أرضى بحالتي التي ارتضيتها أنت لي، فلا ألح عليك في تغييرها كأنك غافل عن صالحي؟!
متى تتحول صلاتي من طلب إلى شكر؟ أو متى أبحث عن شيء أطلبه فلا أجد، لأني لست أجد شيئًا خيرًا لي الآن مما أنا فيه؟
متى يأتي الوقت الذي يصبح فيه عملي الوحيد هو ألا أعمل شيئًا، وإنما أترك نفسي في يديك وأنساها هناك، ولا أذكر إلا هاتين اليدين اللتين جبلتاني وصنعتاني واللتين كنت تضعهما على كل واحد فتشفيه.
متى أؤمن بك الإيمان كله، فأستأمنك على حياتي تدبرها كيف تشاء، أنت يا صانع الخيرات، دون أن أقحم نفسي في عملك هذا، وأتلصص متجسسًا عليك لأرى ماذا تعمل بي! وكيف تعمل! وهل عملك مقبول أم لا! وهل يستدعى الأمر تدخلًا منى أم لا يستدعى؟!
آه يا رب كم أنا وقح في تصرفي معك! جاهل أنا وأتدخل في أعمال حكمتك محاولًا أن أوقفها لأنفذ مشورتي الغبية!! كم يكون أحكمتي لو أنني سكت وأخذت منك موقف المتفرج لا موقف الشريك. إذن لكنت أرى عجائب من حكمتك.
إنني يا رب أفكر كثيرًا في ذاتي، ولا أفكر ولو قليلًا فيك. إنني أثق كثيرًا بذاتي، ولا أثق ولو قليلًا بك. ذاتي هي صنمي متى يتحطم لكي أعبدك العبادة الحقة؟ إن كنت لا أحطم بنفسي هذا الصنم لكونه جميلًا في عيني، أو لكونه محبوبًا لديَّ جدًا، فتول أنت يا رب تحطيمه، وعند ذلك لا يبقى لك منافس في قلبي فأحبك، ولا يبقى لك منافس في إيماني فأعبدك.
لوكنت يا رب أفكر فيك بقدر ما أفكر في ذاتي، ولو كنت أعتمد عليك بقدر ما أعتمد على مقدرتي الخاصة، ولو كنت أحبك بقدر ما أحب نفسي إذًا لأصبحت قديسًا أعظم من جميع القديسين الذين عرفهم العالم.
متى تعتقني يا رب من ذاتي؟ متى؟ لا لكي أصير قديسًا، وإنما لكي أجدك. متى تخرج من الحبس نفسي، وتطلق عبدك بسلام؟ متى أضيع ذاتي من أجلك لكي أجدك؟ وحينئذ أجدها فيك. متى أهلك ذاتي من أجلك؟ إذن لكانت تحيا بك. متى أنظر إلى ذاتي فلا أجدها، وإنما أجدك أنت. متى أنظر إليها فأراك؟ ومتى أنظر إلى العالم فأراك؟ وإلى الناس فأراك؟ وتصبح أنت لي الكل في الكل وليس سواك.
هي تبيد وأنت تبقى، وكلها كثوب تبلى، وكرداء تطويها فتتغير. ولكن أنت أنت وسنوك لا تفنى.
قالوا لي” اعرف نفسك” وقالوا لي” أدخل إلى ذاتك”. آه يا رب هي ذاتي هذه سبب متاعبي كلها.. متى أدخل إليها فلا أجدها؟!
كم مرة نظرت إلى ذاتي فوجدتها معلقة على الصليب بلا حراك. فلما أمعنت النظر إليها، أبصرتك أنت، ففرحت. لم أفرح بذاتي لأنها ورثت الملكوت وإنما فرحت بك لأني وجدتك.
ويخيل إليَّ أنني سوف لا أجدك في كل مرة إلا هناك في وأدى ظل الموت، لأنني إن سرت في وادي ظل الموت فأنت معي. لقد خلقتنا للحياة، ولكننا بخطيتنا اخترنا لنا الموت. فإذا بك أنت البسيط الذي كل شيء طاهر قدامك تقدس الموت وتجعله لنا بابًا للحياة!! بل هو الباب الوحيد للحياة. “من وجد نفسه يضيعها ومن أضاع نفسه من أجلي يجدها”. “أنكر ذاتك واحمل صليبك واتبعني”.
في السنة الأولى من حياتي الرهبانية قرأت لقديسيك أن الرهبنة هي؛ انحلال من الكل للارتباط بالواحد. فعلى قدر استطاعتي حبست نفسي عن العالم والناس. ولكن هذا لم يوصلني إلى الارتباط بك، لأنني لم أدخل إلى الوحدة من أجلك وإنما من أجل نفسي. إما لترضى هي عن ذاتها أو ليرضى الناس عنها.
ولكنني في السنة الثانية عرفت معنى الانحلال من الكل بتفسير آخر. وهو الانحلال من نفسي. لأنني أجعلها بالنسبة إليَّ الكل في الكل.
وفي السنة الثالثة أي معنى سأعرفه لهذه العبارة؟ لست أدرى. ليتني أكون قد نسيتها ونسيت التفكير في معناها من فرط الانشغال بك.
كنت أقول عن اجتماعي بالأخوة أننا باجتماعنا معًا على الأرض هنا نعطل أنفسنا عن الانشغال بالله. ربما نتسبب بذلك في عدم اجتماعنا كلنا هناك معه في الأبد.
وأريد الآن أن أقول إن اجتماعي بنفسي هو الذي يعطلني بالأكثر.
إنني أشعر انني محتاج بين الحين والحين، كلما أخلو إلى نفسي، أن أقول لها “اتركيني الآن، فهذا خير لنا. أتركينى لكي أخلو بالله، وبهذا أستطيع أن أتمتع بوعده في أن تثبتني فيه”. فأجلس لا مع ذاتي وإنما مع الله الحال في ذاتي.
- مقال لنيافة الأنبا شنوده أسفق التعليم – مجلة الكرازة -السنة الأولى – العدد السادس أغسطس 1965



