إختبار

اختبار1
قبل أن نبدأ محاضرة الليلة، أحب أن نتذكر جميعا أنه في مثل هذا اليوم تنيح أبونا البطريرك الراحل صاحب القداسة البابا كيرلس السادس.. إننا نطلب لنفسه البارة نياحًا في مواضع القديسين، ونذكر أعماله الكريمة التي قام بها خلال فترة حبريته المقدسة التي استمرت حوالي 12 عاما.
إننا نذكر تعبه في هذه الكنيسة الكاتدرائية التي وضع أساسها وبنيانها وقد دخلنا على تعبه، ونذكر أيضًا تعبه في دير مار مينا العجايبي، ودير القديس الأنبا صموئيل، ونذكر وحدته في كنيسة مار مينا بمصر القديمة وجبل طره.
إننا نذكر أبوته لنا جميعًا وآلامه في مرضه الأخير، وكيف كان يتعب ويستمر في الرعاية رغم هذا المرض، ونذكر صلواته وقداساته المستمرة، خلال أكثر من ثلاثين عامًا في الرهبنة لم يمنعه من القيام بها سوى المرض.
نذكر بساطته وفضائله الكثيرة ونسكه.. ونذكر أنه أول من سام أساقفة عموميين في هذا الجيل الذي نعيش فيه، وإن كانت فكرة الأساقفة قديمة، فقد كان بطرس الجاولي أسقفًا عامًا.
نذكر اهتمامه بالكلية الاكليريكية، فقد بنيت في عهده كل هذه المباني، والمطبعة التي وضع أساسها.
نذكر أنه قام بخدمة الكنيسة فترة طويلة، وكان يحب الناس ومحبوبًا منهم، يحضرون في غالبية المناسبات لأخذ بركته وصلواته.
نذكره بكل خير كأب لنا، وكرئيس كهنة في هذا الجيل الذي عشنا فيه، ونرجو له نياحًا في مواضع القديسين، ونطلب أن يعزي فيه كل الكنيسة من أبنائه ومحبيه وذاكري فضله.
ولقد أقيمت في ذكراه اليوم عدة قداسات في كثير من الكنائس في دير مار مينا بمريوط، وانتدبت نيافة الأنبا مكسيموس ليصلي هناك، وفي مار مينا بمصر القديمة انتدبت نيافة الأنبا دوماديوس، وفي كنائس أخرى لذكرى أبينا الراحل صاحب القداسة البابا كيرلس السادس.. إننا نصلي جميعًا من أجله، ونطلب أن يصلي هو من أجلنا، وأن يذكر الله كل تعبه، لأن الله لا ينسى تعب المحبة.
إن موضوع اليوم، الذي أريد ان أكلمكم فيه بمناسبة الأربعين يومًا المقدسة.. هذه الأربعون المقدسة كانت فترة اختبار، وكان الشيطان يجرب السيد المسيح فيها لكي يرى أي طبيعة هو؟ هل يستسلم له أم يقاوم؟ وطبعا قاومه وانتصر عليه.
في الاربعين يومًا المقدسة نذكر الاختبار، ونذكر أن حياتنا كلها فترة اختبار، نختبر فيها بأنواع وطرق شتى، نختبر فيها نقاوتنا وصلواتنا، ونختبر فيها صمودنا ومحبتنا لله، وبقدر نجاحنا في هذا الاختبار، بقدر ما نكلل في السماء ونأخذ جزاءنا في العالم الآخر.
هي فترة اختبار لا أكثر ولا أقل.
ولقد اجتاز هذه الفترة الكل.. اجتازها الملائكة، والذين نجحوا من الملائكة تكللوا بحياة البر الدائم والنقاوة الدائمة. والذين سقطوا في فترة الاختبار، صاروا شياطين، أطلق عليهم اسم الأرواح الشريرة أو الأرواح النجسة، وصاروا في عالم الفساد إلى أبد الآبدين.
إن فترة الاختبار هذه تعرض لها الكل.. جميع القديسين، حتى السيد المسيح نفسه والرسل والأنبياء، والوصية التي أعطيت لآدم وحواء.. ما معنى أن يأكلوا من شجرة، وألا يأكلوا؟ المسألة ليست مسألة شجرة بقدر ما هي اختبار طاعة ومحبة هذا المخلوق البشري، والإنسان يختبر بالقليل أو الكثير.. وآدم اختبر فسقط، وحواء اختبرت وسقطت، والمسألة ليست أن الوصية كانت ثقيلة أو خفيفة.. ليس هذا هو المهم، المهم هو الاختبار، الله يختبر الإنسان.. هل يطيعه أم لا يطيعه، كما قال معاتبًا: “وزنت بالموازين فوجدت ناقصًا”.
الله يضع لنا اختبارًا لنبرهن على محبتنا له، والاختبار مثل النار التي توضع فيها مواد كثيرة، الذهب والفضة والنحاس تتحمل النار، ولكن الخشب والقش يحترق.. والإنسان هل هو ذهب يحتمل نار الاختبار فيتنقى.. أم هو كالخشب سريع الاحتراق فينتهي إلى رماد…؟
* وفترة الاختبار هذه لا يهم أن تطول أو تقصر.. هناك من يقضون فترة قصيرة، والبعض تطول أيامه على الأرض، إن بعض القديسين ماتوا في سن مبكرة، ولكنهم اختبروا ونجحوا، لذلك لا يهم طول فترة الاختبار أو قصرها، ولا يهم أنواع الحروب واختلافها، المهم هو الاختبار، وكلنا نتقدم له ليرى الله معدننا كيف هو.. وبه يظهر العدل الالهي، فإن كل إنسان يأخذ فرصته لتظهر طبيعته.. هل هي نقية أم ضائعة…؟
** والله يختبر الناس على مستويات وبأنواع مختلفة.. وكما يقول الكتاب: “إن جربت مع المشاة فأتعبوك، فكيف تبارى ركاب الخيل”.. فالإنسان الذي يتعب في اختبار المشاة لا يدخله الله في اختبار ركاب الخيل.. وبمعنى آخر أن الصغار لا يجربون بتجارب الكبار الناضجين.
ففي سير القديسين.. هل يظهر شيطان لقديس؟ إن القديسين لم يصلوا إلى هذا المستوى إلا بعد نجاحهم في تجارب متعددة، كمن يتقدم لنيل الدكتوراة، لابد له قبل ذلك أن يحصل على الماجستير والليسانس.
* الله يختبر الناس بأنواع وطرق شتى، من ضمنها التجارب والأمراض والموت.. هناك إنسان يثبت في التجربة، وإنسان لا يثبت، يقابل التجربة بالتذمر والضيق، ويشك في الله وفي محبته، وهكذا لا يحتمل التجربة ويضيع.. ونجد الإنسان الذي يقابل التجربة بصبر واحتمال ولا يخطئ، ونجد الإنسان الذي يقابلها بالرضا، وغيره يقابلها بفرح.. وآخر من كثرة نجاحه في التجارب يشتهي التجارب!
الناس إذن مستويات.. انظروا إلى أيوب الصديق وكيف جربه الله بتجربة المال والبنين، وصبر في التجربة “الرب أعطى، الرب أخذ، ليكن اسم الرب مباركًا”.. وإبراهيم أب الآباء جربه الله في ابنه.. خذ ابنك أسحق وقدمه، وبكر إبراهيم صباحًا وأخذ الحطب والسكين ولم يتذمر أو يشكو، لم يجادل الله أو يعاتبه ويناقشه، لقد قبل كل شيء بهدوء وطاعة..
إن الأوامر الصعبة نوع من الاختبار.. وربما كان في الأبوة الروحية أوامر من هذا النوع، فهناك من يختبرون من ناحية طاعتهم.. البعض لا يطيعون إلا إذا اقتنعوا، ولهذا يكثرون المناقشة.. وهناك من يطيعون أب اعترافهم وينفذون مشيئته، هؤلاء ينفذون مشيئة غيرهم ويتنازلون عن مشيئتهم الشخصية، وهذه هي الطاعة الحقيقية التي فيها تنازل وإنكار ذات.
** إن الله في الاختبار يوزع التجارب على الناس على قدر احتمالهم، لأنه لا يجرب الناس فوق ما يطيقون، إن التجربة والاختبار تظهران مدى رضاك وقبولك لما يفعله الله، أو مدى تذمرك عليه.. فإذا قبلت التجربة برضا مرت هادئة، وإذا تذمرت أو تعبت مرت عليك ثقيلة.
ومسألة الرضا والتذمر بالنسبة لله مهمة جدًا.. فالناس في الحياة الدنيا يريدون أن تسير الأمور حسب هواهم. وإذا لم تسر حسب هذا الهوى يتذمرون.
فإذا وقف الأب والأم ضد هوى الإنسان يتذمر، وكذلك إذا وقف الكهنة والأب الروحي تذمر.. وإذا وقف الله أيضًا ضد هوى الإنسان تذمر، وربما حارب الله نفسه، مثل الوجوديين والملحدين، الذين يجدون الله على غير هواهم فيرفضون الله.. إن الإلحاد المعاصر لا ينبني على أسباب فلسفية بقدر ما ينبني على أغراض شخصية.. إنهم ينكرون الله لأنه لا يجاملهم ولا يسير حسب هواهم!
إن أصعب تجربة تمر على الإنسان، هي أن يجرب في هواه الشخصي.. هل ينفذ هواه أم يخضع لهوى غيره؟ هل ينفذ مشيئته أم يخضع للأب الروحي؟ هل ينفذ مشيئته أم يخضع لمشيئة الله؟
إن الهوى الخاص نوع من الاختبار الصعب والحرب الضخمة، والسيد المسيح يقول: “من أراد أن يتبعني فلينكر ذاته”.
إن أول شيء في إنكار الذات أن تنكر هواك الخاص ومشيئتك الخاصة ورغباتك الخاصة، وتقبل رغبة الله ومشيئته.
هو اختبار.. ليتنا نختبر أنفسنا إن لم يختبرنا الله.. هل نحن نسلك حسب هوانا، أم نحن نحارب أهويتنا ونقاوم رغابتنا؟ إنه تدريب مناسب في فترة صومنا هذه.
* ما معنى التربية أيها الأخوة؟ ما معنى أن يربي الأب أولاده، والمدرس تلاميذه، والله يربي شعبه والمؤمنين؟ المعنى هو أن يمسك أهويتهم ويهذبهم، يوافق على بعضها، ويرفض بعضها الآخر.. التربية هي تغيير الطريق إذا كان خاطئًا، والوقوف ضد الفكرة إذا كانت خاطئة.. والرغبة إذا كانت خاطئة هذه هي التربية، فإننا لو تركنا كل إنسان على هواه لكان النتاج جيلًا من المدللين الفاشلين الذين يسلكون حسب هواهم.
إن الله يختبر الناس بهواهم الخاص، وبهذه الحرية التي أعطاها لهم.. هذه الحرية التي لم يختبر بها النجوم أو الكواكب أو الطبيعة، لقد وضع الله لها نظامًا تسير عليه، ولا تملك الحرية لكي تغيره وهي تسير.. إن الله لم يرد أن يسير الناس بالقوانين الطبيعية، بل يسيرون بحرية ثم يختبر هواهم.. هل هو شر أم خير.. فإذا مال الإنسان للشر فهل يقبل التصحيح أم يرفضه؟ وإذا أراد أن يؤدبه فهل يقبل التأديب أم يرفضه؟ فليختبر…
** إن لم يختبر الله هوانا فلنختبر نحن أهويتنا.. والعجيب في الهوى الخاص أن كل إنسان يرى هواه جميلًا في نظر نفسه، إنه يحب مشيئته الخاصة، ويثق بها وبعقله ورغباته، كما قال الكتاب: “هناك طريق تبدو للإنسان مستقيمة وعاقبتها طرق الموت”.. ولأجل هذا أوجد المرشدين الروحيين والآباء والرعاة والمربين لكي يراقبوا أهوية الإنسان ورغباته وانفعالاته، ولكي يقودوه إلى طريق الخير.
* مسكين ذلك الإنسان الذي يسلك حسب هواه وحسب مشيئته، ويرفض أن يطيع مشيئة غيره، وأكثر بؤسًا ذلك الإنسان الذي يقاوم من يرشده ويتضجر على من يهديه إلى الخير.. وكما قال الكتاب: “الذين بلا مرشد يسقطون كأوراق الشجر”.. إن الإنسان الروحي يجعل مشيئته هي مشيئة الله ويقول: “لتكن مشيئتي هي مشيئتك.. ومشيئتك هي مشيئتي.. أود أن أشاء ما تشاء يا رب.. وأود أن أحب ما تحبه يا رب.. وأن أعمل ما تريدني أن أعمله، لا ما أريد أن أعمله أنا”.
إن الله يعطيك الحرية ويختبر سلوكك بهذه الحرية.. هل تتخذها سلاحًا ضد الله الذي أعطاك إياها؟ أم تسير بالحرية بطريق يتفق مع مشيئة الله ولو ضغطت على رغباتك ومشيئتك؟
إن الله يختبر بالتجارب والحرية والمشيئة والهوى، ويختبر الإنسان بالخطايا.. هل يحبها أم يرفضها؟ وإذا سقط فهل يستمر في السقوط أم يتوب؟ وهذه الخطايا لا يضعها الله في طريق الإنسان، لأنه لا يضع خطايا.. إنه يسمح بها إذا أراد الشيطان أن يجرب الإنسان.
* اختبار.. كثيرون نجحوا في اختبار التجارب، ولم ينجحوا في اختبار الخطية.. وقيل عن الخطية أنها طرحت كثيرين جرحى وكل قتلاها أقوياء، إن الله يختبر الناس.. هل يحبونه أم يحبون الخطية؟ وفي هذا الاختبار أحب أن أقول لكم شيئًا مهمًا.. ربما ينجح إنسان في حرب خطايا معينة، وليس معنى هذا أنه إنسان ناجح، فربما يسقط في خطية معينة تكون موضع اختبار.. هذا الإنسان مثلًا ينجح في اختبار خطية “لا تسرق” أو “لا تذكر اسم الله باطلا” أو “لا تقتل”.. ولكنه يسقط في خطية “لا تزن”.. هذه هي تجربته.. فالله لا يأخذ بالعدد إنما بالنوع، وكل إنسان له نقطة ضعف هي موضع اختباره.
ربما كان إنسان كريمًا وعفيفًا وصادقًا وطاهرًا، ثم يحارب بخطية واحدة هي “حب المديح”.. ويقول: “يا رب أنا انتصرت على خطايا هذا عددها”.. وهنا يقول له الله.. أنا اختبرك بهذه الخطية، إنك ما زلت ساقطًا، أريدك أن تحارب الشيطان في الميدان الذي أسقطك فيه وتنتصر عليه.
كل إنسان له حرب معينة مع وجود حروب عامة.
إن الاختبار الحقيقي في نقطة الضعف بالذات.. في نقطة السقوط بالذات.. فإذا كانت لك ألوف من الفضائل ونقطة ضعف معينة، فربما ضاع هذا كله نتيجة السقوط في نقطة الضعف، ككوب الماء التي وقعت عليها نقطة حبر واحدة فعكرت الماء كله! إن الميكروب الواحد يسقط الجسم كله ويسبب له الضياع.
* وهناك اختبار آخر نختبر به.. نختبر بالنعم والعطايا.. وكثيرون يقعون في هذا الاختبار للأسف الشديد، فإذا أنعم الله عليهم بها اتخذوا نعمة الله ليحاربوا بها الله! إن أكثر الذين يحاربون الله هم المنعم عليهم.. ما معنى هذا؟ الله يعطى موهبة الذكاء لإنسان فيستغل هذا الذكاء ضد الله، ويفكر في أنواع جديدة من الخطايا.. وكثيرون من المجرمين لهم ذكاء عجيب، كذلك نجد المحتالين والملحدين والهراطقة، يتمتعون بالذكاء العجيب الذي استغلوه في الشر. وعلماء أعطاهم الله الذكاء ليستخدموه في اختراع أدوات التخريب والدمار وضياع الإنسانية.. حقًا إنه اختبار بنعمة الذكاء.
والإنسان الذي أعطاه الله نعمة الخيال الواسع وسعة الأفق.. إنه لو سار في طريق التأمل لأصبح عجيبًا، ولو استغل خياله في الخطايا لأضاع روحه.
ومثلهم من أوتوا موهبة الشعر، يستخدمونها في الهجاء والغزل فأضاعوا أنفسهم، ومثلهم من أوتوا موهبة الفن وكانت الموهبة سبب عثرة.
كثيرون أعطاهم الله المواهب واختبروا وإذا بهم يستغلونها ضد الله..
** إن النعم والمواهب نوع من أنواع الاختبار الذي يقدمه الله للناس.. هل سينجحون أم يفشلون؟
وهناك من يختبرون بالشيطان وبالناس.. والمهم أن ينجح الإنسان في اختباره.. فإذا رأى الله أنه سلك السلوك الحسن في هذه الحياة الدنيا، استأمنه على الحياة الأخرى.. وإذا وجده أمينًا في هذا العمر القصير استأمنه على العمر الذي لا ينتهي.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في جريدة وطني بتاريخ 11-3-1973م



