أهمية التداريب

أهمية التداريب[1]
تغيير الحياة العملية
نلاحظ باستمرار أن هناك كثيرين يسمعون، ولا يعملون بما يسمعون. ونلاحظ أيضًا أن هناك أشخاصًا عندهم أخطاء ثابتة في حياتهم، وخطايا متكررة في كل اعتراف. مما يدل على أنهم لم يتغيروا، ولا تابوا… فما السبب في كل ذلك؟
لعل السبب هو أنهم لم يحولوا الفضيلة من اقتناع نظري إلى حياة عملية. فلم يتدربوا على الفضيلة، ولا على ترك الخطية.
إذن الحل هو الدخول في تدريب عملي لاكتساب الفضيلة، أو لترك الخطية. وكيف ذلك؟
يحتاج الإنسان بين الحين والحين أن يجلس إلى نفسه، وأن يحاسب نفسه جيدًا. ولا يترك العالم يبتلعه وينسيه كيف يعيش.
تجلس إلى نفسك وتسأل: أين أنا الآن، وفى أي طريق تراني أسير. أتراني في حاجة ماسة إلى تغيير طريقي؟
في هذه الجلسة الخاصة يجب أن تكون صريحًا مع نفسك.
فلا تبرر نفسك، ولا تجامل نفسك، ولا تلتمس لها الأعذار…
اعرف ما هي خطاياك؟ وما أسبابها؟ وما الطريق إلى التوبة؟
وأيضًا فكرّ كيف تدرب نفسك على الحياة مع الله.
في الحقيقة مسألة التدريب هذه، نجدها في الحياة العملية، في شتى نواحي الحياة، وليس فقط في الروحيات.
أمثلة
* إن الطفل من صغره: يدربونه كيف يمشي، وكيف يتكلم، وكيف يأكل.
الأم التي دائمًا تحمل طفلها على كتفها، تكون السبب في اصابته بلين في العظام. ولكن ما أدراك السنة، تتركه يحبو على الأرض. ويقوم ويقع، ويتدرب كيف يرفع جسده، وكيف يحرك يديه ورجليه. وكل إنسان بلا شك قد دخل في هذا التدريب…
* في مجال الرياضة نرى أيضًا أهمية التدريب.
قبل كل مباراة، وبعد كل مباراة: يستعرضون ما حدث، وما هي الأخطاء؟ وكيف يمكن ملاحظتها؟ وماذا كانت الفرص الضائعة؟ وكيف ضاعت؟ وكيف يمكن معالجة ذلك في المستقبل. ويتدربون على ذلك.
* نفس الوضع في السباحة، وفي الفروسية، وفي كل أنواع الرياضة.
* ومن أشهر المهتمين بالتدريب: اليوجا.
يتدربون على أمور روحية، وعلى ضبط النفس، ويتدربون أيضًا على أمور رياضية لصحة الجسد. ومن أشهر تدريباتهم: تدريب التنفس: كيف ينقون الرئة تنقية كاملة، يأخذ نفس طويل، وإخراج النفس. حتى يتم خروج كل الهواء الفاسد من الشعب الهوائية، واستبداله بهواء نقي…
* ومن التداريب الهامة في الحياة: تداريب الذكاء.
يتدرب الشخص فيها كيف يحل الأمور العويصة والمعقدة، ومنها أيضًا المسائل الصعبة في الرياضيات، وحل الألغاز، والكلمات المتقاطعة… حتى الأطفال حاليًا يدربونهم في الكومبيوتر على أمثال هذه المسائل، كوصول قط محبوس إلى هدفه وسط طرق كثيرة بعضها مسدود، والبعض سالك.
فإن أتاك طفلك يطلب منك حلًا لمسألة لم يجد لها حلًا، فلا تظن المحبة في أن ترشده مباشرة، وإلا تكون قد قطعت عليه أسلوب التفكير. إنما أرشده كيف يفكر، ولو بإعطائه خطوة واحدة فقط مع تركه لكي يكمل. وإلا فإنك تعوده على أن يكون شخصًا باستمرار يعتمد على غيره dependent.
إن طريقة التلقين لم تعد هي الطريقة الصالحة في التربية ولا في التعليم. بل في كثير من المدارس والمعاهد والكليات، يدخل الطلبة مع الأساتذة في حوار يتوصلون به إلى النتيجة المطلوبة.
* مثال آخر في التدريبات هو ما يُعطى في إعداد رواد الفضاء.
لا تظنوا أن رواد الفضاء كالذين وصلوا إلى القمر أو إلى المريخ مثلًا، هم مجرد أشخاص موهوبين… إنما هم في الواقع قد مروا بتدريبات شاقة جدًا. منها تعويدهم على أن يبقوا في الظلام فترة طويلة لاختبار أعصابهم. أو تدريبهم على القفز من أماكن مرتفعة وما إلى ذلك… مع تدريبهم فنيًا على إصلاح أي عطب في مركب الفضاء، أو على بعض الأمور الطبية. لعلاج أنفسهم إذا أصيبوا، مع التدريب على استخدام الأكسجين، وكذلك على وسائل الاتصالات مع مركز الفضاء على الأرض… وتستمر التدريبات المتعددة حتى يتم تأهيلهم للقيام بمهمتهم الصعبة.
* هناك تدريبات أخرى يأخذها البعض في العلاج الطبيعي.
Physiotherapy بشتى أنواعه على مختلف أنواع الأمراض. وكذلك بعض الألعاب السويدية لتقوية العضلات وكثير من أعضاء الجسد، للوصول إلى الصحة المتكاملة.
إن كل عضو في الجسد لا يتدرب على الحركة والعمل، مصيره أن يضعف أو يصاب بالخمول. ولهذا كانت الرياضة نافعة، وفي مقدمتها السباحة والمشي بعيدة عن التداريب الصعبة المنهكة.
التداريب الروحية
قال القديس بولس الرسول: “تَدَرَّبْتُ أَنْ أَشْبَعَ وَأَنْ أَجُوعَ، وَأَنْ أَسْتَفْضِلَ وَأَنْ أَنْقُصَ” (في4: 12). وقال أيضًا: “قَدْ صَارَتْ لَهُمُ الْحَوَاسُّ مُدَرَّبَة” (عب5: 14).
هذه الحواس تكون مدربة على التمييز بين صوت الله وأي صوت غيره. كما قال السيد المسيح عن الراعي الصالح “الْخِرَافُ تَتْبَعُهُ لأَنَّهَا تَعْرِفُ صَوْتَهُ. وَأَمَّا الْغَرِيبُ فلاَ تَتْبَعُهُ… لأَنَّهَا لاَ تَعْرِفُ صَوْتَ الْغُرَبَاءِ” (يو10: 4، 5). ليس مثل صموئيل الطفل الذي في بدء حياته لم يستطع أن يميز صوت الرب، وظن أن الذي كلمه هو عالي الكاهن! (1صم3: 4-7).
هذه الحواس المدربة تستطيع أن تميز التعليم السليم من التعليم الغريب. وهكذا يقول القديس يوحنا الرسول: “لاَ تُصَدِّقُوا كُلَّ رُوحٍ، بَلِ امْتَحِنُوا الأَرْوَاحَ: هَلْ هِيَ مِنَ اللهِ؟ لأَنَّ أَنْبِيَاءَ كَذَبَةً كَثِيرِينَ قَدْ خَرَجُوا إِلَى الْعَالَمِ” (1يو4: 1).
كثير من الناس قد ضاعوا، لأنهم لم يميزوا صوت الله!!
يقول الواحد منهم “الروح قال لي” ولا ندري أي روح قال له!!
هل هو حقًا روح الله؟ أم هو اقتناعه الشخصي؟ أم هو ما رسخ في عقله الباطن من تعليم آخرين؟ أم روح غريب أوحي إليه؟ مثال ذلك الذين يصدقون الأحلام أي أحلام، دون أن يعرفوا مصدرها! أو الذين يصدقون ما يقال في “أبراج النجوم”! وما إلى ذلك من شتى أنواع الغيبيات!!
على كل هؤلاء أن يتدربوا على تمييز الأرواح…
إن التدريب الروحي لازم سواء في الفكر أو العمل.
ولعله من المفيد هنا، أن نعرف أمرًا هامًا وهو:
كيف دربّ الله قديسيه، حتى وصلوا إلى ما صاروا إليه.
*موسى النبي في أول حياته كان عنيفًا، وفي غيرته قتل إنسانًا. فأخذه الله إلى البرية، ودربه سنوات طويلة في رعي الغنم، حتى تعلم الوداعة والهدوء. تعلم كيف يكون شغوفًا على غنماته، مهما ضلت الطريق. بهدوء يرشدها، لأنه لو استخدم معها العنف تموت على يديه.
وهكذا بعد أن أتقن التدريب، قيل عنه فيما بعد: “أَمَّا الرَّجُلُ مُوسَى فَكَانَ حَلِيمًا جِدًّا أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ الذِينَ عَلى وَجْهِ الأَرْضِ” (عد12: 3).
بل وصل الأمر إلى أن الله عندما أراد أن يفني الشعب بعد عبادتهم للعجل الذهبي، وقف موسى ليهدئ غضب الله!! وقال له يا رب: “ارْجِعْ عَنْ حُمُوِّ غَضَبِكَ وَانْدَمْ عَلَى الشَّرِّ بِشَعْبِكَ” (خر32: 12).
نفس الوضع حدث مع يوحنا بن زبدي وأخيه يعقوب اللذين لقبهما الرب باسم (بُوَانَرْجِسَ) أي ابني الرعد (مر3: 17).
كانا في أول حياتهما عنيفين. حتى أنه لما رفضت إحدى قرى السامريين أن تقبل السيد المسيح، قال له يوحنا ويعقوب: “يَا رَبُّ أَتُرِيدُ أَنْ نَقُولَ أَنْ تَنْزِلَ نَارٌ مِنَ السَّمَاءِ فَتُفْنِيَهُمْ كَمَا فَعَلَ إِيلِيَّا أَيْضاً؟”. أما الرب الذي أراد أن يدربهما على الوداعة والمحبة، فقد انتهرهما قائلًا لهما: “لَسْتُمَا تَعْلَمَانِ مِنْ أَيِّ رُوحٍ أَنْتُمَا! لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُهْلِكَ أَنْفُسَ النَّاسِ بَلْ لِيُخَلِّصَ” (لو9: 51 – 56).
وهكذا رأينا يوحنا ابن الرعد، قد تحول إلى يوحنا الحبيب، الذي كتب كثيرًا المحبة. وقال إن: “اللهُ مَحَبَّةٌ، وَمَنْ يَثْبُتْ فِي الْمَحَبَّةِ يَثْبُتْ فِي اللهِ وَاللهُ فِيهِ” (1يو4: 16).
* السيد المسيح درّب تلاميذه أيضًا في الخدمة، في دورات تدريبية.
حينما أرسل تلاميذه الاثني عشر، حدد لهم عملهم، وأوصاهم ماذا يفعلون. وحينما أرسل السبعين، علمهم أيضًا مبادئ الخدمة. ولما رجعوا فرحين وقالوا له: “حَتَّى الشَّيَاطِينُ تَخْضَعُ لَنَا بِاسْمِكَ”. صحح لهم هذا الشعور وقال لهم: “لاَ تَفْرَحُوا بِهَذَا أَنَّ الأَرْوَاحَ تَخْضَعُ لَكُمْ بَلِ افْرَحُوا بِالْحَرِيِّ أَنَّ أَسْمَاءَكُمْ كُتِبَتْ فِي السَّمَاوَاتِ” (لو10: 17، 20).
إنها فترة من التدريب عاشها التلاميذ تحت إرشاد المعلم العظيم، واستفادوا منها، فصححت ما عندهم من مشاعر.
كل السنوات الثلاث التي عاشوها مع المسيح كانت فترات تدريب.
*القديس موسى الأسود كان في بدء حياته عنيفًا جدًا، بل كان قاتلًا. ولما وصل إلى الدير خاف الرهبان منه. ولكنه خضع لتدريب طويل تحت يد القديس الأنبا إيسوذورس. ولم يصل إلى الوداعة مرة واحدة. بل أنه في أيام رهبنته الأولى هجم على قلايته بعض اللصوص، فربطهم بحبل وحملهم إلى معلمه!!
ولكن بمرور الوقت، وبالمثابرة على التدريب، تحوّل موسى القاتل إلى موسى الوديع الهادئ الذي يحتمل الإهانة في اتضاع مبكتًا نفسه، مثلما قال لما طردوه: “حسنًا فعلوا بك يا أسود اللون يا رمادي الجلد. وما دمت لست بإنسان فلماذا تقف مع الناس؟!”.
إنه في فترة تدريبه، كان يُخضع نفسه للتعليم، ويُخضع طباعه للفضيلة. وهكذا كان ينمو شيئًا فشيئًا.
*في الواقع هناك نوعان من الناس: نوع ترفعه النعمة دفعة واحدة إلى فوق. ونوع يقودهم الله بالتدريب خطوة خطوة، حتى يصلوا بعد جهاد طويل إلى ما يريده لهم…
*لقد درب الله أولاده على أمور عديدة: دربهم على الصلاة، وعلى الوداعة، وعلى الخدمة، وعلى كل فروع الفضيلة.
درّب الله داود مثلًا على الصلاة وعلى الاحتمال.
درّبه على الصلاة، وهو يرعى الغنم، ويغني على الناي والعود والمزمار… حتى صار فيما بعد يغني لله ويدعو الناس إلى ذلك بقوله: “سَبِّحوا الرَّبَّ تَسْبيحًا جَديدًا”، وفي ترجمة أخرى “غَنُّوا لِلرَّبِّ أُغْنِيَّةَ جَدِيدَةً” (مز96، 98).
درّبه على الصلاة بالتجارب التي تعرض لها، وبها درّبه أيضًا على الاحتمال.
تركه في يد ملك قاسٍ هو شاول الملك الذي كان يطارده من برية إلى برية، طالبًا قتله. كما جعله يتعرض إلى معارضين أتعبوه مثل يوآب قائد جيشه، وإلى أشخاص خانوه مثل ابنه أبشالوم، ومثل مشيره أخيتوفل، وآخرين مثل شمعي بن جبره. وما أكثر ما صرخ داود قائلًا: “يَا رَبُّ لمَاذَا كَثُرَ الَّذِينَ يُحْزِنُونَني… كَثِيرُونَ يَقُولُونَ لِنَفْسِي: لَيْسَ لَهُ خَلاَصٌ بِإِلَهِهِ” (مز3: 1، 2).
وباحتماله دربه الله أيضًا على الإيمان بعمل الله وباستجابة الصلاة.
فكان يقول أيضًا: “أبْعُدوا عَنِّى يَا جَميعَ فَاعِلي الإثْمِ. لأنَّ الرَّبَّ قَد سَمعَ صَوتَ بُكائِي. الرَّبُّ سَمعَ تَضرُّعِي، الرَّبُّ لِصَلاتِي قَبِلَ. فَلْيَخزَ ولْيضْطَربَ جدًّا جَميعُ أعْدائي، ولْيرتدُّوا إلى ورَائِهِمْ بالخِزْي سَريعًا جِدًّا. هَلِّلُويَا” (مز6: 8- 10).
تدريبات
*بنفس الوضع عليك أن تنظر إلى التجارب كمجال للتدريب الروحي.
بها ترفع عينيك إلى فوق وتقول مع داود: “رَفَعْتُ عَيْنَيَّ إلَي الجِبالِ، مِنْ حَيْثُ يَأتي عَوْني. مَعونَتي مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ، الَّذي صَنَعَ السَّماءَ والأرْضَ” (مز121: 1، 2). بل أيضًا تدرب نفسك على انتظار الرب، وعدم اليأس من طول الانتظار، قائلًا مع المرتل في المزمور: “اِنْتظَرَتْ نَفسي الرّبَّ مِن مَحرسَ الصُبّحِ إِلىَ الْلَيلِ” (مز130: 6).
*درب نفسك على الفضائل التي تنقصك، على أن يكون التدريب في مستوى قدرتك، وتثبت فيه حتى يستقر في حياتك.
*وهنا نسأل: كيف دربت الكنيسة أولادها؟
دربتهم منذ العصر الرسولي على حياة الاستشهاد: أولًا بتدريبهم على عدم محبة العالم والأشياء التي في العالم، لأن العالم يبيد وشهوته معه (1يو2: 15 – 17). كما درّبتهم على الإيمان بالحياة الأخرى. وأن الاستشهاد ما هو إلا لحظة، يكونون بعدها في الفردوس مع المسيح.
وهكذا دربتهم على حياة النسك، وأن يكون “الَّذِينَ يَسْتَعْمِلُونَ هَذَا الْعَالَمَ كَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَعْمِلُونَهُ” (1كو7: 31).
والكنيسة أيضًا دربت أولادها على الصوم، وعلى الصلاة.
فوضعت لهم أصوامًا يصوم فيها الشعب كله، ويتدربون في الصوم على ضبط النفس، وعلى الزهد في الماديات.
ودربتهم على الصلاة، بأن وضعت لهم الصلوات السبع. فلا تمض عليهم ساعتان أو ثلاث بدون صلاة. وهكذا ينشغل فكرهم كل حين مع الله.
وأخيرًا أحب أن أقول لك عن التدريب على الفضائل.
إن الثبات في الفضائل أهم بكثير من مجرد اقتنائها.
والفضيلة التي لا تثبت فيها مدة طويلة، كأنك لم تحصل عليها بعد. لأن الزمن هو المحك العملي لمعرفة عمق الفضيلة فيك.
[1] مقالة لقداسة البابا شنوده الثالث: أهمية التداريب، بمجلة الكرازة: 7/ 11 /1997


