ألـوان مـن المـحبة

أريد أن أكلمكم في هذه المحاضرة عن أنواع كثيرة من المحبة… ما هي المحبة؟ وما أنواعها؟ وما هي درجاتها؟ وما هو المقبول منها
ألـوان مـن المـحبة1
الله والمحبة الإلهية:
† المحبة هي الله. الله محبة. وكما يقول الكتاب “الله محبة. من يثبت في المحبة، يثبت في الله، والله فيه”. في البدء كانت المحبة، كان الله منذ الأزل، قبل الكون. وبهذا الحب خلق الله الكون. خلق الملائكة وأحبهم، وخلق البشر وأحبهم. وكما أحب الله خلائقه، أحبته خلائقه أيضًا…
أحب الإنسان الله، ولم يكن له حب غير هذا. هذه هي المحبة الإلهية. آدم قبل خلق حواء، كانت محبته مركزة في الله وحده.
المحبة الروحية:
ثم خلق الله حواء، معينًا لآدم، وعرف آدم في علاقته بها قبل الخطية، لونًا آخر من المحبة هو المحبة الروحية. لم يكن الجسد قد بدأ دوره بعد، وكانت محبة آدم لحواء محبة روحية تشبه محبة الأخ لأخيه، والأب لابنه، والصديق لصديقه، ومثل محبة الملائكة للبشر.
وبالمحبة الروحية التي كانت بين آدم وحواء قبل الخطية، بدأ الإنسان يحب الإنسان إلى جوار محبته لله، دون تعارض، ودون أن تنقص إحدى المحبتين شيئًا من الأخرى.
ثلاثة أنواع أخرى من المحبة:
† ثم سقط الإنسان، وبسقوطه وقع في ثلاثة أنواع أخرى من المحبة، يمكن أن تبعده عن محبة الله، ثلاثة أنواع من المحبة لا هي إلهية، ولا هي روحية، فماذا كانت؟
1– محبة الذات، إذ اشتهى لذاته أن تكبر “وتصير مثل الله”.
2– محبة المادة، إذ اشتهى ثمرة الشجرة ووجدها “بهجة للعيون”.
3– محبة الجسد، إذ تفتحت عيناه، وفقد براءته، وخضع لشهوة الجسد، والجنس.
وهكذا وقع الإنسان في محبة العالم بكل أعماقها، كما قال عنها الرسول: “إنها شهوة الجسد، وشهوة العين، وتعظم المعيشة”. لم تكن عنده هذه الأمور من قبل: لم يكن يحارب قبلًا بمحبة الذات في تعظم المعيشة، لم يكن يشتهي أن يكبر. لم يكن أيضًا محاربًا بمحبة المادة. كان ينظر إلى جميع الأشجار في بساطة دون أن يجد إحداها “شهية للنظر، وجيدة للأكل، وبهجة العين”. كذلك لم يكن يعرف شهوة الجسد. كان عريانًا وينظر إلى رفيقه العريان، دون خجل أو شهوة.
ومن ذلك الحين، والإنسان تتنازعه هذه الأنواع الخمس من المحبة: المحبة الإلهية، والمحبة الروحية، ومحبة الذات، ومحبة الجسد، ومحبة المادة.
وحياة الإنسان الروحية ما هي إلا جهاد متواصل يتنقى فيه من أنواع المحبة الخاطئة، لكي يثبت في المحبة الإلهية…
حدود المحبة البشرية الطاهرة:
حتى المحبة البشرية الطاهرة بكل أنواعها، وضع لها الرب حدودًا، فقال “من أحب أبًا أو أمًا أكثر مني فلا يستحقني، ومن أحب ابنًا أو ابنة أكثر مني فلا يستحقني” (متى10: 37).
المحبة الإلهية، هي الأول والأهم، وتشمل القلب كله.
وهكذا قال الكتاب: “تحب الرب إلهك من كل قلبك، ومن كل نفسك، ومن كل قوتك” (تث6: 5). وبعد ذلك تأتي المحبة البشرية الطاهرة، محبة القريب: “تحب قريبك كنفسك”.
ولكن على شرط أن هذه المحبة لا تزيد على محبة الله، ولا تتعارض مع محبة الله.
كل محبة طاهرة نحبها للناس، ينبغي أن تكون داخل محبة الله، ليست منفصلة عنها، وليست إلى جوارها، وإنما داخلها…
بالنسبة إلى أهل العالم كان الشيطان يحاربهم بالجسد أو المادة أو الذات. مثلما حارب العالم قبل الطوفان حين “رأى أولاد الله بنات الناس أنهن حسنات” (تك6: 2) ومثل كل حروب الجسد التي لا تحصى. كذلك حروب المادة، مثل محبة المال، ومحبة القنية..
أما أولاد الله، فعندما يريد الله أن يجربهم إنما يمتحنهم في المحبة الطاهرة الروحية، مثلما اختبر الله إبراهيم في محبته لابنه…
أراد الله أن يرى هل محبة الأب لابنه، هذه المحبة الطاهرة، المحبة الطبيعية، وليست للابن فقط، وإنما بالأكثر للابن الوحيد، ابن المواعيد ابن الشيخوخة، الذي انتظره الأب سنوات طويلة، هل هذه المحبة يمكن أن تفوق محبته لله، ويمكن أن يعصي الله بسببها إن طلب إليه أن يرفع سكينه على هذا الابن، ويقدمه محرقة…؟! إن إبراهيم أبا الآباء أثبت أن محبة الله في قلبه تفوق كل محبة أخرى، مهما كانت طاهرة وروحية وطبيعية… بهذا الوضع، وبنسبة أقل بكثير، أخذت حنة ابنها صموئيل، ابنها الوحيد، الذي ولدته بعد عقم، ابن الصلوات والدموع، وقدمته عارية للرب، يخدم الرب كل أيامه، وأثبتت أن محبتها لله أكثر.
أن محبتنا للناس في الخدمة هي محبة إلهية. نحن نحب الله، ونريدهم أن يحبوه كما نحبه وأكثر، نريد أن ندخل الله في قلوبهم، لأننا نحب الله ونحب ملكوته…
فلنختبر محبتنا:
كثيرا ما تظن أم أنها تحب ابنها محبة حقيقية! ولكن يعوزها أن تعرف: هل هذه محبة روحية كجزء من محبتها لله؟ أم هي مجرد محبة طبيعية؟ أم هي محبة لذاتها هي…؟!
إنها تحب ابنها: تطعمه وتلبسه وتسمنه وتربيه وتعلمه وتزوجه… ولكنها في كل ذلك لم تظهر محبتها الروحية له، ولم تظهر محبتها لله فيه، ولم تهتم بروحه وأبديته… إنها محبة الدم للدم، محبة طبيعية ولكنها لم تصل بعد إلى المستوى الروحي!
وقد تختبر محبة لابنها عندما يطلب أن يخصص للرب كاهنًا أو راهبًا… فإذا رفضت أن تعطيه للرب، ووقفت في طريقه الروحي، فماذا نسمي محبتها إذن؟ ألا تكون مجرد محبة للذات، الذات التي لا تريد أن تتنازل عن ملكيتها، حتى لو كان هذا التنازل للرب نفسه…!!
من أعظم الأمثلة في محبة الأم، ما عملته أم موسى لابنها…
في سنوات الطفولة القليلة ثبتت محبة الله في قلبه، ولقنته معرفة الله بطريقة استطاع بها أن يصمد أما العبادات المصرية القديمة في قصر فرعون مدى 40 عامًا…!!
إنها محبة الأم التي تكون إشبينة لابنها، وليست مجرد مربية تدلله لتكسب محبته، ولو على حساب محبة الله…
ما أكثر الأمهات اللائي يفسدن أولادهن تحت اسم الحب والعطف والتدليل. وقد يساعدن الأولاد على هذا الفساد بالمال، وقد يخفين عن الأب حقيقة الابن وطيشه، بل قد يكذبن، وكل ذلك باسم الحب… إن رفقة كادت تضيع ابنها يعقوب من فرط محبتها الزائدة له، وأوقعته بمحبتها في خطايا كثيرة…
لذلك علينا أن نختبر محبتنا، ما نوعها؟ في صدق وتدقيق…
فإن كنت حقًا تحب الله، اِسأل نفسك:
هل تحب الجلوس معه، والحديث إليه، والتأمل فيه…؟
هل تشتاق إليه كما تشتاق الأرض العطشانة إلى الماء؟
هل تفضله على كل محبة أخرى، وعلى كل لذة أخرى؟
لذلك كان أعمق الناس محبة لله، هم الذين سعوا إلى محبته واكتفوا بها، وفضلوها على الكل…
أولئك الذين من أجل الله تركوا الأهل والأحباب، وتركوا كل شيء، ولم يحبوا العالم ولا الأشياء التي في العالم، من أجل عظم محبتهم للملك المسيح. ومن أمثلة هؤلاء، الرهبان والمتوحدين والسواح الذين لم يجعلوا في قلوبهم ولا في أفكارهم سوى الله وحده، الذي صار لهم الكل في الكل.
ويشبه المتوحدين والسواح في محبتهم لله، أو يفوقهم، الشهداء لأنهم لم يتركوا فقط كل شيء من أجل الله، إنما تركوا الحياة أيضًا من أجله، بكل ما فيها…
من الذين تملك أيضًا المحبة الإلهية على قلوبهم، الرعاة والخدام، الذين يبذلون ذواتهم من أجل بناء ملكوت الله، يضحون بكل راحتهم، وكل وقتهم، وكل جهدهم من أجل أن يدخلوا محبة الله في قلوب الناس…
المحبة الإلهية في عمقها، هي المحبة الذين تفرغوا لله، قلبًا ووقتًا وصارت محبة الله هي شغلهم الشاغل.
يفكرون في الله، يتحدثون إلى الله، يستمتعون بالله، ينفردون بالله، ينشغلون بالله ليس لهم عمل سوى الله وحده. وليست لهم شهوة سوى الله وحده… فهل أنت كذلك أم لك شهوات أخرى ورغبات ومشغوليات رديه كانت أم غير رديه…؟!
الإنسان إذا دخل في الروحيات، لا تصبح له شهوة ولا رغبة ولا طلبة سوى الله وحده، الله ساكنًا في قلبه وفي قلوب الناس…
وعمل هذا الإنسان هو أن يغربل جميع المحبات التي في قلبه، ولا يستبقي سوى الله، وداخل الله يجد كل محبة أخرى.
يحتاج الأمر منا إلى إعادة تقييم الأمور. الذي يحب الله، يعطي كل القيمة لمحبة الله، وتفقد باقي الأمور قيمتها.
يقول مع بولس الرسول “خسرت كل الأشياء، وأنا أحسبها نفاية، لكي أربح المسيح”. ومثل موسى النبي الذي “حسب عار المسيح غنى أفضل من كل خزائن فرعون.
نحتاج أيضًا إن نتخلص من محبة الذات، لأنها كثيرًا ما تشغلنا عن محبة الله. وإن فكرنا فيها، نهتم كيف تصير ذاتنا صورة لله وهيكلًا لله…
حقاً إننا بعدنا عن الهدف الحقيقي للحياة، واخترنا لنا أهدافًا أخرى عالمية. أصبحنا نهتم بما سنتركه، ولا نهتم بما سنلقاه. العالم كله سنتركه. فلماذا ننشغل به؟!
ليتنا نراجع المحبة التي في قلوبنا. ننقيها، ونفرغها لله، وننمو فيها يومًا بعد يوم. ونهتم بالمحبة الإلهية أكثر من الكل…
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السادسة (العدد الثامن والعشرون) 11-7-1975م




