أقع في يد الله ولا أقع في يد إنسان

من المحاضرات الروحية بالقاعة المرقسية بالأنبا رويس بالعباسية
بناًء على طلب الكثيرين: نتابع هنا نشر تلخيص لبعض المحاضرات التي تلقى مساء كل جمعة بقاعة الأنبا رويس مع إجابة بعض الأسئلة ريثما يتم طبعها مفصلة قريبًا إن شاء الله.
أقع في يد الله ولا أقع في يد إنسان1
(2صم24: 14)
1- داود والعقوبات الثلاث
أخطأ داود الملك عندما عد الشعب. فجاء إليه جاد النبي يخبره بعقوبة فعله قائلًا: “هكذا قال الرب: ثلاثة أنا عارض عليك، فاختر لنفسك واحدًا منها… أتأتى عليك سبع سني جوع في أرضك، أم تهرب ثلاثة أشهر أمام أعدائك وهم يتبعونك، أم يكون ثلاثة أيام وباء في أرضك”… أما داود الحكيم فلما ضاق به الأمر جدًا قال عبارته الخالدة: “أقع في يد الرب، لأن مراحمه كثيرة ولا أقع في يد إنسان”.
2- أخوة وقعوا في أيدي إخوتهم!!
نعم ما أصعب أن يقع إنسان في يد إنسان… يفتك به بلا رحمة!! من بدء التاريخ البشري، وهذه القصة تتكرر يومًا بعد يوم…
منذ أن وقع هابيل البار في يد أخيه قايين، فقتله، ولم يستح أن يواجه الله بلا خجل قائلًا: ” أحارس أنا لأخي؟”!! منذ ذلك الحين والبشر يخافون البشر… حتى قايين نفسه ارتعب وهو يقول: “أكون تائهًا وهاربًا في الأرض، فيكون كل من وجدني يقتلني” (تك4 :14) …
ويعقوب أبو الآباء عاش هو أيضًا مرتعبًا من أخيه عيسو الذي قال في قلبه: “أقتل يعقوب أخي” (تك27: 41) وبلغ الرعب بيعقوب أنه – بعد رؤى ومواعيد كثيرة من الله – يصرخ إلى الله قائلًا: “نجني من يد أخي، من يد عيسو لأني خائف منه أن يأتي ويضربني الأم مع البنين” (تك 32: 11) … ولما رأى أخاه مقبلًا، تقدم وسجد إلى الأرض سبع مرات حتى اقترب إليه (تك33: 3). كما تقدمت جاريتاه وإمرأتاه وجميع أولاده، وسجد الكل له استعطافًا…
يعقوب يقع في يد الله، فيصارع الله، ويغلب، ويأخذ المواعيد، ويرى رؤى، ويبصر ملائكة… ولكنه يلقى أخاه فيرتعب، ويسجد إلى الأرض سبع مرات ويرسل عبيده قدامه بالهدايا مستعطفين… ويصرخ إلى الله، نجني من يد أخي”…
حقًا “أقع في يد الله، لأن مراحم الرب واسعة. ولا أقع في يد إنسان”.
يوسف الصديق أيضًا، نعرف كلنا ماذا لاقى من إخوته… وقع في أيدي إخوته، فأمسكوه كوحوش، وألقوه في البئر، واخرجوه ليبيعوه كعبد… أما عندما وقع في يد الله، فإنه حافظ عليه في غربته، وأنقذه من كل شر، وقلده حكم مصر…
إنها قصه متكررة… ذكرتني بقول الشاعر العربي:
عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى
وصــــوَّت إنســــان فـــكدت أطــــير
3- المرأة التي ضُبطت في ذات الفعل
المرأة الخاطئة التي ضبطت في ذات الفعل، وقعت في أيدي الناس، في أيدي أناس متمسكين بالدين، يفترض فيهم الرحمة، فماذا فعلوا بها؟ أشبعوها إهانة وفضيحة وجروها إلى السيد المسيح طالبين تنفيذ الشريعة، أي القضاء برجمها… محاولين تبرير قسوتهم بآية من الناموس!!
هؤلاء الخطاة الأنجاس، الذين يشبهونها في الوقوع تحت حكم الموت، طلبوا لها الموت! أما عندما وقعت في يد الرب القدوس الطاهر الذي رائحة الخطية كريهة جدًا أمامه، فإنه أنقذها منهم، وأخجلهم جميعا قائلًا لهم: “من كان منكم بلا خطية فليرمها أولًا بحجر”. ولما انسحبوا كلهم تاركين المرأة في يد الرب، التفت إليها وفي قلبه عطف عميق عليها وهي ذليلة مسكينة قدامه. وسألها: “أين هم أولئك المشتكون عليك؟” أما دانك أحد؟” فقالت: “لا أحد يا سيد”. فقال لها: “ولا أنا أدينك، اذهبي ولا تخطئي أيضًا” (يو8: 3- 11).
ما أعجب هذا الكلام! ديان الأرض كلها، الذي سيدين المسكونة كلها بالعدل يقول: “ولا أنا أدينك”… بينما يطلب لها الرجم جماعة من الخطاة!! حقًا “أقع في يد الله، لأن مراحم الرب واسعة، ولا أقع في يد إنسان”…
4– أخ غاضب لرجوع أخيه!!
عندما وقع الابن الضال في يد الأب عامله بكل رفق: طلب نصيبه في الميراث فلم يعاتبه، بل أعطاه ميراثه وهو عالم أنه سيضيعه في عيش مسرف. وتركه على حريته يسافر إلى كورة بعيدة، مانحًا إياه حرية يستطيع بها أن يكسر وصاياه!! ولما رجع الابن جائعًا محتاجًا، لم يذله الأب، ولم ينتظره داخل البيت حتى يطرق بابه ذليلًا، بل “وَإِذْ كَانَ لَمْ يَزَلْ بَعِيدًا رَآهُ أَبُوهُ، فَتَحَنَّنَ وَرَكَضَ وَوَقَعَ عَلَى عُنُقِهِ وَقَبَّلَهُ “(لو15: 20). أظهر له هذا الحنو، قبل أن يسمع منه كلمة اعتذار واحدة. حتى أنه من فرط الحنو، لم يستطع الابن أن يقول عبارة: “اِجْعَلْنِي كَأَحَدِ أَجْرَائكَ” التي كان مزمعًا أن يقولها! ولم يكتف الأب بهذا، بل ألبسه الحلة الأولى، وجعل خاتمًا في يده، وحذاء في قدميه، وذبح له العجل المسمن، وأقام وليمة فرحًا برجوعه.
وسط كل ذلك نبحث عن عقوبة وقعت على هذا الابن الضال مقابل كل ما فعل، فلا نجد… نبحث عن عبارة توبيخ واحدة أو حتى كلمة عتاب سمعها فلا نجد… إنما حنو على طول الخط!!
هذا الابن وقع في يد أخيه، فيا لهول ما حدث!
غضب الابن الكبير، ورفض أن يدخل، حتى اضطر الأب أن يخرج متوسلًا إليه. لم يراع شعور أخيه، ولم يقدر نفسيته الكسيرة، ولم يهتم بتعكير صفو الحفل المقام. بل حاول أن يهيج شعور الأب على أخيه، متملصًا من إخوته، متهمًا إياه بشر الاتهامات. وذلك بقوله: “ابنك هذا” (ولم يقل أخي). الذي أكل معيشتك مع الزواني (مع أن الكتاب لم يذكر هذه التهمة، بل قال فقط: أنه بذر ماله بعيش مسرف”!). كذلك أقام هذا الأخ مقارنة كلها محبة للذات، مؤداها أن في الفرح بأخيه ظلمًا له وسوء معاملة!!
حقًا صدق داود حينما قال: “أقع في يد الله، لأن مراحم الرب واسعة، ولا أقع في يد إنسان”.
5- بين يدي المسيح ويدي الفريسي
تلك المرأة الخاطئة التي بللت قدمي المسيح بدموعها ومسحتهما بشعر رأسها، وقعت في يدي سمعان الفريسي المتكبر، فنظر إليها باشمئزاز، وشك في المسيح بسببها. قائلًا في قلبه: “لو كان هذا نبيًا لعلم من هذه المرأة وما حالها. إنها لخاطئة”(لو7: 39).
تصرف الفريسي هكذا، مع أنه هو نفسه كانت له أخطاؤه. مع أنه لم يقم بواجب الإكرام نحو الرب كعادة المضيفين: لم يقبله، ولا قدم ماء لرجليه، ولا زيتًا لرأسه… وكان مديونًا للرب كالمرأة التي دانها…
أما الرب، فلما وقعت المرأة في يديه، خلصها من دينونة الفريسي، ووبخه لأجلها، وغفر لها، وامتدحها لأنها أحبت كثيرًا. وقال لها: “إيمانك خلصك اذهبي بسلام”.
6- لستما تعلمان من أي روح أنتما
ولماذا نتكلم عن الناس الأشرار مثل قايين وعيسو وأخوه يوسف والكتبة والفريسيون… بل حتى الرسل أنفسهم انطبقت عليهم نفس القاعدة…
رفضت قرية للسامريين أن تقبل الرب لأن وجهه كان متجهًا نحو أورشليم. فأغتاظ التلاميذ، وقال يعقوب ويوحنا للرب “أتريد أن تقول أن تنزل نار من السماء فتفنيهم” (لو9: 54). هذه القرية وقعت في أيدي تلميذين للرب فطلبا لها الأفناء، أما إلهنا الحنون الطيب، فانتهر تلميذيه قائلًا: “لستما تعلمان من أي روح أنتما، لأن إبن الإنسان لم يأتي ليهلك أنفس الناس بل ليخلص“.
مبارك أنت يارب في يديك الشفوقتين حتى على طارديك. أقع في يديك، ولا أقع في يد إنسان، لأن مراحمك واسعة.
حتى الأطفال عندما وقعوا في أيدي رسلك وانتهروهم مبعدين إياهم عنك، قربتهم إليك، وقلت: “دعوا الأطفال يأتون إليَّ ولاتمنعوهم، لأن لمثل هؤلاء ملكوت السموات”. والأعميان اللذان صاحا طالبين رحمتك، لما أبعدوهما قربتهما كذلك وشفيتهما…
7- كل الذين وقعوا في يديك
أنت حنون أيها السيد الرب وصالح، كل المنبوذين والمحتقرين من الناس والمطرودين كانوا يجدون الحنو عندك.
المولود أعمى لما طردوه خارجًا، وفيما هو خارج وجده يسوع، ودعاه إلى الإيمان. والعشارون المنبوذون من قادة الشعب، جعلت أحدهم رسولًا، وقبلت رئيسهم زكا. وفضلت العشار على الفريسي. والسامريون قبلتهم، وفضلت السامري الصالح على الكاهن واللاوي. والأمم قبلتهم وقلت: “إنك لم تجد في إسرائيل كله إيمانًا كهذا”.
مبارك أنت في كل عطفك على من تقسو عليه يد أخيه الإنسان.
هناك قوم يقولون للمضروب: “لا تبك دون أن يقولوا للضارب لا تضرب”!!!
- مقال لنيافة الأنبا شنوده أسقف التعليم – مجلة الكرازة السنة الثانية –العدد السادس – أغسطس 1966




