أعضاء في جسد واحد

أعضاء في جسد واحد[1]
يقول الرسول: “كَمَا قَسَمَ اللهُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِقْدَارًا مِنَ الإِيمَانِ. فَإِنَّهُ كَمَا فِي جَسَدٍ وَاحِدٍ لَنَا أَعْضَاءٌ كَثِيرَةٌ وَلَكِنْ لَيْسَ جَمِيعُ الأَعْضَاءِ لَهَا عَمَلٌ وَاحِدٌ. هَكَذَا نَحْنُ الْكَثِيرِينَ: جَسَدٌ وَاحِدٌ فِي الْمَسِيحِ وَأَعْضَاءٌ بَعْضًا لِبَعْضٍ كُلُّ وَاحِدٍ لِلآخَرِ. وَلَكِنْ لَنَا مَوَاهِبُ مُخْتَلِفَةٌ. (رو12: 3- 6).
كلنا أعضاء في جسد واحد، هو الكنيسة. كل واحد فينا أعطاه الرب وضعًا معينًا، ومسؤلية معينة يقوم بها. وإن قام كل منا بعمله، استقام عمل الكنيسة كلها، ولكن …
يحدث أحيانًا أن يعجب إنسان بوضعه، فينتقد الآخرين لأنهم ليسوا مثله. أو يسخط إنسان على وضعه، ويتذمر طالبًا تغييره!
وكل من الأمرين خاطئ. وكلاهما ضد التدبير الإلهي…
فالذي يعجبه عمله، ويود أن يعمل الكل مثله، وإلا انتقدهم واستصغر أعمالهم، هذا ينسى أن الجسد الواحد فيه أعضاء كثيرة متنوعة العمل، وكل منها لازم لقيام الجسد.
خادم مثلًا في التربية الكنسية، يؤمن بأهمية التعليم في الكنيسة، وبأهمية تعليم الأطفال، وبأهمية العمل الروحي.. ولكنه لا يقف عند هذا الحد… إنما ينتقد عمل أعضاء مجلس الكنيسة، لأنهم يقومون بأعمال إدارية ومالية وبمشروعات، وهو لا يوافق إلا على العمل الروحي…! وفي هذا أيضًا يستصغر العمل الطقسي للشمامسة، وعمل الخدمة الاجتماعية، وعمل الجمعيات القبطية، وينسى قول الرسول: “لاَ تَقْدِرُ الْعَيْنُ أَنْ تَقُولَ لِلْيَدِ: لاَ حَاجَةَ لِي إِلَيْكِ. أَوِ الرَّأْسُ أَيْضًا لِلرِّجْلَيْنِ: لاَ حَاجَةَ لِي إِلَيْكُمَا.. لَوْ كَانَ جَمِيعُهَا عُضْوًا وَاحِدًا أَيْنَ الْجَسَدُ؟” (1كو12: 19- 21).
هذا الخادم – للأسف – يعتبر الباقين غير روحيين…!
وبنظرته هذه الخاطئة، يقع في الكبرياء والاعتداد بالذات، كما يقع أيضًا في إدانة الآخرين، وفي عدم فهم التدبير الإلهي.
هل كل من لا يعمل مثلك، يكون ناقصًا ومخطئًا؟!
هل كل من لا يسير بأسلوبك، يكون غير روحي؟!
الكنيسة تحتاج إلى هذا وذاك، والمجتمع يحتاج إلى كليهما.
هل إن أحب إنسان الرهبنة والبتولية، يود أن يكون جميع الروحانيين رهبانًا وبتوليين، وإلا انتقدهم، وحزن عليهم، ونظر إليهم كما لو كانوا ناقصين! كيف تتفق هذه الكبرياء، مع كوننا “أعضاء كثيرين” لجسد واحد، بأعمال متنوعة؟!
أو إنسان له طبع معين، يريد الكل هكذا، أو انتقدهم!
إنسان له غيرة مشتعلة، وطبع ناري كطبع إيليا، أتراه يريد أن يكون الناس جميعهم مثله، وإلا تعرضوا لمذمته…! وهكذا ينتقد هذا (الناري) كل إنسان وديع هاديء مسالم، ويعتبر وداعته لونًا من طراوة الطبع!!…
كلا، ليس هذا هو تعليم الكتاب. ولم يخلق الله الناس بطبع واحد، ولا جعل الجنة من ثمر واحد، وإنما من “كُلِّ نَوْعِ ثَمَرٍ” (جا2: 5).
وملكوت الله يلزمه الغيور، كما يلزمه الوديع. تلزمه اليد البانية، كما يلزمه العقل المفكر. يلزمه مقلاع داود وسيفه، كما تلزمه مزامير داود وأغانيه وموسيقاه… الكل يستخدمه الله.
وحسبما قسم الله لكل واحد نصيبًا من الإيمان…
وعلى جبل التجلي، أعطانا الرب مثالًا لاحتوائه الكل:
حول الرب يسوع، أضاء موسى وإيليا، وتجلت طبيعتهما معه: إيليا كان بتولًا، وموسى تزوج بأكثر من واحدة، وكلاهما حول المسيح. إيليا كان ناريًا في طبعه، وموسى “كَانَ حَلِيمًا جِدًّا أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ الذِينَ عَلى وَجْهِ الأَرْضِ” (عدد12: 3).
إيليا الذي مثل حياة الوحدة على الجبل، وموسى القائد الذي يقود مئات الآلاف من الناس… إيليا الذي ينزل نارًا من السماء فتأكل الخمسين، وموسى الذي يتشفع في المخطئين.
كل منهما تجلى بالنور، على الرغم من إختلاف طبعيهما.
والرب قد استخدم موسى، كما استخدم إيليا. لم يتغير طبع أحد منهما، بل قدسه واستخدمه لملكوته.
قد تكون أنت قدمًا، تسعى في افتقاد الناس. وقد يكون غيرك يدًا يعطي معونة أو يعمل عملًا. وقد يكون ثالثكما عقلًا مفكرًا، ورابعكم روحًا هائمًا. وقد يكون خامسكم مجرد قلب، يعطي العاطفة والحب. والكل لازم لملكوت الله. الكل أعضاء في جسد واحد، ليست فقط في تعاونها في العمل لأجل الملكوت، إنما أيضًا في عملها لأجل بعضها البعض…
إن كان الأمر هكذا، إفرح إذن بالعمل الذي أراده الرب لك، ولا تتذمر، طالبًا أن يكون لك عمل غيرك…
ليس المهم هو نوع العمل الذي تقوم به، وإنما مدى إتقانك لهذا العمل، وأمانتك فيه وكذلك ليس مهمًا إعجابك بعمل معين تقوم به، إنما المهم تكليف الله لك…
لا تقل: لو كنت في المنصب الفلاني، لفعلت وفعلت… إنما إتقن ما بيديك، ولا تشته مسؤلية غيرك. ولا تشته أن تكون رأسًا، فإن مجموعة رؤوس لا يمكن أن، تكون جسدًا صحيحًا متكاملًا. لا بد من باقي الأعضاء…
لا ترتئي فوق ما ينبغي، بل ترتئي إلى التعقل، حسبما قسم الله لك مقدارًا من الإيمان.
كان ممكنًا لله أن يخلق العالم من نوعية واحدة، ومن مستوى واحد، ولكنه لم يفعل، لأن الخير في التنوع.
في العالم مستويات من السن، وفيه تنوع في الجنس: رجل وامرأة، وتنوع في الشكل وفي الذكاء وفي المواهب، كذلك يوجد في المسئوليات، حسبما قسم الله لكل واحد.
وكل إنسان في الدنيا، قد يرضي الله بطريقة خاصة:
واحد يرضيه بحياة التأمل، وآخر بحياة الخدمة. واحد أعطاه الله قلبًا مملوءًا من الحب، وآخر أعطاه الله طاقة جبارة في العمل. فهذا يساهم في الملكوت بعاطفته، وذاك بجهده. وكل منهما لازم لملكوت الله. والله يسر بهذا، كما يسر بذاك.
إنهما لا يختلفان، بل يتنوعان. وكل منهما يكمل الآخر
نحن عضوان في جسد واحد. أنا عين وأنت أُذن.. أنت ترى بي وأنا أسمع بك، أنا عينك، وأنت أذني. لسنا غريبين عن بعضنا البعض، ولا مختلفين عن بعضنا البعض. إنما كما قال الرسول: “أَعْضَاءٌ بَعْضًا لِبَعْضٍ” (رو12: 5).
ومن هنا تقوم رابطة الحب بين أعضاء الجسد الواحد.
لا يستطيع عضو أن يستغنى عن عضو آخر. الكل يعمل في ترابط وتعاون وتكامل. وإن تألم عضو، تألمت معه باقي الأعضاء. تجمعهم رابطة الجسد الواحد. هكذا كل المؤمنين في الكنيسة.
كل واحد يعمل، حسب الدور الذي أسنده الله إليه، وحسب الطاقات التي منحها الله له. لا يغير دوره، إنما يتقن دوره. وفي اليوم الأخير سيحاسب الله كل أحد، حسب قلبه، حسب نيته الطيبة، ومقدار عزيمته وإرادته وإخلاصه وجهده…
بهذا ننجو من إنتقاد الآخرين، ومن إدانتهم، ومحاولة تغيير أوضاعهم
المرأة التي سكبت الطيب على قدمي المسيح، انتقدها التلاميذ، وقالوا: “لماذا هذا الإتلاف؟!” لأنهم أرادوا أن تتصرف بعقليتهم هم وبمشاعرهم، وبدلًا من عملها هذا تعطي الثمن للفقراء!!
أما السيد المسيح، فقال للتلاميذ: “لِمَاذَا تُزْعِجُونَ الْمَرْأَةَ؟ فَإِنَّهَا قَدْ عَمِلَتْ بِي عَمَلاً حَسَنًا!” (مت26: 10). لقد حكم عليها الرب بحسب مشاعرها الخاصة، بحسب فهمها، حسبما وهب الله مقدارًا من الإيمان.
عيبنا هنا، إننا نريد أن نلغي شخصيات الآخرين، ونجعلهم يفكرون بعقولنا نحن، ويشعرون كما نشعر، وإلا انتقدناهم بكل شدة!!
لا شك أنه توجد مقاييس ثابتة للخير والشر، لتمييز ما ينبغي وما لا ينبغي. ولسنا عن هذه نتكلم. إنما نقصد هنا عملين، قد يكون كلاهما خيرًا، وقد يكونان مقبولين تمامًا أمام الله، ولكن حماس إنسان لأحدهما يجعله ينتقد الآخر! كما في موضوع (الزواج والبتولية)، وموضوع (حياة الصلاة وحياة التأمل).
لا يقل خدام الكنيسة: لماذا يجلس الرهبان هكذا كسالى في الأديرة! فلينزلوا ويخدموا، فنحن محتاجون إلى خدمتهم…! ولا يقل الرهبان: لماذا يتوه هؤلاء الخدام في دوامة من المشغوليات يضيعون فيها أنفسهم. فليتركوا كل شيء، ليحيوا حياة السكون!
ما أجمل أن نترك كل واحد يسلك حسبما وهب الله مقدارًا من الإيمان، حسب طبيعته الخاصة، وحسب مكونات شخصيته، ما دام لا ينحرف عن طريق الخير ووصايا الله.
ونحن هنا نقصد الخير بمعناه المطلق، وليس بمفهومنا الخاص، وهذه النصيحة نتوجه بها إلى المرشدين وآباء الاعتراف:
ليس من الخير أن يجعلوا أبناءهم في الاعتراف صورة منهم، ويصبغوهم بميولهم. إنما يرشدون المعترف للخير، مراعين طبيعته وشخصيته.
أب اعتراف يحب الصمت، يعترف عليه إنسان اجتماعي بطبعه. أيجوز له أن يقوده إلى الصمت، ويحبس شخصيته الاجتماعية! ويمنعه عن الإنطلاق حسب سجيته، ليفعل الخير؟!
نخطئ إن حصرنا الخير في دائرة واحدة لا يتعداها… فدوائر الخير كثيرة لا تُحصى، أمام أصحاب القلوب المتسعة…
العقل الضيق، هو الكثير الانتقاد والانتهار، لأنه لا يرى الخير إلا في دائرة ضيقة لا يتعداها فهمه! أما العقل المتسع، فإنه يحاول أن يتفهم وجهات نظر الآخرين، ويكتشف نواياهم… وهنا يلتقي مع الآخرين، ينفتح لهم، وينفتحون له. وقد يختلفون معه في الوسيلة، ويتفقون معه تمامًا في المبدأ والهدف…
إننا أعضاء بعضنا لبعض، نكمل بعضنا بعضًا…
حزم الأب لازم، وعطف الأم لازم، يكمل بعضهما بعضًا… الأم لا تنتقد الأب على حزمه، وهو لا ينتقدها في طيبتها. وبتعاون قلبها المحب، مع إرادته المدبرة، تكمل تربية الأولاد…
إن عرفنا هذا، عشنا في سلام مع بعضنا البعض…
والله في سمائه، يستخدم من أجل بناء ملكوته، كل هذا النوع الموجود في الكون، بعد أن يقدسه ويباركه…
[1] مقالة لقداسة البابا شنوده الثالث: أعضاء في جسد واحد، بمجلة الكرازة 8/ 8/ 1980





