أسباب لترك المحبة الأولى

نتابع في هذه المحاضرة أحاديثنا عن الأسباب الخاصة بقول الرب: “عندي عليك أنك تركت محبتك الأولى”.
ولعل من أسباب فتور الأولى: روتينية الحياة الروحية، وتوقف نموها، وتسيب الضمير
أسباب لترك المحبة الأولى1
الروتين وعدم النمو:
الإنسان التائب، تملك الحرارة الروحية على قلبه، لشعوره بالفارق الكبير بين حياته في التوبة، وحياته السابقة في الخطية.
يشعر أنه قد بدأ يعرف الله ويعرف طريقه، وشعوره بهذا التغير، يملؤه حرارة. حتى أن بعض الطوائف تسمى هذا التغير (التجديد).
لكن هذه الحياة الجديدة، أن ملكها الروتين، تبرد حرارة القلب.
إن الوتيرة الواحدة، قد تجلب النوم أحيانًا…
فلابد أن تشعر بتغيير مستمر في حياتك، وبحركة فيها.
ولا يكون التغيير ملازمًا فقط للتوبة، وإنما يستمر طول الحياة، يكون تغييرًا إلى أفضل، ونموا، وامتدادًا إلى قدام…
إن التوبة ليست مرحلة تمر بها، إنما هي الحياة كلها… وهكذا التغيير في حياتك… كل يوم تتطور، ومعرفتك بالله تزداد، ومعرفتك بذاتك أيضًا تزداد. فكيف يكون هذا؟
إن الله – في محبته – لا يكشف لك كل خطاياك ونقائصك في بدء توبتك، لئلا تقع في اليأس، وتستصعب الطريق.
لكنه يكشف لك الخطايا البشعة أولًا، فتعترف بها… قد تكون متعبًا من خطية كبيرة، كالزنا أو السرقة أو الكذب أو الشتيمة أو الظلم… وإذ تتخلص منها، تظن أنك قد تبت، وإن حياتك قد تغيرت، وأنك قد عرفت الله…
وفي أثناء ذلك، تنسى خطايا أخرى، ترعى داخلك دون أن تدري… لذلك فالتائب الحكيم يفتش دائمًا داخل نفسه ليكتشف ضعفاتها ونقائصها، ويقدم عنها توبة.
وبهذا التفتيش عن خطاياه الصغيرة، يدخل في حياة التدقيق، وبالتوبة المستمرة، يدخل في حياة الانسحاق، التي تجلب له الحرارة.
مثل هذا الإنسان يداوم باستمرار على إصلاح نفسه، ويداوم على النمو، وتتحول حياته كل يوم إلى أفضل…
إن لم تتقدم كل يوم إلى الأمام، فأنت معرض للرجوع إلى الوراء، إن الحياة الروحية، هي حياة مستمرة في الحركة، لا تتوقف…
خذ مثالًا لذلك، موقف التائب من الصلاة…
قبل التوبة، كنت لا تصلي، فإن عرفت الصلاة، وتوقفت عند هذا الحد، ستبرد حياتك، أما الشخص الروحي فإنه ينمو:
يتدرب على الفهم والتأمل والعمق في الصلاة، وعلى الصلاة بخشوع، سواء خشوع الروح أو الجسد. وأيضًا يتدرب على الصلاة بانسحاق، متذكرًا خطاياه، ثم يعود نفسه الصلاة بعاطفة، وباشتياق إلى الله، وبحب… ويؤنبه ضميره إن فقد أحد هذه العناصر.
كان ضميره يؤنبه سابقًا أن لم يصل، أما الآن فضميره يؤنبه على الرغم من صلاته، لأنها ليست روحانية كما ينبغي.
بعد ذلك يأتي التدرب على الصلاة باستمرار، أثناء العمل، وفي الطريق، وفي كل مقابلة، وفي بدء كل عمل… وتصير الصلاة بجدية، وبقصد، وليست مجرد روتين. ويشعر المصلي بالوجود في حضرة الله، وبالصلة التي تربطه به…
وإذا شغلته الصلاة، تقوده إلى الصمت، لأن الكلام يعطله. والصمت يقوده إلى الخلوة، لأن الوجود مع الناس يحرجه…
ويختبر اللهج الدائم بألفاظ الصلاة، وتبدأ معاني الصلاة تتكشف له، وفي كل مرة يتعرف على تأمل جديد، وتحلو ألفاظ الصلاة في فمه، حتى لا يستطيع أن يترك صلاته.
ومع كل هذا النمو، يشعر كثيرًا بنقصه في الصلاة.
أين هو من صلاة الرسل التي كانت تزعزع المكان، ومن صلاة إيليا التي كانت تفتح السماء، ومن صلاة داود التي كانت تشمل الاستجابة، ومن صلوات القديسين التي كانت تفعل المعجزات؟؟ وأين هو من درجات الصلوات العالية، ومن الدهش في الله…؟!
إن وضعت أمامك برنامجًا حقيقيًا للروحيات في عمقها، تشعر باستمرار أنك في الموازين إلى فوق، لم تصل بعد…
أننا نفقد حرارتنا أحيانًا، لأن مقاييسنا الروحية محدودة…
مجرد مزمورين أو ثلاثة، فيها الكفاية لإراحة ضمائرنا، بل قد تجلب لنا البر الذاتي، بينما تكون صلواتنا سطحية وضعيفة!!
أنك تستطيع أن تشعر بلذة الصلاة، حينما تحب الصلاة أكثر من أي شيء آخر، ويصبح كل شيء تافهًا إلى جوارها،
إن الإنسان الذي يمتد دائمًا إلى قدام، تملكه الحرارة، لأن كثرة الحركة تولد حرارة، والذي لا يتحرك يفتر ويبرد.
ومن الأسباب التي تؤدي إلى الفتور، الاهتمام بالعبادة فقط، مع ترك نقاوة القلب… فكيف ذلك؟
على الرغم من عبادته، قد يوجد في قلبه قليل من كبرياء، أو بر ذاتي، أو نقص في محبة القريب، أو قلة إيمان، أو قلة رجاء.. وهو غير مهتم، ظانًا أن مجرد العبادة تكفي…!
قديمًا، وأنت في العالم، كانت الخطايا الكبيرة تحاربك، أما الآن فتحاربك خطايا تحسبها صغيرة، لذلك قال النشيد “ خُذُوا لَنَا الثَّعَالِبَ، الثَّعَالِبَ الصِّغَارَ الْمُفْسِدَةَ الْكُرُومِ…”.
بل أن بعض الخطايا، قد تلبس ثياب الحملان!!
تأخذ شكل الفضائل، وهي خطايا!! فكيف يحدث هذا؟
الغضب يأخذ صورة الغيرة المقدسة… فيغضب الإنسان ويثور، وقد يشتم وينتهر، ويحتد ويشتد، ويدين الآخرين، ويملأ الدنيا ضجيجًا، ويظن أنه من أجل الله يفعل كل هذا!!
وقد يأتي بآيات تبرر موقفه، حتى لا يوبخه ضميره!
يذكر قول الكتاب ” عِظْ، وَبِّخِ، انْتَهِرْ”. ويذكر أن السيد المسيح أمسك السوط وطهر الهيكل، ويذكر قوله ” وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ”. ويستشهد بقول بولس ” أَيُّهَا الْغَلاَطِيُّونَ الأَغْبِيَاءُ”، وبقول المعمدان ” أَيُّهَا الْحَيَّاتُ أَوْلاَدَ الأَفَاعِي” …
ولا يذكر من الكتاب شيئًا غير هذا…!!
هو في نظر نفسه معمدان جديد، وإيليا جديد، يقول “ لْتَنْزِلْ نَارٌ مِنَ السَّمَاءِ وَتأَكَّلَ الْخَمْسِينَ “. وفي كل ذلك يفقد تواضعه!
قديمًا – وهو بعيد عن الله – كان قاسي القلب، شديدًا عنيفًا، يتضايق الناس من قسوته، وظن أنه تاب وتغير، بأن ترك بعض الخطايا الظاهرة… ولكنه للآن ما تزال القسوة فيه… يحكم بمنتهى الشدة على الناس داخل الكنيسة… ويبدو كما لو كان أهل العالم أكثر منه رقة ووداعة وتهذيبًا.
والعجيب في كل ذلك، أن الضمير لا يوبخ، لقد لبس الشيطان شكل ملاك من نور، وأخذت الخطية اسم فضيلة!
الإدانة صار أسمها الإصلاح، والقسوة صار أسمها التدقيق، والنرفزة صار اسمها الغيرة… والآيات صارت تغطي الخطايا!!
لقد صار الضمير واسعًا، يمكنه أن يبتلع خطايا كثيرة…
وأعجب من كل هذا أن يخطئ، ويحاربه المجد الباطل…
في كل قسوته، وإدانته للآخرين، ولسانه الصاخب بالتوبيخ لكل أحد، يرى نفسه الوحيد المنفذ لقول الكتاب ” وَلاَ تَشْتَرِكُوا فِي أَعْمَالِ الظُّلْمَةِ غَيْرِ الْمُثْمِرَةِ بَلْ بِالْحَرِيِّ وَبِّخُوهَا” (أف 5: 11).
فرق كبير بين إنسان وإنسان: أحدهما يقيمه الله مبكتًا للناس، الروح القدس هو الذي يبكت الناس على لسانه، بكلام من الوحي الإلهي، مثلما فعل إيليا والمعمدان، وإنسان آخر يبكت بقلب قاسِ ولسان صاخب، لأن طبعه رديء، ولم يتب عنه بعد…
وهذا الإنسان كما يبرر الخطية، كذلك يبرر التقصير في العبادة:
كما يبرر الخطية بآيات وأمثلة لا تنطبق عليه، كذلك يبرر تقصيره في صلواته وتأملاته وقراءاته الروحية، بانشغاله في الخدمة!! نصيحتي لهؤلاء هي الآتي:
كل فضيلة جديدة تأتي إليك، محطمة فضيلة أخرى عندك، أرفضها، وقل لنفسك: لا أريدها، لأنها ليست من الله.
إن البر الذي يهبه الرب لك، لا يحطم برًا آخر موجودًا، إنما يُبني عليه، لأن أعمال الرب لا يحطم بعضها بعضًا…
ولكن الشيطان الحكيم في الشر، إذ قيل عن الحية إنها “أَحْيَلَ حَيَوَانَاتِ الْبَرِّيَّةِ”، يحطم ما يجده عندك من الفضائل، واعدًا إياك بغيرها… يحطم وداعتك وتواضعك باسم الغيرة، ويضيع منك صلواتك باسم الخدمة… ثم يفقدك بركة الغيرة والخدمة بالإدانة والغضب…
إن قال لك أترك اتضاعك، لكي تعظ وتوبخ وتنهر، قل له لا أريد هذا الوعظ، نتركه للكبار. فإن قال لك “إنك قد كبرت وتحملت مسئوليات، ولم تعد صغيرًا كما كنت قبلًا، قل له: أود أن أبقى صغيرًا طول عمري.
إن الشيطان يحارب الكل: يحارب أولاد العالم بالخطية والشهوة. ويحارب أولاد الله بالفضيلة.. الفضيلة التي تضيع فضيلة أخرى!!
أما أنت فلتكن حياتك مؤسسة على الاتضاع والانسحاق، الذي تبني عليه كل روحياتك… هذا الانسحاق الذي يجلب لك الحرارة الروحية، وبهذه الحرارة تنمو في معرفة الله، المعرفة التي تعمق حبك، وليست المعرفة التي تتيهك وتدخلك في مسالك مضللة…
اصعد على سلم الفضائل، في تؤدة وحكمة ومشورة، ولا ترتفع إلى درجة إلا بعد أن تثبت أقدامك في سابقتها. كل درجة مبنية على الدرجة السابقة. لا تتعارض معها ولا تحطمها.
وليكن عملك الروحي بترتيب، لأن أعمال الشيطان غير مرتبة.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الثامنة – العدد 47 (25-11-1977م)



