أساساته في الجبال المقدسة

أساساته في الجبال المقدسة1
نبدأ معك تأملات في مزامير الأجبية، لتفهم المعني الروحي الذي فيها. وسنبدأ بمزمور 86، 87:
أساساته في الجبال المقدسة
وهو من مزامير الساعة السادسة…
أما موضوع المزمور فهو مدينة الله العلي، التي نحن سكانها أو مواطنوها. مدينة الله يمكن أن تكون قلب الإنسان، ويمكن أن تكون الكنيسة المقدسة- جماعة المؤمنين- التي فيها السيد المسيح هو الرأس، ونحن الأعضاء.
هذه المدينة تأملها المرنم طويلًا، فصاح في قبه من عمق الحب.
أساساته في الجبال المقدسة…
أي أن الأساسات التي وضعها الله لهذه المدينة هي في الجبال المقدسة. هكذا تحدث عنها داود النبي كأحد سكانها أو مواطنيها. ومواطن آخر هو بولس الرسول يقول عنها أيضًا “الْمَدِينَةَ الَّتِي لَهَا الأَسَاسَاتُ، الَّتِي صَانِعُهَا وَبَارِئُهَا اللهُ” (عب11: 10). ويقول القديس أوغسطينوس عن الأنبياء والرسل- كمواطنين من سكان هذه المدينة “لعلهم كذلك من جهة أنهم هم أنفسهم الجبال التي عليها أساسات المدينة”. ويستدل على ذلك بقول الرسول “مَبْنِيِّينَ عَلَى أَسَاسِ الرُّسُلِ وَالأَنْبِيَاءِ…” (أف2: 20) أي أن الرسل بكرازتهم وتبشيرهم كانوا هم أساسات لهذه المدينة، أو هم وضعوا لها أساسًا. لأنهم كما أنهم هم كانوا أساسات لنا، فإن هناك من كان أساسًا لهم ولنا جميعًا وهو يسوع المسيح نفسه الذي قال عنه نفس الرسول “لاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَضَعَ أَسَاسًا آخَرَ غَيْرَ الَّذِي وُضِعَ، الَّذِي هُوَ يَسُوعُ الْمَسِيحُ” (1كو3: 11). ولذلك فعندما قال بولس “مَبْنِيِّينَ عَلَى أَسَاسِ الرُّسُلِ” أردف بعدها مباشره “وَيَسُوعُ الْمَسِيحُ نَفْسُهُ حَجَرُ الزَّاوِيَةِ” (أف2: 20).
ولكن كيف يكون الرسل أساسات، والمسيح هو الأساس، وليس أساس غيره؟! هم أساسات- ليس بذواتهم- وإنما كمجرد أوان خزفية لله، من حيث أن المسيح هو الذي يعمل فيهم. تمامًا كما قال بولس الرسول، أحد هذه الأساسات “فَأَحْيَا لاَ أَنَا، بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ” (غلا2: 20). وأيضًا من حيث أن ما يجري عليهم يجري على المسيح ذاته، الذي لم يقل لشاول الطرسوسي “لماذا تضطهد هؤلاء؟”، وإنما قال له “لِمَاذَا تَضْطَهِدُنِي” (أع9: 4) ويؤيد كون الرسل هم الأساسات- في المسيح- قول يوحنا الرائي عن أورشليم السمائية” “وَسُورُ الْمَدِينَةِ كَانَ لَهُ اثْنَا عَشَرَ أَسَاسًا، وَعَلَيْهَا أَسْمَاءُ رُسُلِ الْخَرُوفِ الاثْنَيْ عَشَرَ” (رؤ21: 14).
أما عن كون هذه الأساسات على الجبال، فيلاحظ القديس أوغسطينوس ملاحظة جميلة مؤداها أنك إن كنت تبني على الأرض، فإنك تجعل الأساس تحت الأرض. أما إذا كان البناء في السماء- أي مدينة سمائية- فإن أساساتها تكون على الجبال.
كما يلاحظ ملاحظة أخرى وهي أن هناك فرقا بين هذه المدينة والمدن العالمية. فالمدن العالمية بناؤها شيء وسكانها شيء آخر. أما هذه المدينة المقدسة، فإنها مبنية من سكانها الذين هم الحجارة الحية التي تبنى بها المدينة. وفي ذلك قال بطرس الرسول للمؤمنين “كَحِجَارَةٍ حَيَّةٍ بَيْتًا رُوحِيًّا” (1بط2: 5).
المرتل حتى الآن لم يذكر اسم المدينة. فإن سألته ما هي هذه المدينة التي أساساتها على الجبال المقدسة، لأجاب:
الرَّبُّ أَحَبَّ أَبْوَابَ صِهْيَوْنَ أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ مَسَاكِنِ يَعْقُوبَ” (مز87: 2).
صهيون هي أورشليم، وكانت مفضلة على جميع مساكن يعقوب، إذ أن فيها الهيكل، ومن أبوابها كانت تدخل الذبائح والمحرقات والتقدمات… إلخ… ولذلك دعيَّ عليها اسم الرب، وسماها السيد المسيح نفسه “مَدِينَةُ الْمَلِكِ الْعَظِيمِ” (مت5: 35).
وصهيون الأرضية هذه كانت ترمز إلى أورشليم السمائية. وفي ذلك يقول بولس الرسول “بَلْ قَدْ أَتَيْتُمْ إِلَى جَبَلِ صِهْيَوْنَ، وَإِلَى مَدِينَةِ اللهِ الْحَيِّ. أُورُشَلِيمَ السَّمَاوِيَّةِ، وَإِلَى رَبَوَاتٍ هُمْ مَحْفِلُ مَلاَئِكَةٍ، وَكَنِيسَةُ أَبْكَارٍ” (عب12: 22، 23). هذه هي الكنيسة، أورشليم السمائية، التي يقول عنها القديس يوحنا في رؤياه “وَأَنَا يُوحَنَّا رَأَيْتُ الْمَدِينَةَ الْمُقَدَّسَةَ أُورُشَلِيمَ الْجَدِيدَةَ نَازِلَةً مِنَ السَّمَاءِ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُهَيَّأَةً كَعَرُوسٍ مُزَيَّنَةٍ لِرَجُلِهَا. وَسَمِعْتُ صَوْتًا عَظِيمًا مِنَ السَّمَاءِ قَائِلاً: هُوَذَا مَسْكَنُ اللهِ مَعَ النَّاسِ…” (رؤ21: 2، 3). ولئلا يظن الأمم أنهم غرباء عن هذه المدينة التي تحمل أسماء وذكريات يهودية، قال لهم بولس الرسول ” فَلَسْتُمْ إِذًا بَعْدُ غُرَبَاءَ وَنُزُلاً، بَلْ رَعِيَّةٌ مَعَ الْقِدِّيسِينَ وَأَهْلِ بَيْتِ اللهِ، مَبْنِيِّينَ عَلَى أَسَاسِ الرُّسُلِ وَالأَنْبِيَاءِ…” (أف2: 19، 20).
أعمال مجيدة قد قيلت عنك يا مدينة الله…
يرى القديسون أن المدينة المقصودة بهذه الآية هي الكنيسة المهيأه كعروس لعريسها، وليست أورشليم الأرضية التي خربت ودفعها الله إلى أيدي أعدائها، تنجس هيكلها ولم يترك فيه حجر على حجر إلا ونُقض.
فمن قال هذه الأعمال المجيدة عن مدينة الله؟ إنه الله الذي قال:
سأذكر راحاب وبابل اللتين تعرفاني، لأن الفلسطينيين أيضًا وصور والأحباش كانوا هناك:
راحاب ليست من اليهود. إنها من أريحا، وأريحا كانت وثنية، وكذلك بابل. فكيف أتيح لراحاب وبابل أن تعرفا الله؟!… وكيف أمكن أن يكون هناك- أي في صهيون- الفلسطينون وصور وشعب الحبشة، وكل هذه قبائل غريبة؟! إنه خلاص العالم، خلاص الأمم. الغرباء لم يعودوا غرباء! أن الرسول يقول لهم “أَنَّكُمْ كُنْتُمْ فِي ذلِكَ الْوَقْتِ بِدُونِ مَسِيحٍ، أَجْنَبِيِّينَ عَنْ رَعَوِيَّةِ إِسْرَائِيلَ، وَغُرَبَاءَ عَنْ عُهُودِ الْمَوْعِدِ، لاَ رَجَاءَ لَكُمْ، وَبِلاَ إِلهٍ فِي الْعَالَمِ. وَلكِنِ الآنَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، أَنْتُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ قَبْلاً بَعِيدِينَ، صِرْتُمْ قَرِيبِينَ بِدَمِ الْمَسِيحِ (أف2: 12، 13). “… لِكَيْ تُخْبِرُوا بِفَضَائِلِ الَّذِي دَعَاكُمْ مِنَ الظُّلْمَةِ إِلَى نُورِهِ الْعَجِيبِ. الَّذِينَ قَبْلاً لَمْ تَكُونُوا شَعْبًا، وَأَمَّا الآنَ فَأَنْتُمْ شَعْبُ اللهِ” (1بط 2: 9، 10). حقًا إن أعمالًا عجيبة قد قيلت عنك يا مدينة الله!
راحاب الزانية الأممية، صارت من شعب الله، بل صارت جدة المسيح ذاته حسب الجسد!! وبابل العدوة، مدينة السبي، التي بكى أولاد الله على أنهارها ولم يستطيعوا أن يسبحوا تسبحة الرب في تلك الأرض الغريبة، “بَابِلُ الْعَظِيمَةُ أُمُّ الزَّوَانِي وَرَجَاسَاتِ الأَرْضِ” (رؤ17: 5). هذه أيضًا خلصت، ما أعجب هذا!! راحاب وبابل اللتان ترمزان إلى الأمم وإلى الأشرار، يقول عنهما الله أنهما تعرفانه، وأنه سيذكرهما كما سيذكر أيضًا باقي الأمم! وكمجرد مثال ذكرت فلسطين وصور وشعب الحبشة كرمز لأولئك الغرباء!…
فكيف حدث هذا الخلاص العظيم؟ كيف دخل كل هؤلاء في صهيون، وكانوا هناك، وأصبحوا هم أيضًا أعضاء في الكنيسة؟ ما هو السر المختفي وراء هذه الأعمال المجيدة التي قيلت عن مدينة الله؟ يجيب المرتل قائلًا:
“صهيون الأمم تقول أن إنسانًا، وإنسانًا صار فيها، هو العلي الذي أسسها”.
هذا هو إذن سر الخلاص العظيم. العلي الذي أسسها، صار إنسانًا فيها. لا تعجب فالعذراء صارت أمًا لإلهها الذي خلقها. “عَظِيمٌ هُوَ سِرُّ التَّقْوَى: اللهُ ظَهَرَ فِي الْجَسَدِ” (1تي3: 16)! حقًا أن أعمالًا مجيدة قد قيلت عنك يا مدينة الله… ولكن كيف عرفنا وتأكدنا من هذا السر العظيم؟
الرب يحدث في كتب الشعوب والرؤساء، أولئك الذين ولدوا فيها…
الذين ولدوا فيها هم المؤمنون، ورؤساؤهم هم الرسل، وكتب هؤلاء الرؤساء الذين ولدوا فيها هي الأناجيل والرسائل… في هذه يحدث الرب عن ميلاده بالجسد من أجل خلاص العالم… يحدث عن العذراء وعن الخلاص وعن الملكوت. لذلك سميت هذه الكتب أناجيل أي بشائر مفرحة. ولماذا سميت هكذا؟
لأن سكني الفرحين جميعهم فيك. هللويا.
“افرحوا فقد ولد لكم مخلص هو المسيح الرب، اِفْرَحُوا فِي الرَّبِّ كُلَّ حِينٍ، وَأَقُولُ أَيْضًا: افْرَحُوا (في4: 4). فهوذا “الإنسان” تقول صهيون الأم أنه صار فيها، قد حمل خطايانا، ومات عنا، ودفع أجرة الخطية، لكي لا يموت كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية…
ما أعجب هذا! هل سوف لا يكون في صهيون غير الفرحين؟ نعم… وقد شهد يوحنا الرائي بنفسه وقال “وَسَيَمْسَحُ اللهُ كُلَّ دَمْعَةٍ مِنْ عُيُونِهِمْ، وَالْمَوْتُ لاَ يَكُونُ فِي مَا بَعْدُ، وَلاَ يَكُونُ حُزْنٌ وَلاَ صُرَاخٌ وَلاَ وَجَعٌ فِي مَا بَعْدُ، لأَنَّ الأُمُورَ الأُولَى قَدْ مَضَتْ” (رؤ 21: 4). وماذا أيضًا “وَلاَ تَكُونُ لَعْنَةٌ مَا فِي مَا بَعْدُ… وَلاَ يَكُونُ لَيْلٌ هُنَاكَ، وَلاَ يَحْتَاجُونَ إِلَى سِرَاجٍ أَوْ نُورِ شَمْسٍ، لأَنَّ الرَّبَّ الإِلهَ يُنِيرُ عَلَيْهِمْ، وَهُمْ سَيَمْلِكُونَ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ” (رؤ22: 3- 5).
تأمل روحي من الناحية الفردية الشخصية
البعض يأخذ عبارة “الجبال المقدسة” كرمز لحياة الوحدة والخلوة، كمديحة: أساساته في الجبال- المقدسة بأعمال- والمزينة بجمال- آبائنا الرهبان”.
وهنا يمكن أن ترمز “أبواب صهيون” إلى حياة التأمل، “وجميع مساكن يعقوب” إلى حياة العمل. حيث كان كل الشعب يعملون، بينما أورشليم- مدينة الملك العظيم- كانت للذبائح والعبادة.
ويمكن أن ترمز عبارة “صهيون” إلى قلبك الذي يطلبه الله ” يَا ابْنِي أَعْطِنِي قَلْبَكَ” (أم23: 26)، أكثر من “جميع مساكن يعقوب” أي أكثر من جميع مشغولياتك وأعمالك الأخرى. وأن أساس العبادة هو في هذا القلب. فمنه يحكم على مشاعر الإنسان وعلى عمله هل هو خير أم شر، حسب نيته فيه. وطوبي لمن وضع الله أساساته في قلبه. فهذا تملك عليه المحبة، وتكون أعماله كلها روحية وليست مجرد مظاهر خارجية.
“أعمال مجيدة قد قيلت عنك يا مدينة الله” أي أن الله صنع معك عجائب. عمل تغييرات في قلبك وفي نفسك. فما هي؟
“اذكر راحاب وبابل اللتين تعرفانني… هوذا القبائل الغريبة… إلخ” أي أن أعمالي الخاطئة القديمة تحولت إلى معرفة الله. الزنا القديم (راحاب)، وسبى الخطية (بابل)، والأفكار الغريبة عن الحياة المقدسة (القبائل الغريبة) وباقي الأعمال الغريبة عن الملكوت… هذا كله قد تحول إلى مشاعر وأفكار وأعمال طيبة… كل هذا (كان هناك) يعرف الله.
“صهيون الأم تقول أن إنسانًا، وإنسانًا صار فيها، يشير هذا إلى حلول الله في قلب الإنسان “صار فيه” وهو العلي الذي أسسها إلى الأبد. أي هو الله الذي خلقني وثبتني فيه إلى الأبد. فهو صاحب الفضل عليَّ.
“الرب يحدث في كتب الشعوب والرؤساء…” أي أن الله يحدث في الأناجيل بالعمل العظيم الذي عمله معي، لأنه قال ” سَيَأْتُونَ مِنَ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِب وَيَتَّكِئُونَ مَعَ إِبْرَاهِيمَ” (مت8: 11)، كما حدث بإيمان الكنعانية وتوبة العشار… إلخ…
“لأن سكنى الفرحين جميعهم فيك يا مدينة الله”. أي أن القلب بمعيشته مع الله يحيا حياة فرح بالرب. إذ لا توجد خطية تتعبه، ولا شهوة يشتهيها ويتعب في الحصول عليها، ولا حسد يؤرقه، ولا وخز ضمير من أجل خطأ ثابت… وإنما ليس سوى الفرح بالعشرة مع الله. كما قال بولس الرسول “من ثمار الروح فرح وسلام”.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الأولى – العدد الثاني والثلث فبراير ومارس 1965م



