أحيانًا ندان على صمتنا

نُدان على صمتنا1
فضيلة الصمت:
كثير من الكتب الروحية تتحدث عن “فضيلة الصمت”، وتدعو إليها. وكثير ما يكون الصمت فضيلة يتخلص بها الإنسان من أخطاء اللسان وهي عديدة. كل هذه حق، فقد قال الكتاب: “كَثْرَةُ الْكَلاَمِ لاَ تَخْلُو مِنْ مَعْصِيَةٍ” (أم10: 19). وقال أيضًا: “لِتَكُنْ كَلِمَاتُكَ قَلِيلَةً” (جا5: 2). وقد مارس آباء البرية فضيلة الصمت في وحدتهم. وفي ذلك قال القديس أرسانيوس: “كثيرًا ما تكلمت فندمت. وأما عن سكوتي فقط ما ندمت”. على أن الآباء في صمتهم، لم يكن هدفهم الوحيد هو التخلص من خطايا اللسان، بقدر ما كان هدفهم هو التفرغ للصلاة. فالكلام مع الناس يعطلهم عن الكلام مع الله.
كلام المنفعة:
ولكن السؤال الآن هو هذا: هل كل صمت فضيلة؟ وهل كل كلام خطية؟
قطعًا ليس كل كلام خطية. فداود النبي يقول: “فَاضَ قَلْبِي بِكَلاَمٍ صَالِحٍ” (مز45: 1).
وكان السيد المسيح يتكلم، والناس “وَيَتَعَجَّبُونَ مِنْ كَلِمَاتِ النِّعْمَةِ الْخَارِجَةِ مِنْ فَمِهِ” (لو4: 22). والشهيد إسطفانوس تكلم: فأفحم المجامع الخاطئة “وَلَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يُقَاوِمُوا الْحِكْمَةَ وَالرُّوحَ الَّذِي كَانَ يَتَكَلَّمُ بِهِ” (أع6: 10).
قال داود النبي: “فَمُ الصِّدِّيقِ يَلْهَجُ بِالْحِكْمَةِ، وَلِسَانُهُ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ” (مز37: 30). وقال سليمان: “فَمُ الصِّدِّيقِ يَنْبُوعُ حَيَاةٍ” (أم10: 11). وكان سليمان نفسه يفيض حكمة، حتى أن الرب طوب ملكة سبأ لأنها أتت من أقاصي الأرض لتسمع حكمة سليمان.
وقد كان الناس يجوبون البر والبحر ليسمعوا كلمة منفعة من رهبان مصر. حتى أن البابا ثيئوفيلوس: (23) كان يأتي خصيصًا ليسمع فينتفع. ذهب مرة إلى أرسانيوس: ليطلب منه كلمة منفعة. وفي مرة أخرى زار الأسقيط، فمضي الرهبان إلى القديس الأنبا بفنوتيوس وقالوا له: “قل كلمة لينتفع البابا”. وفي مرة ثالثة طلب البابا نفس الطلب من أب جبل نتريا، فأجابه: “صدقني يا أبي لا يوجد أفضل من أن يرجع الإنسان بالملامة على نفسه في كل شيء“.. يا لعظم كلام المنفعة هذا، الذي ينتفع به رجل قديس كالبابا ثيئوفيلوس: الذي نذكر اسمه في المجمع، ونأخذ من فمه الحل في “تحليل الخدام”! إذن ليس كل كلام خطية، بل يوجد كلام للمنفعة.
كلام المنفعة هذا، هو كلام من الله، يضعه في أفواه أحبائه ليبلغوه للآخرين هادئًا كان أم شديدًا، هكذا قال الرب: لعبده أشعياء: “رُوحِي الَّذِي عَلَيْكَ، وَكَلاَمِي الَّذِي وَضَعْتُهُ فِي فَمِكَ لاَ يَزُولُ مِنْ فَمِكَ، وَلاَ مِنْ فَمِ نَسْلِكَ، وَلاَ مِنْ فَمِ نَسْلِ نَسْلِكَ…” (إش59: 21).
وهذا أيضًا يرويه إرميا عن نفسه فيقول: ومد الرب يده ولمس فمي. وقال الرب لي: “هَا قَدْ جَعَلْتُ كَلاَمِي فِي فَمِكَ” (إر1: 9). ويقول بولس الرسول: “الْمَسِيحِ الْمُتَكَلِّمِ فِيَّ” (2كو 13: 3). وهكذا يقول لنا الرب: “لأَنْ لَسْتُمْ أَنْتُمُ الْمُتَكَلِّمِينَ بَلْ رُوحُ أَبِيكُمُ الَّذِي يَتَكَلَّمُ فِيكُمْ” (مت10: 20).
كلام المنفعة هذا، يضعه بولس الرسول: ضمن مواهب الروح، إذ يقول: “فَإِنَّهُ لِوَاحِدٍ يُعْطَى بِالرُّوحِ كَلاَمُ حِكْمَةٍ، وَلآخَرَ كَلاَمُ عِلْمٍ بِحَسَبِ الرُّوحِ الْوَاحِدِ” (1كو12: 8).
الصمت الخاطئ:
يتضح من كل هذا، أنه كما يكون الصمت فضيلة في بعض الأحيان، كذلك يمكن- في أحيان أخرى- أن يكون الكلام فضيلة، بأن يكون كلام منفعة، وأن يكون من الله… يبقى سؤال بعد هذا:
هل يمكن أحيانًا أن يعتبر الصمت خطية، تمامًا كما يحسب الكلام الشرير خطية؟ وهل يمكن أن نُدان على صمتنا، كما نُدان على كلامنا؟
نعم، أحيانًا ندان على صمتنا…
أن لكل شيء تحت السماوات وقتًا. وقد قال الحكيم: “لِلسُّكُوتِ وَقْتٌ وَلِلتَّكَلُّمِ وَقْتٌ” (جا3: 7). فإن كان للتكلم وقت، فلا شك أننا ندان إذا صمتنا فيه. فالبار لا يتكلم حين يحسن الصمت، ولا يصمت حين يحسن الكلام. قال القديس أمبروسيوس: (إذا كان لابد أن نعطي حسابًا عن الكلمة البطالة. فيجب أن نحترس حتى لا نضطر أن نعطي حسابًا كذلك عن الصمت البطال).
أن الله عندما خلق اللسان، لم يخلقه عبثًا، وإنما لهدف روحي، وليس الهدف من وجود اللسان سلبيًا فقط، أي لمجرد أنه لا يخطئ في الكلام، وإنما له هدف إيجابي: أن يتكلم بالصالحات، وأن يقولها حين يجب أن تقال. قال الوحي الإلهي على لسان سليمان الحكيم: “تُفَّاحٌ مِنْ ذَهَبٍ فِي مَصُوغٍ مِنْ فِضَّةٍ، كَلِمَةٌ مَقُولَةٌ فِي مَحَلِّهَا” (أم25: 11).
الله يأمرنا أحيانًا أن نتكلم. فيقول في سفر إرميا النبي: “وَالَّذِي مَعَهُ كَلِمَتِي فَلْيَتَكَلَّمْ بِكَلِمَتِي بِالْحَقِّ” (إر23: 28). قد قال الرب لبولس الرسول: “لاَ تَخَفْ، بَلْ تَكَلَّمْ وَلاَ تَسْكُتْ” (أع18: 9). وقد أرسل عبده يوحنا المعمدان صوتًا يصرخ في البرية: “أَعِدُّوا طَرِيقَ الرَّبِّ، اصْنَعُوا سُبُلَهُ مُسْتَقِيمَةً” (مر1: 3). وقد تكلم يوحنا المعمدان: كلامًا شديدًا جدًا. ولكن الكلام كان من الله. وأمر الله موسى أن يتكلم بكلمة الحق، فما طلب اعفاءه من هذه المهمة معتذرًا بأنه ليس صاحب كلام، أصر الله على أمره وقال لموسى: “اذْهَبْ وَأَنَا أَكُونُ مَعَ فَمِكَ وَأُعَلِّمُكَ مَا تَتَكَلَّمُ بِهِ” (خر4: 12).
إن الله لا يكلم الناس مباشرة، وإنما عن طريق أولاده. هو يريدنا أن نعلن وصاياه للناس. إن الله لم يذهب بنفسه إلى هيرودس ليقول له: “لا يحل لك”. إنما وصلت كلمة الله إلى هيرودس عن طريق يوحنا. والرب قد قال ذلك لتلاميذه: “وَتَكُونُونَ لِي شُهُودًا” (أع1: 8). ولم يقصد التلاميذ فقط، وإنما هو على مدى الأجيال، كما يقول عنه بولس الرسول: “لَمْ يَتْرُكْ نَفْسَهُ بِلاَ شَاهِدٍ” (أع14: 17). ولما احتج بعض الفريسيين على تلاميذه لشهادتهم له، أجاب: “إِنْ سَكَتَ هؤُلاَءِ فَالْحِجَارَةُ تَصْرُخُ!” (لو19: 40).
قال داود النبي: “آمَنْتُ لِذلِكَ تَكَلَّمْتُ” (مز116: 10). وقد أثرت هذه الآية في بولس الرسول، وفاقتبسها مدللًا على أن الكلام ثمرة من ثمار الإيمان، فقال “فَإِذْ لَنَا رُوحُ الإِيمَانِ عَيْنُهُ، حَسَبَ الْمَكْتُوب: آمَنْتُ لِذلِكَ تَكَلَّمْتُ، نَحْنُ أَيْضًا نُؤْمِنُ وَلِذلِكَ نَتَكَلَّمُ أَيْضًا” (2كو4: 13).
أننا أن صمتنا عن الكرازة والمناداة باسم الرب، نُدان ولا شك على صمتنا.
كذلك أن لم نعترف باسم الرب، نُدان على صمتنا.
وإن صمتنا عن الشهادة للحق، نُدان على صمتنا.
كذك أن قصرنا في انذار المخطئين، فاستمروا في خطئهم، وأضروا أنفسهم وغيرهم، نُدان أيضًا على صمتنا.
فإن رأيت إنسانًا سيسقط في حفرة وهو لا يدري، هل تقول إن الصمت فضيلة أن تحذره؟! وإذا لم تحذره، ألا تدان على صمتك، ويطالبك الرب بدمه؟! ما الذي يوضحه لنا سفر حزقيال النبي؟ يقول الرب: “فَإِنْ لَمْ تَتَكَلَّمْ لِتُحَذِّرَ الشِّرِّيرَ مِنْ طَرِيقِهِ، يَمُوتُ بِذَنْبِهِ، أَمَّا دَمُهُ فَمِنْ يَدِكَ أَطْلُبُهُ” (حز33: 8) أما إن أنذرته ولم يرجع فإنه “يَمُوتُ بِذَنْبِهِ. أَمَّا أَنْتَ فَقَدْ خَلَّصْتَ نَفْسَكَ” (حز33: 9). لذلك على الرعاة ألا يقصروا في إنذار رعيتهم وعلينا جميعًا بروح المحبة أن نسند بعضنا بعضًا في أيام غربتنا.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الاولى – العدد الثاني والثالث يناير وفبراير 1965م



