أب الاعتراف شروطه ومواهبه وعمله

أب الاعتراف شروطه ومواهبه وعمله[1]
تحدثنا في مقال سابق عن أب الاعتراف وجلسة الاعتراف ونتابع حديثنا في هذا المقال عن أب الاعتراف وشروطه ومواهبه وعمله.
ليس كل كاهن له المواهب الخاصه بأب الاعتراف.
وأب الاعتراف الناجح يقصده الناس من كل مكان ويكثر ابناؤه جدًا ليس فقط من الكنيسة التي يخدمها وإنما من كنائس عديدة، وربما من بلاد أخرى.
وتشترط فيه صفات معينه، سنذكر هنا بعضًا منها.
يشترط فيه أن يكون خبيرًا بالنفوس.
خبيرًا بالنفس البشرية بصفه عامة، وبنفس من يعترف إليه بصفة خاصة وحسب نوعية نفسيته يعامله. فنفسية المرأة غير نفسية الرجل ونفسية الفتى غير نفسية المراهق، غير نفسية الرجل الناضج، غير نفسية الشيخ. ونفسية المريض غير نفسية السليم صحيًا.
وقد تمر على الإنسان ظروف معينة يكون فيها في حالة نفسية خاصة غير أحواله العادية يحتاج فيها إلى تعامل يناسب حالته.
لذلك فالعلاج الروحي الذي يصفه أب الاعتراف لخطية واحدة، لا يكون واحدًا بالنسبة إلى جميع المعترفين…
ويجب ان يعرف أب الاعتراف كيفية التفريق بين الحالة الروحية، والمرض النفسي أو العقلي.
فالمعترف الذي يكون حزينًا في ندم على خطاياه، هو غير المصاب بمرض الكآبة Depression ويجب التفريق بينهما.
كما ينبغي أن يفرق بين البكاء الذي يستدر به العطف والبكاء الصادر عن ندم.
والذي يشكو من معاملة الأسرة والأصدقاء له قد يكون صادقًا في شكواه وهو غير المصاب بعقدة الاضطهاد Persecution Complex
والذي يخطئ عن جهل، غير الذي يخطئ عن استهتار ولا مبالاة.
ويجب على أب الاعتراف أن يعرف كيف يفرق بين الإنسان الروحي الذي يحب الوحدة والخلوة. والانسان المنطوي الذي يكره المجتمع ولا يعرف كيفية التعامل مع الناس.
كذلك ينبغي أن يكون أب الاعتراف خبيرًا بمعالم الطريق الروحي.
حتى يمكنه قيادة الناس فيه بمعرفة وحكمة وأيضًا خطوة خطوة، بعيدًا عن القفزات التي يحاول بها البعض الوصول بسرعة وبغير أساس وأيضًا عن الإهمال الذي يتباطأ به البعض بلا مبرر، وبلا عذر.
ويجب أن يعرف الدرجات الروحية وطريقة الانتقال من واحدة منها إلى أخرى، بأسلوب هادئ ثابت.
وعلى أب الاعتراف أن يعرف الحروب الروحية وصفاتها، وطرق مقاومتها.
ويعرف حيل الشيطان وطرق دخوله إلى النفس ليضلها ويخدعها كما يكون أب الاعتراف خبيرًا بالصعوبات والعوائق التي تصادف أي إنسان يريد الوصول إلى الله ويكون رفيقًا بالمعترفين. كما قال الرسول: “شَجِّعُوا صِغَارَ النُّفُوسِ، أَسْنِدُوا الضُّعَفَاءَ. تَأَنَّوْا عَلَى الْجَمِيعِ” (1تس5: 14)
وعليه أن يعرف متى يشجع ومتى يوبخ.
فهو يشجع اليائس الذي قد يقوده اليأس إلى الضياع ويشجع الضعيف الذي يحتاج إلى من يسنده لئلا يسقط ويشجع من يكون واقعًا تحت حرب شديدة ضاغطة، إن لم ترافقه المعونة الإلهية فما أسهل أن يستسلم.
بينما يوبخ المستهتر الذي لا يدرك مدى خطورة خطيئته ونتائجها والذي تعود الخطية بحيث لم يعد ضميره كافيًا لردعه بل يحتاج إلى ضمير من الخارج يؤنبه على ما يفعل…
وفي التوبيخ ينبغي على أب الاعتراف أن يدرك مدى قبول المعترف للتوبيخ ومدى احتماله. ويكون في توبيخه حكيمًا، بحيث لا يجرح شعور المعترف ويصده عن الاعتراف ويبعده. بل يقنعه أولًا. وفي ظل الإقناع يكون مستعدًا للتوبيخ وللعقوبة حسبما يحتمل.
وعلى أب الاعتراف أن يكون دارسًا للكتاب ولقوانين الكنيسة.
حتى يكون في إرشاده موافقًا لمشيئة الله الصالحة في تدبير البشر وأيضًا إن سأله المعترف سؤالًا يجيبه بما يوافق التعليم الصحيح.
ويكون روحيًا في قيادة الآخرين ولا يجوز له – في خجل من عدم معرفته – أن يجيب بأية إجابة تخطر على ذهنه، مهما كانت خاطئة، أو غير موثوق بها.
ولا يكون أب الاعتراف متطرفًا في قيادته.
شديدًا بطريقة غير سليمة في إرشاداته، يكلف المعترفين بما لا يستطيعونه، ويحملهم أثقالًا عسرة الحمل كما وبخ الرب الكتبة في ذلك الزمان (مت23: 4) وإنما يقدم النصائح الروحية في حدود ما يستطيعه المعترفون، في نطاق قدراتهم وإمكاناتهم. وما أجمل ما قاله الآباء الرسل في قبول الأمم: “لاَ يُثَقَّلَ عَلَى الرَّاجِعِينَ إِلَى اللهِ مِنَ الأُمَمَ” (أع15: 19)
شروط أب الاعتراف
1- لا بد أن يكون أب الاعتراف خبيرًا بالنفس البشرية.
يعرف ضعفاتها ويعرف حروبها كما يكون خبيرًا بالحياة الروحية، وحيل الشياطين وخدااعهم. وخبيرًا بالطريق الروحي بحيث يستطيع أن يجيب عن أي سؤال روحي يوجه إليه كما يكون خبيرًا بالأمراض العقلية والنفسية، ويستطيع أن يميزها عن حالات روحية معينة فيفرق مثلًا بين البكاء الروحي وحالات الاكتئاب Depression كما يفرق أيضًا بين الانطواء ومحبة الوحدة والخلوة.
أتذكر حينما كنت أسقفًا، أتت إلى فتاة وشكت من أن أمها تحاول أن تضع لها السم في الساندويتش واتضح أن كل هذا وهم. وأنها مريضة بنوع من الشيزوفرنيا وعقدة الاضطهاد Persecution Complex، وأرسلتها إلى طبيب نفساني ليعالجها.
2- كذلك ينبغي أن يكون أب الاعتراف خبيرًا بوصايا الله وطريقة تنفيذها.
ويعرف حدود الحلال والحرام، لأنه من فم الكاهن تطلب الشريعة (ملا2: 7) يعرف مثلًا الوصايا بالنذور والبكور والعشور. ويعرف أن يجيب إجابة سليمة على من يسأله عن المخترعات الحديثة، كالراديو والتليفزيون والفيديو مثلًا وما تقدير الحرام والحلال فيها والفرق بين الاختراع وطريقة استخدامه.
يعرف أيضًا أن يجيب على الأسئلة الخاصة بالاجهاض أو بتنظيم النسل ونقل الأعضاء، والإخصاب بطرق علمية، والهندسة الوراثية… إلخ
3- ويشترط في أب الاعتراف أن يكون ذكيًا ناضج التفكير.
يفهم ما يريد الخاطئ أن يلمح عنه دون أن يذكره صراحة. ويمكن أن يكمل معه ويساعده على ذكر خطاياه. كما فعل السيد المسيح مع المرأة السامرية (يو4) ويعرف كيفية حل المشاكل التي تعرض عليه بخبرة علمية.
4- يجب أن يكون أب الاعتراف أبًا مريحًا للنفوس.
وليس معنى هذا أن يريحه على حساب وصايا الله، بإرضائه في كل ما يطلب بل يريحه في فهمه، وفي حسن معاملته له، وفي أن يحل له إشكالاته الروحية والاجتماعية ولا يضغط عليه بنصائح ليس في طاقته أن ينفذها ولا ينتهره بأسلوب يجرح نفسيته.
تكون له الخبرة والمعرفة والأبوة والذكاء والذاكرة.
ونقصد الذاكره في الأمور الروحية، وفي متابعة المعترف في خطة روحية يرسمها له، ومتابعته في تداريبه الروحية.
5- ويكون أب اعتراف حسب التدبير، ولا يأخذ بالوجوه.
فلا يجامل أعضاء مجلس إدارة الكنيسة، ولا كبار الأغنياء والمتبرعين، ولا أصحاب المناصب الكبيرة. إنما يقول الحق صريحًا، ولكن لا يجرح فيه أحدًا فالخطأ هو الخطأ، أيًا كان مرتكبه عظيمًا أو رفيع المقام…
6- من شروط أب الاعتراف أيضًا أن يحتفظ بسرية الاعتراف.
سواء بطريقة مباشرة واضحة، أو بطريقة غير مباشرة، بالتلميح أو الإشارة أو يمكن للبعض استنتاج ما يقصده ومن يقصده حتى لو طلب منه ذلك في المحكمة فالاعتراف يدخل فيما يعرف قانونًا باسم “سر المهنة” مثل السر الذي يحفظه المحامي بالنسبة إلى متهم أو السر الذي يحفظه المحاسب أو البنك بالنسبة إلى مالية إنسان أو السر الذي يحفظه طبيب بالنسبة إلى أسرار مرضاه التي إن أعلنت أساءت إليه…
7- مفروض في أب الاعتراف أن تكون له فضيلة الاحتمال.
يحتمل المعترفين إليه، وحالتهم النفسية، ويحتمل خطاياهم ومتاعبهم ومشاكلهم يحتمل ضغوطهم كالذين يصرون على موافقته على شيء معين وإلا غضبوا وثاروا فهو لا ينقاد طبعًا إلى طلباتهم، ويحاول أن يشرح لهم الوضع السليم وإن تعبوا منه في ذلك يحتمل تعبهم.
كذلك يحتمل ضغوط أسرة المعترف عليه التي تطلب منه أن يرشد ابنها إرشادًا معينًا كأن يضغط عليه في طريقة الصوم. أو يمنعه مثلًا من تكريس حياته لله، أو يمنعه من كثرة الخدمة أو من زيارة الأديرة… إلخ فالمفروض في أب الاعتراف أنه لا يخضع إلا لضميره وإرشاد روح الله له، ومثل هذه الأسرة عليه أن يقنعها بالوضع السليم، دون أن يكشف حالة ابنها الروحية…
وبذلك يشعر المعترف أن أباه في الاعتراف يأخذ إرشاده له من روح الله وليس من ضغوط أسرته.
8- والمفروض في أب الاعتراف أن يعطي وقتا لأوده.
يخصص أيامًا للاعتراف، ولا يكون مستعجلًا جدًا في تلقي الاعترافات ولا يشعر أولاده أن اعترافاتهم ثقل عليه كما أن عليه أن يطمئن عليهم ويسأل عنهم، ويشعرهم أنهم موضع اهتمامه.
المشكلة هي أن آباء الاعتراف المشهورين، غالبيتهم مشغولون.
ليس لديهم الوقت الكافي فيحدث نقص في مثالية الاعتراف والإرشاد والمتابعة.
9-يجب على أب الاعتراف أن يهتم بعنصر الصلاة في الاعترافات.
فيصلي من أجل المعترفين إليه، ومن أجل أن يحل الله مشاكلهم.
ويصلي أن يلهمه الله الإرشاد السليم ويصلي قبل تلقي الاعتراف وربما أثناءه بصلوات سرية ويصلي بعد الاعتراف أيضًا ومن المشهورين في الصلوات الخاصة بالاعترافات المتنيح القمص ميخائيل إبراهيم وصلواته كان لها طابع معين.
10- وأب الاعتراف ليس مجرد جهاز تسجيل لسماع الاعتراف.
ويقتصر على هذا!! بل يجب أن يكون عنصرًا إيجابيًا في مساعدته للمعترف على كشف نفسه وفي قيادته له روحيًا وتوصيل تلك النفس إلى الله، وفي تسهيل الطريق الروحي لها، والتدرج معها حتى تصل.
وإن أعطى المعترف تداريب روحية يجب أن تكون في مستوى إمكاناته ولا يعطي تداريب واحدة لكل أحد بل لكل شخص بما يناسبه.
يجب أن يكون أب الاعتراف طيبًا وحازمًا، ولا بد أن يتأكد من توبة المعترف.
11- وهناك شروط يتبعها أب الاعتراف، إن عاقب أحد أبنائه في الاعتراف.
لا بد أن تكون العقوبة لأجل فائدة المعترف، ولا تكون لمجرد العقاب ويستحسن أن تكون موضوعية لعلاجه مما أخطأ فيه. ويشعر بفائدة العقوبة له روحيًا.
12- إن كان هناك اعترافات خاصة بخطيئة مشتركة.
فلا يجوز لأب الاعتراف أن يصر على معرفة اسم الطرف الآخر المشترك في الخطية. لأن هذا الأمر كثيرًا ما يسبب مشاكل متعددة إن كان سبب الطلب هو محبة الاستطلاع. فهذا خطأ روحي يجب أن يترفع عنه أب الاعتراف. وإن كان بسبب هداية الطرف الآخر فكيف له أن يكشف له مصدر معرفته وإلا يكون قد أفشى الاعتراف أما إذا اتفق الاثنان على الاعتراف لهذا الأب، فيكون هذا منهما، وليس بسبب إصرار منه على المعرفة.
13- يجب أن يكون أب الاعتراف لطيفًا مع الذين لم يتعودوا الاعتراف.
وبخاصة الكبار منهم. وذلك حتى يتعودوا على الاعتراف بغير حرج. ولا يحاول في أول جلسة اعتراف أن يعصرهم عصرًا ليستخرج كل ما فى دواخلهم مرة واحدة، فيخرجون من عنده وهم مرهقون نفسيًا للغاية ويتمنون لو لم يعترفوا.
إنما الاعتراف كسائر الفضائل – يمكن أن ينمو الإنسان في ممارسته. وكلما نما روحيًا، وكلما اطمئن إلى أب الاعتراف حينئذ يجد نفسه مستعدًا إلى ما لم يقله من قبل وأيضًا كلما تذكر خطية ماضية لم تكن على ذهنه وقت اعترافه يكون مستعدًا أن يقولها بل مشتاقًا أن يريح نفسه بأن يذكرها ويأخذ عنها حلًا.
14- مفروض في أب الاعتراف أن يشجع المعترفين على الاعتراف.
وبخاصة الذين لا يعرفون كيف يعترفون، أو الذين يمنعهم الخجل من الكلام أو من الإفضاء بما يتعبهم ذكره. ولكن لا يكون ذلك بأن يسألهم أسئلة ربما تفتح أذهانهم إلى أمور ما كانوا يعرفونها من قبل… ولا يظن أن كل الناس يعرفون كل شيء عن كل الخطايا.
كذلك عليه- بالنسبة إلى الذين يحكون حكايات طويلة لا لزوم لها في الاعتراف – أن يعرفهم طريقة الاعتراف والتركيز وليس سرد حكايات.
15- من مهمة أب الاعتراف أن يتفاهم مع المعترف في طريقة علاجه من خطاياه.
فليس عمل أب الاعتراف هو مجرد سماع الاعتراف وقراءة التحليل. إنما من أهم مسئولياته أن يعالج المعترف من أخطائه، وخطاياه وعاداته الرديئة وهذا الأمر لا يصدر فيه مجرد أوامر أو نصائح إنما يحسن أن يتفاهم فيه مع المعترف بالطريقة الممكنة والمفيدة عمليًا والمناسبة لنفسيته وظروفه.
16- كذلك عليه أن ينصح المعترف بأن يصلح نتائج خطيئته.
فإن كان قد ظلم أحدًا في شيء ينصفه فيما ظلمه فيه وإن كان قد سرق يعيد ما سرقه وإن لم يستطع يتخلى عن المال الحرام. وإن كان قد شهر بإنسان يرد له اعتباره وإن كان قد أساء إلى أحد، يذهب ليصالحه ويعتذر له. وقراءة التحليل لا تعني بقاء نتائج الخطية كما هي.
إن سهولة منح التحليل بلا توبة، لا تصلح المعترف.
هناك مشاكل أخرى خاصة بالاعتراف مثل تغيير أب الاعتراف. ومشكلة الذين يتناولون وهم ثابتون على خطاياهم، وطريقة اعتراف البنات والسيدات والعقوبة على الخطية والتداريب الروحية التي تُعطى للمعترفين، وغير ذلك.
[1] مقالة لقداسة البابا شنوده الثالث: الرعاية (5) – أب الاعتراف شروطه ومواهبه وعمله، وطني 9 يوليو 2006



