أبونا أنسطاسي

قصـــــــة العـــــــــدد
أبونا أنسطاسي1
اندهش أبونا أنسطاسي جدًا عندما استيقظ، فأحس كأن لفافة فوق وجهه، فرفع يده ليبعدها عنه، فسقط شيء من يده، فتحسسه فإذا هو صليب…
كان الظلام يسود المكان. وتعجب أبونا أنسطاسي من هذا جدًا، لأنه تذكر أن نافذة قلايته، كانت مفتوحة عندما رقد لينام، وأن نور القمر كان يتخلل المكان ويضيء الغرفة!!…
ثم ما هذه الرائحة العجيبة التي يشمها؟ حاول أن يعرف سرها فلم يستطع. رائحة تشبه الموتى…!
وكان بعض الوقت قد مر عليه، وقد ألفت عيناه الظلام. فدقق النظر جيدًا لعله يبصر. وهنا وقف شعر رأسه في خوف وفزع، واضطرب جسده كله. فوضع كفيه على عينيه يزيل المنظر من أمامهما. ولكنه لما رفع يديه وجد المنظر كما هو: أكوام من عظام في بعض الأركان، وأجساد مسجاة حواليه على الأرض، وكل جسد منها يرتدي” تونية” بيضاء، وعلى وجهه لفافة، وفي يده صليب… لا شك أنه في طافوس الدير.
وهنا تملكه خاطر عجيب، حاول أن يبعده عن نفسه فلم يستطع… وبحركة لا شعورية نظر إلى ذاته، فوجد أنه هو أيضًا يلبس تونية بيضاء، وكان ما استطاع أن يراه من شعر لحيته أبيضًا كله، ولم تكن فيها من قبل سوى ثلاث أو أربع شعرات بيضاء… أدرك الحقيقة المذهلة، وهي أنه في طافوس الدير…! فما الذي حدث له؟
هل مات حقًا، وأقامه الله من الأموات؟ … أم وقع رهبان الدير في خطأ، وظنوه ميتًا فدفنوه؟ … أم هناك تعليل ثالث؟ …
إنه لا يعرف… ومع ذلك هناك حقيقة خطيرة واضحة أمامه، وهي أنه على الأقل ميت في نظر الناس… وعرف أيضًا حقيقة أخرى، وهي أنه لا يستطيع أن يخرج عن هذا الوضع، إذ كيف يمكن للناس أن يروا أمامهم ميتًا قد دفنوه بأنفسهم!! أعصابهم لا تحتمل، وعقولهم أيضًا لا تحتمل.
إذن عليه أن يقضي بقية حياته كميت داخل الطافوس…
كانت هذه تجربة جديدة عليه في الحياة. كيف يمكن أن يحيا هكذا؟!
في أول يوم تعب تعبًا شديدًا. كانت الرائحة كريهة ومنتنة لا يستطيع أن يحتملها. ولكنه قال لنفسه: “المفروض أنني تركت تنعمات العالم وعليَّ أن أحيا هكذا”. وتذكر قصة الأنبا أرسانيوس عندما كان يترك الماء الذي يبل فيه الخوص دون تغيير حتى ينتن، ويقول إن تلك النتونة عوض عن الروائح الطيبة التي كان يتمتع بها في القصر الإمبراطوري… وما لبث أبونا أنسطاسي أن تعود هذا الوضع: أن يحيا وسط العظام، وأن يحتمل تلك الرائحة ويألفها.
بقيت أمامه مشكلة الطعام… كيف يأكل؟!
لم يكن لديه في الطافوس أي نوع من الطعام، وما كان ممكنًا أن يجلب أطعمة من الدير ويحفظها…! إنما كان يخرج كل ليلة في الظلام حوالي منتصف الليل، ويأكل بعضًا من الثمار أو الخضروات الموجودة في حديقة الدير، أو بقية أكل في إناء نسي الطباخ أن يغسله، أو مجرد خبزة وقليلاً من الملح، وذلك يكفي… ثم يقضي اليوم كله صائمًا حتى يحين نصف الليل مرة أخرى… وهكذا قضى سنوات طويلة لم تبصره فيها الشمس آكلا، وفي الواقع لم تبصره الشمس على الإطلاق…
طبعًا لم تكن لديه في الطافوس أية أدوات أو أوان… وهنا تذكر أبونا أنسطاسي كيف كان يحتفظ في قلايته بعشرات المعدات في المطبخ وبألوان من الأطعمة والأواني.
أما الآن فليس لديه شيء منها، وهو يعيش من غيرها جميعًا كما كان يعيش القديس الأنبا بيجيمي السائح بدون أدوات على الإطلاق في مغارته. وهنا شعر أبونا أنسطاسي بخجل من حياته الماضية.
بدأ ضميره يوبخه. كيف كان – وهو راهب – يحتفظ بأشياء كثيرة كانت تبدو ضرورية في ذلك الحين!! وقد ثبت الآن عمليًا أنه استطاع أن يعيش من غيرها… وهنا تذكر عشرات الأدوات الأخرى التي كان يستخدمها في قلايته في ذلك الزمان: من أدوات مكتب، وأثاثات، وصور، وملابس، وأغطية، ونثريات عديدة لا تدخل تحت حصر. وأنبه ضميره كثيرًا على ذلك كله. ما معنى الفقر الذي كان قد نذره يوم رسامته؟! أين التجرد؟ وهنا بحث مع نفسه مشكلة “الضروريات والكماليات”، إنها ولا شك مسألة تتوقف على مدى تجرد الشخص وتقييمه للاحتياجات…
أما الآن فقد استطاع أبونا أنسطاسي أن يحيا في الدير وهو لا يملك شيئًا على الإطلاق، في حياة تجرد كامل.
حتى القلاية، المسكن الخاص. إنه يحيا الآن في الطافوس، ولا يستطيع أن يعتبره قلايته الخاصة. إنه غريب أيضًا حتى في هذا المكان. في حياته الأولى، كانت له قلاية ومحبسة،لا يستطيع أحد أن يدخلها دون إذنه، يغلقها ويفتحها كما يشاء بمفتاح يحتفظ به معه. أما الآن فإنه لا يملك التصرف في المكان الذي يعيش فيه. لو أدخلوا عليه شخصًا جديدًا، لا يمكنه أن يحتج ولا أن يفتح فمه. بل مجرد أن يسمع دقات حزينة من جرس الدير، يسرع إلى وضعه كميت ويرقد نفس الرقدة ويغطي وجهه بلفافة، حتى إن فتحوا الطافوس لدفن الميت الجديد يجدون كل شيء كما تركوه…
حتى الكتب لم يكن يملك عنها أبونا أنسطاسي شيئًا…
إذن كيف كان يقضي وقته؟ وهنا أحس خطأه القديم… في ذلك الزمان كان هدفه أن يملأ عقله بالمعلومات: يقرأ عشرات الكتب، ويصبح دائرة معارف، وربما لا يجد وقتًا فيه يتأمل ما قرأه… أما الآن فإذ لا توجد لديه كتب، بدأ يجتر المعلومات المخزونة في ذاكرته، ويتأمل… أحيانًا كان يستغرق في آية واحدة بضعة أيام. يغوص في أعماقها، ويكشف له الروح أسرارًا عجيبة… حتى كان يصرخ في فرح مع داود: “لكل كمال رأيت منتهى، أما وصاياك فواسعة جدًا” عرف أنه كان يعيش قديمًا على القشور، قشور المعرفة السطحية… وعندما كانت تضغطه الرغبة في القراءة كان يذهب في الظلام إلى الكنيسة ويقرأ قليلًا في هدوء، ويرجع…
وعاش أبونا أنسطاسي حياة عزلة كاملة وصمت…
لم يكن يزور أحدًا طبعًا، ولم يكن أحد يزوره، وطبعًا عاش في صمت كامل لا يتحدث إلى أحد… في إحدى المرات كان بعض الرهبان يتكلمون خارج الطافوس، وكان يسمع أصواتهم ولا يعلق بشيء… هل المعلومات التي يقولونها صحيحة أم خاطئة؟ هل هى كاملة أم ناقصة؟ ليس له أن يتدخل. ما شأنه؟ إنه ميت، وفي مرة أخرى سمع رهبانًا خارج الطافوس يتحدثون في أخبار الآباء الأولين، ثم ورد إسمه على ألسنتهم. ذكره البعض بالخير وانتقده آخرون. أما هو فصامت لا يشكر المادح ولا يجادل المنتقد، إنه ميت.
في ذات مرة مرض أبونا أنسطاسي وطبعًا لم يزره طبيب ولم يأخذ دواءً ولا أي نوع من العلاج، ولا تغذية ولا تقوية. احتمل في هدوء وفي صمت. حتى كلمة العزاء لم تصل إليه، إذ لم يفتقده أحد… بل كان أحيانًا لا يستطيع حتى مجرد التأوه عندما يحس أن أحدًا خارج الطافوس. وظل هكذا حتى شفي…
في إحدى المرات وهو يمشي ليلًا. رآه راهبان… فصاح أحدهما وهرب. أما الآخر فظنه أحد السواح أو أحد القديسين القدامى، فتقدم إليه وركع، وطلب إليه أن يباركه… فلم يجادل وإنما أطاع، وضع يده عليه وباركه، ومضى مسرعًا نحو الطافوس… وأشيع في الدير أن قديسًا ظهر لبعض الرهبان واعتكف أبونا أنسطاسي جملة أيام لا يخرج إطلاقا. لم يأكل فيها ولم يشرب.
عاش أبونا أنسطاسي بعيدًا بالكلية عن العالم وأهله. كان في ذلك الزمان يكتب رسائل لكثيرين منهم، أما فإنه ميت… وهكذا بعد عن الخطابات، وأيضًا عن المجلات والجرائد، وعن الأخبار عمومًا. لا تصله أخبار العالم، ولا أخبار الكنيسة، ولا حتى أخبار الدير، وبمرور الوقت بدأ ينسى الأخبار القديمة أيضًا…
كان قديمًا يشعر أن الدير محتاج إليه، وأنه عمود من أعمدة الدير، شخص مهم يقوم بمسؤوليات عديدة! أما الآن فعرف أن الدير ما يزال ديرًا بدونه…
وكذلك الكنيسة… تخلو فيها أحيانًا بعض المناصب والمسئوليات، فلا يرشحه أحد لشيء منها، إنه ميت… وهو أيضًا لا يفكر في هذه الأمور ولا يعلم بها…
وإذ لم يكن له ما يشغله سوى الله، عاش حياة الصلاة الدائمة…
في ذلك الزمان – قبل موته – كان يقضي ليالي كثيرة في القراءة، وفي الكتابة، وفي الترجمة، وفي التأليف، وفي النساخة، وفي أمور خارجة عن نفسه. أما الآن، فإنه لا يستطيع أن يقرأ أو يكتب بالليل، إذ لا توجد كتب، ولا إضاءة. فأصبح يقضي الليل كله في الصلاة وتذكر قول مار اسحق: “الليل مفروز لعمل الصلاة” وكان يعمل فيه أيضًا أعماله الضرورية في الدير…
ونما في الصلاة كثيرًا. حتى تحولت حياته إلى صلاة. لم يعد في عقله إلا الله، وبمرور الوقت نسي التذكارات القديمة إذ ليس شيء جديد عالمي يضاف إليه، بدأ عقله الباطن يتنقى من كل ما فيه من أخبار العالم وذكرياته واهتماماته… وهكذا زالت الطياشة من صلاته. وبدأ يصل إلى نقاوة القلب وإلى نقاوة الفكر، وإلى الانحلال من الكل والارتباط بالواحد.
تنقى من الأفكار الخاطئة… ولكن فكرًا واحدًا ظل يحاربه:
قال لنفسه: هأنذا قد عرفت الرهبنة الحقيقية. ومارست الموت الكلي عن العالم والاتصال الكامل بالله، فماذا يمنع أن أظهر للدير وأحيا هكذا؟
شجعه على هذا الفكر طول المدة التي قضاها في الطافوس بحيث نسيه الناس. كثير من زملائه القدامى رآهم يدفنون معه في الطافوس. وغالبية رهبان الدير الآن من الجدد الذين لم يعاشروه. والباقون من زملائه قليلون، ولا يتوقعون رؤيته. وإن رأوه لا يتعرفون عليه، فقد تغيرت هيئته من فعل الشيخوخة ومن النسك.
وحاول أبونا أنسطاسي أن يطرد هذا الفكر ويقول لنفسه: “وما جدوى أن يراني الناس لقد كنت أشتهي في ذلك الزمان أن أحيا وحيدًا وبعيدًا عن الناس متفرغًا لله وحده وها أنا قد نلت ما أريد، فلماذا أفكر في تغيير حالتي!” ثم تعود الأفكار فتحاربه قائلة:
“إنك فعلت هذا مضطرًا، وما أجمل أن تفعله بإرادتك”! ومرت عليه فترة طويلة في مقاتلة الأفكار.
وأخيراً جاءت ليلة خطيرة جدًا في حياته…
وفي تلك الليلة، اشتدت عليه الأفكار جدًا. فركع أبونا أنسطاسي، وسكب نفسه أمام الله في حرارة شديدة، وقال: “مبارك أنت يا رب في جميع احساناتك إليَّ. أنت يا رب حنون وشفوق عليَّ جدًا، وقد عاملتني بما لا أستحق، ووهبتني هذه الحياة المنعزلة. حللتني من الكل وربطتني بك… غير أني أشعر أنني عشت هذا الطقس مضطرًا. أريد أن أحيا فيه بإرادتي من أجل حبك… إنها فكرة، أو إنها شهوة، قد تكون جيدة وقد تكون رديئة. ولكنني على أية الحالات أعرضها عليك، لأنني لا أستطيع أن أخفي عنك شيئًا. ولتكن إرادتك..”.
وأحنى أبونا أنسطاسي رأسه وبكى. لم يسمع أحد صوته. ولكن السماء سمعت. فتقدم واحد من الأربعة والعشرين قسيسًا الجلوس حول عرش الله، وأخذ هذه الصلاة في مجمرته الذهبية وصعد بها إلى فوق… ونام أبونا أنسطاسي والدمع يبلل لحيته البيضاء.
إنه لا يدري كم مرّ عليه من الوقت وهو نائم، أهي ساعة أم دهر! كل ما يدريه أن جرسًا دق دقات عنيفة. إنه جرس نصف الليل الذي يسمعه كل ليلة وهو في الطافوس… وفتح أبونا أنسطاسي عينيه واندهش جدًا، وقال في نفسه: “ما هذا الذي أراه؟ … ودارت رأسه فنام ثم استيقظ على صوت جرس آخر، لعله جرس باكر. ففتح عينيه، وإذا هو أمام المنظر الأول، فاندهش وزاد تعجبه: وجد أمامه نافذة مفتوحة، ونور القمر يدخل المكان ويضيئه كله…! ونظر إلى ذاته فوجد أنه يلبس رداء أسود. وتأمل المنظر حوله فوجده يشبه تلك القلاية التي كان يعيش فيها في ذلك الزمان فوضع يده على رأسه وأخذ يفكر! وأخيرًا عرف السرّ… هل كان ماحدث له حلمًا أم رؤيا أم درسًا في الرهبنة؟ لا يدري ولكنه أدرك الهدف منه…
ومنذ ذلك الحين تغيّرت حياته كلية…
بدأ حياة الوحدة والنسك التي تعوّدها خلال “عشرات السنوات”. وأخذ يمارس الصلاة الدائمة كما كان يمارسها في الطافوس… وعندما كانت الضرورة تدعوه للخروج من قلايته لعمل خاص بالمجمع، كان يسير في هدوء، لا يلتفت يمنة ولا يسرة… وكان الرهبان يميزونه بصمته وبجسمه النحيل. وبأدبه الغزير وتواضعه… وبرأسه المنكس إلى الأرض… وكان بين الحين والحين يرفع رأسه قليلًا، ويهزها هزة بسيطة، لكي ينفض عن عينيه قطرات من الدموع تمنعه من رؤية ما هو قدام…
- مقال لنيافة الأنبا شنوده أسقف التعليم – مجلة الكرازة- السنة الأولى – العدد الأول – يناير 1965




