آداب الحديث والمناقشة

تكلمنا في الأعداد الماضية عن الصمت والكلام: متى يجب أن يتكلم الإنسان، ومتى يصمت. وفوائد الصمت، وفوائد الكلام، وصفات الكلام الجيد. ونتكلم اليوم عن “آداب الحديث والمناقشة”…
آداب الحديث والمناقشة1
† إذا كنت وسط مجموعة، كن آخر المتكلمين. قدم غيرك على نفسك:
لا تظن أنك أفضل الموجودين، وأقدرهم على الكلام، ولا تبدأ بالكلام. ولا تحاول أن تجيب على كل سؤال وجه إليك أو إلى غيرك. انتظر إلى أن يتكلم الآخرون، وخذ في حديثك المتكأ الأخير، وبخاصة إن كان هناك من هم أكبر منك سنًا، أو أكبر منك مقامًا، أو أكثر منك علمًا. وأتبع قول الآباء في (البستان):
إذا جلست في وسط الشيوخ، فلا تتكلم
وإن سئلت عن رأيك في شيء، فقل لا أعرف.
إن أليهو بن برخئيل البوزي في قصة أيوب الصديق جلس صامتًا، تاركًا أيوب وأصحابه الثلاثة يتكلمون (28 إصحاحًا)، وهو لا يفتح فمه، لأنهم كانوا “أكثر منه أيامًا”. وأخيرًا فتح فاه، لما فشل كل هؤلاء في الحديث، فقال لهم: “أنا صغير في الأيام، وأنتم شيوخ. لأجل ذلك خفت، وخشيت أن أبدي لكم رأيي. قلت الأيام تتكلم، وكثرة السنين تظهر حكمة” (أي 32: 6، 7).
† انتظر حتى تدرس الحديث الذي يجري أمامك، وحينئذ إذا تكلمت يكون لكلماتك وزن، لأنك لم تتكلم بسرعة.
وتكون لتأخرك في الحديث غايتان: الأدب، والحكمة.
† إذا دعوك إلى الحديث، يمكنك أن ترد بعبارات مؤدبة. البركة فيكم – كيف أتكلم وفلان موجود؟ ليتفضل فلان، فإنه يفهم في هذا الموضوع أكثر مني -ليتني أستمع واستفيد – في الحقيقة أنا لم أدرس هذا الموضوع جيدًا – أخاف أن أتكلم فأضيع وقتكم.
† ليكن هذا الاتضاع في قلبك، قبل أن تلفظ هذا بلسانك.
وإن تكلمت هكذا، فلتكن كلماتك بمشاعر صادقة، وليست بطريقة متصنعة، وإنما هو تعبير حقيقي عما في الأعماق.
† وإن كنت ترى أنك لا تستحق الكلام، فبالأولى أنك لا تقاطع غيرك أثناء حديثه.
لا تسكت غيرك، لكي تتكلم أنت. فإن هذا يدل على عدم احترامك لمحدثك، أو عدم احترامك لحديثه، أو ثقتك بنفسك وتفضيل ذاتك عليه. كما أنك إذا قاطعته، لا يكون هو مستعدًا لسماعك. وقد تتدخلان معًا في تبادل للمقاطعات دون فائدة…
† إذا جلست تتحدث مع مجموعة، فلا تأخذ الجلسة لحسابك الخاص.
أعط لغيرك فرصة، لكي يتحدث هو أيضًا، ويعبر عن رأيه. ولا تشعره بأنه غريب في مجلسك. بل أطلب من غيرك أن يتكلم هو. وقل له في مودة: “يسرنا أن نسمع رأيك”. لا تظن أن باقي الحاضرين لا يفهمون مثلك. ولا تضع نفسك موضع من يدير دفة الحديث، ويقبل ما يعجبه من آراء، ويرفض ما لا يعجبه…
† إن أخطأ أحد في الحديث، فلا تكشفه، ولا تجرحه، ولا تتهكم عليه، ولا تتعرض لأخطائه في قسوة.
لا تحطم الناس. خذ الخير الذي في حديثهم، وأترك الباقي. اظهر الرأي السليم في إيجابية ووقار، دون أن تحطم أصحاب الآراء الأخرى… امدح النقط البيضاء التي في حديث من أخطأ، قبل أن تتعرض لأخطائه. ثم اذكر رأيك إلى جواره، وليس فوق حطامه.
إن المسيحية ليست مجرد صليب نعلقه على صدورنا، أو نختمه على أيدينا، إنما هي حياة مقدسة مخبأة داخلنا، تظهر مشرقة في أفعالنا وأقوالنا…
† لا تظن أن الكرامة كل الكرامة في أن تتحدث، أو أن تبدأ بالحديث، أو أن تقود الحديث وتسيطر عليه…!
† ربما يكون صمتك أكثر كرامة لك أمام الناس من كلامك.
† قد تبدأ بالحديث، ارتجالا، وبغير دراسة. ويقف غيرك ممن درس الموضوع أكثر منك، فيحلل رأيك وينقده، ويظهر ما فيه من أخطاء. بينما لو أنك تأخرت في الحديث، حتى تسمع أولًا ما يقوله غيرك، لكان كلامك أكثر احتراسًا، واحتفظت بكرامتك.
† حاذر من أن تدعي المعرفة بكل شيء، وتشترك في كل موضوع… لا مانع في بعض التخصصات من أن تقول لا أعرف.
هناك عبارات لا تقلل أبداً من شأنك، بل تدل على صدقك ودقتك، مما يجلب احترام الناس لك. كأن تقول: في الواقع أنا لم أدرس هذه النقطة – أو أنا غير متأكد من هذه النقطة – هذا الموضوع أحب أن أسمعه…
† أشكر غيرك على كل كلمة نافعة تسمعها منه:
وليكن منك ذلك بروح طيبة وابتسامة رقيقة، كأن تقول: أشكرك على هذه المعلومات المفيدة – لقد استفدت اليوم كثيرًا من هذا الحديث – في الحقيقة إنك دارس لهذا الموضوع دراسة جميلة…
† إن كنت تعرف ما سيقوله محدثك، فلا تخجله وتسكته:
إنما استمع إلى كلامه في هدوء، كما لو كنت تسمعه لأول مرة. واظهر إعجابك بالرأي ما دام يستحق الإعجاب. ولا تسبقه بالكلام، فيقطع حديثه ويخجل.
† لا تمدح نفسك أثناء حديثك، ولا تقله بطريقة تستوجب المديح
ولا يكن الغرض من حديثك هو مديح الناس لك. ولا تكن فيه روح التباهي والإعجاب بالنفس: وفي حديثك عن كل عمل طيب عملته، لا تنس المجهود الذي قام به الغير، مشتركًا معك في نجاح العمل. ولا تنس نعمة الله التي أعانتك. لا تركز على ذاتك فقط. فهذا لا يتفق مع الاتضاع، والمستمع لا يستريح إليه…
† في حديثك مع الناس، لتكن لك فضيلة حسن الاستماع.
كثير من الناس يريدون من يسمعهم، ويبحثون عن أذن تصغي إليهم. حتى إن كنت تعرف كل ما سيقولونه، يكفي أن تصغي، وهم يسرون بذلك. فأعط فرصة لغيرك كي يتكلم.
† وإذا تكلمت، فليكن صوتك هادئًا، متزنًا، وديعًا
ابعد عن الصوت العالي، إلا لضرورة، فإن الله عندما كلم إيليا، كلمه “بصوت منخفض خفيف” (1 مل 12:19).
ابعد عن صخب الصوت، واعرف أن قوة الكلام في منطقه وفي إقناعه، وليس في علوه وفي حدته.
† وفي المناقشات: إذا وجدت الحق في الجانب الآخر، فلا تماحك:
اعترف بالحق، ولا تغالط. فإن المغالطة تفقدك احترام الناس، وتثيرهم ضدك. كما أنك لا تكون فيها شخصًا روحياً…
† في المناقشة “لا يكن هدفك أن تغلب الناس وتهزمهم:
الأفيد أن تربحهم، وأن تقنعهم، لا أن تخسرهم حتى إن كسبت المناقشة. مثال ذلك، كان القديس ديديموس الضرير: الذي استطاع أن يهدي إلى الإيمان كثيرًا من الفلاسفة الوثنيين، بأسلوبه المهذب.
بعض الناس يظنون الانتصار في أن يحطموا من يناقشهم، ويضحكوا الناس عليه، ويزموه. ولكن الإنسان الناجح هو الذي يربح مناقشه، وبهذا يربح المناقشة. ولا يخجل إلا المكابرين والمتكبرين.
إذا تنازل خصمك عن رأيه، أتركه ينسحب دون إذلال:
لا تحاول أن تريق ماء وجهه، أو أن تشعره بالهزيمة، أو تشعر بذلك الذين يستمعون إليكما. لا تتسبب في احراج أحد. المهم أن تصل معه إلى الحق، وليس إلى رفعة نفسك.
† هناك أمور تحتاج أن تكلم فيها غيرك على انفراد:
بعض المناقشات تكون أنجح وأفيد على انفراد. كما قال الرب: “وإن أخطأ إليك أخوك، فاذهب وعاتبه بينك وبينه وحدكما” (مت18: 19ت). من الجائز أن يعترف بخطئه أمامك على انفراد، ولكنه لا يفعل ذلك أمام الناس…
† أحيانًا تكون طريقة الأسئلة أفيد من إلقاء الأحكام:
قبل أن تصدر حكمًا، اسأل كثيرًا. وهناك أسئلة إيحائية يمكن أن توصل بها ما تريد من معلومات دون أن تقولها، وتكون أخف على الأذن وأكثر قبولًا… الله نفسه أستخدم طريقة الأسئلة.
+ في كلامك كن دقيقًا، وتخير الألفاظ بحكمة:
كلمات كثيرة يمكنك أن تستبدلها بغيرها، وتكون أفضل، وتؤدي نفس المعنى بدون أن تخطيء. فكن حكيمًا في انتقاء الألفاظ. وقل الكلام بميزان. ولا تدع أحدًا يمسك عليك كلمة…
† ليكن كلامك بقدر. وحافظ على وقت محدثك:
لا يصح أن تطيل الكلام في موضوع لا يستحق الإطالة. وإن رأيت محدثك مشغولًا، ويريد أن ينهي الحديث، وقد يخجل من ذلك، حاول أن تنهي أنت هذا الحديث في لباقة. وإن وجدته قد اقتنع بفكرة، فلا داعي أن تستمر في الحديث والشرح لئلا يمل.
† وكما تحافظ على وقت محدثك، حافظ أيضًا على مشاعره:
ارقب مشاعره أثناء الحديث، وتصرف بما ينبغي اعرف وقع حديثك على أذنيه، ومدى تأثره ومدى التفاته وانتباهه. ووجه الحديث بما يناسب الحالة.
† في حديثك مع الناس، لا تضغط عليهم في معرفة أسرارهم:
احترس من الأسئلة التي تمس حياة الناس الخاصة. ولا تحاول أن تعرف ما ليس من حقك أن تعرفه. ولا تضغط على إنسان في أن يقول لك ما يحرص على كتمانه من أسراره الخاصة، أو من أسرار أسرته أو أصدقائه.
† لا تكن لحوحًا بطريقة تتعب من تحدثه:
إن وجدته غير مستعد لما تريد، فلا تصر على أن تنال بغيتك في نفس الوقت متجاهلًا أعصاب محدثك. وإنما إرجئ الموضوع إلى مناسبة أخرى يكون فيها أكثر قبولًا. الناس عموماً يتضايقون ممن يلحون عليهم.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السابعة (العدد السادس) 6-2-1976م




