يجب أن يكون الأسقف ناسكًا

يجب أن يكون الأسقف ناسكًا[1]
النسك هو صفة أساسية من صفات الأسقف، هو إحدى الفضائل الاثنتى عشرة التي ترتل له في الكنيسة. وهو وصية أساسية أوصى بها السيد الرب تلاميذه القديسين عندما أرسلهم للخدمة قائلًا لهم: “لا تحملوا ذهبًا ولا فضة ولا نحاسًا في مناطقكم”. وهكذا أرسلهم وليس لهم شيء سوى نعمته، ترن في آذانهم وصيته القائلة: “لا تحملوا معكم شيئًا للطريق”.
لا تكنزوا لكم كنوزًا على الأرض.
السيد المسيح نفسه عاش بمبدأ “الصندوق الفارغ”. كان هناك صندوق يدفع فيه المؤمنون صدقاتهم، وكان الصندوق يفرغ باستمرار إذ توزع محتوياته على المساكين. ولعل هذا كان ما يتعب يهوذا الذي كان الصندوق معه، وهكذا عندما طُلبت الجزية من الرب يسوع، لم يجد ما يدفعه، فأمر بطرس أن يلقي شبكة في البحر، فتخرج سمكة داخلها إستار فيدفع الجزية.
وكالسيد المسيح عاش تلاميذه فقراء، لا يكنزون لهم كنوزًا على الأرض. كل الذين كان عندهم ممتلكات كانوا يبيعونها ويأتون بأثمانها ويضعونها تحت أقدام الرسل، فهل احتفظ الرسل بهذه الأموال لأنفسهم؟ كلا، بل كانوا يوزعونها على الناس، كل واحد كما يكون له احتياج (أع4: 35). أما هم- أي الرسل- فظلوا فقراء لا يملكون شيئًا. طلب المقعد الجالس عند باب الهيكل صدقة من بطرس الرسول، فأجابه: “لَيْسَ لِي فِضَّةٌ وَلاَ ذَهَبٌ” (أع3: 6). على أنه كان له اسم يسوع الذي به أقام المقعد من شلله.
تحضرنى بهذه المناسبة قصة أحد باباوات رومه. زاره أحد الفلاسفة فأراه البابا الكاتيدرائيات الضخمة والقصور والتمائيل والذهب والأحجار الكريمة والغنى العظيم الذي للبابوية، وعلق على ذلك بقوله في فخر: “لقد مضى الوقت الذي قال فيه بطرس: ليس لي ذهب ولا فضة”. فأجابه الفيلسوف متحسرًا: “نعم، ومضى أيضًا الوقت الذي قال فيه بطرس للمقعد: قم، فقام”.
عاش آباؤنا القديسون فقراء
مار مرقس أتى إلى مصر بحذاء ممزق، كان سببًا في إيمان أنيانوس. ويعقوب الرسول كان مشهورًا بالتقشف الزائد، وبولس الرسول كان يعمل بيديه حاجاته وحاجات أخوته. كان يعيش في جوع وفي برد وعري. ويلخص حاليته هذه وحالة رفقائه بقوله: “كَفُقَرَاءَ وَنَحْنُ نُغْنِي كَثِيرِينَ، كَأَنْ لاَ شَيْءَ لَنَا وَنَحْنُ نَمْلِكُ كُلَّ شَيْءٍ” (2كو6: 10).
وتحدث الآباء الرسل عن نسك الأسقف، فورد عنه في الباب الثالث من الدسقولية: “ولا تكون سيرته التلذذ، ولا يأكل شيئًا مختارًا.. ليكن الأسقف غير محب للربح الفادح، ولا يحب الكثرة، ولا يكون مشتهيًا، ولا محبًا للدينار، ولا يكون كثير النفقة.. ويكون أيضًا:
غير محب للكثرة.
وورد في الباب الخامس من الدسقولية: “فلينل الأسقف طعامه وكسوته بقدر الكفاف، كما يليق بالحاجة والعفاف. ولا ينل من مال بيت الرب كأنه له رأس مال، بل بقدر، لأن الفاعل مستحق أجرته، ولا يكون مسرفًا، ولا يشته، ولا يزين ثيابه بل ما هو قيام للجسد لا غير”. وقيل عنه في الباب 36: “ويكون.. غير مهتم بأمور العالم، ولا يحب الفضة، ولا يتعلق بها بسبب.. ولا يسعى في شيء مما يتعلق بهذا العالم..
أن أرملة فقيرة تستطيع أن تتكفل بحاجيات الأسقف، كما حدث لإيليا النبي العظيم.
ما أروع المتنيح الأنبا أبرام أسقف الفيوم كمثل للأسقف الناسك الفقير. كانت تصله أموال لا تُحصى من تبرعات ونذور المؤمنين. ولكن كل ما كان يصله كان يوزعه على الفقراء أولًا بأول. وعاش الأنبا إبرام في دار بسيطة للأسقفية سقفها من أفلاق النخل، وعلى فراش بسيط، وأثاثات محتقره، ولم يزين صدره بصليب أو سلسلة من ذهب، وكان يلبس الرث من الثياب. وفي بعض المرات سلموه مالًا لبناء أسقفية فوزعه للفقراء، واشتروا له أثاثًا فوهبه لفتاة فقيرة مخطوبة، وأعطوه قماشًا لفراجية فتصدق به..
أيضًا ما أروع المثال الذي تركه القديس البابا متاؤس في النسك، خلف له سلفه البابا غبريال الرابع ما يزيد عن 100,000 درهم، وزعها جميعاه على المساكين، وكان لا يترك لذاته شيئًا إلا ويتصدق به، وأن لم يجد كان يتصدق بالبساط الذي تحته، ومرة تصدق بثوبه ووزرته، وحينًا آخر بالدواة النحاس الموضوعة أمامه، ومرة تصدق بشاله، وحتى ملابسه الكهنوتية كان يتصدق بها أيضًا.. وكلما كان ينفق، كان الله يبارك ويرسل أكثر..
هذا هو الأسقف، إنسان فقير لا يملك شيئًا، وكل ما يصل إلى يده يوزعه على المساكين أو ينفقه في مشروعات البر، انسأل بعد حدا:
من يرث الأسقف؟
هناك سؤال خطير قيل هذا، هو: هل للأسقف مال يورث؟
الأسقف حاليًا يختار من بين الرهبان، وهو- كراهب- قد نذر الفقر، فأصبح لا يملك شيئًا، إذن فهو لا يورث، لأنه ليس له مال خاص يورثه لغيره.
الأسقف ترثه إيبارشيته
المال الذي في عهده الأسقف، هو ملك للإيبارشية، وما الأسقف إلا مجرد وكيل يتصرف فيه لمصلحة الشعب، والإيبارشية لم تمت حتى نورث”.
الأسقف كراهب نذر الفقر، ليس له مال خاص يورث. كل ماله ملك للإيبارشية، والإيبارشية لم تمت حتى تورث!
إذن كل ما يتركه الأسقف المتنيح هو ملك للإيبارشية، ينبغي أن يبقى محفوظًا فيها لخدمة شعبها ومشروعاتها، حتى يسام أسقف جديد لها، فيتولي التصرف فيه، لا لنفسه وإنما لإيبارشيته..
كل ما يتركه الأسقف هو ملك للإيبارشية.
[1] مقالة لنيافة الأنبا شنوده أسقف التعليم: يجب أن يكون الأسقف ناسكًا، بمجلة الكرازة مارس 1966




