وراثة الخطية الأصلية
يتناول قداسة البابا شنوده الثالث في هذه المحاضرة قضية لاهوتية مهمة وهي: هل يرث الإنسان الخطيّة الأصليّة أم فقط فساد الطبيعة؟ ويؤكد قداسته أن الإيمان الأرثوذكسي يعلّم أن الإنسان يرث الخطيّة نفسها التي دخلت إلى العالم بآدم، لا مجرد فساد الطبيعة فقط، وأن هذا هو سبب احتياج البشرية إلى الفداء.
🔹 الإنسان في صلب آدم
يشرح البابا أن البشرية كلها كانت في “صلب آدم” وقت سقوطه، تمامًا كما شرح الرسول بولس في الرسالة إلى العبرانيين عن لاوي الذي كان في صلب إبراهيم عندما باركه ملكي صادق. وبالتالي، فكل نسل آدم اشترك في حكم الموت الذي صدر عليه بعد السقوط.
🔹 معنى المزمور: بالآثم حبل بي وبالخطية ولدتني أمي
يُفسّر البابا هذه الآية بأن المقصود ليس الزواج أو الولادة الجسدية، بل الخطيّة الأصلية التي ورثتها الأم عن آدم، ومن خلالها انتقلت إلى أولادها. فالإنسان يولد بالخطيّة لا بسبب عمل شخصي، بل بسبب الطبيعة الساقطة التي وُلد منها.
🔹 الرد على الاعتراضات
يرد البابا على من يقول إن وراثة الخطيّة تجعل الزواج وسيلة لنقل الخطيّة، موضحًا أن الزواج طاهر ومقدس، والله لم يضعه كأداة للشر، بل كوسيلة للحياة. الخطيّة لا تأتي من الأداة بل من سوء الاستخدام. والله وهب للبشر طريق الخلاص من وراثة الخطيّة وهو سر المعمودية، الذي يطهر الإنسان من الخطيّة الأصلية.
🔹 الفرق بين فساد الطبيعة ووراثة الخطيّة
إذا كانت المشكلة مجرد “فساد طبيعة”، لكان الحل هو التقديس فقط، لا الفداء. لكن لأن الخطيّة وراثية وتحمل عقوبة الموت، فكان لابد من الفداء والكفارة ودفع ثمن العدل الإلهي. لذلك تجسد المسيح ليحمل العقوبة نيابة عن البشر، ويغفر لهم بخلاصه على الصليب.
🔹 العدل الإلهي والفداء
يشرح البابا أن محبة الله لا تُلغي عدله، بل العدل والرحمة التقيا في الصليب. الله أحب العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به — فالمحبة الإلهية تجلت في عمل عملي هو غفران الخطيّة بدفع ثمنها. فالمسيح لم يأتِ ليعبّر عن المحبة بالكلام، بل ليُظهرها بالفعل بموتٍ كفاريٍّ عن العالم.
🔹 محبة الله عملية وليست عاطفية
يؤكد البابا أن محبة الله ليست مجرد عاطفة أو مشاعر، بل عمل خلاصي فعلي — محبة تحمل الخطيّة، وتغفرها، وتفدي الإنسان من الموت الأبدي. فالصليب ليس رمز حب مجرد، بل هو ذبيحة فداء رفعت حكم الموت عن البشر وأعادت المصالحة بين الله والإنسان.
🔹 الخلاصة الروحية
الإنسان يرث الخطيّة الأصلية، لكن الله بدافع محبته وعدله افتداه بدم المسيح. هذا الفداء لم يكن إلغاءً للعقوبة بل تحقيقًا للعدل بالرحمة. لذلك، الإيمان المسيحي يقوم على الاعتراف بالخطيّة الأصلية، والتمسك بعمل الفداء كطريق الخلاص الحقيقي، مع السعي للتوبة والحياة المقدسة في نعمة الله.



