نحن.. والسماء

نحن.. والسماء[1]
اريد أن أحدثكم اليوم عن السماء نحن نعيش على الأرض ولكننا لسنا أرضيين، ونحن نعيش في العالم ولكننا لسنا من أهل العالم، نعيش في العالم ونعلم أن محبة العالم هي عداوة لله، فالوصية تقول: “لاَ تُحِبُّوا الْعَالَمَ وَلاَ الأَشْيَاءَ الَّتِي فِي الْعَالَم” (1يو 2: 15).
نحن نعيش في العالم ونعلم أننا غرباء فيه.. موطننا الأصلي هو السماء، وهو الوطن الثابت الدائم الذي نستقر فيه إلى غير ما نهاية، ولهذا كانت الكنيسة توجهنا إلى السماء.
والسيد المسيح نفسه كان يوجهنا دائمًا نحو السماء، يريد أن تتعلق عقولنا وقلوبنا بالسماء، ويقول لنا: “لاَ تَكْنِزُوا لَكُمْ كُنُوزًا عَلَى الأَرْضِ… لأَنَّهُ حَيْثُ يَكُونُ كَنْزُكَ هُنَاكَ يَكُونُ قَلْبُكَ أَيْضًا” (مت 6: 19 -21).
وهذه السماء عندما نصلي نتوجه إليها دائمًا، ونرفع أنظارنا نحو السماء، بل أن الكنيسة تُشيّد على شكل قبة رمزًا للسماء، وأطلق عليها القبة السماوية، وترسم النجوم على سقوف الكثير من الكنائس رمزًا للسماء.. والكنيسة تعتبر سماء، وخيمة الاجتماع كانت رمزًا للسماء وكذلك الهيكل..
إن الله يريدنا أن نفكر دائمًا في السماء لأنه إذا فكرنا في الأرض.. تشبثنا بالأرض وارتبطنا بها، ولكننا إذا فكرنا في السماء ارتبطنا وتعلقنا بها.. وأحببناها.
فأنت إذا فكرت كثيرًا في العالم.. أحببت هذا العالم، وإذا فكرت في السماء.. أحببت السماء.
إن يعقوب أب الآباء عندما ظهرت له الملائكة وعرف أنه في مكان مقدس أخذ الحجر الذي وضعه تحت رأسه ودشنه وقال: “مَا أَرْهَبَ هذَا الْمَكَانَ! مَا هذَا إِلاَّ بَيْتُ اللهِ، وَهذَا بَابُ السَّمَاءِ” (تك 28: 17) لقد شعر يعقوب أن بيت الله باب يوصل إلى السماء.
أنه ليست لنا مدينة باقية ونحن على الأرض، لقد أقر آباءنا أنهم غرباء على الأرض واشتهوا المدينة التي لها أساسات قد صنعها الرب، وبولس الرسول يقول: “لأَنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّهُ إِنْ نُقِضَ بَيْتُ خَيْمَتِنَا الأَرْضِيُّ، فَلَنَا فِي السَّمَاوَاتِ بِنَاءٌ مِنَ اللهِ.. أَبَدِيٌّ” (2كو 5: 1).
إن السماء هي مسكن الملائكة، والكتاب يقول دائمًا: “ملائكة السماء”، وعند موت السيد المسيح كان جند السماء يرتلون.. ويقول الكتاب أيضًا: “لأَنَّ مَلاَكَ الرَّبِّ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ وَجَاءَ وَدَحْرَجَ الْحَجَرَ عَنِ الْبَابِ” (مت 28: 2) وهكذا فإن السماء مكان الملائكة، وعندما يدعونا الله إلى السماء يدعونا أيضًا إلى عشرة الملائكة ولذلك يتكلم السيد المسيح دائمًا عن ملكوت السماوات، فقد وجد أن الناس مشغولون بالأرض وممالك الأرض واكتساب مُلك على الأرض فقال: “مَمْلَكَتِي لَيْسَتْ مِنْ هذَا الْعَالَمِ” (يو18: 36).
وبدأ يوجه الناس إلى هذه السماوات، والذي يقرأ عظة الجبل التي هي أكبر دستور للمسيحية يجد عبارة السماوات تتردد كثيرًا، وأول عبارة منها “طُوبَى لِلْمَسَاكِينِ بِالرُّوحِ، لأَنَّ لَهُمْ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ” (مت 5: 3).. ويقول أيضًا: “اِفْرَحُوا وَتَهَلَّلُوا، لأَنَّ أَجْرَكُمْ عَظِيمٌ فِي السَّمَاوَاتِ” (مت 5: 12). “فَصَلُّوا أَنْتُمْ هكَذَا: أَبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ” (مت 6: 9).
إن السيد المسيح يوجهنا دائمًا إلى السماء لكي يكون تفكيرنا فيها. إن حياتنا الروحية تضعف عندما يقل تفكيرنا في السماء، ومحبتنا للأرض والماديات تزيد باِزدياد تفكيرنا في الأرض والماديات.
ليكن تفكيركم في الأرض والأرضيات قليلًا. وليزداد تفكيركم في السماء والسماويات لتحبوا الله والسماء التي قيل إنها كرسي الله والأرض موطئ قدميه.
إن الله موجود حقًا في الأرض والسماء، ولكن لكي يثبت تفاهة الأرض وحقارتها فإنه يقول عنها إنها: “مَوْطِئُ قَدَمَيْهِ”،.. أما السماء فقد قال عنها إنها: كرسي الله وعرش الله لكي يرينا عظمة السماء التي يتجلى فيها المجد الإلهي، ويظهر الله فيها ملكًا مطاعًا مشيئته تنفذ.
إن السماء كما يذكرها الكتاب مصدر للبركة والخير فيقول: “ببركات السماء” (تك 49: 25).. وعندما بارك إسحاق ابنه قال: “فَلْيُعْطِكَ اللهُ مِنْ نَدَى السَّمَاءِ” (تك 27: 28). إن مطر السماء ونور السماء رمز للبركة أيضًا ولذلك شُبَهتْ خيرات الله إنها مطر على الصالحين والطالحين.. الأطهار والأشرار..
لقد زين الله السماء بالنجوم والكواكب والشمس والقمر وجعلها منيرة لكي يحبها الناس.
ولقد شبه المؤمنون بالنجوم في المجد والرفعة وقيل إنهم يضيئون كالكواكب إلى أبد الدهور.. إن الله يريدنا مثل الكواكب وشبه نفسه بالشمس “شَمْسُ الْبِرِّ” (ملا 4: 2) وقال: “اَلسَّمَاوَاتُ تُحَدِّثُ بِمَجْدِ اللهِ، وَالْفَلَكُ يُخْبِرُ بِعَمَلِ يَدَيْهِ” (مز 19: 1)
إن السماء تمثل النور.. والعلو والطهارة.. تمثل مسكن الله. في البدء خلق الله السماء والأرض، وذكر السماء قبل أن يذكر الأرض، وفي الإنسان تشبه الروح بالسماء والجسد يشبه بالأرض. إن فيك شيئًا سماويًا هو الروح. خفيف يصعد إلى فوق لأنه ليس ماديًا ثقيلًا كالأرض.
وفي حياتنا الأخرى سنعطى أجسادًا سماوية غير هذه الأجساد الأرضية لأن بولس يقول: “وَأَجْسَامٌ سَمَاوِيَّةٌ” (1كو 15: 40). ومن الجميل أن تسمى القديسة العذراء مريم “سماء ثانية”.
إن السماء ستكون مصيرنا الأبدي، ويحدثنا سفر الرؤيا عن أورشليم السماوية ويصفها بأوصاف جميلة جدًا. “وَالْمَدِينَةُ لاَ تَحْتَاجُ إِلَى الشَّمْسِ وَلاَ إِلَى الْقَمَرِ لِيُضِيئَا فِيهَا، لأَنَّ مَجْدَ اللهِ قَدْ أَنَارَهَا، وَالْخَرُوفُ سِرَاجُهَا” (رؤ 21: 23) ويقول أيضًا: “هُوَذَا مَسْكَنُ اللهِ مَعَ النَّاسِ” (رؤ 21: 3)
وفي صلواتنا نتكلم عن المكان الذي سنذهب إليه بأنه المكان الذي هرب منه الحزن والكآبة.
هذه هي السماء.. علينا أن نتأمل فيها وفي الجند السماوي وفي الشاروبيم والسيرافيم.. علينا أن نتأمل في كل السمائيين والرئاسات والأرباب والعروش والقوات والملائكة ورؤساء الملائكة وأرواح القديسين والكنيسة المنتصرة.
لقد أعطى الله فكرة بسيطة عن السماء للقديس يوحنا الحبيب في سفر الرؤيا.. “بَعْدَ هذَا نَظَرْتُ وَإِذَا بَابٌ مَفْتُوحٌ فِي السَّمَاءِ” (رؤ 4: 1) فتكلم عما رآه. وفي ساعة العماد شاهد مثل حمامة (يو3: 32).
وساعة استشهاد القديس إسطفانوس رأى مجد الله وقال: “هَا أَنَا أَنْظُرُ السَّمَاوَاتِ مَفْتُوحَةً، وَابْنَ الإِنْسَانِ قَائِمًا عَنْ يَمِينِ اللهِ” (أع 7: 56).
كثيرون شاهدوا أشياء في السماء وتحدثوا عنها، بولس الرسول صعد إلى السماء الثالثة فانعقد لسانه وقال أن هناك: “مَا لَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى بَالِ إِنْسَانٍ: مَا أَعَدَّهُ اللهُ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ” (2كو 2: 9).
إن السماء جمال ومتعة لا يُستطاع وصفها!! إننا نبكي على الموتى الذين يكونون في حالة استعداد، ولو خُيرَّ هؤلاء الموتى أن يعودوا لرفضوا..
نحن نبكي دائمًا على الموتى لأننا لم نحس بجمال السماء بعد.. لإننا لا نفكر في السماء، ولهذا نبكي على الذين يذهبون إلى السماء.
وإذا كنا نقول أنهم قد انتقلوا إلى الأمجاد السماوية فلماذا البكاء عليهم؟!
إن أجمل ما في السماء هو عشرة المسيح نفسه، أن يكون الإنسان معه في كل وقت، ويراه وجهًا لوجه.. إننا نسمع الأغنية التي يرتلها المائة والأربعة والأربعون ألفًا البتوليون.. ونرى كل ما رآه يوحنا في الرؤيا، وأشياء أخرى كثيرة لم يستطع أن يعبر عنها، نرى ما لم تره عين، بل ونسمع ما لم تسمع به أذن.
إن محبتنا الكثيرة للأرض تربطنا بشهوات الأرض، وعدم حديثنا عن السماء يرجع إلى أننا لا نفكر فيها ولا نقرأ عنها.
لقد أراد السيد المسيح أن يربطنا بالسماء ومحبتها وقال: “أَنَا هُوَ الْخُبْزُ الْحَيُّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ” (يو6: 51) لكي يرينا أن طعام الحياة لا بد أن ينزل من السماء. وقال: “اِعْمَلُوا لاَ لِلطَّعَامِ الْبَائِدِ، بَلْ لِلطَّعَامِ الْبَاقِي لِلْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ” (يو6: 27).
لقد تكلم السيد المسيح عن نفسه، على اعتبار أنه الوحيد الذي نزل من السماء، لأنه ليس أحدًا صعد إلى السماء إلا الذي نزل من السماء.
وفي قصة الصعود؛ أن السيد المسيح صعد إلى السماء وأخذته سحابة عن أعين التلاميذ، وبينما كانوا يشخصون إلى السماء وهو منطلق، إذا برجلين قد وقفا بلباس أبيض وقالا: “أَيُّهَا الرِّجَالُ الْجَلِيلِيُّونَ، مَا بَالُكُمْ وَاقِفِينَ تَنْظُرُونَ إِلَى السَّمَاءِ؟ إِنَّ يَسُوعَ هذَا الَّذِي ارْتَفَعَ عَنْكُمْ إِلَى السَّمَاءِ سَيَأْتِي هكَذَا كَمَا رَأَيْتُمُوهُ مُنْطَلِقًا إِلَى السَّمَاءِ” (أع 1: 11).
إن السيد المسيح الذي صعد إلى السماء سيأتي مرة ثانية، يقول الكتاب: “يأتي على سحاب السماء وحوله الملائكة والجند السماوي. وحوله أرواح القديسين، ويأتي بمجد عظيم لكي يأخذنا معه إلى السماء”.
هذه الصورة الجميلة.. المسيح صاعد إلى السماء وصورة مجيئه ظلت راسخة في قلوب المسيحيين زمانًا طويلًا.
إن أولاد الله يعيشون روحيًا في شبه السماويات، يعيشون في الرموز التي ذكرها السيد المسيح عن السماويات ولكنهم لم يصلوا إلى حقيقة هذه السماء بعد.
عليكم دائمًا أن تفكروا في هذه السماء.. وعليكم أن تفكروا أكثر في إله السماء الذي قيل عنه أنه أعلى من السماوات.. وأيضًا: “طَأْطَأَ السَّمَاوَاتِ وَنَزَلَ، وَضَبَابٌ تَحْتَ رِجْلَيْهِ وَهَفَّ عَلَى أَجْنِحَةِ الرِّيَاحِ” (مز 18: 9، 10).
وينظر الرسول إلى السماوات ويقول: “سبحي الله تَرَنَّمِي أَيَّتُهَا السَّمَاوَاتُ”! (إش44: 23).
وعندما عاد التلاميذ فرحين بخضوع الشياطين لهم باسمه قال: “وَلكِنْ لاَ تَفْرَحُوا بِهذَا: أَنَّ الأَرْوَاحَ تَخْضَعُ لَكُمْ، بَلِ افْرَحُوا بِالْحَرِيِّ أَنَّ أَسْمَاءَكُمْ كُتِبَتْ فِي السَّمَاوَاتِ” (لو10: 20).
أريدكم أن تأخذوا التأمل في السماء ولو لفترة أسبوع من حياتكم.. أريدكم أن تفكروا في السماء وتروا إلى ماذا سيوصلنا هذا التأمل والتفكير؟!
إننا سنفرح بالسماء ونتأمل سكانها ومجدها وصفاتها، وفي كل الأمور المتعلقة بالسماء والتي توصل إلى السماء وأوصاف ملكوت السماوات وأوصاف الناس التي تعيش فيها سوف نشعر أن لها وجودًا في حياتنا الخاصة ونعمل على صداقتها.. وسوف نشعر أيضًا أن هذه السماء التي نعيش فيها أجمل من هذه السماوات القائمة.. “ثُمَّ رَأَيْتُ سَمَاءً جَدِيدَةً وَأَرْضًا جَدِيدَةً، لأَنَّ السَّمَاءَ الأُولَى وَالأَرْضَ الأُولَى مَضَتَا” (رؤ21: 1).
إن البشر ينفقون عشرات الملايين لكي يصلوا إلى نجم من نجوم السماء.. ولنا أن نتصور حال من يعيشون دائمًا في السماء. وليس جزءًا من هذه السماء المادية.
إن أفكارنا ما زالت أرضية ترابية، ولا بد أن يُبذَل جُهد كبير وعمل جبار لإنقاذ أفكارنا من الأرض والأرضيات لتصبح أفكارنا سماوية.
أنني أدعوكم لأن تكون أفكاركم سماوية ولو ليوم واحد كتدريب.. دعكم من الأفكار الأرضية واتركوها عندما تأتيكم.
أدعوكم ليوم واحد تعيشون فيه في السماويات.. وسترون كيف تصبح أفكاركم ورغباتكم وتأملاتكم وكلماتكم سماوية.. وكشيء جزئي ادرسوا شيئًا عن الملائكة وعلاقة الملائكة بالسماء وبالله، وكذلك علاقتهم بالبشر.. خذوا فكرة عن الناس الذين صعدوا إلى السماء، وفكرة عن عمل الله في السماء، إن الله عندما خلق المخلوقات وليس فقط الملائكة التي لا ترى قال: “حَيَوَانَاتِ الأَرْضِ وَكُلِّ طُيُورِ السَّمَاءِ” (تك 9: 2). وأصبحت طيور السماء ترمز إلى أفكار الناس الروحانية التي تصعد إلى فوق إن الطيور لا تحلق إلى فوق إلا إذا كانت خفيفة..
علينا أن نتجه إلى السماء من القلب فإن الذين أحبوها من القلب ثقلت الأرض عليهم.
وإذا لم نذهب إلى السماء كلية فلنذهب إليها بأفكارنا وتأملاتنا.. ولنأخذ فكرة عنها إن لم ندخل فيها..
علينا على الأقل أن نتأمل السماء من بعيد وأن نحبها وتكون لنا علاقة بملائكة السماء وجند السماء ورب السماء.
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في جريدة وطني بتاريخ 4-2-1973م





