موسى النبى، بدء الخدمة، ومراحل عمل الرب للإنقاذ

موسى النبي
3- بدء الخدمة، ومراحل عمل الرب للإنقاذ[1]
اعتذار، واعتذارات
هناك فرق بين اعتذار موسى عن الخدمة واعتذارات آخرين.
1- لم يكن مثل اعتذار يونان، الذي هرب من الرب.
ولم يهرب تواضعًا، لشعور بالضعف أو عدم الاستحقاق، إنما هرب حفاظًا على كرامته، وحفاظًا على نفاذ كلمته.
خاف أن ينادي على مدينة نينوى بالهلاك. ويعود الرب فيتراءف عليها، وهكذا تسقط كلمة يونان!! لهذا هرب. ولما دخل الرب معه في عتاب، بعد توبة نينوى، قال يونان للرب وهو مغتاظ: “… لِذَلِكَ بَادَرْتُ إِلَى الْهَرَبِ إِلَى تَرْشِيشَ لأَنِّي عَلِمْتُ أَنَّكَ إِلَهٌ رَأُوفٌ وَرَحِيمٌ بَطِيءُ الْغَضَبِ وَكَثِيرُ الرَّحْمَةِ وَنَادِمٌ عَلَى الشَّرِّ” (يون4: 2).
2- لم يكن اعتذار موسى عن عدم اهتمام بالخدمة. أو رغبة في الانشغال بأمور العالم.
كما حدث للبعض ممن دعاهم رب المجد يسوع المسيح. فقال أحدهم: “يَا سَيِّدُ ائْذَنْ لِي أَنْ أَمْضِيَ أَوَّلًا وَأَدْفِنَ أَبِي”، وقال آخر: “ائْذِنْ لِي أَوَّلًا أَنْ أُوَدِّعَ الَّذِينَ فِي بَيْتِي” (لو9: 59، 61).
أو أولئك الذين دعاهم إلى العشاء العظيم “فَابْتَدَأَ الْجَمِيعُ بِرَأْيٍ وَاحِدٍ يَسْتَعْفُونَ. قَالَ لَهُ الأَوَّلُ: إِنِّي اشْتَرَيْتُ حَقْلًا وَأَنَا مُضْطَرٌّ أَنْ أَخْرُجَ وَأَنْظُرَهُ. أَسْأَلُكَ أَنْ تُعْفِيَنِي. وَقَالَ آخَرُ: إِنِّي اشْتَرَيْتُ خَمْسَةَ أَزْوَاجِ بَقَرٍ وَأَنَا مَاضٍ لأَمْتَحِنَهَا. أَسْأَلُكَ أَنْ تُعْفِيَنِي. وَقَالَ آخَرُ: إِنِّي تَزَوَّجْتُ بِامْرَأَةٍ فَلِذَلِكَ لاَ أَقْدِرُ أَنْ أَجِيءَ”… (لو14: 18- 20).
3- لم يكن اعتذار موسى عن عدم غيرة، وإنما عن عدم قدرة… ولم يكن مجرد كلام اتضاع، وإنما كان شعورًا حقيقيًا بالضعف.
وأسئلته الكثيرة التي قدمها للرب في اعتذاراته، كانت دليلًا على أنه كان يأخذ الموضوع بطريقة جدية، ويعرض مشاكل هذه الخدمة أمام الله.
والله لم يقبل اعتذارات موسى، وثبت دعوته.
ومنحه هارون، والعصا. وشرح له ماذا يفعل…
والأمر الجميل الذي يستدعي الانتباه في موضوع العصا، قول الكتاب: “وَأَخَذَ مُوسَى عَصَا اللهِ فِي يَدِهِ” (خر4: 20).
هذه كانت إذًا عصا الله، وليست عصا موسى.
والمعجزات التي صنعها موسى، لم يصنعها بعصاه، وإنما بعصا الله… تلك العصا التي قال له الله عنها: “وَتَأْخُذُ فِي يَدِكَ هَذِهِ الْعَصَا الَّتِي تَصْنَعُ بِهَا الآيَاتِ” (خر4: 17).
بداية متعبة
قال الرب لموسى: “اذْهَبِ ارْجِعْ إِلَى مِصْرَ لأَنَّهُ قَدْ مَاتَ جَمِيعُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَانُوا يَطْلُبُونَ نَفْسَكَ” (خر4: 19).
وهذا يشبه بعض الشيء، ما قاله ملاك الرب ليوسف النجار، وهو هارب في مصر من وجه هيرودس: “قُمْ وَخُذِ الصَّبِيَّ وَأُمَّهُ وَاذْهَبْ إِلَى أَرْضِ إِسْرَائِيلَ لأَنَّهُ قَدْ مَاتَ الَّذِينَ كَانُوا يَطْلُبُونَ نَفْسَ الصَّبِيِّ” (مت 2: 20).
إن الله يصدر أوامره في الوقت المناسب، الذي يبعد فيه الخطر عمن يرسلهم.
مات فرعون الذي بينه وبين موسى إشكال.
ولكن جاء فرعون آخر بينه وبين الشعب إشكال.
وهنا أصبحت الحرب بين فرعون والرب، وليس بين فرعون وموسى.
وبدأت خدمة موسى، حسب أوامر الرب.
نفذ كل شيء أمره الرب به، فحلت به المتاعب!!
كيف؟ ولماذا؟ وما الحكمة الإلهية في كل هذا؟ ولماذا سمح؟
هارون قابل موسى في الطريق، فأخبره موسى بجميع كلام الرب… وجمعا كل شيوخ بنى إسرائيل، وحدثاهم بكلام الرب، وأن الرب افتقدهم ونظر إلى مذلتهم. فآمن الشعب، وخروا وسجدوا (خر4: 27- 31).
إلى هنا، كل شيء طيب.
ولكن لما تحدث موسى وهارون مع فرعون انقلب الأمر تمامًا.
وبدا أن وعد الرب بالخلاص، قد صار سببًا لمتاعب جديدة.
اتهم فرعون موسى وهارون بأنهما يبطلان الشعب عن أعماله…
وبعد أن كان يصرف للشعب التبن مع الطين لصنع الطوب، أمر بعدم صرف التبن، إنما يجمعونه لأنفسهم، ويثقل عليهم في العمل… فلما اشتكوا قال لهم: “مُتَكَاسِلُونَ أَنْتُمْ مُتَكَاسِلُونَ. لِذَلِكَ تَقُولُونَ: نَذْهَبُ وَنَذْبَحُ لِلرَّبِّ…” (خر5: 17).
وتذمر الشعب من موسى وهارون، واشتكوهما إلى الله.
ووقف موسى يعاتب الرب…
“يَا سَيِّدُ لِمَاذَا أَسَأْتَ إِلَى هَذَا الشَّعْبِ؟ لِمَاذَا أَرْسَلْتَنِي؟”.
“فَإِنَّهُ مُنْذُ دَخَلْتُ إِلَى فِرْعَوْنَ لأَتَكَلَّمَ بِاسْمِكَ أَسَاءَ إِلَى هَذَا الشَّعْبِ. وَأَنْتَ لَمْ تُخَلِّصْ شَعْبَكَ” (خر5: 22، 23).
بدا أن موسى قد فشل على طول الخط!!
لا هو قام بالإصلاح المطلوب.. بل الشعب زادت أثقاله.
ولا هو كسب الشعب الذي قال له ولهارون: “يَنْظُرُ الرَّبُّ إِلَيْكُمَا وَيَقْضِي لأَنَّكُمَا أَنْتَنْتُمَا رَائِحَتَنَا فِي عَيْنَيْ فِرْعَوْنَ وَفِي عُيُونِ عَبِيدِهِ” (خر5: 21).
وكان الشعب يقول لهما: ابعدا عنا، فهذا أفضل لنا.
وأصبح موقف موسى وهارون حرجًا للغاية، أمام فرعون، وأمام الشعب، وأمام نفسيهما.
وبدا أن الله لم يخلص شعبه!!
أين وعودك يا رب؟ وأين وقوفك معنا في وجه فرعون وعبيده؟! فرعون هذا الذي لم يأبه باسم الله! وازدادت قسوته!
“فَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: الآنَ تَنْظُرُ مَا أَنَا أَفْعَلُ بِفِرْعَوْنَ” (خر6: 1).
وكانت خطة الرب في إنقاذ الشعب تشمل مراحل معينة.
أربع مراحل
في الواقع إن قصة إنقاذ الرب للشعب من عبودية فرعون، أخذت عدة مراحل، لعلها أربع مراحل.
1- المرحلة الأولى كانت بين الله وموسى.
دعوة موسى، والتفاهم معه واقناعه، لكي يقبل هذه الخدمة ويقوم بها. وأخذت هذه المرحلة دورًا قد شرحناه، ووافق موسى، وانضم إليه هارون بدون نقاش.
2- المرحلة الثانية كانت بين الله وفرعون.
وهي التي قال الله لموسى عن بدايتها “الآن تنظر ماذا أنا أفعل بفرعون… وكما أطال الله أناته على موسى، في دعوته، كذلك أطال أناته على فرعون… إلى آخر حدود الصبر وطول الأناة…
لماذا؟ وكيف؟ هذا ما سوف نشرحه فيما بعد…
3- المرحلة الثالثة كانت بين الله وشعب إسرائيل.
في تذمره وعناده في البرية، قيادته لم تكن سهلة! وقال عنه الرب إنه صلب الرقبة… (خر32: 9) (خر33: 3، 5) بل عبد هذا الشعب الأوثان، ورفض الرب (خر32) وصبر الرب عليه وتشفع فيه موسى…
عجيب أن الله يريد أن يخلص قومًا، وهم لا يريدون لأنفسهم الخلاص.
يريد أن يقودهم إلى أرض تفيض لبنًا وعسلًا، وهم لا يريدون!! ويشتهون الكرات والبصل والثوم.
يشبه هذا ما قاله السيد المسيح لهم فيما بعد: “كَمْ مَرَّةٍ أَرَدْتُ… وَلَمْ تُرِيدُوا” (مت 23: 37).
4- المرحلة الرابعة: بين الله وشعوب الأرض.
هؤلاء الذين كان كأس غضبهم لم يمتلئ بعد… وكانوا أيضًا وثنيين وبعيدين عن الله.
وقصة الخلاص دخلت في هذه المراحل الأربع.
ونبدأ بدور الله مع فرعون…
[1] مقالة لقداسة البابا شنوده الثالث: موسى النبي، 3- بدء الخدمة ومراحل عمل الرب للإنقاذ، بمجلة الكرازة 9 /2 /1990




