الأستاذ نظير جيد

خدمة الأستاذ نظير جيد في مدارس الأحد (1939م)
خدمة الأستاذ نظير جيد في مدارس الأحد (1939م)
بدأ الأستاذ نظير جيد خدمته في مدارس الأحد سنة 1939م، وكان عمره وقتها نحو 16 سنة، وهو ما زال طالبًا في المرحلة الثانوية، وبعد ذلك نمى في خدمة مدارس الأحد، إلى أن أتى عليه وقت، كان يخدم في عدة فروع في أسبوع واحد.
يقول قداسته: "أول مدارس أحد دَرَسْتَهَا كانت في كنيسة مهمشة، لأن كنيسة مهمشة كانت هي كنيسة الكلية الإكليريكية في ذلك الحين، قبل أن تصبح كنيسة للشعب..
ودَرّست في جمعية النهضة الروحية في شارع فؤاد بشبرا.. حيث كان كاهن الكنيسة يعتبر أن مدارس الأحد ضد النظام وضد الهدوء، وكان لا يسمح لنا بالتدريس فكنا ندرّس في جمعية مجاورة هي جمعية النهضة الروحية بشبرا.. ودَرّست في كنيسة مار مينا.. ودَرست في كنيسة العذراء في روض الفرج.. ودَرّست في بيت مدارس الأحد في روض الفرج.. وتخصصت في كنيسة الأنبا انطونيوس في شبرا..
ولكن مع وجودي في كنيسة الأنبا أنطونيوس في شبرا، كنت أُدَرِس يوم الأحد الساعة 7,15 مساءً فصل شباب يحضره غالبية المدرسين في مدارس الأحد.. وكنت في نفس اليوم الساعة 5 أو 5,30 أُدَرِس في كنيسة العذراء روض الفرج.. وفي صباح يوم الجمعة كنت أُدَرِس في بيت مدارس الأحد.. وكان الفصل الذي أُدَرِسه في كنيسة العذراء بروض الفرج في مستوى ثقافة وتوجيهية، يعني ثانوية عامة، والفصل الذي كنت أُدَرِسه كنت أُدَرِسه في بيت مدارس الأحد في مستوى أولى في الجامعة.. والفصل الذي كنت أُدَرِسه في كنيسة الأنبا أنطونيوس مدرسين أو إعداد مدرسين".
وكان الأستاذ نظير قد بدأ خدمة مدارس الأحد في كنيسة الأنبا أنطونيوس ابتداء من عام 1946م، حيث قاد اجتماع أسرة الأنبياء في منتصف الأربعينيات، كما خدم باجتماع الشباب، وصار يُدرِّس في الفصل الكبير، أي الفصل الذي يحضره مدرسون أو إعداد مدرسين.
يقول قداسته: "الواقع أن نشاطي كان مُتعددًا، فقد كان عليَّ أحيانًا التدريس في ثلاث كنائس خلال الأسبوع. كان الدرس الرئيسي لديَّ في كنيسة الأنبا أنطونيوس في شبرا، وكان هناك درس آخر في كنيسة العذراء في روض الفرج، ودرس ثالث في بيت مدارس الأحد في روض الفرج. كان الدرس الأول يوم الجمعة صباحًا، والثاني بعد ظهر الأحد، والثالث في السابعة مساءً".
ومنذ ذلك الوقت بدأت ميوله للرهبنة وفاتح أب اعترافه فيها الذي أخذ يدربه على حياة الصلاة والهدوء والتأمل والنسك. دون أن يعلم أي أحد بهذا.
كان وشقيقاه خطهم جميعًا جميل. ولكنه كان يحرص أن يجتهد كل عمل وكل موهبة يجدها في ذاته. فلكي يتقن الخط أكثر التحق لعدة أشهر بمدرسة للخطوط ليدرس الخط العربي بأصوله وقواعده حتى أنه نسخ كتبًا بخط جميل وظل يحب الكتابة حتى نياحته. وهكذا كان يتقن كل أمر في حياته بدقة. ودرب نفسه على السير بجدية وأمانة فى كل أمر صغيرًا أو كبيرًا".
على هذا النحو خدمته في مدارس الأحد فقد بدأت في جمعية النهضة الروحية المجاورة لكنيسة العذراء بمسرة، ثم انتقل إلى كنيسة الأنبا أنطونيوس بشبرا حيث قاد اجتماع أسرة الأنبياء في منتصف الأربعينيات، كما خدم باجتماع الشباب الشهير بكنيسة الأنبا أنطونيوس بشبرا.
النبوءة تتحقق
في إحدى أمسيات شتاء ۱۹۳۹م التقى مجموعة من الشبان الخدام برائدهم مُعلم الجيل الأرشیدیاكون حبيب جرجس فقال مُشجعًا إياهم:
حسبكم أن تقدموا لمسيحكم ولكنيستكم هذه الخدمة الجليلة وهي تربية النشء الصغير داخل الكنيسة، ورعاية الشباب رعاية روحية في أحضان بیت الله.. فمنكم سيكون الكاهن والراعي في المدينة والقرية، والراهب المتعبد في الدير.. ومنكم سيكون الأسقف.. ومن يدري فلعله يكون منكم البطريرك..!! ولم تمض سوى سنوات قليلة حتى انطلق الأستاذ نظير جيد إلى دير السريان عام 1954م وصار راهبًا.
وفي 30 سبتمبر عام 1962م رُسم أسقفًا للتعليم، واختارته العناية الإلهية في 14 نوفمبر عام 1971م ليكون بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية. وهكذا تحققت نبوة الأستاذ حبيب جرجس.
ثقافات متعددة للشاب نظير في سن مبكرة
ثقافات متعددة للشاب نظير في سن مبكرة
يقول قداسته: "تعطلت عن الدراسة لمدة عامين بسبب استخراج شهادة ميلاد لي، فكانت هوايتي في تلك الفترة القراءة"، "كنت أقرأ كل ما يقع تحت يدي من كتب، وأنا ولد صغير 12 أو 13 سنة، قرأت كتاب طه حسين (قادة الفكر)..".
"يذكرني عندما قال: "الفكر بدأ يقوده الشعراء" حتى في الريف إذا قرأ أحد شعرًا يلتف الجميع حوله، أو يكتب طالب في الامتحان: "كما قال الشاعر" باعتباره مرجعًا من المراجع، وأيضًا قادة الفلسفة، ورجال السياسة، والدين، وكانت مشاعري ترتبط بما هو أكبر مني، فكنت أتصور أن هذا الكون بكل ما فيه لا يُشبعني، فكنت أشعر أن هناك شيئًا وراء هذا الكون من الممكن أن يُشبع الإنسان، وقراءة كتب الفكر تُعمق الإنسان فكريًا، ليس فقط فيما يقرأه، وإنما الفكر يوحي بفكر آخر، ومن الممكن أن يولد فكر آخر أيضًا، ونتيجة لكل هذا بدأت أنظم الشعر وأنا في التعليم الثانوي، وكنت رئيس الجمعية الخطابية في المدرسة، وكنت أُلقي فيها قصائدي الشعرية، ولم أجرؤ على أن أطلق عليها شعرًا".
كنت أقرأ في كل يوم قصة من القصص المطولة التي كانت تُنشر حينذاك، وكان قد شاع في تلك الآونة ما يُسمى بروايات الجيل فقرأت مثلًا قصصًا تدور أحداثها حول الثورة الفرنسية، والروسية، وكتبًا لشتى الأدباء والمفكرين".
"وأنا في هذه السن قرأت (قصة سارة) للعقاد.. قرأت كتبًا كثيرة لشرلوك هولمز.. قرأت كثيرًا من روايات الجيب.. قرأت كتبًا في الاجتماع.. وأخرى في الطب".. "وقرأت كتبًا مترجمة لتولستوي".
ويتحدث البابا شنوده عن العقاد فيرى "أن الخاصة يمكن أن يقرأوه؛ لأن أسلوبه عميق يحتاج إلى عقلية عميقة لتفهمه، ويتذكر أنه قرأ للعقاد في مستهل شبابه كتابه "سارة" وهي قصة مشهورة، نال بسببها مركزًا أدبيًا كبيرًا، كان يتمتع بعقلية في منتهى الذكاء، وكان يستقي المعرفة من كل مصادرها، كان يتمتع بالمعرفة التي لا علاقة لها بالشهادات العلمية وقد يحصِّل من قراءته الخاصة أكثر بكثير مما يناله طالب علم في معهد من المعاهد".
"كل هذا قرأته وأنا طفل صغير، تسليتي الوحيدة هي القراءة.. هذه القراءات، جعلتني متفوقًا على زملائي عندما التحقت فيما بعد بالمدرسة الثانوية، وكانت عقليتي ومعلوماتي في مستوى أكبر منهم".
"كل ما أجده أمامي أقرأه، وعلى سبيل المثال: قرأت كتابًا سياسيًا مترجمًا لـ "جوستاف لوبون"، وأتذكر من بعض العبارات عبارة كانت تتحدث عن الديموقراطية مثل: "تُعطى الحقوق للشعب بقدر ما تصل إليه من النضج"، وقد رسخت في ذهني هذه العبارة حتى الآن، وبعد مرور ستين عامًا".
"بعد ذلك التحقت بمدرسة ثانوية أهلية بالقاهرة بعد انتقال أخي الأكبر إلى هناك، وبدأت أتعرف على جو جديد لم أتعرف عليه من قبل، فقد كنت أرى في الريف أننا نُقَبِّل يد أبينا عند العودة أو الخروج من البيت، وفي القاهرة تعرفت على بعض العائلات، ورأيت هناك رجلًا عجوزًا فسلمت عليه، وقبلت يده، فضج كل الموجودين بالضحك، فالتفتُ حولي فلم أجد ما يُبرر هذا الضحك، ولكني عرفت السبب فيما بعد، أنه تقبيلي ليد الرجل العجوز، وعندئذ عرفت الفرق الفعلي بين التقاليد التي عايشتها في الريف، وبين تقاليد القاهرة".
يقول قداسة البابا شنوده: "وفي مرة جه عم أمين – والد زوجة أخي – فلما دخلت لقيته راجل كبير، وطيت، وسلمت عليه، وبوست ايديه الأولاد اللي حواليا قعدوا يضحكوا، سألت: يا ترى بيضحكوا ليه؟ قالوا عشان بوست ايده!
وكذا كنت أحب الناس الكبار سواء في المنهج الروحي أو رجال الكهنوت عمومًا حينما جئت من الريف أو الوجه البحري إلى القاهرة كنت إذا رأيت كاهنًا في الطريق أظل أجري إلى أن ألحقه وأسلم عليه وأقبل يده وأشعر إني أخدت بركة، وفي مرة من المرات أحد الآباء المطارنة زار كنيستنا في شبرا فدخلت في زحام الناس إلى أن سلمت على الأب المطران وظللت أتأمل يدي أسبوعًا مُتعمقًا في البركة التي أخذتها هاتان اليدان من سلامهما على المطران".
خلال هذين العامين قرأ "نظير" العديد من الكتب في الأدب والاجتماع والطب حتى أن القراءة تحولت عنده إلى عادة نفسية وعقلية لدرجة لا يستطيع أن يتخلى عنها. قرأ الصحف وهو في المرحلة الابتدائية وحفظ خطب مكرم عبيد السياسية ودفاعاته الشهيرة في المحاكم. ومن هنا كانت طفولته جادة جدًا.
ذكاء حاد وتفوق دراسي
ذكاء حاد وتفوق دراسي
بسبب نقص شهادة الميلاد من أوراقه كان عليه الانتساب إلى مدارس أهلية، لأن المدارس الأميرية (الحكومية) كانت تشترط وجود مثل هذه الوثيقة الرسمية، فدرس في مدرسة الإيمان الثانوية في شبرا.. في تلك الأيام لم تكن هناك دراسة إعدادية ودراسة ثانوية، بل كان التعليم الثانوي مدته خمس سنوات، ويأتي مباشرة بعد المرحلة الابتدائية.
يقول قداسة البابا: "ما زلت أذكر حتى الآن أستاذ الجغرافيا. كان ضخم الجسم، ماهرًا في الرسم إلى درجة أنه كان يرسم خريطة العالم بأسره بأصبعه فقط، حتى لتجدها نسخة من كتاب الخرائط. وفي إحدى المحاضرات وكانت تدور حول الزلازل في العالم، وجه إلينا بضعة أسئلة في نهاية الحصة، فأجاب مَن أجاب، وارتبك مَن ارتبك... وإذا به يتوجه إليَّ قائلًا: طبعًا ابننا الذي أتى من الفرع العلمي لا يعرف الإجابة؟ فقلت له: بل أجيبك عن كل ما تريد. ولخصت له الدرس بكامله مما أثار إعجابه إلى حد كبير.
وأنا أشكر الرب لأنه وهبني ذاكرة قوية جدًا منذ صغري– ولا فضل لي في هذا طبعًا فهي عطية من الله – وما تزال قوة الذاكرة تصحبني حتى الآن. وقد صار مدرس الجغرافيا يطلب مني دائمًا تلخيص الدرس الماضي في بداية كل حصة، ثم يشرح لنا درسًا جديدًا، ويطلب مني في نهاية الحصة تلخيصه مرة أخرى... وقد تفوقت على جميع رفاقي في الصف في امتحان نصف السنة، رغم أنني كنت طالبًا جديدًا.
أذكر أنني عندما كنت في السنة الثانية الثانوية كنت الأول على ثانية أ، وكان بيني وبين الأول على ثانيه بـ37 درجة. هذا بين الأول والأول لأنه كانت توجد منافسة كبيرة جدًا بيننا.. وفي ذلك الوقت كانت الدراسة الثانوية خمس سنوات يعني أولى ثانوي تساوي ثانية إعدادي الآن".
"وربما من الأسماء التي أذكرها مدرس اللغة العربية وهو "محمود محمد سعد" في المرحلة الثانوية، ولعل من الروابط التي كانت تربط بيننا أنه مدرس لغة عربية، وأنا أتفوق في هذه المادة حتى أنه في موضوعات الإنشاء كان يُخرجني أكتب اسم الموضوع على السبورة، وأشرحه للطلبه، واستمرت العلاقة قوية بيني. يقول القس تادرس عطية الله: "كان الطالب نظير جيد معروفًا في مدرسة الإيمان الثانوية بشبرا بالقاهرة لأنه كان دائمًا متفوقًا، وكان يقرض الشعر في حفلات المدرسة.. وكان الطلبة ينادونه دائمًا بلقب اشتهر به بين زملائه وهو (نظير كليفرClever)!!".
حل مشكلات زملائه
تميز نظير جيد بحكمة كبيرة في ترتيب أفكاره، وقدرته على حل المشكلات وتقديم المشورة الصالحة.
يقول قداسة البابا: "أذكر أنني ومنذ بداية التعليم الثانوي، كان زملائي يستشيرونني في حل مشاكلهم بالرغم من أنني كنت خجولاً جدًا منذ الطفولة.. فعلى سبيل المثال: كان أحد الطلاب في الفرقة الرياضية في المدرسة يقصّ عليَّ المشاكل الرياضية والمشاكل التي يواجهها، وكان طالب آخر في فرقة الحفلات يحكي لي أيضًا مشكلاته. وكنت أخجل من أقطع حديثهم عن مشكلاتهم الخاصة وكانت النتيجة أنني حصلت على معلومات غزيرة في شتى مناحي الحياة".
الشعر في حياة نظير جيد (1940م)
الشعر في حياة نظير جيد (1940م)
كان الشاب نظير مُغرمًا بشعر أمير الشعراء أحمد شوقي فحفظ شعره كاملًا تقريبًا، وكان هو المُعلّم الأول لموهبة البابا الشعرية.
وفي السنة الثانية الثانوية تعلم الشعر واستطاع أن ينظم أبياتًا شعرية وذلك قبل أن يتمكن من دراسة قواعد الشعر، وفي السنة الثالثة الثانوية (تعادل حاليًا السنة الأولى الثانوية عثر على كتاب بعنوان أهدی سبيل إلى علمي الخليل) فكان يذهب إلى دار الكتب يوميًا في الصباح والمساء لمطالعة الكتاب ونسخه، ومن هذا الكتاب الفريد تعلم قواعد النظم من التفاعيل والأوزان والبحور إلى الزحاف والعلة.
"بدأت أقول الشعر وأنا في الثانية الثانوية، التي تعادل ثالثة إعدادي حاليًا، لكني ما كنت أُسميه أبدًا شعرًا، حيث أنني لم أكن قد درست قواعد الشعر بعد.
وكنت أعتبره نوعًا من الشعر المنثور، إلا أنني في السنة الثالثة الثانوية، بدأ اشتياقي لأن أدرس قواعد الشعر، وفعلًا وجدت كتابًا اسمه (أهدى سبيل إلى عِلْمَي الخليل) في دار الكتاب، وكنت اذهب إلى دار الكتاب يوميًا من الصباح، وكنت أقضي الصباح كله مع هذا الكتاب إلى الظهيرة، فأعود إلى البيت، وأرجع مرة أخرى بعد الظهر إلى دار الكتاب، لكي أكمل دراستي في هذا الكتاب.
ومع أن البعض كانوا يقولون إن قواعد الشعر صعبة، إلا أني درستها تمامًا وبسهولة من فرط اشتياقي.
ودرست علمَي العروض والقافية.. ودرست بحور الشعر وأوزانه وتفاعيله.. ودرست عِلْمْي الزحاف والعلة، والتغيرات التي تطرأ على تفاعيل الشعر، والقافية. وبدأت أكتب شعرًا وأطمئن إلى أنه شعر موزون يتفق مع قواعد الشعر".
وفي إحدى حفلات المدرسة عام 1939م وقفت أنشد قصيدة من تأليفي تم تلحينها وقتذاك كأنها نشيد وطني.. أقول فيها:
تريد الكنانة عزمًا قويًا |
| شبابًا يضحي وشعبًا جديدًا |
كان اتقاني للشعر أمر هام، وكان أُستاذي في اللغة العربية في ذلك الحين، اسمه محمود محمد سعد، وكان رئيسًا لنقابات العمال التابعة للنبيل عباس حليم، فطلب مني أن أضع نشيدًا للعمال، وكنت وقتها في الثقافة العامة، (تعادل ثانية ثانوي) وفعلًا وضعت النشيد ولَحَنُوه، وكان العمال يقولونه في ذلك الحين يعني سنة 1940 تقريبًا.
اشتغالي بالشعر أثر على حياتي الدراسية.. احتفاظي بالأولوية في المدرسة كان مُستمرًا لكني كنت أنشغل بالشعر وبكتابته أكثر مما أنشغل بالدروس.
أنا فاكر في الثقافة العامة آخر السنة قبل الامتحانات بيوم، أني كلمت زميلًا لي وجارًا، وقلت له ما هي النظريات الأخيرة التي درسناها في الرياضة، وكانت نظريتين لم أكن قد عرفتهما، فدرستهما بنفسي وكنت في الرياضة أحصل على الدرجات النهائية تقريبًا".
وکان "نظير" ينشر بعض القصص والأشعار في مجلات المدارس. وفي السنة الرابعة الثانوية (كانت بها شهادة عامة تدعی "الثقافة") كان قد حفظ عشر آلاف بيت من الشعر العربي. وكان الشعر الذي يعجبه أو يمس وترًا ما في أعماقه يلتصق بذاكرته ويحفظه تمامًا.
وفي كثير من الليالي كنان نظير يتذكر بيتًا من أبيات الشعر وهو نائم، أو ينظم بيتًا فينهض من فراشه ويضيء نور الحجرة وأدون ذلك البيت، ثم يطفئ النور وينام، ثم ما يلبث أن يضيئه مرة أخرى فيستيقظ أهل البيت على حركته تلك، وهكذا صار ينام ومعه القلم، وحين يخطر له بيت من الشعر يكتبه على الحائط.
"وقد ازداد تعلقي بالشعر بعد ذلك إلى درجة أنني حينما كنت أكلف بكتابة موضوع في إنشاء اللغة العربية كنت أحاول أن أكتبه شعرًا، فإن لم أستطع أجعل نصفه نثرًا ونصفه الآخر شعرًا".
إذ بدأت التجربة الشعرية عند قداسته مُبكرًا، صقلها في عام 1939م بدراسة قواعد الشعر، بعدما عثر على كتاب "أهدى سبيل إلى علمي الخليل" للأستاذ محمود مصطفى.. وفيه درس علمي الخليل: العروض والقافية، وعرف البحور والأوزان، والتفاعيل والزحاف والسبب والوتد والعلة وكل ما يدخل على التفاعيل من متغيرات..
وقد اعتمد الفتى نظير في أوزانه وأشعاره على البحور الصافية مثل: (الكامل- الرمل- الوافر- الهزج - البسيط). فى تناغم رائع، وحسن إبداع، وجمال إيقاع!! ولهذا كان من السهل تلحين قصائده وإنشادها.
القس طلب منه النزول من على المنبر
القس طلب منه النزول من على المنبر
يتذكر قداسة البابا شنوده المرة الوحيدة التي وقفت فيها على منبر الكنيسة يتكلم، ولكن القس أنزله من على المنبر وقال له: "كفاية كده یا ابني"، فيقول قداسته: "كنت ساعتها في الصف الرابع الثانوي، اللي هي زي الثقافة، وأحد زملائنا الطلبة توفى، واختاروني نيابة عن الطلبة أن أقول كلمة في الجناز أو أن أقول قصيدة، وأنا كنت متأثرًا وقلت شعرًا مؤثرًا، أول بيت الستات ابتدوا يدمعوا، وثاني بیت ابتدوا ينحنحوا، وثالث بيت ابتدوا يبكوا بصوت عالي! وبعدين جاني القسيس قال لي: كفاية كده يا ابني، فنزلت من على المنبر ودي العظة الوحيدة التي لم أكملها، وعرفت أن الذي يقف على المنبر في العزاء ينبغي أن يقول كلامًا يعزي الناس وليس كلامًا يثير مشاعرهم.. أهي دروس في الحياة.. طبعًا أنا مش فاكر الكلام اللي قلته وحتى لو فاكره ماقدرش أقوله لحسن تعيطوا.. ولكن فيما بعد تغير أسلوبي في الوعظ".
امتحان اللغة العربية
يروي قداسة البابا شنوده قصة طريفة حدثت معه في الامتحان الشفوي للغة العربية في مرحلة الثقافة العامة "رابعة ثانوي" تعكس قدراته الفكرية.. يقول:
"كانت متعتي وملذتي في نظم الشعر، لدرجة أنني عندما كنت في الثقافة العامة أثناء الامتحان الشهري سألني المدرس أن أقول شعرًا مِن الذي أحفظه فسألته: لأي عصر من الشعر تريد؟ قال لي: أو تحفظ لكل العصور؟ فقال لي: قل لنا بعضًا من الشعر الحديث، فقلت: لأي شاعر من العصر الحديث؟ قال أتحفظ كثيرًا للشعراء؟ فقال لي: لِمَ تحفظ كل هذا الشعر؟ فقلت له: لأنني أحبه. فقال: هل تقرضه؟ قلت: نعم. فقال لي: أسْمِعني بعضًا مِن محفوظاتك لنفسك، فقلت له قصيدة، فقال لي: من أي بحر؟ فقلت: من البحر البسيط. فقال: ما وزنه؟ قلت: مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن. فأراد أن يعطيني خمسين من خمسين؛ فقال له زميله: وماذا نأخذ نحن؟ فأعطاني ثماني وأربعين درجة من خمسين، ولذلك كنت أحب الشعر؛ وكنت أجد فيه متعتي، وكنت أحب الأدب عمومًا".
الشعر والتأثر بالنيل والطبيعة
الشعر والتأثر بالنيل والطبيعة
يقول قداسته: "علاقتي بالنيل كانت علاقة شارب الماء بالماء، وليست علاقة السابح، فأنا لم أتعلم السباحة حتى الآن، على رأي أحد الشعراء الذي قال: علاقتي بالنيل هي الأشد غيرة على الديار، هي علاقة الشرب وليست علاقة السباحة، ويقول آخر:
لا أركب البحر أخشى |
| عليَّ منه المعاطب |
لقد منحني النيل والطبيعة بشكل عام فيما بعد محبة كبيرة وتعلقًا بالأرض. وموضوع الماء كثيرًا ما ذكرته في شعري في سِنِي الشباب المبكر. وقد نظمت قصيدة صغيرة عن حالة الفقراء الذين لا يجدون قوتْهم، بينما كان هناك أغنياء كثيرون يمتلكون أموالًا فائضة عن حاجتهم. كنت حينذاك في السابعة عشر من عمري حين قلت:
حَولَهُ الأنهارُ تَجْرِي وبها عَذْبُ المياهُ |
| وهو صادٍ يتَشهَّى رَشْفَةً تشْفي صَداهُ |
لقد كان ماء النيل بالنسبة لنا هو عنصر الحياة الرئيسي، وقد قال هيرودت المؤرخ المشهور: "مصر هبة النيل"، ولولا النيل ما كانت مصر. كذلك فإن الملايين من المصريين قد تعلقوا بالنيل حتى أنهم أطلقوا لقب (شاعر النيل) على الشاعر حافظ إبراهيم... والمصريون برمتهم يُدعَون بأبناء النيل، وقد أوجدت الطبيعة بوجه عام رابطة عميقة بيننا وبينها، وفيما بعد – وحينما دخلت إلى الرهبنة – تحولت الرابطة مع الطبيعة إلى لون آخر من ألوان الطبيعة ليس فيها عن نهر النيل".
"أصل هذا النهر قطرات من الماء.. نزلت مطرًا، وتجمعت فصارت نهرًا.. هكذا أي عمل ضخم قد بدأ بشيء بسيط. ربما بفكرة.
أيضًا قبل حفر مجرى النيل، كانت المياه تنسكب على الجانبين، ولكنها ما لبثت أن تعمق مجراها شيئًا فشيئًا على مدى زمن طويل حتى استقر، وهذا يعطينا فكرة عن التدرج في الحياة الروحية والصبر على النفس حتى نصل إلى استقرارها بعد حين.
جانبا النهر اللذان يجري الماء بينهما، ليسا حاجزين يحدان من حريته، إنما هما يحفظانها من الضياع، إنها کالوصايا - ليست قيودًا للحرية - بل حوافظ.
إنها رحلة طويلة قد قطعها النيل، حتى وصل إلينا، وهو في أثنائها يوزع من خيره على كل بلد تصادفه، فأعطى إثيوبيا، والثوية، والسودان، ومصر، وكل الصحراوات المحيطة.. يعلمنا أن نعطي الخير لكل من نصادفه".
متفوق لا يصلح أن يكون طبيبًا
بجانب تفوق "نظير" في اللغة العربية، فقد كان متفوقًا أيضًا في العلوم الرياضية والطبيعية والكيميائية، حتى أنه التحق في البداية بالقسم العلمي من التوجيهية (وهو اسم إتمام الدراسة الثانوية) وبعد شهرين جلس مع نفسه - بصدق ليفكر في مستقبله ورأى بوضوح أن أصلح شيء يناسبه هو القسم الأدبي، وفي نصف السنة تقريبًا انضم إلى القسم الأدبي وظهر تفوقه الواضح في الدراسات الأدبية".
ويقول قداسة البابا شنوده عن تلك الفترة: "كنت في الثانوية العامة قسم علمي، إلى منتصف السنة، ثم أخذت أفكر في نفسي ماذا سيكون مستقبلي بعد أن أتخرج من ثانوية قسم علمي.. قلت أحسن مستقبل أن أصبح طبيبًا.. وأنا لم أكن أصلح مطلقًا لأن أكون طبيبًا.. فلم أكن أحتمل إطلاقًا أن أرى شخصًا مجروحًا، وإن حدث في البيت أن حاولوا أن يزيلوا دمل من أحد أفراد الأسرة، فإني في الحال أترك البيت وأخرج، وأقصى ما كنت أحتمل رؤيته، هو وضع القطرة في عين أحد الأشخاص".
فقلت في نفسي أنا لا أصلح أبدًا أن أكون طبيبًا، وبدأت أحول للقسم الأدبي. فقال لي أخي الأكبر، وكيف سأجد لك مدارس، لدراسة الأدبي وأين؟ فقلت له لا تخف عليَّ، وهو كان يثق فيَّ كشخص بيطلع الأول باستمرار، فوجد لي مدرسة أدبي وكانت هي مدرسة راغب مرجان في الفجالة، وأول ما دخلت تفوقت على الطلبة.
التحقت بالمدرسة في ديسمبر تقريبًا وكان يُدَرِس لنا الجغرافيا مدرس طويل جدًا جدًا، كنت أمشي في شبرا أجده أطول واحد في الشارع.
وأول درس حضرته له كان يشرح فيه الزلازل في العالم، وكان مُدرّسًا قويًا جدًا، يرسم بأصابعه خريطة العالم على السبورة بصورة متقنة جدًا، وكان يشرح ويسأل الطلبة، ثم التفت إليَّ وقال: (طبعًا التلميذ اللي جاي من علمي مش فاهم حاجة) قلت له: (ليه مش فاهم حاجة يا أستاذ؟ كل اللي قلته فاهمه) قال: (طيب قل ما فهمت)، لخصت له الدرس تلخيصًا كاملًا كما قاله، وبعد ذلك كان كلما دخل إلى الحصة يطلب مني أن ألخص درس الحصة الماضية، وأتابع معه الدرس الجديد".
ومن المواقف التي مر بها "نظير جيد" أنه في شهادة "الثقافة العامة" كان بينه وبين أول "الثقافة العامة" على القطر المصري ثماني درجات، و"السبب أن الأول حصل على 18 درجة من عشرين في الرسم، بينما حصل "نظير" على ست درجات فقط، أي أنه كان سيتفوق عليه لولا الرسم، ولربما أهمل الرسم بسبب الشعر.
عمل ودراسة
يقول قداسة البابا شنوده: "مررت بتجربة طريفة، فقد تقدم أحد زملائي إلى أحد الوظائف وقُبل طلبه. وسألني أن أتقدم أنا أيضًا فلم أمانع، لكن أخي لم يرتاح للفكرة؛ نظرًا إلى أنني كنت في الشهادة العامة وعليَّ أن أستعد لها، فطمأنته. وقد قُبِل طلبي بالفعل وأصبحت موظفًا ككاتب في إحدى الإدارات. وتقدمت إلى الامتحان، ووافقت المدرسة أن أتقدم باسمها لكوني متفوقًا، وقد أحرزت النجاح والتفوق، وكنت الأول بين زملائي المتقدمين إلى الامتحان".
مرحلة الجامعة - (1944م)
كلية الآداب
بعد أن حصل على شهادة التوجيهية التحق بكلية الآداب جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليًا) لكن الظروف الخاصة لم تكن تسمح بالالتحاق بقسم اللغة العربية رغم تفوقه الواضح، فكان أن اختار قسم التاريخ ووجه اهتمامه الخاص بالتاريخ الفرعوني والتاريخ الإسلامي، ولكن ترکيزه الأكبر كان مُنصبًا في التاريخ الحديث والمعاصر لمصر.
وعندما دخل الجامعة حصل على مجانية التفوق، وكان هذا التقليد مُتبعًا آنذاك– قبل ثورة 1952م.
يقول قداسته: "في تلك السن لا يفكر أحدنا بعمق مثلما يفكر في سن النضج. وعلى أية حال كانت دراسة اللغات صعبة جدًا على من كانوا مثلي، لأن الطلبة في تلك الأقسام (الإنجليزية والفرنسية) كانوا قد تلقوا تعليمهم في كافة المراحل بهذه اللغة أو تلك. وكانت دراسة الفلسفة صعبة عليَّ أيضًا، ومن المحتمل لمن كان لديه اتجاه ديني أن يتلقى أفكارًا تقلق ذهنه وتجعله غير مستقر في اتجاه معين، وكان من الصعب عليَّ الانتساب إلى قسم اللغة العربية لأن أغلب مدرسي اللغة العربية كانوا يجمعون تدريس اللغة العربية والديانة الإسلامية في آنٍ معًا. وكان من النادر للطلاب المسيحيين الدخول إلى هذا القسم، إلا لمن كان يرغب بالتدريس في مدارس أجنبية مسيحية – رغم أن هذا الأمر سبب لي إشكالاً فيما بعد– إذ أنني حين قررت دخول قسم اللغات السامية – وكان الانتساب إلى القسم مُتاحًا لطلبة الماجستير بعد تخرجهم– قبلني رئيس القسم وقدم عني تقريرًا ممتازًا جدًا، ولكنني لم أُقبل؛ لأن من شروط دراسة اللغات السامية أن يكون الراغب في دراستها خريجًا في قسم اللغة العربية.
وهكذا وجدت أن دراسة التاريخ هي الأفضل بالنسبة إليَّ، فقد كنت أحب التاريخ أكثر، بالإضافة إلى إيماني بفوائده الكثيرة؛ على رأي الشاعر الذي يقول:
ومن وَعى التاريخَ في صَدْرِهِ |
| أضافَ أعمارًا إِلى عُمْرِهِ" |
"وفي السنة الأولى كنت الأول، لكن هذا التفوق لم يستمر معي لأسباب خرجت عن إرادتي، غير أني نجحت بتفوق، لكني لم أكن أول الدفعة ولا طالب امتياز".
"ومع أنني دخلت قسم التاريخ وكنت متفوقًا فيه، فقد رغبت في الانتقال إلى قسم اللغة الإنجليزية، ووافق رئيس القسم على طلبي، غير أن رئيس قسم التاريخ رفض الموافقة على نقلي لأنني كنت الأول على دفعتي، ولأن انتقالي إلى قسم آخر حسب رأيه سيؤثر على سمعة القسم، وهكذا استمر بي الحال في قسم التاريخ إلى أن تخرجت ونلت شهادة الليسانس".
"وأثناء الجامعة كان اهتمامي بالشعر قد بدأ يأخذ جانبًا روحيًا تمامًا، وكانت لي قصائد وأنا طالب في الجامعة عن محبة الرهبنة.. ومحبة الحياة مع الله، وموضوعات دينية أخرى".
وعن علاقته بالزميلات يقول قداسته: "كنت في صغري شابًا خجولًا، فلا أتذكر أنني بدأت الحديث مع أية فتاة زميلة لي في كلية الآداب آنذاك، فكن دائمًا هُنَ اللاتي يبدأن الحديث معي كشاب متفوق، ويدور الحديث حول بعض الأسئلة في المناهج الدراسية".
حب البحث
أحب نظير جيد القراءة والاطلاع والبحث، وبالأخص البحث في مجال التاريخ، منذ مرحلة مبكرة من حياته.
يقول قداسته: "الدراسة بوجه عام هي إعداد لحياة مستقبلية، والمحطة الأولى والرئيسية هي الالتحاق بالدراسة المناسبة، والمحطة الثانية هي تحقيق النجاح في هذه الدراسة. إن ما تميزت به حياتي الدّراسية هو اهتمامي الكبير بالبحوث التاريخية أكثر من اهتمامي باستيعاب المقررات المطلوبة في الامتحانات. كنت اهتم بالبحوث التاريخية اهتمامًا كبيرًا، وكانت البحوث تُعتبر مادة مستقلة توضع لها علامة أعمال السنة ورغم أنها كانت تأخذ منا وقتًا طويلًا على حساب باقي المواد.. وذلك هو شأني، غير أن هذا كان يزيدني خبرة في طرائق البحث، فلتحضير أحد الموضوعات كنت اذهب إلى مكتبة الكلية ثم إلى دار الكتب للبحث عن المراجع".
مشاركاته في الأنشطة الجامعية
كانت المرحلة الجامعية بالنسبة للأستاذ نظير جيد مرحلة غنية سواء من ناحية الدراسة أو من ناحية النشاطات المختلفة..
يقول قداسته "كنت دائم الحيوية والنشاط وعضوًا فعَّالًا في فرق الحفلات والرحلات، كنا نلتقي بالعديد من الطلبة دائمًا لأننا كنا ملتزمين بتنظيم الرحلات ووضع برامجها بأقل النفقات. وفي حفلات الشبيبة كنت مشهورًا بإلقاء ألوان من الشعر والزجل الفكاهيين دائمًا.. وكان الطلبة يحبون ذلك ويطربون له إلى درجة أنني ما أن أقف لأتكلم بأي كلام حتى تجدهم يضحكون جميعًا قبل أن أتفوه بكلمة واحدة! لأنهم يتوقعون مني أن أقول شيئًا مُضحكًا!
كانت روح المرح تطغى على مجموعتنا بكاملها في المرحلة الجامعية، وكانت تلك الفترة أغنى فترات حياتنا بالضحكات التي تنطلق من قلوبنا ببساطة وبراءة فلم نكن بعد قد خَبِرنا مسؤوليات الحياة ومشاكلها، وكنَّا نتعامل فيما بيننا بقلب حار وكان جميع الطُلاب أصدقاء لي".
أصدقاؤه
ارتبط الأستاذ نظير جيد بالكثير من علاقات الصداقة والمحبة مع عدد من زملاء المرحلة الجامعية.
يقول قداسته: "أذكر أنني وبعد أن أصبحت بطريركًا كنت مدعوًا إلى حفل، في أواخر سنة 1978م على ما أعتقد، أقامه السيد ممدوح سالم رئيس مجلس الوزراء يومذاك تكريمًا لنائب رئيس جمهورية السودان، وعندما دخلت إلى الصالة رأيت الفريق كمال حسن علي الذي قدمه لي نيافة الأنبا صموئيل. وكان الفريق كمال مديرًا للمخابرات العامة قبل أن يصبح وزيرًا للدفاع ثم الخارجية، ومن ثم رئيسًا للوزراء. وبعد أن تبادلنا السلام توجه إليَّ قائلاً: أتعرف أنك كنت تنام في بيتنا؟! فنظرت إليه مُتعجبًا! فكيف أنام في بيته وهو مدير المخابرات؟! وحين رأى دهشتي قال: أتعرف فكري حسن علي؟ فأجبته: نعم، كان صديقًا وزميلاً لي أيام الدراسة الجامعية. وأخبرني بأنه شقيقه. فتذكرت بأنني كنت أسهر في بيته مرارًا أيام الدراسة. وعجبت كيف تذكر هذا الأمر! وتذكرت أنا أيضًا على الفور ذلك الصديق الذي أصبح فيما بعد أستاذًا للتاريخ، ثم أُنتدب لتدريس التاريخ في العراق.
وأذكر الآن أيضًا أصدقاء آخرين: يسري إلياس زهراب، وفايز عبد النور، ومحمد عبد العزيز، وقد كان هذان الأخيران مشهورين بضحكهما المجلجل والعميق إلى أبعد الحدود".
مع أساتذة الكلية
أستاذ اللاتيني:
"أذكر أن ذلك الضحك أوقعني في مشكلة مع أحد المدرسين هو مدرس اللغة اللاتينية، وكانت له لهجة تثير الضحك، وكان جميع الطلبة يضحكون عندما يتكلم، ولكن من وراء ظهره. وفي أحد الدروس كان الأستاذ واقفًا أمام السبورة، يشرح لنا بلهجته إياها، فتعالت ضحكات الجميع. وحين التفت أستاذنا إلى الوراء سكت الجميع، ما عداي فوبخني توبيخًا شديدًا. وخفت أن أضحك لأن طريقته في التوبيخ كانت مُضحكة أيضًا.
كنت أحس بأن أساتذتي أنصاف آلهة يمكنهم أن يفعلوا بالطالب ما يشاؤون كما أن مستقبله بين أيديهم. وقلت لنفسي بأن هذا الأستاذ قد تضايق مني وظن بإني أضحك منه وأهزأ به، وسوف يعاملني بلا شك معاملة تضيع مستقبلي. فجعلت أهتم باللغة اللاتينية اهتمامًا شديدًا، وأحضر الدرس الذي يلقيه، وأكتب الواجب وأحفظ الكلمات، وأهيئ نفسي لدرسه القادم فأحضّره قبل أن يشرحه لنا. وهكذا صرت الطالب الوحيد الذي يتجاوب مع دروس هذا الأستاذ ويجيب عن أسئلته ويشعره بأنه مدرس ناجح، فقد كان جميع الطلبة ضعفاء باللاتينية لأنها لغة صعبة. وواظبت على ذلك حتى نسى تلك الحادثة ولم يعد يذكر سوى أنني طالب جاد في مادته تلك؛ حتى أنه كان يقول للطلاب أحيانًا: أنا أدخل السيكشن Section (الصف) خصيصًا من أجل نظير جيد.
وقد منحني ذلك قوة وتمكنًا من هذه اللغة. ثم إني وضعت نصب عيني الحصول على العلامة التامة وليس مجرد النجاح بامتياز، وساعدني هذا فيما بعد في تحليل الألفاظ، ومعرفة طريقة تركيبها، واشتقاق الكلمات.. إلخ. واندفعت إلى اللغة اللاتينية ليس لأنها لغة لاتينية فحسب، بل لأنني بدأت أهتم بعلم الفيلولوجي (فقه اللغة)".
الدكتور أحمد بدوي أستاذ التاريخ:
اهتم نظير بالبحوث التي كانت تُقدم كأعمال سنة؛ فيلجأ إلى مكتبة الكلية والجامعة ودار الكتب ويقضي شهورًا عديدة في البحوث والتي كانت تصب في مصلحة مادة واحدة وهي مادة أعمال السنة، وفي إحدى المرات فقد هذه المادة أيضًا، فعلى الرغم من حصوله على امتياز في ثلاثة بحوث إلا أنه حصل على صفر في مادة أخرى كان يدرِّسها له الأستاذ الدكتور أحمد بدوي.
يقول قداسته: "أذكر أيضًا الأستاذ أحمد بدوي دَرس التاريخ في ألمانيا مدة خمس سنوات، ثم عُين في مدرستنا. وأعجبنا كثيرًا بشخصيته وعلمه، وأمسكنا أقلامنا بحرص حينما دخل علينا في أول حصة كي لا تفوتنا كلمة من درسه، ولكننا وجدنا أن محاضرته كانت عبارة عن إنشاء لغوي خالص على غرار: (هذا الفرعون يظل اسمه يدوي في سمع الدنيا وفي أذان البحر، بل إن الزائر للأقصر يطالعه معبد الكرنك بقامته الفخمة وملامحه الجادة.. إلخ)، فخابت آمالنا وتراخت أصابعنا لأن ما قاله الأستاذ لم يكن هو ما نريده أو نتوقعه منه وقلنا ربما كانت محاضرته الأولى وحدها على هذا الشكل أي (استعراضًا للغة). لكن المحاضرة الثانية كانت على المنوال نفسه، وفي المحاضرة الثالثة تغيب أغلب الطلاب، وكان عندنا آنذاك مائة وأربعين طالبًا، حضر منهم عشرون طالبًا فقط، وسجل الأستاذ أسماء الحاضرين- وكنت واحدًا منهم- عازمًا على أن يؤدب الباقين. وجعل في كل محاضرة يمتحن اثنين أو ثلاثة منا فيسألهم أسئلة شفهية، ويقدر لكل منهم علامته عن أعمال السنة. وجاء دوري أخيرًا وقد كنت في السنة السابقة الأول على دفعتي. وسألني الأستاذ عن مؤلفات (أَمْحوتُب)، فأجبته بأنها ثلاثة كُتَب. فقال لي: كُتَب فعل ماض مبني المجهول، فهل تقصد كُتَب أم كُتُب؟ ثم أعطاني صفرًا وهكذا أضاع عليَّ امتيازي في أعمال السنة رغم أنني كنت مُمتازًا في المواد الأخرى".
"فيما بعد صار رئيسًا لجامعة القاهرة، ومن خطباء الثورة المعروفين، ووضع كتابًا في التاريخ القديم تحت عنوان «في مواكب الشمس»، وكان ينشر لنا كتب الأستاذ «سليم حسن»، وهو من علماء التاريخ القديم صدرت له مجلدات عديدة عن مصر القديمة، فذاكرت له هذه المجلدات إتقاءً لحدوث مفاجآت في الامتحان الشفهي في آخر العام، كما قرأت مراجع أخرى عديدة، وفي امتحان آخر العام سألني الدكتور «أحمد بدوي» سؤالًا فأجبته بإجابة مستفيضة فتعجب وسألني من أين لك هذه المعلومات؟! قلت "سليم حسن"، وسألني سؤالًا آخر فأجبته بمعلومات أكثر اتساعًا، فسألني من أين؟! فقلت له من "جيمس هنري"، وله كتاب من أشهر كتب التاريخ القديم، وطرح عليَّ سؤالًا ثالثًا وسألني عن مصدر معلوماتي فقلت له من كتاب ألماني مترجم وعندئذ فوجئت بالسؤال الرابع حيرني وأتعبني، إذ قال لي: وماذا عن مذكراتي؟! فقلت له طبعًا هي الأصل، فقال: أنا أعرف كيف كنتم تحضرون محاضراتي، وأعطاني مجرد درجة القبول (6) من عشرين، وبدا لي ذلك محاولة منه للانتقام، كنا في هذا العام الدراسي (140) طالبًا نجح منا (23) فقط ونجحت، ولكن فقدت الامتياز".
الدكتور عباس عمار أستاذ الأنثروبولوجي:
"كان أستاذنا في الأنثروبوجي، وصار وزيرًا للشئون الاجتماعية بعد ذلك ثم وزيرًا للتعليم، في أحد المرات وكنا في الامتحان النهائي أجاب أحد الطلاب عن سؤالين فقط من أربعة ومنحه الدكتور "عباس عمار" تقدير جيد جدًا، وقال رغم أنه أجاب فقط على نصف الأسئلة إلا أن إجابته أظهرت لي رجاحة عقله، فهذه العقلية لا تستحق أقل من جيد جدًا، وهذا هو الفرق بين الأستاذ والديكتاتور.
الدكتور علي إبراهيم حسن
وشقيقه الدكتور حسن إبراهيم حسن أستاذا التاريخ الإسلامي
كانت للأستاذ نظير جيد أيضًا علاقة طيبة مع الدكتور "علي إبراهيم حسن" أستاذ التاريخ الإسلامي، وكان شقيقه الدكتور حسن إبراهيم حسن أستاذًا للتاريخ الإسلامي ورئيسًا لقسم التاريخ وعميدًا للكلية وصاحب مؤلفات عن تاريخ الإسلام السياسي، ولم يحدث في سنة من السنوات أن حصل البابا شنوده على أقل من ممتاز في مادتيهما.
الدكتور جمال سرور أستاذ التاريخ الإسلامي
وكانت له أيضًا علاقة كبيرة بالدكتور "جمال سرور" الذي كان يُدرِس مادة التاريخ الإسلامي في السنة الثانية بالكلية. وعندما كان أميرًا للحج في هذه السنة وأقامت له الكلية حفلة عند عودته ألقى "نظير" قصيدة في تحيته.
الأستاذ الدكتور محمد عوض محمد رئيس قسم الجغرافيا
"وهناك الأستاذ الدكتور "محمد عوض محمد" الذي كان رئيسًا لقسم الجغرافيا، وكان عبقريًا في الأدب العربي، وكان أحد مؤلفي كتاب "الأدب التوجيهي" المقرر على الثانوية العامة، وأحد عمالقة الكلية جسمًا وعلمًا، ثم أسس معهد السودان الذي عُرف فيما بعد باسم "معهد النيل" وتولى رئاسته ومن بعده تولاها الدكتور "محمد محمود الصياد"، والتحقت بهذا المعهد وفي افتتاحه وقف الدكتور "محمد عوض" يتحدث في بلاغة وطلاقة عن المعهد وأهميته ومنهجه وأثناء حديثه دخل الدكتور "طه حسين" وجلس على مقعد يستمع، وهنا رأيت الدكتور "عوض" تهتز بلاغته في حضور الدكتور "طه حسين"، ولا عجب فلقد كان "طه حسين" فلتة من فلتات الزمن يتمتع بشخصية جبارة وكذلك كان جبارًا في إنتاجه الأدبي وإدارته.
قصة الدكتور الذي عزم عليه بالسجائر
"أفتكر وأنا طالب في جامعة كان لي صديق.. لازم كل أسبوع أزوره، وإن لم أزره يقابلني في الكلية ويقول لي لماذا لم تزرني؟ وفي أحد زياراتي له كان يدخن سجائر وأراد أن يعطيني سجارة حتى أدخنها، فقلت له: آسف أنا لم أدخن السجائر. فقال لي: معلش عشان خاطري. (مع ملاحظة أن من يتكلم معي هو أستاذي الذي يمتحني) فقلت له: أنا أعرف أن كل واحد يدخن السجائر يشتهي أن يقلع عنها ولا شك أنك تشتهي أن تقلع عنها أنت أيضًا. فانكسف وسكت.
وفي زيارة أخرى بعدها بفترة، كان قد نسى وعزم مرة أخرى عليَّ أن أدخن سجائر معه، فقلت له أنا أعرف أن كل واحد يدخن السجائر بيدعي على من أعطاه أول سجارة. فقال لي: ربنا يبعد عني وعنك".
"أستاذي وصديقي وبحبه وبحترمه.. فأنت تبقى طيب ومحب لكن تكون قويًا، هناك إنسان يكون خجولًا، وخجله يضيع قوته وهناك إنسان خجول لكن قوي.. هذا هو تكامل الشخصية".
الشعر في فترة الجامعة
الشعر في فترة الجامعة
يخطر لي الآن مقطوعة زجلية ألقيتها في حفل أُقيم آخر السنة الأولى في الجامعة وكان الطلبة يشكون مُر الشكوى من مادة الجغرافيا، وكانوا لا ينجحون إلا بمجهود جبار، في ذلك الوقت كانت حرب ألمانيا وإيطاليا بلاد الدوتشي حامية الوطيس، قلت في المقطوعة:
حاجة غريبة بادخلها بالعافية في مخي ما بتدخلشي |
هناك أيضًا نادرة أخرى حدثت في السنة الثانية، وكان رئيس قسم التاريخ يومها هو عميد الكلية واسمه الدكتور حسن إبراهيم حسن، وكانت تربطني به صداقة متينة وبأخيه الدكتور علي أيضًا، وكانا يدرسان التاريخ الإسلامي، وقد كنت متفوقًا جدًا في هذه المادة. بعد مدة من الزمن ترقى الدكتور حسن وأصبح مديرًا عامًا، فعلى هذا النحو كانت الترقيات تتم بالتدريج، أما اليوم فيمكن لعميد الكلية أن يصبح وزيرًا، ولم يكن ذلك سهلاً في تلك الأيام، فدرجات الترقية كانت شحيحة. المهم في الأمر أننا أقمنا حفلًا بمناسبة ترقية العميد وكانت هناك منافسة بينه وبين رئيس قسم الجغرافيا على عمادة الكلية، فألقيت قصيدة هاجمت فيها مادة الجغرافيا، فأرضى ذلك العميد الحالي وأرضى الطلبة أيضًا، وكذلك أساتذة الجغرافيا؛ لأن فيها نوعًا من المزاح بيني وبينهم وقلت فيها:
يا ما نفسي شهر واحد |
| بس مش عايزه يزيد |
ثم عقب ذلك حفل آخر لخريجي قسم التاريخ، وكان التهكم ينصب على قسمنا هذه المرة، فطلبوا مني قصيدة فكاهية للمتخرجين، وكنا نحن في السنة قبل الأخيرة:
يا مَنْ ستتركنا كَم بِدّي أهديكا | طبلة وكمنجة وزمارة ومزّيكا |
إلى أن قلت فيها...
كم بدّي مبخرةٌ حتى أُبَخِّرَكَ من | عين هيئة تدريس تُعاديكا |
وأذكر أنه كانت لدينا في مادة اللاتيني قاعدة (أوبز) مثل قاعدة IF بالإنجليزية- كما تقول:
If + Present = Futureوقاعدة اسمها (چیوروندو)، فوجهت خطابي إلى الطالب الذي سيتخرج قائلًا له:
قل هل برمت من(أوت) مع | قواعدها |
كنا في غاية المرح وكذلك أساتذتنا، نضحك صاخبين دون أن نحيد عن جادة الصواب، وحين كنا نخرج من هذا الجو المرح يعود كل منا إلى انشغالاته الخاصة".
الاتجاه الديني في الكلية
الاتجاه الديني في الكلية
كان نظير يعيش فترة شبابه المبكرة في حي شبرا، وقد عُرف عنه النشاط والذكاء وإنكار الذات وحُب مساعدة الآخرين، وكان يصلي في كثير من كنائس شبرا، بالإضافة أيضًا إلى كنيسة مار جرجس بشبر البلد، إذ كان أب اعترافه هو القمص يوسف الديري، الذي كان يُصدر مجلة دورية اسمها "مجلة الحق"، وقد كتب فيها نظير جيد عدة مقالات.
في ديسمبر 1947م قامت مجلة (الحق) التي كان يصدرها القمص يوسف الديري كاهن شبرا البلد وهو أب اعتراف الخادم نظير جيد بنشر أولى مقالاته بعنوان "أخطأت إلى الرب" وهي تتحدث عن سر الاعتراف.
تزامن ذلك مع حدث تاريخي مهم في الحياة المبكرة لقداسة البابا، فقد كان دائم التردد أيضًا على كنيسة العذراء في مهمشة، وكانت هي كنيسة الكلية الإكليركية وقتها، وهي الكلية التي تقدم علوم اللاهوت والفلسفة المسيحية، وقد لفت الانتباه بنشاطه وثقافته فدعاه أحد خدام الكنيسة للتدريس في مدارس الأحد المعدة للنشء والأطفال، وبعد فترة ضمته 3 كنائس أخرى في وقت واحد للتدريس أيضًا بمدارسها، هي مار مينا والعذراء بشبرا ثم كنيسة مسرة".
يقول قداسته: "بالنسبة إليَّ كنت في سنة التخرج أهيئ نفسي للتفرغ الديني، فالتحقت بكلية اللاهوت وتفرغت لها، وأكملت دراستي فيها وتخرجت فيها وكنت الأول على الخريجين. ثم عُيّنت في هيئة التدريس في الكلية ذاتها، بالإضافة إلى التدريس في مدارس الأحد".
الشعر والاتجاه الديني
الشعر والاتجاه الديني
عندما كان نظير جيد في السنة الأولى من الجامعة فإنه دُعي لأحد الاجتماعات السياسية، وهناك ألقى قصيدة فنالت شهرة؛ ولكن لم يلبث أن شعر بأن العمل السياسي لا يتفق مع مثالياته الدينية فتركه وودعه بالأبيات التالية:
ثَّم انثنيتُ وبي شوقٌ إلى وطني
|
| قدْ كنتُ في غربةٍ أو كنت في ظَنْنٍ |
ومنذ ذلك الحين أصبح شعره في الحياة الروحية والنسكية، باستثناء القصائد التي ينظمها لحفلات الكلية والتي كانت تغلب عليها روح المرح.
يقول قداسته: "تركزت أحلام الشباب في تلك المرحلة بالطبع على اجتياز الدراسة والبحث عن عمل مناسب، بالنسبة إليَّ كان الاتجاه الديني قد بدأ ينمو في داخلي ويتعمق على نحو متزايد فيما كنت لا أزال طالبًا في الجامعة، وكنت أعد نفسي لهذا الأمر إعدادًا مُسبقًا، وكان العديد من قصائدي الشعرية يدور في فلك الدين. كنت أحب زملائي وأمرح معهم، لكن داخلي كان ممتلئ شوقًا كثيرًا إلى حياة أوسع وأعمق من إطار حياتي الجامعية. كان مرحي الظاهر مجرد استهلاك محلي وحسب، ولم يكن مُهيئًا للاستمرار لحياة ما بعد التخرج من الجامعة.
كنت أجمع ما بين التدريس في مدارس الأحد، والدراسة في الكلية الإكليريكية وفي كلية الآداب في القاهرة. وقد تمت أشعاري في مناخ روحي. وكان نزوعي قويًا إلى الزهد في متاع هذا العالم وإلى الرهبنة، وليس مرد ذلك إلى أنني كنت انطوائيًا، بل إنني على العكس من ذلك كنت بالغ النجاح في حياتي الاجتماعية. لكن الدافع الكامن في أعماقي كان أقوى من كل ما هو معروض أمامي، وأذكر أنني كتبت قصيدة ألقيتها في آخر سنة لي في الجامعة، تلقي الضوء على حالتي تلك، وكانت بعنوان (غريب):
غريبًا عشت في الدنيا | نزيلًا مثل آبائي |
أذكر أنني نظمت قصيدة عنوانها: (هوذا الثوب خذيه) کي ألقيها في حفلة لجنة الشعر في كلية الآداب، تخيلت فيها القديس يوسف الصديق عندما سحبت امرأة سيده ثوبه كي يقترف الخطيئة معها. وقلت في نفسي لعل هذه الأفكار جالت في ذهن یوسف ذلك الحين، وقد جاء فيها:
هوذا الثوب خذيه | إن قلبي ليس فيه |
هكذا كانت حالة القلب من الداخل.. أما من الخارج فقد كان ذلك القلب الذي يضحك مع الناس ويتبادل النَّجوی معهم. لقد قررت أن أعيش مع الناس وأسعدهم ما استطعت ما دمت موجودًا بينهم، وحين أخلو بنفسي أصفو لها وأعيش لربي، إلى أن يطلقني له بسلام من جو العالم إلى حياة الرهبنة، وإذا ما وصلت إلى هذه الغاية فلا يساورني أي ندم على إساءتي إلى أحد، أو على تقصيري في التعبير عن محبتي.
كنت أعيش مع أهل بيتي (بيت أخي) بالروح نفسها، فكان أبناء أخي ينظرون إليّ على أنني القلب المُحب الذي يشاركهم ضحكاتهم ولهوهم وأفراحهم باستمرار. وعندما أغادر البيت مُتجهًا إلى الكنيسة يوم الأحد، كنت أتحدث في الروحانيات والنسكيات وسير القديسين. كنت أجمع بين هاتين الشخصيتين معًا، ولا أرى أي تناقض بينهما، بل أری فيهما لونًا من ألوان التكامل. أما في الخلوة فثمة شيء آخر: يستطيع الإنسان في الخلوة أن يعيش مُستغرِقًا في الصمت والهدوء والتأمل، ولكن عليه أن يعيش مع الناس مُندمجًا بهم، ولا يُتعبهم بانطوائه وصدوده تاركًا التأمل لوقت خلوته.
يقول قداسة البابا شنوده: "وكنت محررًا في مجلة مدارس الأحد، وفي أول عدد صدر منها في أبريل عام 1947م كتبت قصيدة أبواب الجحيم وقلتها في احتفال في كنيسة مار جرجس جزيرة بدران بمناسبة محاولة إصدار قانون خاطئ للأحوال الشخصية".
ونظم الأستاذ نظير جيد "قداسة البابا شنوده الثالث" قصيدة (أبواب الجحيم) وأهداها إلى الكنيسة، وذلك سنة 1946م، وفيها يقول:
كَمْ قسا الظلمُ عليكِ | كم سعى الموتُ إليكِ |
كما نظم قصيدة (أبطال) وأهداها إلى الأبطال الذين أدركوا سر الحياة الحقيقية فهتفوا مع القديس بولس: "لأَنَّ لِيَ الْحَيَاةَ هِيَ الْمَسِيحُ وَالْمَوْتُ هُوَ رِبْحٌ.. لِيَ اشْتِهَاءٌ أَنْ أَنْطَلِقَ وَأَكُونَ مَعَ الْمَسِيحِ، ذَاكَ أَفْضَلُ جِدًّا" (في1: 21، 23)، وذلك سنة 1947م:
نلتم الأمجاد في دنيا ودين | وهزأتم بالطغاة الملحدين |
الكلية الإكليريكية (1947م)
الكلية الإكليريكية (1947م)
في السنة النهائية من كلية الآداب، وبالتحديد عام 1947م، التحق "نظير" بالكلية الإكليريكية (السنة الأولى من القسم الليلي)، وتم قبوله بشرط تقديم شهادة الليسانس قبل نهاية العام الدراسي الإكليريكي. وحدث أن تخرج في الجامعة في شهر يونيو وتقدم لامتحان نهاية العام الإكليريكي في سبتمبر ونجح في امتحان السنة الأولى وقد اختصر الدراسة سنة كاملة.
كما التحق أيضًا بالقوات المسلحة في التدريب العسكري مُتطوعًا في سلك المتطوعين، وكان أول الخريجين من ضباط مدرسة المشاة عام 1947م.
هكذا كان عام 1947م عامًا مليئًا بالنشاط غير العادي للشاب نظير جيد، ففيه كان في السنة النهائية بكلية الآداب، وكان يعمل مُدرسًا، وكان له خدمته المشهورة في الحقل الكنسي من مدارس الأحد بالإضافة إلى الكتابة في مجلة مدارس الأحد.
يقول قداسته: "وفي السنة النهائية لي وأنا طالب في الجامعة، التحقت بالكلية الإكليريكية، وفي نفس الوقت كنت مُلتحقًا بكلية الضباط الاحتياط، كنت أدرس في الكليات الثلاث في سنة واحدة..
ولما دخلت الكلية الإكليريكية قبلني الأستاذ حبيب جرجس الأرشيدياكون - نيح الله نفسه- بصفة استثنائية.. لأن كان يشترط للالتحاق بالقسم الليلي، أن يكون الطالب خريجًا من الجامعة..
بعض الطلبة كانوا غير مطمئنين من وجودي طالبًا في الكلية وأنا لا تنطبق عليَّ الشروط. فقلت لهم لا تتضايقوا كثيرًا، فأنا لن أدخل الامتحان إلا ومعي الشهادة الجامعية، وكان الامتحان بالنسبة للقسم الليلي في شهر سبتمبر، وكنت في شهر يونيو قد تخرجت في كلية الآداب وأصبحت خريجًا مثلهم".
ولكن كان لسان حال الأستاذ نظير جيد يردد: "إن العالم مملوء بمن يخدمونه وإن الوظيفة الواحدة من وظائفه يتنازع عليها الكثيرون وأنا لا أقبل أن أبيع وقتي للعالم لأقبض في مقابله مالًا وکنيسة الله تفتقر إلى العاملين" !
كلية الضباط الاحتياط
يقول قداسته: "تخرجت سنة 1947م في كلية الآداب، وفي نفس السنة تخرجت من كلية الضباط الاحتياط، وكنت الأول في مدرسة المشاه..
في أيامنا كان طلبة الجامعة معفيين من التجنيد، وكان من الممكن دفع بدل نقدي لمن يرُيد الإعفاء من الجيش، ولكنني تطوعت وأنا ما أزال طالبًا في الجامعة. وقضيت ثلاث سنوات في التدريب العسكري اليومي في منطقة سيدي بشر أولًا، ثم في المندرة بالإسكندرية وكنت في الجيش أيضًا الأول بين الخريجين في مدرسة المشاة.
في الجيش تعلمت فضائل كثيرة: أولها النظام والجدية والتدقيق، والنشاط والاعتماد على الذات. كنا نستيقظ باكرًا فيرتب كل منا فراشه، ويخرج إلى العمل بمنتهى النشاط. كانت تلك الفترة مفيدة جدًا من الناحيتين النفسية والجسدية، فقد كانت هناك تدريبات رياضية وعملية تستلزم الصبر والجلد، إضافة إلى الطاعة والانضباط.
وأذكر أنني أثناء فترة التدريب كنت مسؤولًا عن وجبات الطعام في شهر رمضان فكنت أبذل اهتمامًا كبيرًا بطعام السحور والإفطار، وكان الطلبة يرشحوني دائمًا لذلك؛ لأنني كنت جادًا في هذا الشأن شديد الإخلاص لهم، وما زال زملائي الذين عايشوني في تلك الفترة يذكرونها بالخير، ومن بين الذين كانوا معي في تلك الفترة الأخ سعيد زاید الذي تولى الإشراف فيما بعد على البرامج العسكرية في الإذاعة، وكان برنامجه جميلًا.
كنت حريصًا على خدمة زملائي، متفوقًا في دراستي النظريات العسكرية. ولم تكن تلك الفترة تخلو من المرح أثناء حفلات الكلية مع مراعاة الجدية المطلوبة. وأذكر أنه في أحد الأيام صدر قانون خاص يتعلق بالحقوق العسكرية للضباط الاحتياط، وقد تم صدوره ضمن مرسوم ملكي، ولكن هذا القانون لم يُنفذ وهو ما أغضب الكثير من الزملاء، وسبب لهم حزنًا فقاموا بإضراب في الخارج. وجاءنا قائد الكلية وكانت تجمعني به محبة كبيرة وهو محمد بك بهجت جاء ليلقي علينا محاضرة في النظام العسكري: ينبغي وينبغي.. إلخ، واسترسل في كلام طويل بينما الطلبة غير مبالين، ثم أذن لمن يريد التعليق أن يتكلم. فطلبت الكلام وتوجهت إليه قائلًا: لقد تعلمنا درسًا جميلًا في الحياة العسكرية ألا وهو الطاعة. فسُرَّ قائد الكلية كثيرًا. وتابعت: إن الجيش من دون طاعة لا يُعتبر جيشًا علی الإطلاق، ويؤسفني أن جلالة القائد الأعلى للجيش قد أصدر مرسومًا ملكيًا لتنظيم حقوق الضباط الاحتياطيين وأنا واحد منهم، ولكنه للأسف لم يُنفذ وظل حبرًا على ورق ويتوجب علينا إطاعته!! فضحك بهجت بك وقال: ما الذي تريدونه إذًا؟ فذكرت له عددًا من مطالبنا ووعدنا بتنفيذها وكان متجاوبًا معنا إلى أقصى حد".
خبرات اكتسبتها في الجيش
خبرات كثيرة ومتنوعة اكتسبها الأستاذ نظير جيد خلال فترة تواجده في الجيش..
يقول قداسته: "عندما تخرجت في الكلية سنة 1947م كان نظري قويًا جدًا وكنت أستطيع أن أصيب عصفورًا على تل بعيد.. إن الجيش مرحلة مُفيدة جدًا في حياة الشباب، وأقول للمتخوفين منه من أبنائنا: ستستفيدون غاية الفائدة وستعود عليكم هذه التجربة بالخير وبالفضائل الكثيرة.
أذكر أننا في بداية التحاقنا بالجيش قضينا أربعين يومًا في التدرب على الخطوة المنتظمة وعلى الضبط والربط. كنت حينما أمشي في الطريق أسعى إلى أن تكون خطواتي متوافقة مع خطوات من أصادفه يسير إلى جانبي، فإذا كانت خطواته غير منتظمة كنت أنزعج لهذا الأمر وأقول في نفسي: يا لهؤلاء الناس المبعككين وغير المنظمين! وقد وصل الأمر إلى أن صرت أمشي مع أي مرافق لي مُراعيًا أن تكون خطواتنا متوافقة، وما أزال حتى الآن أمشي تلك المشية الجدية المنتظمة".
"هذه الأمور يمكن أن تفيد في الحياة، كيف يبكر الإنسان في استيقاظه.. كيف ينظم نفسه.. كيف يخدم نفسه.. كيف يمشي بطريقة منتظمة.. كيف يمشي بطريقة جدية.. كيف يطيع الرؤساء. وأنا أضفت إلى كل هذا، كيف يجتهد الإنسان أيضًا حتى في دروسه العسكرية. ولا أعتقد أن الإنسان الذي يذهب إلى الجيش يتعب، لو كان جادًا أو منظمًا وحريصًا على أن يسلك حسنًا.. فإنه حتمًا سيستفيد ولا يضره شيء".
رأي قداسة البابا شنوده في الحروب
"من الناحية الروحية، فإن حرب الاعتداء واحتلال أراضي الغير، غير مقبولة روحيًا ولا دينيًا، لكن الدفاع مقبول على اعتبار أن كل رئيس دولة، مسئول عن حفظ أراضي الدولة، وحتى في القَسَمْ الذي يقسمه، فهو يتعهد بحماية الوطن وحفظ أراضيه، فالحرب الدفاعية ليست ضد تعليم الكتاب..
ولكن حرب الهجوم والاعتداء، هي المؤثمة دينيًا. والجُندي عمومًا هو خاضع لرؤسائه.. إن وجدت حرب خاطئة، تكون المسئولية على القادة، وليست على الجنود. فالمفروض في الجنود، أن يطيعوا قائدهم أيًا كان الأمر، والمسئولية عليه هو.
والمثل الذي يقول إن القوة تحفظ السلام، طبعًا مثل سليم، لأن الدولة المحاربة تخاف من قوة أعدائها..
فإذا وَجَدَتْ أن قوة العدو قوي، تحتاط في أنها لا تقيم حربًا ضده. أما الحروب الكيميائية والنووية، فهي دينيًا خاطئة تمامًا، لأنها حروب إفناء وضد الإنسانية، وحاليًا بالنسبة للقانون الدولي هناك أسلحة يُحَرِمُهَا القانون الدولي".
تأليف قصيدة تأملية في وسط مياه البحر
يتذكر قداسة البابا شنوده الثالث تعرضه للغرق أثناء تأليف قصيدة شعر، فيقول: "مرة حكاية الشعر دي كانت ستفقدني حياتي.. أذكر هذه القصة تمامًا.. عندما كنت في الجيش، كنا نخرج في طابور بحر، إما في معسكر بسيدي بشر أو بمعسكر في المندرة.. وأنا لم أكن أعرف السباحة وما زلت.. في سيدي بشر كان عمق المياه على الشاطئ بسيط ويستطيع الشخص أن يمشي فيه مدة طويلة دون أن يجد عمقًا للمياه.. فكان البعض قد قالوا لي إنه عندما ينام الإنسان على ظهره تمامًا ويبسط جسمه ويبسط ذراعيه، فإن الموجة تحركه دون أن يعوم.. أنا عملت هكذا تمامًا وبسطت ظهري، فوجدت فوقي السماء والنجوم وبدأتُ أُولف شعرًا، وفيما أنا أولف شعرًا، تذكرت أنني لا أعرف العوم، وقلت في نفسي، ماذا سأفعل لو قادتني الموجة إلى مسافة بعيدة، فكيف سأعود؟
رحت واقف لقيت الميه كده لحد رقبتي.. يعني لو كنت انتظرت دقيقة واحدة تاني.. كنت خلاص هكمل خدمتي في كنيسة الأبكار.. وفضلت أجاهد علشان أوصل للشاطئ، وكل ما أدوس ألاقي الأرض بتجري من تحت مني.. أشكر ربنا إني وصلت للشاطئ.. ولم أعُد أولف شعرًا وأنا نائم فوق المياه مرة أُخرى".
معهد الآثار
الانضمام لأسرة تحرير مجلة (مدارس الأحد) والوصول لرئاسة تحريرها
في هذه المرحلة أصبح نظير عضوًا في اللجنة العليا لمدارس الأحد.. كما شهدت صدور مجلة (مدارس الأحد) التي عمل بها نظير جيد.
يقول قداسته: "بعد ذلك بدأت أكتب، ودخلت في أسرة التحرير. وقتها كان المسئول عن مجلة مدارس الأحد المرحوم الأستاذ إدوار بنيامين، وكنا نحن أعضاء أسرة المجلة نتولى رئاسة التحرير بالتناوب، كل واحد منا شهر من الزمان..
وكان أول شهر توليت فيه رئاسة تحرير المجلة هو شهر مايو سنة 1948م الذي نشرت فيه قصة "حدث في تلك الليلة".
"أتذكر أن القائمين بمجلة مدارس الأحد، كانوا يظنون أنني أكتب شعرًا فقط ولا أعرف كتابة النثر إلى أن اطلعوا على مقالاتي التي نشرتها مجلة الحق وقالوا لي: أنت تعرف تكتب نثر؟ قلت لهم: جایز.. بيقولوا كده، بعدها بدأت أكتب ودخلت أسرة التحرير وكنا نحن أعضاء أسرة المجلة نتولى رئاسة التحرير بالتناوب".
مدير تحرير المجلة ثم رئيس تحرير
بعد ذلك في سنة 1949م سافر الأستاذ إدوار بينامين إلى إثيوبيا، فتولى الأستاذ نظير جيد عمل مدير المجلة، ثم تولى موقع رئيس تحرير المجلة، من سنة 1949م إلى سنة 1954م، عندما ذهب إلى الدير بغرض الرهبنة.
رئيسًا لتحرير مجلة (مدارس الأحد)
ثم أصبح الأستاذ نظير جيد رئيسًا لتحرير مجلة (مدارس الأحد). وقد أسهم عمله في هذا المجال الصحفي كثيرًا في شخصيته وعلاقاته الكنسية.
وعن هذه الفترة وتأثيرها يقول قداسته: "صدرت مجلة مدارس الأحد عام 1947م فكنت أحد محرريها ثم أحد القائمين بأمرها فمديرًا لتحريرها عام 1949م ثم رئيسًا لتحريرها بعد ذلك. وبقيت رئيسًا للتحرير حتى عام 1954م حين ترهبنت. وكانت المجلة قوية في مادتها، وكنت معروفًا بأنني رئيس تحرير "صعب" فلم أكن أنشر سوى المادة ذات القيمة. وأتذكر أنني تلقيت اللوم ذات مرة لأنني لم أنشر مقالًا. قلت لهم بشأنه إنه مليء بالأخطاء، ثم سألوني عن مقال آخر لم أنشره أيضًا. ولم يكن به أخطاء فقلت: إنه مقال يخلو من الأخطاء ومن الصواب معًا، سألوني كيف، فقلت: إذا جاء أحدهم وقال 5x5 = 25. فهل أنشر هذا الكلام؟ أين الجديد الذي يفيد؟".
"أعطتني مجلة مدارس الأحد الفرصة حتى أتكلم في سياسة الكنيسة، كنا نتكلم عن المبادئ وليس الأشخاص، وكانت هذه الفترة فرصة لدراسة قوانين الكنيسة وأنظمتها، وواجب الرعاة والكهنوت، كما أعطتني فكرة عن معلومات كنسية كثيرة وجعلتني أضع يدي على الأخطاء التي يمكن أن توجد، وما ينبغي عمله من أجل إصلاحها، هذا ساعدني فيما بعد عندما أصبحت بطريركًا".
وقد "اُختير عضوًا باللجنة العليا لمدارس الأحد القبطية الأرثوذكسية وجامعة الشباب القبطي حيث تولى أمانة اللجنة الفنية مع زملائه الأستاذ وهيب عطا الله (الأنبا غريغوريوس)، والأستاذ عبد المسيح بشارة (الأنبا أثناسيوس- بني سويف)، والمهندس وليم متياس، والمهندس زغلول عبده (القس يوحنا حنين)، وتولت هذه اللجنة إعداد البرامج وتوضيحها بالدروس والصور للأولاد والشباب والشعب، وإعداد النشرات والكتب اللازمة لها، وتهيئة الوسائل الكفيلة بتغذية المُدرسين (الخُدّام) روحيًا وفنيًا في خدمتهم، كما تتولى مراقبة أنشطة مدارس الأحد".
وأصبح: "رئيسًا للتحرير في أبريل 1953م بعد أن أصبح عضوًا بنقابة الصحفيين وحتى رهبنته في يوليو 1954م، حيث كتب فيها أشهر مقالاته حول انطلاق الروح والتي أصدرتها المجلة كأول كتاب له، وأروع أشعاره، كما تولى تحرير باب مشاكلك الروحية".
علاقته بالراهب القمص مينا البراموسي
علاقته بالراهب القمص مينا البراموسي
ارتبط الأستاذ نظير جيد بعلاقة طيبة مع الراهب القمص مينا البراموسي، حيث قال قداسة البابا شنوده الثالث في الذكرى الأولى لنياحة قداسة البابا كيرلس السادس: "كنت أعرف أبونا مينا منذ عام 1948م، وسكنت في بيته بمصر القديمة بين عامي 1950م و1951م.. كنت أحب في أبونا مينا الطيبة والتعبد والهدوء..".
"كنت أتردد على كنيسته في مصر القديمة، وانتهى بي الأمر إلى أن سكنت هناك أتمتع بقداساته وصلواته ورعايته وإرشاده في ذلك الجو الجميل في كنيسة مار مينا بمصر القديمة".
يقول البابا شنوده عن القمص مينا البرموسي المتوحد "عاش کمرشد روحي للكثيرين في فترة طويلة وقبل أن يصير بابا الكرازة المرقسية كان أبًا في الاعتراف لمئات من طالبي إرشاده الروحي.. كان كل زائر للقمص مينا المتوحد يأخذ منه بركة وقربانة، وكنت في كل زياراتي للدير في وادي النطرون أرجع مباشرة إليه فيسألني عن الرهبان واحدًا واحدًا، لأنه يعرفهم بأسمائهم، ويطمئن على كل واحد منهم".
كان الشاب نظير جيد يحب الرهبنة – كما هي رهبنة الآباء – ويبحث عن القدوة الأصلية في هذا، ولم يكن هذا سهلًا فكتب الآباء غير متوفرة والمعلومات عن رهبنة البرية ضئيلة، ومن يراهم من الرهبان كانوا ممن يخدمون في الكنائس فيما عدا القمص مينا المتوحد الذي وجد فيه ضالته المنشودة".
أول لقاء مع الأنبا باخوميوس 1949م
أول لقاء مع الأنبا باخوميوس 1949م
يتذكر نيافة الأنبا باخوميوس- مطران البحيرة المتنيح - أول لقاء له مع الأستاذ نظير جيد - قداسة البابا شنوده الثالث فيما بعد، فيقول نيافته: "أول مرة تقابلت فيها مع سيدنا البابا لما كنا شبانًا صغيرين في مدارس الأحد في الزقازيق.. وكان على ما أذكر صيف عام 1949م، كان سيدنا البابا شنوده لسه علماني وكان بيجي الزقازيق يزور الكنيسة.. لأنه كان بيُدعى في النهضات ولما كان بيجي يشترك في النهضة كان يحضر معانا اجتماع الخدام ويدينا كلمة روحية وبيزورنا في فصول مدارس الأحد..
أنا بدأت أخدم وأنا شاب صغير.. دخل الفصل لقى الأولاد ساكتين وبيسمعوا الحكاية بس بيدور على المدرس مش لاقيه.. في الآخر اكتشف إن أنا المدرس لأني مكنتش باین وسط الأطفال.. لأننا كنا بنخدم وإحنا في المرحلة الثانوية.. وبعد كده كنا بندخل الجامعة في القاهرة.. وهو لما دخل الفصل وشاف الأولاد ساكتين فالصورة انطبعت في ذهنه.. ومن وقتها كان دايمًا بيسأل عليَّ واستمرت العلاقة اللطيفة بيننا من اللقاء ده..
حتى لما روحنا الجامعة في القاهرة كنا بنعمل اجتماع لخدام مدارس أحد الزقازيق الجامعيين كل شهر وكنا بندعي الأستاذ نظير جيد ليلقي كلمة في الاجتماع.. كنا بنحب بعض أوي وهو كان دايمًا يفكرني بأول لقاء.. کمان کنت أزوره في بيت مدارس الأحد بروض الفرج وهو كان رئيس تحرير مجلة مدارس الأحد علشان يديني خبرة في مجلة كنت ماسكها اسمها (رسالة خريجي مدارس أحد الزقازيق).. وكنت آخذ رأيه إزاي نعمل المجلة".
بيت مدارس أحد الجيزة
بيت مدارس أحد الجيزة
خدم الأستاذ نظير جيد أيضًا في مدارس أحد الجيزة.
يقول قداسته: "افتكر لما إخوتنا في الجيزة أسسوا بيت التربية المسيحية في الجيزة اللي بقي بيت المغتربين جعلوني عضو مجلس إدارة هذا البيت وطبعًا ما كنا نُدعى إطلاقًا لحضور جلسات يعني اسم عبارة عن ديكور، وبعد ثلاث سنوات تقريبًا سقط نصف الأعضاء بالقرعة لكي ينتخب بدلهم، وأنا كنت من الذين استمرت عضويتهم.. وفي إحدى المرات كنا في زيارة الأستاذ حبيب جرجس مدير الكلية الإكليريكية ورئيس مدارس الأحد، فقال له أحد أعضاء مدارس أحد الجيزة: يا حبيب بيه الأستاذ نظير جيد - عليَّ يعني- عضو عامل معانا في جماعة التربية، فأنا قلت له هو عضو عامل ولا عامل عضو، لأن ما كنت أتدخل في شئونهم إطلاقًا.. كنت عازفًا عن المسائل الإدارية كثيرًا، وأفتكر مرة في بيت مدارس الأحد الذي يصدر المجلة، كانت مجموعة الأستاذ إدوار بنيامين قصاد مجموعة الدكتور ميخائيل عياد مجموعتين في الانتخابات، وكل مجموعة بتحب أنصارها هما اللي ينجحوا، وأنا كنت محبوبًا من كليهما فمش نجحت وأخذت أكبر الأصوات؟! نجحت في الانتخابات وأخذت كل الأصوات يعني مجموع الأصوات كلها كل الفريقين اختاروني، ولكن كل فريق عايز رئيس مجلس الإدارة يكون منه ومكسوفين يقولوا لي وأنت واخد كل الأصوات ما تباقش رئيس، فجم في أول اجتماع وقالوا احنا بتوع مدارس أحد ومش بتوع رئاسات، فإحنا نعمل قرعة طبعًا قصدهم من القرعة أن أي واحد فيهم ييجي وبعدين نتنازل إلى كبيرهم فيصبح هو، فقام عملوا القرعة فطلعت عليَّ أنا برضوا، لكن كان أسلوبي غير أسلوبهم تمامًا أنا لي الأسلوب الروحي في الخدمة، وهم ليهم الأسلوب الإداري اللي ما بيتفقش مع أسلوبي، وقضيت فترة كان نتيجتها إني استقلت من رئاسة مجلس الإدارة وتفرغت للمجلة، قالوا لي ليه؟ قلت لهم إحنا سبع أعضاء مننا ستة رؤساء، وأنا العضو الوحيد.. مجلس إدارة يتكون من سبعة عبارة عن سته رؤساء وأنا العضو الوحيد، ولما جيت بطرك أتذكر أن مجلة مدارس الأحد لتحياتي في ذلك الحين كتبت مقالًا عنوانه العضو الوحيد".
الولد المتأخر
يحكي قداسته: "عندما كنت علمانيًا، كنت مسئولًا بإحدى الجمعيات (مدارس الأحد)، وفي يوم جاءني جواب إن الولد الفلاني (...) غاب من المدرسة في يوم (...) بعد الظهر، بعت للولد وقعدت معاه وسألته يا حبيبي ليه غبت من المدرسة؟! بص لي الولد وبكى..!!
قلت له: كلمني بصراحة علشان أعرف السبب.
قال لي: أصل المُشرفة (...) أمرت إني أكنس وأمسح البلاط.. ولما عملت كده اتأخرت ورحت المدرسة لقيت الباب مقفول بعدين رجعت.
أنا لما عرفت السبب بعت للمشرفة وقلت لها: إنت إزاي بتعاملي الأولاد بالشكل ده؟! وعرفت إن العيب مش من الولد لكن من المشرفة".
الولد المطرود
"عندما كنت رئيسًا لمجلس إدارة إحدى المؤسسات الخيرية، (مدارس الأحد) حدث أن فكَّر المجلس في طرد أحد الأولاد بسبب سوء أخلاقه.. وكان ذلك عام 1952م فكتبت إلى أعضاء المجلس خطابًا قلت فيه:
أكتب هذا الخطاب لأنه يدفعني شعور طاغ بخطورة العمل في المؤسسات الخيرية، وليس لأنني سأقف أمام مجلس إدارة الجمعية، أو أمام وزارة الشئون الاجتماعية..
ولكن لأنني سأقف أمام الله الذي قال: "أعطني حساب وکالتك". "ومخيف هو الوقوع بين يدي الله الحي".
وبخصوص التفكير في طرد ولد فليس من حقنا أن يطرد.. فسوء أخلاقه تدل على فشلنا في تربيته!!
ويجب أن نُطرد نحن ويأتي آخرون!
بعدها كتبت مقالات في مجلة مدارس الأحد إذ كنت رئيسًا لتحريرها بعنوان "عاملوهم برفق".
تعيينه للتدريس بالكلية الإكليريكية (1950م)
تعيينه للتدريس بالكلية الإكليريكية (1950م)
لثقافته وروحانيته اُختير في عام 1950م مُدرسًا بالإكليريكية وكان له النصيب الأكبر في الجهاد لنقل الإكليريكية من مبناها القديم إلى الأنبا رويس.
يقول قداسة البابا شنوده: "ثم دَّرَست في الكلية الإكليريكية في القسم الليلي، ثم في القسم النهاري، ثم بعد ذلك تَفَرَغْتُ للتدريس في الكلية الإكليريكية تمامًا".
فقد عينه الأرشيدياكون حبيب جرجس مُدرسًا بها لتفوقه الملحوظ ونبوغه في كل المواد، وما رآه فيه من غيرة على الكنيسة وعقيدتها، وما لمسه فيه من روحيات، فكان قداسته دائم التردد عليه وكان يجالسه كثيرًا يناقشه ويتعلم منه الكثير والكثير، وكان يكتب ويسجل كل ما يقوله الأرشيدياكون حبيب جرجس وظل يفتخر بتلمذة قداسته له طيلة عمره.
يقول قداسته: "عندما تخرجت عام 1949م في القسم المسائي بالكلية الإكليريكية، كنت كعادتي باستمرار أول الخريجين، كان الأستاذ حبيب جرجس يقول لي: عايزينك معانا، فَعُينتُ في هيئة التدريس بالكلية، وأصبحت حياتي هي حياة تكريس تقريبًا، ما عدا سنتين أو ثلاثة قضيتها في التدريس بالتعليم الثانوي في المدرسة الإنجليزية..".
"درّست في الأول في الإكليريكية مادة شعوب الكتاب المقدس دي أول مادة.. فدخلت الحصة رسمت نهر النيل وبدأت أتحدث عن الدروس الروحية التي نأخذها من نهر النيل.. دي فيما بعد نُشرت في كتاب كلمة منفعة.. فدخل مسجل الكلية وبص للسبورة قالي أنت بتدّرِس إيه قلت له بدرس شعوب الكتاب المقدس نهر النيل، قالي طيب فمعجبهمش هذا الأسلوب فشالوني منه وادوني مادة العهد القديم فبدأت أدرّس مادة العهد القديم في مساعدة الأستاذ كامل متى، أستاذ المادة الذي هو حاليًا أبونا ميخائيل متى في القوصية، الأستاذ كامل متى كان يميل إلى أنه يتفرغ للكهنوت في آخر سنة له في الإكليريكية ترك لي منهج مادة العهد القديم كلها.. بدأت أدرِسها كلها وهو تفرغ للاستعداد للكهنوت، وحينما صار الأستاذ كامل متى كاهنًا في القوصية، كان من المفروض أن أتولى مادة العهد القديم، ولكني وجدت الأب الموقر القمص إبراهيم عطية مدير الكلية الإكليريكية يُعيّن فيها القس منقوريوس عوض الله ليتولى مادة العهد القديم، وكان معروف أنه أستاذ طقوس وله كتاب في الطقوس، فقلت له يا أبونا أنت ما تعرفش إني أنا بدرِس المادة دي؟! قال لي أه لكن إحنا لو خليناك في المادة دي مش ها نكسب مدرس جديد يعينه لنا المجلس الملي، فقلت له اسمع يا أبانا لا تكن مخاصمة بيني وبينك ولا بين رعاتي ورعاتك، أنا أعرف إن الأستاذ كامل متى بالكاد كان في درس الكتاب ينتهي من مادة العهد القديم، ولا يدرس العهد الجديد فأنا سأتولى تدريس مادة العهد الجديد، وهكذا صرت أول مدرس للعهد الجديد في الكلية الإكليريكية، لم تكن هذه المادة موجودة من قبل بعد أن ذهبت إلى الرهبنة تولى تدريس هذه المادة عبد المسيح بشارة حاليًا نيافة الأنبا أثناسيوس مطران بني سويف، وبعد أن ترهب عبد المسيح بشارة تولى هذه المادة الدكتور موريس تواضروس، لكني درستها كأول مدرس لها في الكلية الإكليريكية، فيما بعد كنا ندرس في الكلية المواد التي لم يكن يدرسها أحد من قبل، يعني إحنا لما بدأنا التدريس كانت هناك مواد جديدة لم تدخل الكلية الإكليريكية، مواد جديدة دخلت على يد وهيب عطا الله حاليًا نيافة الأنبا غريغوريوس، ومواد أخرى دخلت على يد نظير جيد والأنبا شنوده، لكي نستكمل المناهج الكاملة للكلية الإكليريكية".
"وأذكر أنني عندما كنت أعلّم في كلية اللاهوت أطلب من طلابي بحوثًا، فيسألوني عن المراجع فأقول لهم إن التعرف على المراجع، هو جزء من البحث، وعليكم أن تبحثوا بأنفسكم وتستدلوا على المراجع. كنا أحيانًا ندرس (الإنسكلوبيدا بريتانيكا) دائرة المعارف البريطانية، فنقرأ الموضوع ونقرأ تحته (البيبلوغرافيا) قائمة بأسماء الكتب التي تتناوله، وكان أحدنا ينقب في هذه الكتب لأن من المحتمــل أن ترشده إلى مراجع أُخرى وهكذا.. إن البحث في المراجع هو جزء من البحث العلمي المطلوب، يعرّف الباحث بمصادر العلم وبكيفية الحصول عليها. من المتيسر حاليًا الوصول إلى ذلك عن طريق الكمبيوتر، وبلمسة زر واحدة يعرف الباحث الكتب والمراجع وكافة المعلومات التي يريدها ثم يسجلها على الطابعة فتصبح جاهزة، وهو مما يقلل مـن دور العقل البشري في البحث.
كان العلم بالنسبة لنا في البداية يتمثل في الإقبال على الدراسة ثم النجاح فيها، ومن ثم محبة العلم ذاته، محبة العلم للعلم، محبة المعرفة للمعرفة. ويصبح الشأن هنا أبعد من النجاح والرسوب والشهادات والتقديرات العلمية، بل التلذذ بالمعرفة. ثم يأتي بعد ذلك أمر في غاية الأهمية وهو الوصول إلى ماهية المعرفة التي يسعى إليها الإنسان، فمعرفة الذات شيء، ومعرفة الله شيء آخر، وهناك معرفة الفضيلة، ومعرفة الحق، ومعرفة الأشياء المجردة. إن معرفة الغاية من الشهادات العلمية ومن المعرفة هي متعة في حدّ ذاتها. وقد صار لها عندي فيما بعد أهداف روحية وإلهية مثلما نقول في بعض صلواتنا: اللّهم أعطني من معرفتك. كما أنّ لدى إخوتنا المسلمين درجة العارفين بالله، أي الذين تعمقوا في المعرفة إلى أن وصلوا إلى المعرفة الإلهية".



