موسوعة اللاهوت المقارن – الجزء الرابع – إخوتنا البروتستانت
| الكتاب | موسوعة اللاهوت المقارن الجزء الرابع – إخوتنا البروتستانت |
| المؤلف | مثلث الرحمات البابا شنوده الثالث |
| دار نشر | كنيسة السيدة العذراء بالزيتون/ رقم 1021 |
| الطبعة | الثانية، 2024م |
| رقم الإيداع بدار الكتب | 19683/ 2021 |
طُرس البركة لقداسة البابا تواضروس الثاني
وإن مات فهو يتكلم بعد..
غزارة المعرفة وعمقها في حياة المتنيح قداسة البابا شنوده الثالث جعلته يترك لنا تُراثًا
ورغم أنه نُشر أكثر من 150 كتابًا بأحجام متنوعة وفي موضوعات عديدة تغطي مساحات كبيرة من المعارف المسيحية الروحية والكنسية والآبائية، والتي تُرجمت معظمها إلى العديد من اللغات، حتى صار اسمه معروفًا عالميًا أنه "مُعلم الأجيال".. إلا أنه ما زال يوجد الكثير مما لم يُنشر بعد. وننشر لكم بعضًا من ذلك التُراث الخالد والذي لم يُنشر من قبل..
ونقدم لكم موسوعة اللاهوت المقارن:
الجزء الرابع – إخوتنا البروتستانت
وسوف تجد عزيزي القارئ متعة خاصة وأنت تستمع لصوت قداسته عبر الصفحات وبعد رحيله.. يُعلِّمنا ويروينا من فيض معرفته وروحياته وخبراته العميقة.
تقديري ومحبتي لكل من ساهم في إخراج هذه الكتب إلى النور.. خاصة مركز "معلِّم الأجيال لحفظ ونشر تُراث البابا شنوده الثالث" في كنيسة السيدة العذراء مريم بالزيتون بالقاهرة.
نفَّعنا الله ببركة صلواته لأجلنا كنيسةً وشعبًا وضعفي. ونعمته تشملنا جميعًا..
البابا تواضروس الثاني
بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية الـ 118
قداسة البابا شنوده الثالث في سطور
1- وُلِدَ في 3 أغسطس 1923م، باسم نظير جيد روفائيل. في قرية سَلاَّم بأسيوط.
2- حصل على ليسانس الآداب - قسم التاريخ - من كلية الآداب جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليًا).
3- التحق بالقوات المسلحة - مدرسة المشاة - وكان أول الخريجين من الضباط الاحتياط سنة 1947م.
4- تخرَّج في الكلية الإكليريكية "القسم المسائي" سنة 1949م، وكان الأول على الخريجين - فعُيِّنِ مُدرّسًا فيها.
5- عمِلَ مُدَرِسًا للغة الإنجليزية والعربية، في إحدى المدارس الأجنبية.
6- أتقَنَ الشعر منذ عام 1939م، وكتب كثيرًا من القصائد الشعرية.
7- في سنة 1949م: تَكَرَّسَ للخدمة في الكلية الإكليريكية وبيت مدارس الأحد في روض الفرج بشبرا، وتولى رئاسة تحرير مجلة مدارس الأحد.
8- صار راهبًا في دير العذراء الشهير بالسريان في 18 يوليو 1954م.
9- تمت سيامته بيد البابا كيرلس السادس، أول أسقف للتعليم والكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، باسم الأنبا شنوده في 30 سبتمبر 1962م.
10- بدأ الاجتماعات الروحية التعليمية منذ سنة 1962م، واستمر فيها حتى نياحته سنة 2012م.
11- أصدر مجلة الكرازة في يناير 1965م، واستمر في تحريرها حتى نياحته سنة 2012م (واستمرّ قداسة البابا المُعَظَّمْ تواضروس الثاني في إصدارها).
12- اختارته السماء بالقرعة الهيكلية وتمَّ تجليسه البابا الـ 117 للكنيسة القبطية الأرثوذكسية يوم 14 نوڤمبر 1971م.
13- نَمَتْ الكنيسة القبطية في عهده، داخل مصر وخارجها؛ في كل قارات العالم: أفريقيا
وآسيا وأوروبا وأستراليا والأمريكتين: الشمالية والجنوبية
14- حصل على تسع شهادات دكتوراه فخرية من كبرى جامعات أمريكا وأوروبا.
15- امتدت الكلية الإكليريكية في عهده، وأصبح لها 16 فرعًا في مصر وخارجها.
16- حصل على العديد من الجوائز مثل؛ جائزة أفضل واعظ ومعلم للدين المسيحي في العالم 1978م من مؤسسة Browning الأمريكية، وجائزة أوجوسبورج الألمانية للسلام. كما حصل على وسام الصليب الأكبر للقديس أغناطيوس من الكنيسة السريانية.
17- كتب أكثر من 150 كتابًا ونبذة في كثير من المجالات الكتابية والروحية، واللاهوتية والعقائدية وفي الخدمة والرعاية والتربية.
17- قامَ بسيامة بطريركين لكنيسة إريتريا و5 مطارنة و112 أسقفًا وأكثر من 2000 كاهن و1000 راهب.
18- قامَ برحلات رعوية ورسمية لكثير من بلدان العالم، وصلت إلى 104 رحلة.. فمثلاً زار الولايات المتحدة (57 زيارة)، والمملكة المتحدة (31 زيارة) وغيرها.
19- أحضر إلى مصر رفات القديس أثناسيوس الرسولي البطريرك الـ 20، في 10 مايو 1973م.
20- اهتم بخدمة المرأة؛ وقام بتشكيل لجنة المرأة، وسمح للمرأة بالدراسة بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، وقام بتعيينها مدرسًا بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية لتدريس علم اللاهوت، وسمح لها بعضوية المجلس الملي، وعضوية مجالس الكنائس.
21- جلس قداسة البابا شنوده الثالث على الكرسي المرقسي لمدة 40 سنة، و4 أشهر، و3 أيام، وبهذا يعتبر سابع الباباوات من حيث طول مدة الجلوس على الكرسي المرقسي. عاش 88 سنة و7 أشهر، و14 يوم.
22- رقد في الرب في 17 مارس سنة 2012م، وكانت جنازة قداسته مهيبة وعظيمة، حضرها أكثر من اثنين ونصف مليون شخص. نيحَ الله نفسه في فردوس النعيم، ونَفَّعْنا بصلواته.
هذا الكتاب
هذا الكتاب
تقوم فكرة موسوعة اللاهوت المقارن لقداسة البابا شنوده الثالث على تجميع تراث قداسته من كتابات وتعاليم لاهوتية في هذا المجال (اللاهوت المقارن) وإخراجها في صورة منظَّمة تغطي جوانب هذا الفرع من علم اللاهوت، بحيث يكون لدى القارئ مرجعٌ شامل يغطي هذا المجال.
وهذا الكتاب "إخوتنا البروتستانت" هو الجزء الرابع من موسوعة اللاهوت المقارن ويتناول نشأة الكنيسة البروتستانتية في مصر، ومجمل الخلافات التي بيننا وبين إخوتنا البروتستانت، فيعرض قداسته اعتقادات إخوتنا البروتستانت، ثم يقدِّم الرد على تلك الاختلافات من خلال الكتاب المقدس، ثم يورد معتقد الكنيسة القبطية الأرثوذكسية ومدى توافق تلك العقائد مع الكتاب المقدس.
ومن هذه الاختلافات على سبيل المثال:
الاختلافات العقائدية مع البروتستانت: (المعمودية، الخلاص في المفهوم الأرثوذكسي، بدعة الخلاص في لحظة، مركز الإيمان والأعمال في خلاص النفس البشرية، الإيمان والأعمال والتقليد، الخلاص بالأسرار).
الأجبية: صلاة الأجبية والرد علىى الشكوك.
العذراء: (دوام بتولية السيدة العذراء، إكرام العذراء وموقف البروتستانت، السيدة العذراء في عقيدة الكنيسة).
المواهب: (المواهب الروحية، المواهب والتكلُّم بألسنة، الحركة الخمسينية).
التوبة والخلاص: (التوبة من جهة الخلافات العقائدية، التوبة وعلاقتها بالخلاص والفروق بين مفهوم التوبة، التوبة في المفوم الأرثوذكسي).
الكهنوت: (الكهنوت والاعتراضات عليه، عن الإكليروس، الكهنوت البشري، السيادة والسجود والأبوة في الكهنوت).
التقليد: (التقليد والتسليم الرسولي، التقليد والكتاب المقدس).
الشفاعة والقديسين: (الشفاعة كخلاف مع البروتستانت، أعياد القديسين، تسمية الكنيسة بأسماء العذراء والملائكة والقديسين).
الاختيار: (الاختيار في الفكر البروتستانتي، الاختيار في رومية 9، تقسية قلب الله، اختيار الله لأشخاص معينين أو رفضه لأشخاص معينين، الاختيار والرفض).
النعمة والجهاد والإيمان: عمل النعمة في الإنسان، الأعمال والجهاد، الأعمال ومركزها في موضوع الخلاص.
التبرير والتقديس: (التبرير والتقديس، التبرير والخلاص، التجديد).
اختلافات أخرى: (رشم علامة الصليب والاتجاه إلى الشرق، الاعتراف والتناول، الكنيسة، البخور، الأيقونات في الكنيسة، الصوم بيننا وبين البروتستانت، المُلك الألفي).
الفصل الأول نشأة البروتستانت
نشأة البروتستانت في مصر[1]
المرسلون الأجانب
أول علاقة للتبشير بالبروتستانتية في مصر كانت سنة 1854م بواسطة مرسلين أجانب. ولكن قبل ذلك بفترة سنة 1848م كان أول وجود للكنيسة الإنجيلية في الشرق الأوسط العربي في بيروت سنة 1848م، وانضموا لها في ذلك الحين حوالي تسعة عشر فردًا، بعد ذلك سنة 1853م قررَ السنودس المشيخي الأمريكي بأن يبعث مرسلين إلى مصر، وسنة 1854م جاءوا المرسلون الأجانب.
كيف بدأت؟
في الأول كان هناك مرسلين أجانب وبعد ذلك بدأوا يعينوا مصريين شيوخ وقسوس وشمامسة.. وكان المرسلون يتكلمون باللغة الإنجليزية، وبعد ذلك بدأ التبشير بالبروتستانتية باللغة العربية... إلى أن وُجد فيهم واحد مهم جدًا من المرسلين اسمه "دكتور هوج".
"دكتور هوج" جاء مصر سنة 1956م، ودرس اللغة العربية وكان يُبشر باللغة العربية.
أول ما بدأ البروتستانت التبشير في مصر، بشروا في درب الجنينة في الموسكي في دار الإرسالية الأمريكية، وبعد ذلك أصبحت وظيفتهم هي مجرد تعليم الإنجيل ونشره وتوزيعه، والوعظ، لكن لم يكن لهم كنائس.. أول كنيسة إنجيلية نشأت في مصر سنة 1860م أي أنهم بعد ثلاث سنوات (من تاريخ المحاضرة) ممكن يحتفلوا بقرن ونصف للبروتستانت في مصر. قرن ونصف!! الكنيسة القبطية لها أزيد من عشرين قرن، الكاثوليك مثلهم تقريبًا لكن تزيد عنهم يمكن نصف قرن أو شيء من هذا القبيل.
بداية نشاطهم في مصر
في الأول كانوا يبدأون خدمتهم في بيت أو في مدرسة أو في مجرد حجرة، ثم أسسوا كنائس وصاروا يشترون أراضي ويبنون كنائس، وكانت مهمتهم الأولى الطواف في القرى. لذلك قلت لكم إنهم بدأوا في مصر سنة 1854م، لكن أول كنيسة لهم تأسست سنة 1860م، المدة السابقة هذه كانت مجرد وعظ وطواف في القرى، وتعليم وتوزيع الإنجيل وأشياء من هذا القبيل، ولا زيادة عن ذلك.
هم بدأوا بإنشاء المدارس، مدارس للأولاد، ومدارس للبنات، وكانوا يجعلون ضمن المدرسة صالة، والصالة تصبح كأنها كنيسة، إلى أن تأتي الفرصة أن يبنوا كنيسة قائمة بذاتها، وبدأوا بأعداد قليلة.. في أول مرة آمن بهم حوالي أربعة أفراد، وبعد ذلك ثمانية ثم عشرون وأصبحوا خمسة وثلاثين وزاد العدد.
أول قسيس أمريكي اشتغل في مصر "الدكتور واتسن" رجل مشهور، لكن قبل منه كان في مرسلين أجانب من سنة (1854 – 1856م) هم القس توماس ماكك، والقس بارنت، والقس لانسنج، أما في الفيوم فذهب القس هارفي سنة 1866م.
أول المصريين الذين اشتغلوا عندهم - للأسف الشديد - راهب اسمه "أبونا إبراهيم البليني" (يبدو أنه كان من البلينا) سنة 1867م وكان يوزع الكتب الدينية بالمجان.
المهم أنهم عندما بدأوا التبشير في مصر كانت الكلية الإكليريكية لم تتأسس بعد.
الأستاذ حبيب جرجس تخرج من الكلية الإكليريكية سنة 1893م، فالكلية الإكليريكية بدأت سنة 1889م، وكان البروتستانت انتشروا في أماكن متعددة كثيرة في القاهرة، والإسكندرية، وفي الوجه البحري، وفي الدلتا، وفي الوجه القبلي.. وانتهزوا الفرصة! للأسف ساعة ما بدأوا يشتغلوا كانت الكنيسة في حالة ضعف، ولم يكن فيها وعّاظ ولا معلمون حتى عندما أسسوا الإكليريكية بحثوا عن معلم للدين لم يجدوا، فطلبوا من أبونا القمص فيلوثاؤس إبراهيم الذي هو كاهن الكنيسة المرقسية وأستاذ حبيب جرجس إنه يدّرس فدَرّس أول سنة وبعدين صحته لم تساعده.
فبدأ حبيب جرجس يُدَرّس الدين وهو طالب في السنة النهائية في الإكليريكية، لزملائه الإكليريكيين، لأنه لم يكن يوجد مدرسين دين.
عندما بدأ حبيب جرجس.. بدأت الإكليريكية ومدارس الأحد تتولى التعليم وأسسهما كليهما الأستاذ حبيب جرجس الذي صار مُدَرِّسًا في الكلية الإكليريكية، ثم صار مديرًا للكلية الإكليريكية سنة 1918م.
دكتور يوحنا هوج
يوحنا هوج هو أكثر مَن أسس للبروتستانتية في مصر. ولد في أسكتلندا سنة 1833م ودرس اللغة العربية، وكان يتحدثها، ووصل إلى مصر في 6 ديسمبر 1856م.
في يوم 15 ديسمبر 1856م أي بعد وصوله بتسعة أيام بدأ يفتتح مدرسة، وبالطبع كان التلاميذ فيها قلة بسيطة، ولكن أين افتتح المدرسة؟! في بيته.. هذا يُظهر الخدمة عالرغم أنهم بدأوا من لا شيء، سواء في البيوت أو في مدرسة أو في صالة وبعدد قليل، لكن نموا شيئًا فشيئًا، في صمود إلى أن أصبح لهم كنائس عديدة بقسوس.. إلى آخره.
رُسم كقسيس بروتستانتي سنة 1860م، وعندما أقول لكم: "قسيس بروتستانتي" ليس معناها "كاهن"، لأن في البروتستانتية يفرقون بين كلمة قس وكاهن، قس يعني pastor راعي، أما كاهن فهم لا يؤمنوا بالكهنوت إطلاقًا. يقولوا: لا يوجد سوى كاهن واحد في السماء وعلى الأرض هو يسوع المسيح ولا يؤمنون بالكهنوت البشري.
عندما أصدرت كتاب عن الكهنوت، صموئيل حبيب الرئيس البروتستانتي اعتبر إن هذا الكتاب ضدهم، وأنا لم أقل فيه ولا حرف ضدهم، أنا شرحت موضوع الكهنوت وتأسيسه.. لكن هم لا يؤمنون بالكهنوت.
في أسيوط
يوحنا هوج اشتغل في عدة أماكن لعل منها أنه أسس كنيسة العطارين في الإسكندرية للبروتستانت، لكن أهم خدمته كانت في أسيوط.. وصل لأسيوط سنة 1865م وفتح في بيته مدرستين للأولاد وللبنات، وكانت تخدم معه ميس مكاون.. ثم ذهب إلى إنجلترا ليجمع تبرعات لكي يؤسس مدرسة لاهوتية.
كما أسس مدرسة لاهوتية فيما بعد وتطورت إلى أن صارت كلية الأمريكان في أسيوط. وافتتح درس للكتاب سنة 1868م كان عدد الحاضرين فيه خمسة وعشرين شخصًا، وأخذ دكتوراه من جامعة ويست منستر في اللاهوت سنة 1869م.
ظهرت مهارة البروتستانت في أنهم استطاعوا أن يضموا في أسيوط اثنين من أهم الأغنياء في أسيوط، وبهم أسسوا أول كنيسة؛ هم عائلة خياط وعائلة ويصا.
عائلة ويصا كان عندهم حوالي 3 آلاف فدان لكن بعد قوانين الثورة المصرية وتأميم الأراضي لم يتبق لهم سوى 200 فدان.. فأسسوا كنيسة في غرب أسيوط ثم أسسوا كنيسة أخرى في أسيوط، وجاء لها أمر من الباب العالي من تركيا في أرض الخواجة ويصا أيضًا.
ثم بعد ذلك ذهب هوج إلى الحواتكة سنة 1871م وتأسست فيها كنيسة، فيما بعد صدر بها قرار من الباب العالي أيضًا، ثم تأسست كنائس كثيرة في الصعيد فمثلًا أسسوا كنيسة في المطيعة، في باكور، في النخيلة، في أبو تيج، في الزرابي، انتشروا في أسيوط بواسطة الدكتور هوج الذي كان يعرف اللغة عربية ويُبشر بها أيضًا.
بعد ذلك عينوا الخواجة إبراهيم يوسف راعيًا من (1879م إلى 1889م)، وبعده القس معوض حنا، ثم القس باقي صدفا من سنة 1876م.. على أنهم في الصعيد أيضًا ذهب الدكتور واتسن هناك سنة 1866م مع الشيخ فام اسطفانوس (قطعًا قبطي غويط).. وأبونا ميخائيل البليني.. وأسسوا كنيسة في قوص بنيت سنة 1878م، وكان أول راعي لها سنة 1867م، ثم في الأقصر إلى آخره.
في القاهرة
أماكن أخرى ذهبوا إليها... كالقاهرة، حيث كانت أول كنيسة في درب الجنينة في الموسكي سنة 1854م، وبعدين كنيسة في الأزبكية سنة 1876م، ثم كنائس في عابدين، وفي القللي، وفي الفجالة، وشبرا، والملك الصالح، ومصر الجديدة، ومنشية الصدر.
في ذلك الحين كانت مصر كلها مُقصرة في مسألة المدارس وبنائها.. لدرجة قيل إن أول مدرسة ثانوية بُنيت في مصر كانت عام 1825م، والبروتستانت انتهزوا هذه الفرصة وبدأوا يأسسوا مدارس. كل واحد فيهم يقوم يأسس له مدرسة للبنين، ومدرسة للبنات، وقاعة يعملها كنيسة، وبعدها بمدة قليلة يبني الكنيسة... وإن لم يبني الكنيسة يستخدم القاعة كما هي، وخصوصًا إن البروتستانت الأمور سهلة عندهم أكثر منا. فالكنيسة لدينا بها مذبح، وحامل أيقونات، وشمامسة، وخوارس.. أما عندهم لا يوجد أي شيء لا قداسات ولا مذابح.. مجرد صالة عادية وصلاة وترتيل وتصبح كنيسة.. لكن تتثبت ككنيسة.
في الفيوم
الفيوم ذهب إليها دكتور هارفي سنة 1866م، وافتتح مدرسة للبنين ومدرسة للبنات. وبدأ يخدم ثم اشترى أرض في سنورس وبنى فيها مسكن له، وجعل بعض حجرات منه مدرسة للبنين، وحجرات منه مدرسة للبنات، وجزء منه كنيسة.. وتأسست كنيسة سنة 1873م. أما أشهر واحد من الأقباط الذي دخل البروتستانتية في الفيوم هو القس شنوده حنا وأصبح راعي لكنيسة سنورس سنة 1876م... كيف؟!
كان شخصًا قبطيًا، يجيد اللغة قبطية جيدًا ويفهم في القراءات القبطية، وفي القداسات كان مواظبًا على التناول.. لكن انضمّ لمدرسة دكتور هوج، فأغراه الدكتور هوج وعمله بروتستانتي... شنوده حنا ولد سنة 1855م، وهوج ضمّه سنة 1868م، أي كان عمره 13 سنة، لا يزال شاب صغير! وكبر وعملوه قس، وبدأ يخدم في المدارس المجاورة لسنورس، وخدم في فيديمين، وفي كنائس ويصا، وفي كتب البروتستانت يقال إنه عمّدَ حوالي ألف طفل.
في الإسكندرية
إسكندرية ذهب إليها القس لانسنج والقس بارنت من المرسلين، وافتتحوا مدرسة للبنات سنة 1956م، وأخرى للبنين وقاموا بتوزيع الكتاب المقدس.. ووصل إليهم يوحنا هوج أسس لهم كنيسة العطارين.
بعد ذلك بنوا عمارة ضمّت مدرستين، وأول راعٍ لها كان القس ميخائيل أبادير، وسنة 1950م القس صموئيل وهبه. ثم كنيسة في كرموز محرم بك، بدأت خدمة في جمعية كان أول كاهن لها القس بادروسوس - أسماء قبطية صرف - ثم كنيسة في سيدي بشر، وكنيسة ثانية في سيدي بشر وكنيسة في الإبراهيمية.
في الدلتا
أما في الدلتا بدأ فيها مرسلين أجانب، وأقدم ناس في الدلتا اشتغلوا كانوا في المنصورة سنة 1866م، وأيضًا افتتحوا مدرستين للبنين والبنات، وأسسوا الكنيسة فيما بعد. وخدم بها واحد اسمه القس مرقس حنا ألفونس. ثم عملوا كنيسة في رأس البر.
أما الكنائس الأخرى كلها كانت في القرن العشرين... في ميت غمر بدأت خدمتهم في المدرسة الإنجيلية وانتظمت الكنيسة سنة 1924م، وبعدين في السنبلاوين وأجا سنة 1929م، وفي ديكرنس.
في الزقازيق
في الزقازيق بدأت الخدمة في مركز لبيع الكتب المقدسة، وانتظمت الكنيسة سنة 1905م في مدرسة الأمريكان، واُشترت الأرض وبنيت سنة 1935م ورسموا لها القس حنا مقار، ثم القس منيس عبد النور - مشهور جدًا في قصر الدوبارة - خدم هناك من سنة 1965م إلى 1977م، وبعدها وصل إلى قصر الدوبارة.
جعلوا خدمتهم في المدرسة الإنجيلية، وفي أبو حماد، وفي القليوبية، وفي بنها إلى آخره وانتشروا فيما بعد.
هذه الكنيسة البروتستانتية بدأت بمرسلين أجانب، ثم ادخلوا فيها مصريين.
بدأت باللغة الإنجليزية ثم أصبحت باللغة العربية..
بدأت في البيوت، وفي المدارس، ثم صار لهم كنائس.. والآن أصبحت كنيسة منتشرة.
[1] محاضرة لقداسة البابا شنوده الثالث "الخلافات بيننا وبين الكاثوليك والبروتستانت" بتاريخ 16 أكتوبر2007م.
الخلافات مع البروتستانت
الخلافات مع البروتستانت[1]
الإطار العام لخلافاتنا مع البروتستانت
نأخذ بيانًا بسيطًا عن الخلافات بيننا وبين البروتستانت. البروتستانت مذاهب متعددة بينها وبين بعضها البعض، اختلافات في بعض التفاصيل ولكن هناك إطارٌ عام يضمّ الكل تقريبًا، ونريد أن نتكلم عن هذا الإطار العام دون أن ندخل في تفصيلاتٍ متعددة تُبلبل الفكرَ.
هذه الخلافات بيننا وبين البروتستانت بعضها في الإيمان، والبعض في العقيدة، وفي العبادة، وفي الطقوس، وفي الكتاب المقدس، وفي القديسين...
1- الخلاف القديم في الطبيعتين والمشيئتين
هذا الخلاف توارثوه من القرن الخامس إلى الآن، نحن نؤمن بطبيعة واحدة للكلمة المتجسد حسب تعليم القديس كيرلس الكبير الذي قال: "ميا فيزيس تو لوجو سي ساركوميني"؛ يعني "طبيعة واحدة للكلمة المتجسد".. ليس أننا ننكر إحدى الطبيعتين ونتمسك بواحدة، يعني هم يقولون الطبيعتين يعني اللاهوت والناسوت فنحن لا ننكر اللاهوت ولا ننكر الناسوت، لا ننكر إن المسيح كامل في ناسوته ولا ننكر إنه كامل في لاهوته.. لكننا نقول: "إن اللاهوت والناسوت اتحدا معًا في طبيعةٍ واحدة هذه الطبيعة الواحدة ليست هي اللاهوت وحده ولا الناسوت وحده، إنما الطبيعة الواحدة؛ هي طبيعة الكلمة المتجسد، الله في الجسد".. لكن هم يقولوا: طبيعتين ومشيئتين!
2- ينكرون أسرار الكنيسة السبعة
ما معنى ينكرون أسرار الكنيسة؟ أي يقولون إنه يوجد معمودية، لكن لا يسمّون المعمودية سرًا كنسيًا. يوجد مثلًا زواج لكن لا يسمّون الزواج سرًّا كنسيًا، نحن هنا نتحدث عن الأسرار الكنسية بمفهومها العقيدي.
3- ينكرون التقليد Tradition
التقليد يعني التسليم الرسولي والتسليم الكنسي. وبإنكارهم التقليد ينكرون أيضًا القوانين الكنسية، والنظم الكنسية، والمجامع، وينكرون كل التراث الذي أخذناه من الآباء. ربما يستخدمون شيئًا من هذا ولكن لا يلتزمون به يعني غير مهم بالنسبة لهم.
4- ينكرون الكهنوت
وهم في هذا بين أمرين أساسيين؛ إما أنهم يقولون إنه: لا يوجد كهنوت للبشر على الإطلاق، وإنما هناك كاهنٌ واحدٌ فقط في السماءِ وعلى الأرضِ هو يسوع المسيح لا غير، وبالتالي لا يوجد كهنوت للبشر عندهم.
الأمر الثاني: وهو عكس الأول ولكن بمعنى آخر؛ أنَّ كلّ البشرِ كهنة "كلنا ملوكٌ وكهنة". ولكنّ هذين الأمرين على تناقضهما يجمعهما معنى واحد وهو أنه لا تمايز بين البشر، لا يوجد كاهن وعلماني.. إما الكل كهنة يا إما الكل ليسوا كهنة!
أما ما تقرأونه أحيانًا عند البروتستانت: القس فلان أو الشيخ فلان أو غيره.. فهذا لا علاقة له بالكهنوت يعني يسمّى قسًا ولا يكون كاهنًا كلمة قس عندهم لا تعني كاهن وكلمة شيخ لا تعني كاهن، ليس لديهم كهنوت نهائي...
5- هناك خلافات متعددة حول موضوع الخلاص
كلها تقريبًا تدورُ حول نقطة واحدة وهي أن الخلاص مسألة مباشرة بين الإنسان والله، لا تدخل فيه الكنيسة، "آمن فتخلص"!! عندهم الخلاص بالإيمان عمل شخصي لا تدخل فيه الكنيسة سواء من جهة معمودية أو من جهة كهنوت، ليس لها علاقة. في تفاصيل أخرى في موضوع الخلاص مثل عدم هلاك المؤمن مهما حدث، مثل الخلاص في لحظة، مثل علاقة الأسرار بالخلاص أو علاقة الكنيسة بالخلاص، مثل المشكلة التي بين الإيمان والأعمال. مواضيع كثيرة من هذا النوع تجدونها في كتاب الخلاص في المفهوم الأرثوذكسي والرد عليها.
6- البروتستانت لا يؤمنون بالطقوس
على اعتبار - في نظرهم - أن الطقوس ترتيبات كنسية وهم لا يؤمنون بالترتيب الكنسي. كل واحد حرّ لا يوجد شيء يسمّى طقس!! وكلمة طقوس طبعًا ستشمل أمور كثيرة يعني مثلًا في الصلوات نحن نصلي قطمارس القراءات اليومية، هم ليس لديهم قطمارس أو نظام كنسي، وكل الكتب الكنسية ليس لهم علاقة بها، والطقوس في نظام الكنيسة... إلخ.
7- خلافات في المعمودية
من جهة فاعلية المعمودية وإتمام المعمودية عن طريق الكاهن، واعتبار المعمودية سرًا أو عدم اعتبارها، ومن جهة طريقة التعميد، ومن جهة معمودية الأطفال.
8- ينكرون الاعتراف على الكهنة
ويرون الاعتراف على الله مباشرةً، وإن وجدت عبارة "اِعْتَرِفُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ.." (يع5: 16)، فممكن الإنسان يعترف على أي حد، أو يقف وسط الكنيسة ويقول: "أنا خاطي، أنا زنيت، أنا قتلت، أنا كنت بشرب سجائر، أنا.. أنا..." قصاد كل الشعب!
9- لا يؤمنون بسر الإفخارستيا
يعني التناول من جسد الرب ودمه، لا يؤمنون باستحالة الخبز والخمر إلى جسد الرب ودمه. كل ما عندهم في هذا الموضوع كسر الخبز للذكرى، كسر الخبز وهو ما يزال خبزًا للذكرى أي لا مفعول روحي له، ليس سرًّا.
10- ينكرون الصوم
ينكرون الصوم أو على الأقل ينكرون النظام الكنسي في الصوم.
11- ينكرون الرهبنة
وحتى خدام الكنيسة كلهم عندهم يكونون متزوجين، والكنيسة الأسقفية التي هي وضع متوسط بين الأرثوذكس والبروتستانت وفيها درجات كهنوت فيها شمامسة وقسوس وأساقفة ورؤساء أساقفة هؤلاء كلهم متزوجون!! يعني الأسقف متزوج، ورئيس الأساقفة متزوج.. لا توجد رهبنة.
12- هناك خلافات مع البروتستانت في موضوع الكتاب المقدس.
فهم مع اهتمامهم الكبير بالكتاب كما يقولون لا يهتمون كثيرًا بالعهد القديم، ولا يعطونه التوقير الكافي، وكثير من العقائد إذا أثبتناها بآياتٍ من العهدِ القديم يرفضون ذلك ويقولون: هذا عهد قديم..! أيضًا في خلافاتنا معهم حول الكتاب المقدس أنهم ينكرون أسفارًا من الكتاب لم يعترف بها لوثر في أيامه، وبقى عدم الاعتراف حتى الآن مثل سفر الحكمة، سفر يشوع بن سيراخ، سفر يهوديت، نبوة باروخ، المكابيين الأول والثاني.. إلى آخره.
13- لا يعترف البروتستانت بالصلاة على الموتى
يعني لا يصلون على الميتِ ولا يطلبون له رحمةً أو نياحًا، كل ما يحدث أن جثمان الميت يدخل إلى الكنيسة ويحضر عظة، ويقرأوا فصلاً.. والعظة تكون لتعزية أهل الميت ولأخذ دروس من الموت، ولكن كلمة "يا رب ارحمه" لا يمكن أن يقولوها أبدًا لأن لما يقولوا: "يا رب ارحمه، أو نيح نفسه" يعني صلوا من أجله وطلبوا له الرحمة!! فلا توجد صلاة بالنسبة للموتى.
14- ينكرون الشفاعة
سواء كانت شفاعة العذراء أو الملائكة أو القديسين، ويرون أنه لا وساطة على الإطلاق بين الله والإنسان.. والشفاعة نوع من الوساطة. أيضًا في إنكارهم للكهنوت يعتبرون الكهنوت وساطة، فلا يوجد وساطة.. "منك لربنا مباشرة".
15- ينكرون إكرام القديسين
فلا يوجد عندهم احتفالات بأعياد القديسين، ولا يوجد سنكسار تتلى فيه سير القديسين، ولا يوجد مجمع تذكر فيه حتى مجرد أسماء القديسين، وطبعًا لا تماجيد ولا ذكصولوجيات، ولا إكرام عظام القديسين، ولا نذر على اسم قديس، ولا شمعة تُقاد لقديس.. لا يوجد شيء أبدًا!! يقولوا: إيه الفرق بين القديسين وبيننا؟ كلنا قديسين!!
يقودنا هذا إلى نقطة أخرى...
16- لا يعترف البروتستانت بالأيقونات ولا بالصور
ومع أن حرب الأيقونات أقدم من البروتستانتية ولكن دخلت فيها بشكلٍ كبير. ممكن في الكنيسة توضع صورة طبيعية يعني منظر طبيعي، لكن صورة قديس لا.. صورة للمسيح أو العذراء أو الملايكة ألا... لكن لا مانع أن يضعوا صورة أي منظر!
17- الكنيسة كبناء
المتطرفون جدًا ينكرون الكنيسة كبناء يقولوا: "الله لا يسكن في بيوت من صنع البشر"، لا يوجد بناء نهائي.. لكن حاليًا لهم كنائس. هذه الكنائس طبعًا لا تتقيد بشكلٍ معين.
18- لا يسمون الكنائس على أسماء قديسين
لا تُبنى الكنائس على أسماء القديسين، ممكن الكنيسة تنتسب إلى مدينة أو إلى حي لكن ليس لقديس.. تقول: الكنيسة الإنجيلية في شبرا، الكنيسة الإنجيلية في أسيوط، لكن لا تقل: كنيسة القديس فلان... أو ممكن تنتسب إلى فضائل.. يقول: كنيسة الرجاء، كنيسة المحبة.
19- لا يوجد اتجاه إلى الشرق
سواء في الصلاة العادية أو في الكنيسة.
20- لا بخور ولا شموع في الكنيسة البروتستانتية
وبالتالي لا طقس رفع بخور باكر، ولا طقس رفع بخور عشية، ولا تبخير في الأيقونات ولا تبخير في القداسات، عمومًا لا يوجد قداسات لأنه لا يوجد سر إفخارستيا ولا شموع.
21- لا يوجد قنديل أو سر مسحة مرضى كسرٍّ
لا يوجد، لكن إذا كان أي رجل أو أي امرأة يمسح أي إنسان بالزيت هذه مسألة شخصية لكن ليست عقيدة كنسية.
22- لا توجد نظام الصلوات السبع "الأجبية"
لأنها نظام كنسي وهم لا يؤمنون بالأنظمة الكنسية، فيصلي من يشاء، متى يشاء دون التقيد بموعد أو مناسبة أو صلوات محفوظة.. ولا يؤمنون بالصلوات المحفوظة عمومًا.
23- يؤمنون بالحكم الألفي أن المسيح سيحكم ألف سنة على الأرض.
الألف سنة؛ ستكون أوقات للسلام بين الناس والناس، وبين الناس والوحوش حتى!
24- لا يؤمنون ببتولية السيدة العذراء
ويرون أنها تزوجت من يوسف وانجبت منه بنين وبنات، يسمّون "إخوة يسوع..!" طبعًا لا بتولية العذراء، ولا إكرام العذراء ولا أعياد العذراء، ولا صعود جسد العذراء، ولا أي شيء من هذه الأمور أبدًا.. (يعني العذراء بتاعتكم أنتم الأرثوذكس).
25- يؤمنون بحرية التعليم
أي إن كل إنسان له الحق أن يُعلم وأن يكون ما يشاء من المذاهب البروتستانتية، لذلك كل يوم والثاني تنمو المذاهب في عددها ونوعية التعليم فيها.
طبعًا لا يوجد ضابط للتعليم، لأن الضابط هيوصل إلى السلطان الكنسي، وهم لا يؤمنون بالسلطان الكنسي! أو يوصل إلى الكهنوت، وهم لا يؤمنون بالكهنوت! فلا يوجد ضابط.. يعني افرض أي واحد علم أي تعليم، ماذا سيقولون له؟! نحرمك! لا يؤمنون بالحرمان، لا يؤمنون بالحل والربط، ولا بالعقوبات الكنسية ولا بشيء من هذا كله.
مواهب الروح
كل إنسان له علاقة مباشرة مع الروح القدس... يؤمنون بأن لا بد أن يحل عليه الروح، لا بسرّ الميرون ولا بالمسحة المقدسة إنما بصلوات يصليها أي إنسان عليه، وربما واحدة ست أو أي حد. ويأخذ الملء؛ أي يمتلئ بالروح القدس. والبعض يرى أنه من مواهب الروح التكلم بألسنة، والبعض يرون أن التكلم بألسنة علامة على الملئ من الروح، يشتُرطها البعض ولا يشترطها البعض الآخر.
26- لا يؤمنون بالأبوة الروحية
يعني كلمة "أبونا" للقس، أو كلمة "أنبا" للأسقف.. لا يؤمنون بها.
27- لا يؤمنون برشم الصليب أو على الأقل لا يستعملونه
عندنا يوجد أعياد "عيد الصليب" وهم لا يوجد عندهم عيد للصليب. عندنا الكاهن يرشم بالصليب، وهما لا يرشمون أبدًا بالصليب.. رشم الصليب نوع من البركة ولا يؤمنون بالبركة من الكاهن، يعني البركة يأخذها كل واحد من ربنا مباشرة، لكن البركة من الكهنوت ليس لها وجود، والبركة من الصليب لا وجود لها... ولذلك الكهنة لا يمسكون صليب يد مثلما نمسك نحن، لأن صليب اليد يا إما ترشم به، يا إما تبارك به.. وهما لا رشم ولا بركة!
الاحتفالات بالصليب، الألحان الخاصة بالصليب، حتى رشم الصليب قبل الأكل وبعده لا يوجد عند البروتستانت، يصلي أي صلاة لكن لا يرشم المائدة بالصليب! ربما الصليب عندهم دخل في مسألة الأيقونات والصور والتماثيل.. واعتبروها نوع من الوثنية..!
28- عقيدة الاختيار
يرون أن الله منذ الأزل اختار جماعةً معينة للملكوت بحكم السلطان المطلق لله، والعمل المطلق للنعمة.. والله حر يختار مَن يشاء. طبعًا نحن نعارض هذا الأمر كليةً ونرى أن عبارة "الَّذِينَ سَبَقَ فَعَرَفَهُمْ سَبَقَ فَعَيَّنَهُمْ" (رو8: 29)، يعني أن ربنا بسابق علمه يعرف أن هؤلاء سيسلكون حسنًا فلهذا عينهم.
29- انبثاق الروح القدس
فهم في هذه الناحية مثل الكاثوليك، يؤمنون بانبثاق الروح القدس من الآب والابن.
[1] محاضرة قداسة البابا شنوده الثالث "الخلافات بيننا وبين الكاثوليك والبروتستانت"، بتاريخ 31 أغسطس 1994م.
خلافات حول الصلاة
خلافات حول الصلاة[1]
أنا أن أريد أحدثكم عن نقطة وهي الصلاة..
الإخوة البروتستانت لا يبدأون الصلاة بأبانا الذي، ولا يختمونها بأبانا الذي، وأيضًا لا يستخدمون "المجد للآب والابن والروح القدس"، ولا رشم الصليب، (يدخل في ربنا على طول).
ونحن عندنا صلاة أبانا الذي نقولها باستمرار في بدء كل صلاة وفي نهاية كل صلاة والسيد المسيح قال: "مَتَى صَلَّيْتُمْ فَقُولُوا: أَبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ" (لو11: 2)، لكن الإخوة البروتستانت لا يستخدمونها، ولو استخدموها في وقت من الأوقات لا يكون ذلك التزامًا.. مثل الصوم، هم لا يؤمنون بالأصوام التي نصومها كلها من أولها لآخرها، لا صوم أربعاء وجمعة، ولا صوم كبير، ولا صوم يونان.. ولا غيره.. لكن ممكن الشخص يصوم في أي وقت بالطريقة التي يراها، صوم فردي، لكن لا يوجد صيام عام.
رشم الصليب
الصلاة بالنسبة لهم مثما أقول لا يبدأونها برشم الصليب... بينما رشم الصليب له عندنا أهمية عقائدية، فعندما نرشم الصليب كأنما نقول: (الله الذي في السماء من فوق نزل إلى الأرض بالتجسد، ونقلنا من الشمال إلى اليمين من الظلمة إلى النور)، فيكون ونحن نقول: "باسم الآب والابن والروح القدس" ونرشم الصليب؛ نعترف بالثالوث القدوس، ونعترف بالتجسد، ونعترف بالفداء، كل هذا في رشم الصليب.
لكن عند البروتستانت الصليب أهميته ليست لهذه الدرجة، بينما الإنجيل يتكلم عن الصليب كثيرًا. ولذلك هم لا يحملون صليبًا في أيديهم، وإذا قالوا لأحد البركة لا يرشمونه بالصليب، فلا تجد أبدًا قسيس بروتستانتي - مع اعتبار كلمة قسيس يعني راعي - يمسك صليبًا في يده، لا تحدث! الذي يمسك صليبًا في يده هو الكاهن الأرثوذكسي.
صلاة الأجبية
هم في صلاتهم كل واحد يصلي كما يشاء!! ولذلك ليس عندهم صلاة الأجبية على الإطلاق، كل واحد يصلي متى يشاء وكيفما يشاء!! لا تجمعهم صلوات معينة كصلاة الأجبية ونحن نؤمن بصلاة الأجبية لأنها تعليم إنجيلي، لذلك أقول هم اسمهم إنجيليين ومع ذلك تعاليم الإنجيل في هذه الأمور لا ينظرون إليها..! فمثلاً آية "سَبْعَ مَرَّاتٍ فِي النَّهَارِ سَبَّحْتُكَ عَلَى أَحْكَامِ عَدْلِكَ" (مز119: 164) موجودة في المزامير، وفي سفر أعمال الرسل يتحدث عن بطرس ويقول: "صَعِدَ بُطْرُسُ عَلَى السَّطْحِ لِيُصَلِّيَ نَحْوَ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ" (أع10: 9) أو "وقت صلاة السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ مِنَ النَّهَارِ" (أع10: 3) موجودة في الكتاب المقدس، وصلاة نصف الليل موجودة في المزامير!!
الأجبية حينما لا يصلون بها يفقدون فوائد كثيرة جدًا أذكر لكم بعضها..
في الأجبية نذكرُ مناسبات مقدسة لها تأثيرها الروحي فينا.
صلاة باكر
ففي صلاة باكر نذكر ميلاد السيد المسيح الأزلي عندما نقول: "فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ (اللوجوس)، واللوجوس كان عند الله وكان الله لوجوس هذَا كَانَ فِي الْبَدْءِ عِنْدَ اللهِ كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ.." (يو1) في إنجيل صلاة باكر.
ونذكر أيضًا في صلاة باكر كيف نسلك حسنًا في هذا اليوم، أول صلاة باكر يقول من الرسالة إلى أهل أفسس لبولس الرسول بركاته علينا آمين: "أسألكم أَنَا الأَسِيرَ فِي الرَّبِّ: أَنْ تَسْلُكُوا كَمَا يَحِقُّ لِلدَّعْوَةِ الَّتِي دُعِيتُمْ بِهَا. بكل تواضع القلب والوداعة وطول الأناة" يعني أسلوب روحي كيف تسلك مع إخوتك محتفظًا بوحدانية الروح ورباط الصلح الكامل أو السلام الكامل.. إلخ.
ثم المزمور الأول كيف تسلك في هذا اليوم "طُوبَى لِلرَّجُلِ الَّذِي لَمْ يَسْلُكْ فِي مَشُورَةِ المُنَافَقينِ، وَفِي طَرِيقِ الْخُطَاةِ لَمْ يَقِفْ، وَفِي مَجْلِسِ الْمُسْتَهْزِئِين لَمْ يَجْلِسْ. لَكِنْ فِي نَامُوسِ الرَّبِّ إرَادَتُهُ..." (مز1) يعني يُعلمك كيف تسلك في هذا اليوم في الأجبية، فأنت عندما تقرأ تأخذ عظة لك عن كيف تسلك في يومك، وأيضًا "مَنْ يَصْعَدُ إِلَى جَبَلِ الرَّبِّ؟.. إِلاّ السَّالِكُ بِلا عَيبٍ..." (مز24).
ففي صلاة باكر نحن نذكر مناسبة مقدسة وهي ميلاد المسيح الأزلي ونذكر كيف نسلك في هذا اليوم وأيضًا نقول له: "عندما دخل إلينا وقت الصباح أيها المسيح إلهنا فلتشرق فينا الحواس المضيئة والأفكار النورانية ولا تغطينا ظلمة الآلام... إلخ" نصلي من أجل هذا الأمر.
وأيضًا نحتفل بالنور، على اعتبار أن الصباح يأتي معه النور فنقول للسيد المسيح: "أيها النور الحقيقي الذي يضيء لكل إنسان آتي إلى العالم" ونقول له: "أيها الباعث النور فينطلق، المشرق على الأبرار والأشرار... أنر عقولنا وقلوبنا وأفهامنا يا سيد الكل" فنطلب الاستنارة أيضًا.
كل هذه مشاعر لا يمكن أن توجد عند شخص يُصلي صلاة ارتجالية!!
يعني الإخوة البروتستانت يقولوا لك: كل واحد يصلي كما يريد، - ونحن لا نقول: "لا" على الصلاة الارتجالية – ولكنه يفقد الأشياء الموجودة في الأجبية. يفقد أيضًا عناصر الصلاة بالأجبية.
عناصر الصلاة بالأجبية فيها صلاة الشكر، فيها صلاة الانسحاق والتوبة في المزمور الخمسين، فيها طلبات كثيرة لا يمكن أن يقولها شخص يرتجل صلاة عادية، غير ممكن.. يعني يكفي في نهاية كل صلاة يقول له: "اقبل منا في هذه الساعة صلواتنا، سهل حياتنا، وأرشدنا إلى العمل بوصاياك، قدس أرواحنا، طهر أجسامنا، قوم أفكارنا، نقِّ نياتنا، اشفِ أمراضنا" مَن سيقول كل هذا الكلام في صلواته العادية؟
لكن الصلاة بالأجبية تعطي تفصيلات عديدة جدًا لعناصر الصلاة. ليس فقط عناصر الصلاة من شكر، وانسحاق وإنما أيضًا من تسبيح...
التسبيح عنصر من عناصر الصلاة التي نقول فيها: "قدوس قدوس قدوس ربّ الصباؤوت، السماء والأرض مملوءتان من مجدك وكرامتك". أو تمجيد ربنا "المسيح إلهنا الصالح، الطويل الروح، الكثير الرحمة، الجزيل التحنن" يعني تأمل في صفات الله الجميلة.
هل الإنسان في صلواته الخاصة ممكن إنه يقول كل هذه العناصر؟! غالبية الذين يصلون تكون صلواتهم مجرد طلبة أو مجموعة طلبات. لكن عنصر الشكر، عنصر التأمل في صفات الله الجميلة، عنصر الانسحاق وطلب التوبة كل هذه غير موجودة.
حتى هناك تفاصيل في صلوات الأجبية لا يمكن أن يطلبها الشخص العادي. يعني الشخص العادي يمكن أن يطلب مغفرة خطاياه، لكن في الأجبية نطلب أن يغفر لنا الله خطايانا "التي صنعناها بإرادتنا والتي صنعناها بغير إرادتنا، الخفية والظاهرة" نطلب أن الله "يغفر لنا خطايانا وآثامنا وزلاتنا" يعني كلها تفاصيل لا يمكن أبدًا توجد عند الشخص العادي.
صلاة الساعة الثالثة
في المناسبات أيضًا كما تكلمنا عن باكر نتكلم عن صلاة الساعة الثالثة وكيف نذكر فيها حلول الروح القدس على التلاميذ ونطلب الروح القدس أن يكون معنا. ونشكر الرب لأنه "أقامنا للصلاة في هذه الساعة التي فيها أفاض نعمة روحه القدوس على تلاميذه"، ونقول له: "اجعلنا نسلك في سيرة روحانية.. وطهرنا من دنس الجسد والروح".. مَن في صلواته الارتجالية يطلب من ربنا أن ينجيه من دنس الجسد والروح؟! يمكن غالبية الناس يعرفوا دنس الجسد، لكن عندما تسأل أحد عن دنس للروح؟ يقول لك: لا أعرفه!!
طبعًا ممكن الروح تتدنس، الشيطان كان روح، ومع ذلك تدنس. تدنس بالكبرياء، وتدنس بالحسد فالكبرياء من دنس الروح، والحسد من دنس الروح أيضًا. نطلب من الله أن ينقذنا من دنس الجسد والروح، أو يطهرنا من دنس الجسد والروح، ونطلب منه أن يعطينا "نعمة روحه القدوس".. ونصلي إلى الأقنوم الثالث أيضًا ونقول له: "أيها الملك السمائي المعزي روح الحقِّ الحاضر في كل مكان، هلمَّ تفضل وحلَّ فينا وطهرنا من كلِّ دنسِ"، فهي صلوات لا يمكن أبدًا أن توجد في الصلاة الخاصة الارتجالية التي لا تشمل كل هذه التفاصيل على الإطلاق.
صلاة الساعة السادسة
في المناسبات أيضًا في صلاة الساعة السادسة نذكر صلب السيد المسيح ونقول له: "يا من في اليوم السادس وفي الساعة السادسة سُمرت على الصليب من أجل الخطية التي تجرأ عليها أبونا آدم في الفردوس"، مَن في صلاته الخاصة سيذكر هذه الأمور؟!
صلاة الغروب
وفي صلاة الغروب نذكر قبول السيد المسيح لأصحاب الساعة الحادية عشرة الذين جاءوا له في أواخر النهار.. وهكذا في صلاة النوم وصلاة نصف الليل.. مَن يصلي صلاة نصف الليل؟ مَن الذي يصلي صلوات خاصة ويقتصر عليها، وصلوات نصف الليل نذكر مجيء المسيح الثاني، بالطبع لا أحد يذكر هذه الأمور كلها.
فصلوات الأجبية مملوءة من الفوائد ومملوءة من التفاصيل، يعني عندما نطلب إن ربنا ينقذنا نقول: "كل حسد وكل تجربة، وكل فعل الشيطان، ومؤامرة الناس الأشرار، وقيام الأعداء الخفيين والظاهرين" كل هذه تفاصيل لا يمكن للإنسان أن يذكرها في صلاة خاصة.
صلاة الأجبية عبارة عن بركة عظيمة وخصوصًا أن وضعها رجال الله القديسون بطلباتٍ منقينها نقاوة.
نقطة أخرى من فوائد الأجبية... أنك إن صليت صلاة منفردة خاصة ربما تصلي دقيقتين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة، مَن الذي يصلي خمس دقائق؟! لكن بالأجبية تُطيل الوقفة أمام الله.. وتقول كلام كثير بخلاف الذي يصلي صلاة ارتجالية مجرد كلمتين ولن يجد شيئًا آخر يقوله!!
بل إنها تعلمنا كيف نصلي؟ وتعلمنا أسلوب التخاطب مع الله، وبأي لغة وبأي أسلوب تكلم الله. لدرجة أننا نبدأ بـ"اجعلنا مستحقين أن نقول لك: يا أبانا.."، هل يوجد شخص يصلي ارتجالي أول ما يبدأ يقول له: "يا رب اجعلني مستحقًا أن أكلمك"؟، لا أحد يقول هذا!!
أسلوب التخاطب مع الله، أو تبدأ مثلًا: "المجد للآب والابن والروح القدس.."، أو تقول: "قدوس قدوس قدوس..".
أيضًا الصلاة بالأجبية تعطينا فرصة أن نصلي في أوقات كثيرة أثناء اليوم، لأن ما دام في مناسبات كثيرة بالتالي في أوقات كثيرة. يعني في باكر، في الثالثة، في السادسة، في التاسعة، في الحادية عشر، في النوم، في نصف الليل يعني أوقات كثيرة.
على الأقل إذا كان الإنسان لا يستطيع أن يقول جميع المزامير الموجودة في الأجبية، فعلى الأقل الطلبات الموجودة في كل ساعة وعندما يقولها يستفد منها كثيرًا. حتى لو قال مزمور واحد، المهم أن يُصلي ويذكر ربنا، طبعًا ربنا يقول: "صلوا كل حين ولا تملوا" (لو18: 1)، فإن كنا لا نستطيع أن نصلي كل حين يبقى على الأقل في أحيان معينة لها مناسباتها المقدسة.
[1] محاضرة لقداسة البابا شنوده الثالث "الخلافات مع البروتستانت في الصلاة"، بتاريخ 19 فبراير 2008م.
الأجبية والإيمان
مثالية الصلاة بالأجبية
الأجبية والإيمان[1]
إن الكنيسة المقدسة لا تفصل صلواتنا عن الإيمان.
نحن نؤمن بالله، لذلك نخاطبه في الصلاة. وهذا الإيمان نتلوه في الأجبية بتفاصيلٍ عديدة. بحيث إن المصلي بها، يتعمق في إيمانه بالله بالأكثر.
- في الأجبية نتلو قانون الإيمان كجزء من صلاتنا.
نعلن به لمن نحن نصلي... حتى تكون صلاتنا صادرة من إيمان سليم. يحدث هذا ليس في الأجبية فقط، إنما في جميع قداستنا، وفي كل رفع بخور، وفي كل سر من أسرار الكنيسة، لتثبت قواعد الإيمان في نفوس الناس. حتى في صلوات أطفالنا في مدارس الأحد نتلو قانون الإيمان.
- كذلك في مقدمة صلاة باكر.
نقرأ فصلًا من الرسالة إلى أفسس نقول فيه: "رَبٌّ وَاحِدٌ، إِيمَانٌ وَاحِدٌ، مَعْمُودِيَّةٌ وَاحِدَةٌ" (أف4: 5).
- وفي صلاة الشكر نذكر حقائق إيمانية.
فنقول في بدايتها: "الله أبا ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح". ونكرر هذه العبارة أيضًا في نهاية صلاة الشكر. ونذكر أن المجد والكرامة والعز والسجود "تليق بك (الآب) معه (الابن) مع الروح القدس المحيي المساوي لك".
- ونذكر عقيدة الثالوث القدوس في مواضع متعددة.
ونوجه إليه الصلاة قائلين: "أيها الثالوث المقدس ارحمنا" في الثلاث تقديسات.. ونقول أكثر من مرة في بداية صلواتنا "باسم الآب والابن والروح القدس"، "الآن وكل آوان وإلى دهر الدهور آمين"، ونصلي لكل أقنوم على حدة: للآب ظابط الكل في مواضع متعددة، وللابن في قطع الساعة السادسة والتاسعة وفي مواضع أخرى. وللروح القدس في صلاة الساعة الثالثة.
- ونذكر في صلاة الأجبية معتقداتنا في السيد المسيح.
الذي ولد من العذراء، الذي صُلب عنا، الذي قام من الأموات وصعد إلى السماوات، القدوس القوي الذي لا يموت (صلاة الثلاثة تقديسات): ونذكر أزليته وألوهيته وتجسده، وخلقه للعالم "إنجيل باكر". ونذكر أنه حامل خطية العالم، وأنه النور الحقيقي، وأنه المخلص، وأنه الكلمة (اللوجوس).
ونذكر كهنوته على رتبة ملكي صادق (في مزمور 110). ونذكر مجيئه الثاني في صلاة نصف الليل.
- وفي الأجبية نذكر معتقداتنا في القديسة العذراء.
فنذكر أنها دائمة البتولية، العذراء كل حين، وأنها القديسة الطاهرة، والدة الإله، الشفيعة، وأنها أم النور، المكرمة من مشارق الشمس إلى مغاربها. وأنها السماء الثانية. وأنها المملوءة نعمة، الكرمة الحقانية الحاملة عنقود الحياة، وأنها صاحبة الشفاعات.
- وفي الأجبية نذكر علاقتنا بالملائكة.
ونسبح معهم، ونذكر تسبحتهم وقت الميلاد. ونطلب أن نكون في معسكرهم محفوظين ومرشدين.
- والأجبية حافلة باعتقادنا في الشفاعة.
وبخاصة شفاعة القديسة العذراء والملائكة.
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 2 أغسطس 1991م.
لماذا نصلي بالأجبية؟
لماذا نصلي بالأجبية؟[1]
نصلي بها لروحانيتها ومثاليتها، ولأسباب عديدة منها:
1- لنطيل فترة الوجود في حضرة الله.
قد يقف إنسان ليصلي، فيقول بضع كلمات وينتهي الأمر، ولا يجد بعد ذلك ما يقوله. ولكن المصلي بالأجبية يجد مادة دسمة للصلاة، تجعله يمكن أن يقف أمام الله في كل مرة ربع ساعة أو أكثر إن أراد. وفي هذا يمكننا أن نقول أيضًا:
2– الأجبية مدرسة نتعلم بها الصلاة.
ونحن محتاجون أن نتعلم كيف نصلي. يكفي أن تلاميذ الرب سألوه قائلين: "يَا رَبُّ، عَلِّمْنَا أَنْ نُصَلِّيَ" (لو11: 1). بالأجبية نتعلم ماذا نقول في صلواتنا؟ وما هو الأسلوب اللائق أن نخاطب به الله. ويتدرب لساننا وقلبنا على الحديث مع الله.
3– والأجبية تشمل كل أنواع الصلوات.
ربما إذا صلى إنسان بدون أجبية، قد يذكر بعض طلبات ويختم صلاته. أما بالأجبية، فيدرك أن هناك أنواعًا من الصلوات، منها الطلب، وأيضًا الشكر، والاتضاع وانسحاق القلب، والاعتراف والتوبة. ومنه أيضًا صلوات التمجيد والتسبيح، وصلوات الحب، والتأمل في صفات الله الجميلة.
فأنت مثلًا عندما تقول لله: "قدوس قدوس قدوس رب الصباؤوت، السماء والأرض مملوءتان من مجدك وكرامتك".. هنا أنت لا تطلب شيئًا. وليست هذه صلاة شكر، ولا توبة. وإنما هنا تمجيد لله، وتأمل في قداسته وعظمته.. وأنت حينما تقول في ختام صلوات الأجبية: "المسيح إلهنا الصالح، الطويل الروح، الكثير الرحمة، الجزيل التحنن، الذي يحب الصديقين ويرحم الخطاة.."، هنا أنت تتأمل في صفات الله الجميلة.
4– إذًا من مزايا الأجبية أنها تعلمنا التسبيح.
تعلمنا التمجيد والتأمل في صفات الله الجميلة.. ولهذا تكثر في مزاميرها عبارة: "سبحوا الرب"، "سبحوا الرب أيها الفتيان"، "سبحوا الرب تسبيحًا جديدًا"، "سبحي الرب يا أورشليم".. فما معنى هذا التسبيح؟ وكيف يكون؟ إننا نتعلمه من صلوات الأجبية..
5- نصلي بالأجبية أيضًا، لأنها تشمل تفاصيل عديدة جدًا.
مَن منا إذا صلى بمفرده من أجل غفران خطاياه، يصلي من أجل مغفرة الخطايا التي صنعها بإرادته وبغير إرادته، بمعرفة وبغير معرفة، الخطايا الخفية والظاهرة؟! ولكن هذه كلها نذكرها في صلواتنا بالأجبية. ومَن منا إذا شكر الله في صلواته الخاصة، يشكره كما في الأجبية "لأنه سترنا، وأعاننا، وحفظنا، وقبلنا إليه، واشفق علينا، وأتى بنا إلى هذه الساعة"؟! ومَن منا يذكر هذه التفاصيل كلها التي نقولها في الأجبية في ختام كل صلاة: "قدس أرواحنا، طهر أجسامنا، قوم أفكارنا، نق نياتنا. اشف أمراضنا، واغفر خطايانا. أحطنا بملائكتك القديسين، لكي نكون بمعسكرهم محفوظين ومرشدين"..؟
وإلى جوار التفاصيل الأولى، مَن منا يتذكر في صلواته الخاصة أن يطلب إحاطته بالملائكة القديسين، لحفظه وإرشاده؟ ولكننا نذكر ذلك في صلوات الأجبية.
وموضوع التفاصيل في صلوات الأجبية طويل جدًا، وأمثلته كثيرة. وخلاصته أنه يعلمنا الصلاة، والتدقيق في كل شيء، بحيث يدخل الله في تفاصيل حياتنا كلها. ولا نترك شيئًا دون أن نحدثه عنه..
6– من مثالية الصلاة بالأجبية أيضًا صلاة حسب مشيئة الله.
كثيرًا ما نصلي وصلواتنا لا تستجاب، لأنها ليست موافقة لمشيئة الله. ولذلك نقول في الصلاة الرّبية: "لتكن مشيئتك"... أما الصلاة بالأجبية فكلها حسب مشيئة الله. لأن غالبيتها بالمزامير. والمزامير قالها داود بالروح (مت22: 43). وهي جزء من الكتاب. إذًا فنحن في الصلاة بالمزامير، إنما نكلم الله بكلام الله نفسه، الذي أوحى به الروح على فم داود. فنضمن أن صلواتنا تكون حسب مشيئة الله.
وباقي الصلوات وضعها آباء قديسون. وكل ما فيها يتفق مع روح الكتاب.
7- ومن مثالية الصلاة بالأجبية، أنها تذكرنا بمناسبات عديدة مقدسة.
وهذه المناسبات ربما ما كنا نذكرها يوميًا، لولا صلوات الأجبية.
- فنحن في صلاة باكر، نذكر أزلية الرب وتجسده، وأنه النور الحقيقي، ونطلب أن ينيرنا.
- وفي صلاة الساعة الثالثة، نذكر حلول الروح القدس على التلاميذ، ونطلب عمل الروح فينا.
- وفي صلاة الساعة السادسة: نذكر صلبَ الرّبِّ عنا، بما يحمل ذلك من مشاعر.
- وفي الساعة التاسعة: نذكر اعتراف اللصِ اليمين، وموتَ الربِّ عنا.
- وفي صلاة الغروب: نذكر الذين أتوا إلى الرب في آخر النهار، في الساعة الحادية عشرة.
- وفي صلاة النوم، نذكر الموت وفناء العالم والدينونة، ووجوب الاستعداد لها.
- وفي صلاة نصف الليل: نذكر المجيء الثاني للرب، وما يستلزمه من سهر وتوبة ودموع.
من منا يذكر هذه المناسبات، ويتمتع بتأثيراتها الروحية، لو كان يصلي بدون الأجبية؟!
لا شك أن كل هذه المناسبات التي نتذكرها كل يوم، خلال صلواتنا بالأجبية، تركز في أذهاننا، وتصبح جزءًا من مشاعرنا وعقائدنا، وتترك في نفوسنا أثرًا ثابتًا، يظهر في حياتنا اليومية وتصرفاتنا.
8- ونحنُ نصلي بالأجبية، لأنها تحفظ عقلنا ثابتًا في الله باستمرار.
إذ لا تمر علينا ثلاث ساعات، بين صلاة وصلاة، إلا ونعود للصلاة مرة أخرى. وهكذا نرفع قلوبنا إلى الله بالصلاة خلال فترات النهار والليل، ولا تنقطع أفكارنا ولا قلوبنا ولا ألسنتنا عن الاتجاه إلى الله. وهكذا عن طريق الأجبية نصل إلى تنفيذ الوصية القائلة: "صلوا كل حين ولا تملوا" (لو18: 1) وكذلك وصية "صَلُّوا بِلاَ انْقِطَاعٍ" (1تس5: 17).
وتنفيذ ذلك سهل: بحفظ صلوات الأجبية، وترديدها بدون كتاب، خلال ساعات النهار، ولو برفع القلب إلى الله، والصلاة في صمت دون أن يحسّ أحد.. ولو إلى دقائق أو لحظات.. المهم أن نحتفظ بالوجود في حضرة الله.
9- وانشغال العقل بالله هكذا يمنح استحياء للفكر.
فيخجل الفكر من التفكير في خطية، ومن التفكير في التفاهات، نتيجة لتأثره بكلمات الصلاة التي تصحبه باستمرار.. حتى في غير وقت الصلاة، تكون في ذهنه، وتصدّ عنه شرورًا كثيرة. كما أنها من الناحية الإيجابية تكون مصدر تأملات..
10- ومن مثالية الصلاة بالأجبية أنها تحوى عنصرًا وعظيًا تعليميًا.
فمثلًا صلاة باكر تشمل جزءًا من رسالة بولس إلى أهل أفسس، يقول فيه: "أسالكم أَنَا الأَسِيرَ فِي الرَّبِّ: أَنْ تَسْلُكُوا كَمَا يَحِقُّ لِلدَّعْوَةِ الَّتِي دُعِيتُمْ بِهَا، بِكُلِّ تَوَاضُعٍ، وَوَدَاعَةٍ، وَبِطُولِ أَنَاةٍ، مُحْتَمِلِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فِي الْمَحَبَّةِ. مسرعين إلى حفظ وحدانية الروح برباط الصلح الكامل.." (أف4: 1– 3). إنها خطة روحية للسلوك بها أثناء النهار.
وفي نفس الوقت تقدم لنا المزمور وفيه أيضًا نصيحة روحية نسلك بها طول النهار: "طُوبَى لِلرَّجُلِ الَّذِي لَمْ يَسْلُكْ فِي مَشُورَةِ المُنَافَقينِ، وَفِي طَرِيقِ الْخُطَاةِ لَمْ يَقِفْ، وَفِي مَجْلِسِ الْمُسْتَهْزِئِينَ لَمْ يَجْلِسْ. لَكِنْ فِي نَامُوسِ الرَّبِّ إرَادَتُهُ وَفِي نَامُوسِهِ يَلْهَجُ نَهَارًا وَلَيْلًا". يتذكر المصلي كلام المزمور هذا، فيكون عظة له في يومه.. ثم يعود ليقرأ في المزمور الرابع عشر: "يَا رَبَّ مَنْ يَسْكنُ في مَسْكنِكَ، وَمَنْ يَحلُّ فى جَبَلِ قُدْسِكَ؟ السَّالِكُ بِلا عَيبٍ. والفَاعِلُ البِرَّ، والمتكَلِّمُ بالَحَقِّ في قَلْبهِ، الذِى لا يَغشُّ بلِسَانهِ، ولا يَصْنعُ بقَريبِهِ سُوءًا، ولا يَقْبلُ عَارًا عَلى جِيرانِهِ.."، إنها عظة أخرى يقولها لنفسه أثناء صلاته، ويُذكر نفسه بها.
وفي صلاة الساعة الثالثة: يستمتع إلى عظة أخرى في المزمور 23 (24)، إذ يقول: "مَنْ يَصْعَد إلَى جَبلِ الرَّبِّ، أوْ مَنْ يقومُ في مَوْضع قُدْسِهِ؟ الطّاهِرُ اليَدَيْن النَّقي القَلْبِ، الَّذي لَمْ يَحْمل نَفْسَه إلَي الباطِل ولَمْ يَحْلف بالغِشِّ..".
وفي الساعة السادسة: يستمع إلى التطويبات وجزء من العظة على الجبل. ويختم مزاميره بعبارة: "بِبَيْتِكَ تَلِيقُ الْقَدَاسَةُ يَا رَبُّ..".
وفي صلاة الساعة التاسعة: عظة أخرى في مزمور "رحمة وحكمًا"، إذ يقول: "كنْتُ أسْلُكُ بِدَعةِ قَلبي في وَسَطِ بَيْتي. لَمْ أضَعْ أمامَ عَينَي أمْرًا يُخالِفُ النّاموسَ... لَمْ يَلْصَقْ بِي قَلبٌ مُعوجٌ.. والَّذي يَغْتابُ قَريبَهُ سِرًّا كنتُ أُطاردُهُ.." (مز100). حتى إن لم يكن المصلي بهذا الوضع، فعلى الأقل كلام المزمور يذكره بالوضع السليم.
وفي مزامير الغروب عظات كثيرة: "هَذا هُوَ بابُ الرَّبِّ، والصِّدّيقونَ يَدْخُلونَ فيهِ" (مز117)، "فَرِحْتُ بِالْقَائِلِينَ لِي: «إِلَى بَيْتِ الرَّبِّ نَذْهَبُ»" (مز121)، "إِنْ لَمْ يَبْنِ الرَّبُّ الْبَيْتَ، فَبَاطِلًا يَتْعَبُ الْبَنَّاؤُونَ" (مز127).
كذلك في صلاة النوم درس في التواضع في قوله: "يا رَبُّ لَمْ يَرْتَفِعْ قَلْبي ولَمْ تَسْتَعلِ عَيْناي، ولَمْ أسْلُكْ في العَظائِمِ ولا في العَجائِبِ. الَّتي هِي أَعْلَي مِنّي" (مز130). ودروس في الخدمة في قول داود النبي: "إنّي لا أدْخُل إلَي مَسْكنِ بَيْتي، ولا أصْعَدُ عَلَي سَريرِ فِراشي. ولا أُعْطي لِعَيْني نَوْمًا، ولا لأجْفاني نُعاسًا، ولا لصدْغي راحَةً إلَى أنْ أجِدَ مَوْضِعًا لِلرَّبِّ، ومَسْكَنًا لإلَهِ يَعْقوبَ" (مز131). ودرس آخر في الصلاة: "في اللَّيالي ارْفَعوا أيْديَكُم إلَى القُدسِ، وبارِكوا الرَّبَّ" (مز33).. إلخ.
وفي صلاة نصف الليل نأخذ عظة كبيرة في المزمور الكبير (مز119)، عن العلاقة بكلام الله ووصاياه وشهاداته، بقوله مثلًا: "إنّ كلماتكَ حُلوَة في حَلْقى، أفضَلُ من العَسَلِ والشّهدِ في فَمي"، "سِرَاجٌ لِرِجْلِي كَلاَمُكَ وَنُورٌ لِسَبِيلِي"...
11– ومن مثالية الصلاة بالأجبية، أنها تعودنا حفظ كلام الله وآيات الإنجيل.
فكل صلاة تشمل فصلًا من الإنجيل. والذي يتعود الصلاة بالأجبية سيجد نفسه قد حفظ عشرة فصول من الإنجيل لساعات النهار، وهجعات نصف الليل الثلاث، إلى جوار حفظه للآيات التي يتلوها في المزامير وهي عديدة جدًا.
لذلك فالمواظب على الصلاة بالأجبية، تراه بالضرورة يحفظ نصوصًا كتابية عديدة جدًا، وآيات من الإنجيل والمزامير يمكن أن يستخدمها في حياته العادية، ويكون لها تأثيرها على مشاعره.
12- ونحن نصلي بالأجبية لأنها توحد كل أعضاء الكنيسة في صلاة واحدة.
نفس الصلوات يصليها كل أبناء الكنيسة، في كل أنحاء الكرازة، في مصر والسودان وأورشليم وكل بلاد الشرق والمهجر. نفس الصلوات في أمريكا وكندا وأوربا وأستراليا وإفريقيا. يصلي الجميع بروح واحدة وفكر واحد. فيشعرون بحياة الشركة المقدسة، تمامًا كما يصلون سر الإفخارستيا بنفس القداسات، وباقي أسرار الكنيسة بنفس الليتورجيات.
13– وهذه الصلوات الواحدة، توحد أيضًا القلوب والمشاعر.
بل أيضًا تساعد على وجود وحدة في الروحيات، بوحدة ألفاظ الصلاة، ووحدة العظات والتعاليم الروحية التي تشمل عليها الأجبية، وأيضًا وحدة التأملات والمشاعر، وما تغرسه ألفاظ الصلاة في النفوس من أحاسيس. وبهذا كله نكون كنيسة واحدة، ليس فقط في العقيدة والطقوس، وإنما أيضًا في الروحيات.
ولا يمكن أن نكون هكذا، إن اقتصرنا على العبادة الفردية كل منا حسب هواه وفكره.
14- ونحن نصلي بالأجبية، لأنها الصلاة المثالية التي صلى بها آباونا القديسون.
وبهذا نحفظ التقاليد المقدسة، ولا نكون فقط كنيسة واحدة في العقيدة والطقس والروحيات على مستوى جيلنا، إنما كنيسة واحدة على مستوى الأجيال كلها.
15– ومن مثالية الصلاة بالأجبية أن تغرس في النفوس العقائدية الإيمانية..
فنحن في كل صلاة، نتلو أيضًا قانون الإيمان، فتنغرس تعاليمه في النفوس، ونأخذ منه مشاعر روحية. ونذكر الثالوث القدوس أيضًا في تسبحة الثلاثة تقديسات.
نذكر أزلية الابن ولاهوته وتجسده في صلاة باكر، ونذكر أنه الابن الوحيد الكائن في حضن الآب. ونذكر صلبه وموته في صلاة الساعة السادسة وصلاة الساعة التاسعة. ونذكر مجيئه الثاني في صلاة نصف الليل. ونذكر الروح القدس في صلاة الساعة الثالثة.
ونذكر بتولية العذراء الدائمة في أكثر من موضع. وما أكثر أسماء الله وصفاته الموجودة في الأجبية. والصلاة بالأجبية أيضًا تعطينا صلة بالملائكة والقديسين.
16- ومن أهمية الصلاة بالأجبية أنها تنظم لنا صلواتنا.
وتذكرنا بمواعيدها، وتدعونا إليها. بحيث نشعر بالتقصير، إن مرّ علينا وقت لم نصلِّ فيه. وربما لو تُركنا إلى أنفسنا وحريتنا، لأهملنا الصلاة وفقدنا المواظبة عليها.
17– والصلاة بالأجبية مملوءة بالمشاعر، على شتى أنواعها.
هي صلاة حب، وصلاة خشوع، وصلاة عزاء، وصلاة فرح وتهليل.. ولعل كل فقرة من هذه الأنواع تحتاج إلى مزيد من الاستفاضة..
الأجبية تعليم كتابي ونظام موحد للصلاة.
+ الكنيسة صلت بالمزامير في العهدين القديم والجديد.
+ الآباء الرسل مارسوا صلوات الساعات.
+ الصلاة بالأجبية لا تمنع الصلوات الخاصة بالإضافة إليها.
+ حكمة الكنيسة في وضع صلوات الساعات.
تحديد أوقات مقدسة
يثير البعض أسئلة معينة حول الصلاة بالأجبية، نذكر منها:
أليست كل الأوقات مقدسة؟ لماذا إذًا تحديد أوقات دون غيرها؟ أليس الكتاب يدعو إلى الصلاة كل حين (لو18: 1)؟
في الواقع إن أول من حدد أوقاتًا مقدسة، هو الله نفسه.. فمع أن حياتنا كلها للرب، وكل أيامنا هي له، إلا أن الله - تبارك اسمه – حدد يومًا في الأسبوع، دعيّ يوم الرب. وقال عنه السيد الرب: "اُذْكُرْ يَوْمَ السَّبْتِ لِتُقَدِّسَهُ.. وَأَمَّا الْيَوْمُ السَّابعُ فَفِيهِ سَبْتٌ لِلرَّبِّ إِلهِكَ" (خر20: 8، 10) (تث5: 12).
لقد حدد الله يومًا له في الأسبوع كحد أدنى. ومن أراد أن يزيد عليه، فلا مانع. وهكذا في صلوات الساعات.
وليس هذا فقط في العهد القديم، وإنما في العهد الجديد أيضًا. يقول القديس يوحنا الرسول في سفر الرؤيا: "كُنْتُ فِي الرُّوحِ فِي يَوْمِ الرَّبِّ" (رؤ1: 10). السبت تغير إلى الأحد. ولكن تحديد يوم للرب بقى كما هو.. فالله هو هو. في الأمس واليوم وإلى الأبد (عب13: 8).
وفي سفر اللاويين قائمة يقول فيها الوحي الإلهي: "هذِهِ مَوَاسِمُ الرَّبِّ.. تُنَادُونَ بِهَا فِي أَوْقَاتِهَا" (لا23: 4). ذكر من بينها السبت ويوم الفصح، وعيد الحصاد، وعيد الخمسين، وغيرها. وفي العهد الجديد تغير الفصح من رمز إلى حقيقة (1كو5: 7). وعيد الحصاد تحول إلى عيد القيامة حسب تحقيق الرمز. وعيد الخمسين تحول إلى عيد العنصرة في نفس موعده تمامًا.
تغيرت بعض التفاصيل. ولكن بقى التعليم الإلهي ثابتًا كما هو. أعني تحديد أوقات مقدسة لله.
يقول الكتاب: "لأَنَّ مُوسَى مُنْذُ أَجْيَال قَدِيمَةٍ، لَهُ فِي كُلِّ مَدِينَةٍ مَنْ يَكْرِزُ بِهِ، إِذْ يُقْرَأُ فِي الْمَجَامِعِ كُلَّ سَبْتٍ" (أع15: 21). إن الجوهر لا يزال قراءة الكتاب المقدس، تغيرت من كتب موسى والأنبياء إلى الإنجيل والرسائل، والسبت تغير إلى الأحد. ولكن المبدأ لا يزال قائمًا، لأن السيد المسيح دُفع إليه سفر إشعياء النبي في يوم سبت، فقرأه. ولم يأمر بإلغاء ذلك النظام.
إذًا تحديد أوقات ونظام للعبادة، هو تعليم إلهي وكتابي. كذلك مبدأ الصلوات المحفوظة أول من أمر به هو الرب.
طريقة الصلوات المحفوظة
في العهد الجديد، طلب التلاميذ من الرب قائلين: "يَا رَبُّ، عَلِّمْنَا أَنْ نُصَلِّيَ"، فقال لهم: "مَتَى صَلَّيْتُمْ فَقُولُوا: أَبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ.." (لو11: 1 – 4). وهكذا أرسى مبدأ الصلاة المحفوظة بتعليمه تلاميذه صلاة محفوظة يرودنها متى صلوا.
الصلاة بالمزامير
في العهد القديم كانت المزامير تمثل جزءًا هامًا من مبدأ الصلوات المحفوظة، وكان الشعب يرددها. والمزامير التي كان الشعب يرتلها وهو صاعد إلى الهيكل (مزامير المصاعد).
ولعل البعض يقول إن الصلاة بالمزامير ترجع فقط إلى العهد القديم! كلا، بل إنها في العهد الجديد أيضًا.
يقول معلمنا بولس الرسول: "مَتَى اجْتَمَعْتُمْ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ لَهُ مَزْمُورٌ" (1كو14: 26). وقال أيضًا: "مُكَلِّمِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا بِمَزَامِيرَ وَتَسَابِيحَ وَأَغَانِيَّ رُوحِيَّةٍ، مُتَرَنِّمِينَ وَمُرَتِّلِينَ فِي قُلُوبِكُمْ لِلرَّبِّ" (أف5: 19).
إذًا الصلاة بالمزامير والترنم بها، تعليم إلهي كتابي.
والمزامير تقدم لنا صورة واضحة عن السيد المسيح، فنذكره حينما نصلي. إن أكبر سفرين في العهد القديم تكلما عن السيد المسيح هما سفر إشعياء والمزامير. وقد قال الرب: "لاَ بُدَّ أَنْ يَتِمَّ جَمِيعُ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ عَنِّي فِي نَامُوسِ مُوسَى وَالأَنْبِيَاءِ وَالْمَزَامِيرِ" (لو24: 44).
إذًا نحن في صلاة المزامير نرى الرب ونذكره.
السبع صلوات تعليم كتابي
يبقى السؤال بعد ما قلناه: هل الصلوات السبع تعليم كتابي؟
نعم، الصلوات السبع تعليم كتابي. فالكتاب يقول: "سَبْعَ مَرَّاتٍ فِي النَّهَارِ سَبَّحْتُكَ عَلَى أَحْكَامِ عَدْلِكَ" (مز119: 164). وقد بدأ تنظيم الصلوات بثلاث: عشية وباكر ووقت الظهر. أي أول النهار وآخره ووسطه. كما صلى دانيال النبي ثلاث مرات في اليوم (دا 6: 10). ثم نُظمت الصلاة في ساعات النهار وساعات الليل...
ولتناول الآن مواعيد الصلوات السبع في ظل تعليم الكتاب:
صلاة باكر، واضحة تمامًا. إنها تعليم كتابي.
فالكتاب يقول: "يَا اَللهُ، إِلهِي أَنْتَ. إِلَيْكَ أُبَكِّرُ. عَطِشَتْ إِلَيْكَ نَفْسِي" (مز63: 1). "باكرًا تسمع صوتي. بالغداة أقف أمامك وتراني" (مز5: 3). والرب نفسه يقول: "وَالَّذِينَ يُبَكِّرُونَ إِلَيَّ يَجِدُونَنِي" (أم 8: 17). وطبيعي أن نبدأ اليوم بالصلاة. فهذا أمر لائق وواجب، وينبغي أن يكون الله "في البدء"..
وكما بدأنا النهار بالله، ينبغي أن ننهيه به أيضًا.
فإن كنا ذبيحة للرب (رو12: 1). وإن كانت الذبيحة تقدم صباحًا ومساءً، فينبغي أن نقدم لله ذبيحة مسائية، كما يقول الكتب: "لِتَسْتَقِمْ صَلاَتِي كَالْبَخُورِ قُدَّامَكَ. لِيَكُنْ رَفْعُ يَدَيَّ كَذَبِيحَةٍ مَسَائِيَّةٍ" (مز141: 2). وهكذا نقول في تحليل صلاة الغروب "نشكرك يا ملكينا المتحنن، لأنك منحتنا أن نعبر هذا اليوم بسلام، وأتيت بنا إلى المساء شاكرين. وجعلتنا مستحقين أن نبصر النور إلى المساء".
ونحن نصلي قبل النوم، على الأقل لنقدس فراشنا قبل النوم.
ويكون الله هو آخر ما فكرنا فيه قبل أن ننام. وكما قال المرتل في المزمور: "لاَ أَدْخُلُ خَيْمَةَ بَيْتِي. لاَ أَصْعَدُ عَلَى سَرِيرِ فِرَاشِي، ولاَ أُعْطِي نومًا لِعَيْنَيَّ، وَلاَ نعاسًا لأَجْفَانِي، إلَى أنْ أجِدَ مَوْضِعًا لِلرَّبِّ، ومَسْكَنًا لإلَهِ يَعْقوبَ" (مز132: 3 – 5).. مسكنًا له في قلبي..
إذًا فصلاة النوم وما قبله هي تعليم كتابي.
أما صلوات الليل، فكلها أيضًا تعليم كتابي.. فالوحي الإلهي يقول في المزمور: "في اللَّيَالِي ارْفَعُوا أَيْدِيَكُمْ نَحْوَ الْقُدْسِ، وَبَارِكُوا الرَّبَّ" (مز134: 1، 2). ولهذا ينصحنا بقوله: "اِسْهَرُوا وَصَلُّوا"، "طُوبَى لأُولَئِكَ الْعَبِيدِ الَّذِينَ إِذَا جَاءَ سَيِّدُهُمْ يَجِدُهُمْ سَاهِرِينَ" (لو12: 37). لذلك وضعت الكنيسة أنه يليق بنا أن نصلي في كل هزيع من أقسام الليل الأربعة التي تنتهي بصلاة باكر.
وصلاة نصف الليل هي أيضًا تعليم كتابي.
إذ يقول المرتل: "فِي مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ أَقُومُ لأَحْمَدَكَ عَلَى أَحْكَامِ بِرِّكَ" (مز119: 62).
كما يقول الكتاب أيضًا: "فَفِي نِصْفِ اللَّيْلِ صَارَ صُرَاخٌ: هُوَذَا الْعَرِيسُ مُقْبِلٌ، فَاخْرُجْنَ لِلِقَائِهِ!" (مت25: 6).
إذًا فنحن نسهر مصلين لكي نكون مستعدين لاستقبال العريس.
وتفاصيل صلوات نصف الليل هي أيضًا تعليم كتابي.
إذ يقول الرب نفسه: "طُوبَى لأُولَئِكَ الْعَبِيدِ الَّذِينَ إِذَا جَاءَ سَيِّدُهُمْ يَجِدُهُمْ سَاهِرِينَ.. وَإِنْ أَتَى فِي الْهَزِيعِ الثَّانِي أَوْ أَتَى فِي الْهَزِيعِ الثَّالِثِ وَوَجَدَهُمْ هكَذَا، فَطُوبَى لأُولَئِكَ الْعَبِيدِ" (لو12: 37: 38). ولا شك أنها كنيسة روحية، هذه التي تعلم أولادها أن يسهروا في الصلاة مستعدين، حسب وصيته.
أيضًا تفاصيل صلوات النهار (الثالثة والسادسة والتاسعة) هي كذلك تعليم كتابي وتسليم رسولي. وقد صلاها الرسل القديسون.
يقول الكتاب: "صَعِدَ بُطْرُسُ عَلَى السَّطْحِ لِيُصَلِّيَ نَحْوَ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ" (أع10: 9). ويقول أيضًا: "وَصَعِدَ بُطْرُسُ وَيُوحَنَّا مَعًا إِلَى الْهَيْكَلِ فِي سَاعَةِ الصَّلاَةِ التَّاسِعَةِ" (أع3: 1)، لا شك أنها كانت ساعة صلاة.
إذًا ساعات الصلاة السبع في الأجبية، هي من تعليم الكتاب جملة وتفصيلًا.
[1] من كتاب روحانية ومثالية الصلاة بالأجبية، لقداسة البابا شنوده الثالث.
الفصل الثاني الخلاص في المفهوم الأرثوذكسي
خطورة استخدام "الآية الواحدة"!
في موضوع الخلاص أيها الإخوة - كما في أي موضوع آخر - احترسوا جدًا من خطورة استخدام آية واحدة من الكتاب المقدس.
إن الكتاب المقدس ليس هو مجرد آية أو آيات، وإنما هو روح معينة تتمشى في الكتاب كله.
الشخص الجاهل يضع أمامه آية واحدة، أو أجزاء من آية، فاصلًا إياها عن ظروفها وملابساتها وعن المعنى العام كله، أما الباحث الحكيم، الذي يتوخى الحق، فإنه يجمع كل النصوص التي تتعلق بموضوع بحثه، ويرى على أي شيء تدل...
وفي موضوع الخلاص، نرى أمثلة من خطورة الآية الواحدة:
"آمِنْ بِالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ فَتَخْلُصَ أَنْتَ وَأَهْلُ بَيْتِكَ" (أع16: 31).
هذه الآية يتخذها البعض برهانًا على الخلاص بالإيمان فقط!! لأن فيها يقول بولس الرسول لسجان فيلبي: " آمِنْ.. فَتَخْلُصَ" (أع16: 31). وينسى الذين يستخدمون هذه الآية عدة أمور هي: لمن قيلت؟.. وتكملة الآية؟.. وماذا حدث بعدها؟.. والآيات الأخرى المتعلقة بالموضوع.
1- أولًا: قيلت هذه الآية لرجل أممي، غير مؤمن، مهما فعل من أعمال صالحة فلن تجديه شيئًا بدون الإيمان بالمسيح!! لذلك كان لا بد من إرشاده إلى الخطوة الأولى التي بدونها لا يمكن أن ينال شيئًا من الخلاص. فإذا خطا هذه الخطوة، يمكن إرشاده إلى ما يتلوها من خطوات. لم يكن مناسبًا أن يكلم الرسولان هذا السجان عن أهمية الأعمال الصالحة، لأنها بالنسبة إليه لا يمكن أن تفيده وهو غير مؤمن... والوضع السليم أن يتدرجا معه خطوة خطوة، حتى يصل.
2- والخطوة الأولى تستخدم أحيانًا في الكتاب المقدس للدلالة على العمل كله الذي يبدأ بتلك الخطوة.
مثال ذلك قول سمعان الشيخ عندما حمل المسيح الطفل بين ذراعيه: "الآنَ تُطْلِقُ عَبْدَكَ يَا سَيِّدُ حَسَبَ قَوْلِكَ بِسَلاَمٍ، لأَنَّ عَيْنَيَّ قَدْ أَبْصَرَتَا خَلاَصَكَ" (لو2: 28- 31). بينما أن سمعان الشيخ لم يبصر خلاص الرب الذي لم يتم إلا بدم المسيح على الصليب، عندما دفع الرب ثمن الخطيئة بموته عنا!! ولكن سمعان أبصر فقط تجسد الرب وميلاده. ولما كان تجسد الرب هو الخطوة التنفيذية الأولى التي تؤدي إلى الخلاص، لذلك قال سمعان الشيخ في ثقة: "لأَنَّ عَيْنَيَّ قَدْ أَبْصَرَتَا خَلاَصَكَ".
وبهذا الأسلوب تقريبًا، تحدث بولس وسيلا مع سجان فيلبي، ليس على أن إيمانه فقط هو الذي سيخلصه ويخلص أهل بيته، وإنما على أنه الخطوة الأولى التي تؤدي إلى كل ذلك.
ولعله بهذا الأسلوب أيضًا، لما وعد زكا بأن يرد ما سلبه من الناس أربعة أضعاف، قال له الرب: "الْيَوْمَ حَصَلَ خَلاَصٌ لِهذَا الْبَيْتِ" (لو19: 9)... أي أن توبة زكا هي الخطوة الأولى التي تؤدي إلى خلاص البيت...
3- وأكبر دليل على أن المقصود بهذا الخلاص هو الخطوة الأولى المؤدية إليه، هو قول الرسول لهذا السجان: "فتخلص أنت وأهل بيتك".
إذ كيف يمكن أن يخلص أهل بيته بمجرد إيمانه؟! هل إيمان إنسان يخلص شخصًا آخر؟! ولكن الوضع السليم هو أن إيمان هذا الشخص هو مجرد الخطوة الأولى التي ستقوده إلى الخلاص عندما يعتمد باسم يسوع المسيح، وأيضًا سيقنع أسرته بالإيمان ويكون فاتحة خير للأسرة، وهكذا يخلص هو وأهل بيته...
4- ولذلك نرى أن هذه الآية كان لها تكملة، إذ يقول الكتاب أن بولس وسيلا "كَلَّمَاهُ وَجَمِيعَ مَنْ فِي بَيْتِهِ بِكَلِمَةِ الرَّبِّ... وَاعْتَمَدَ فِي الْحَالِ هُوَ وَالَّذِينَ لَهُ أَجْمَعُونَ".
5- ونحن إذا أخذنا هذه الآية: "آمِنْ بِالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ فَتَخْلُصَ أَنْتَ وَأَهْلُ بَيْتِكَ"، إنما يجب أن نضع إلى جوارها آيات أخرى لنكمل فهم الموضوع، وسأذكر لكم مثالًا بسيطًا له دلالته القوية:
تقدم شاب إلى السيد المسيح ليسأله: "أَيَّ صَلاَحٍ أَعْمَلُ لِتَكُونَ لِيَ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ؟" (مت19: 16)، فلم يقل له السيد المسيح: "آمن فتخلص"، وإنما قال له: "إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَدْخُلَ الْحَيَاةَ فَاحْفَظِ الْوَصَايَا".
هل نجرؤ نحن ونقول إن مجرد حفظ الوصايا كاف للخلاص، بدون إيمان، وبدون معمودية، وبدون أسرار؟!! كلا إننا لا يمكن أن نخطئ إلى أنفسنا ولا إلى الناس ولا إلى الإيمان ذاته باستخدام الآية الواحدة...
في هذا المثال أيضًا نجد أن الشاب عندما قال عن الوصايا: "هذِهِ كُلُّهَا حَفِظْتُهَا مُنْذُ حَدَاثَتِي. فَمَاذَا يُعْوِزُني بَعْدُ؟" حينئذ قال له ربنا يسوع: "إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَكُونَ كَامِلًا فَاذْهَبْ وَبعْ أَمْلاَكَكَ وَأَعْطِ الْفُقَرَاءَ، فَيَكُونَ لَكَ كَنْزٌ فِي السَّمَاءِ، وَتَعَالَ اتْبَعْنِي". هنا أيضًا لم يحدثه السيد المسيح عن الإيمان. ولا عن النعمة... فهل نستخدم نحن هذا المثال لنقلل من قيمة الإيمان، إذ لم يرد له ذكر في حديث الرب عن نوال الحياة الأبدية؟!
كلا، حاشا لنا أن نفعل هذا ونستخدم الآية الواحدة. فلكل مجال الكلام اللائق به. وفي هذا المثال كلم الرب الشاب الغني بما يناسب حالته وبما يعالج أمراضه الداخلية الأصيلة...
نتناول آية أخرى من التي يستعملها البروتستانت ومن يجرى في مجراهم...
"فَإِذْ قَدْ تَبَرَّرْنَا بِالإِيمَانِ لَنَا سَلاَمٌ مَعَ اللهِ" (رو5: 1).
يأتيك إنسان من الذين يهتمون بالآية الواحدة، ويقول لك: هوذا أمامك آية صريحة تقول إن تبررنا بالإيمان، فلا داعي لأن تجادل أو تفتح فمك! هل تنكر الآية أو تعارض كلام الله!
لا يا أخي، نحن لا ننكر الآية، ولا نعارض كلام الله. ولكننا نضع إلى جوار هذه الآية آية أخرى من نفس رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية، ونرى ماذا يمكن أن نفهمه من الآية. يقول الرسول: "لأَنْ لَيْسَ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ النَّامُوسَ هُمْ أَبْرَارٌ عِنْدَ اللهِ، بَلِ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ بِالنَّامُوسِ هُمْ يُبَرَّرُونَ" (رو2: 13).
هنا كلام عن تبرير مَن يعمل بالناموس. هل نسمح لأنفسنا أن نخطئ ونستخدم الآية الواحدة، ونقول إن الأعمال وحدها هي التي تخلص، معتمدين على قول الرسول: "بَلِ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ بِالنَّامُوسِ هُمْ يُبَرَّرُونَ"؟! كلا، بل نحن نضع الآيتين معًا (رو2: 13)، (رو5: 1). ونخرج بتعليم صحيح يتفق مع كلام الله، وهو أن عمل الإيمان في التبرير لا ينكر أهمية الأعمال، ولزوم الأعمال للتبرير لا ينكر قيمة الإيمان...
هذه الآية التي تقول: "فَإِذْ قَدْ تَبَرَّرْنَا بِالإِيمَانِ"، نضع إلى جوارها آية أخرى هي "تَرَوْنَ إِذًا أَنَّهُ بِالأَعْمَالِ يَتَبَرَّرُ الإِنْسَانُ، لاَ بِالإِيمَانِ وَحْدَهُ. كَذلِكَ رَاحَابُ الزَّانِيَةُ أيضًا، أَمَا تَبَرَّرَتْ بِالأَعْمَالِ، إِذْ قَبِلَتِ الرُّسُلَ وَأَخْرَجَتْهُمْ فِي طَرِيق آخَرَ؟" (يع2: 24، 25).
نأخذ آية أخرى
"وَأَمَّا الَّذِي لاَ يَعْمَلُ، وَلكِنْ يُؤْمِنُ بِالَّذِي يُبَرِّرُ الْفَاجِرَ، فَإِيمَانُهُ يُحْسَبُ لَهُ بِرًّا" (رو5:4).
فهل تعني هذه الآية أن الله يبرر الفاجر إذا ثبت في فجوره دون عمل التوبة؟! حاشا. إذًا لكي نفهم هذه الآية فلنضع أمامها آيات أخرى توضحها. ولنبدأ بآية من نفس الرسالة إلى رومية حيث يقول الرسول (1: 18): "لأَنَّ غَضَبَ اللهِ مُعْلَنٌ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى جَمِيعِ فُجُورِ النَّاسِ وَإِثْمِهِمِ".
ونضيف إليها آية أخرى من الرسالة الثانية لبطرس الرسول: "وَإِذْ رَمَّدَ مَدِينَتَيْ سَدُومَ وَعَمُورَةَ، حَكَمَ عَلَيْهِمَا بِالانْقِلاَبِ، وَاضِعًا عِبْرَةً لِلْعَتِيدِينَ أَنْ يَفْجُرُوا" (2بط2: 6). وهكذا أظهر لنا الرسول أن الفاجر يشترك في مصير سدوم وعمورة.
وهذا أيضًا يشرحه معلمنا يهوذا الرسول إذ يقول: "وَتَنَبَّأَ عَنْ هؤُلاَءِ أيضًا أَخْنُوخُ السَّابعُ مِنْ آدَمَ قائلًا هُوَذَا قَدْ جَاءَ الرَّبُّ فِي رَبَوَاتِ قِدِّيسِيهِ لِيَصْنَعَ دَيْنُونَةً عَلَى الْجَمِيعِ، وَيُعَاقِبَ جَمِيعَ فُجَّارِهِمْ عَلَى جَمِيعِ أَعْمَالِ فُجُورِهِمُ الَّتِي فَجَرُوا بِهَا" (يه14، 15).
لا يمكن أن نفهم إذًا من الآية التي قالها بولس الرسول أنه يكفي للفاجر أن يؤمن فقط لكي يخلص، مع بقائه في فجوره. فإن بولس نفسه أنذرنا في صراحة تامة قائلًا: "لاَ تَضِلُّوا: لاَ زُنَاةٌ وَلاَ عَبَدَةُ أَوْثَانٍ وَلاَ فَاسِقُونَ وَلاَ مَأْبُونُونَ وَلاَ مُضَاجِعُو ذُكُورٍ... يَرِثُونَ مَلَكُوتَ اللهِ" (1كو6: 9، 10).
أما عبارة "لا يعمل" فلعل المقصود بها هنا أعمال الناموس الطقسية، كالختان بالذات كما يظهر من باقي النص (رو4: 6- 12).
لا يصح مطلقًا أيها الأحباء أن نسير بطريقة الآية الواحدة، فهي طريقة خاطئة وخطر وغير أرثوذكسية.
إن أتاك أحد في يوم من الأيام بآية من الآيات، مهما كانت صريحة وواضحة، فقل له: أنا لا تنفعني الآية الواحدة. لنضع أمامنا جميع النصوص التي تتعلق بهذا الموضوع، ثم نتفاهم معًا. احترسوا من أن تخدعكم الآية الواحدة، فربما لها مناسبة معينة. وربما لها تكملة، وهذه التكملة هي التي توضح معناها. وسأضرب لكم لذلك بعض الأمثلة:
آيات، تكملتها توضحها
يقول بولس الرسول في رسالته إلى أفسس (أف2: 8، 9): "لأَنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ، بِالإِيمَانِ، وَذلِكَ لَيْسَ مِنْكُمْ. هُوَ عَطِيَّةُ اللهِ. لَيْسَ مِنْ أَعْمَال كَيْلاَ يَفْتَخِرَ أَحَدٌ".
هذه آية قد تبدو صريحة. ولكن تمهل قليلاً، واقرأ الآية التي بعدها مباشرة (أف2: 10)، يقول: "لأَنَّنَا نَحْنُ عَمَلُهُ، مَخْلُوقِينَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ لأَعْمَال صَالِحَةٍ، قَدْ سَبَقَ اللهُ فَأَعَدَّهَا لِكَيْ نَسْلُكَ فِيهَا". إذًا لا يليق أن نخطف آية ونجري قائلين في خفة: إن الموضوع قد انتهى.
لنأخذ مثالًا آخر. يقول بولس الرسول: "فَإِنْ كَانَ بِالنِّعْمَةِ فَلَيْسَ بَعْدُ بِالأَعْمَالِ، وَإِلاَّ فَلَيْسَتِ النِّعْمَةُ بَعْدُ نِعْمَةً" (رو11: 6).
ما أجمل أن نتروى قليلًا، ونتابع ما يقوله الرسول في نفس الإصحاح، حيث يستطرد: "أَنْتَ بِالإِيمَانِ ثَبَتَّ. لاَ تَسْتَكْبِرْ بَلْ خَفْ. لأَنَّهُ إِنْ كَانَ اللهُ لَمْ يُشْفِقْ عَلَى الأَغْصَانِ الطَّبِيعِيَّةِ فَلَعَلَّهُ لاَ يُشْفِقُ عَلَيْكَ أيضًا. فَهُوَذَا لُطْفُ اللهِ وَصَرَامَتُهُ: أَمَّا الصَّرَامَةُ فَعَلَى الَّذِينَ سَقَطُوا، وَأَمَّا اللُّطْفُ فَلَكَ، إِنْ ثَبَتَّ فِي اللُّطْفِ، وَإِلاَّ فَأَنْتَ أيضًا سَتُقْطَعُ" (رو11: 20- 22).
ما معنى هذا الكلام؟ معناه أنك نلت خلاصًا بدم المسيح، ولكن يجب أن تثبت فيه، وإلا فإنك ستفقده إذا لم تعمل أعمالًا تليق بالتوبة. لأن الغصن الذي يقطع من الشجرة يهلك ويموت.
مثال آخر، يقول بولس الرسول:
"فَأَيْنَ الافْتِخَارُ؟ قَدِ انْتَفَى. بِأَيِّ نَامُوسٍ؟ أَبِنَامُوسِ الأَعْمَالِ؟ كَّلاَّ. بَلْ بِنَامُوسِ الإِيمَانِ. إِذًا نَحْسِبُ أَنَّ الإِنْسَانَ يَتَبَرَّرُ بِالإِيمَانِ بِدُونِ أَعْمَالِ النَّامُوسِ" (رو3: 27، 28).
إن قرأنا آية مثل هذه، فلا يصح أن نتسرع، بل نتابع القراءة لنرى ماذا يقول الرسول بعدها، إنه يستطرد قائلًا بعد هذه الآية مباشرة: "أَفَنُبْطِلُ النَّامُوسَ بِالإِيمَانِ؟ حَاشَا! بَلْ نُثَبِّتُ النَّامُوسَ" (رو3: 31).
مثال آخر، يقول بولس الرسول: "وَلكِنْ حِينَ ظَهَرَ لُطْفُ مُخَلِّصِنَا اللهِ وَإِحْسَانُهُ، لاَ بِأَعْمَال فِي بِرّ عَمِلْنَاهَا نَحْنُ، بَلْ بِمُقْتَضَى رَحْمَتِهِ خَلَّصَنَا بِغُسْلِ الْمِيلاَدِ الثَّانِي وَتَجْدِيدِ الرُّوحِ الْقُدُسِ..." (تي3: 4، 5).
لاحظوا أن هذه الآية بالذات تتحدث عن الخلاص بالمعمودية وعمل الروح القدس. أما من جهة الأعمال، فإننا إذا أكملنا ما يقوله الرسول نجده يستطرد مباشرة: "صَادِقَةٌ هِيَ الْكَلِمَةُ. وَأُرِيدُ أَنْ تُقَرِّرَ هذِهِ الأُمُورَ، لِكَيْ يَهْتَمَّ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ أَنْ يُمَارِسُوا أَعْمَالًا حَسَنَةً. فَإِنَّ هذِهِ الأُمُورَ هِيَ الْحَسَنَةُ وَالنَّافِعَةُ لِلنَّاسِ" (تي3: 8).
إنني أيها الإخوة الأحباء لست في هذه المقدمة أناقش موضوع الإيمان والأعمال، فموعده في هذه المحاضرة لم يأت بعد. إنما أريد فقط أن أوجه الاهتمام إلى هذه القاعدة وحدها وهي خطورة استخدام الآية الواحدة. ونحن أنفسنا، لا نسمح لذواتنا بتاتًا أن نستخدم هذه الطريقة الخطرة الضارة.
إننا لا نستغل "الآية الواحدة" لصالحنا.
فمثلًا إن وجدنا يوحنا الرسول يقول: "إِنْ عَلِمْتُمْ أَنَّهُ بَارٌّ هُوَ، فَاعْلَمُوا أَنَّ كُلَّ مَنْ يَصْنَعُ الْبِرَّ مَوْلُودٌ مِنْهُ" (1يو2: 29).
إن قرأنا مثل هذه الآية، فلا يمكن أن نقول إن الولادة الجديدة تتوقف على الأعمال وحدها، وإنما مع هذه الآية نذكر الإيمان والمعمودية وأسرار الكنيسة التي لم تتضمنها الآية مطلقًا من حيث اللفظ.
وبالمثل أيضًا إذا قرأنا ليوحنا الرسول قوله: "نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّنَا قَدِ انْتَقَلْنَا مِنَ الْمَوْتِ إِلَى الْحَيَاةِ، لأَنَّنَا نُحِبُّ الإِخْوَةَ.." (1يو3: 14).
فلا يمكن أن نتخذ هذه الآية دليلًا على أن المحبة وحدها كافية لتخليص الإنسان، ونقله من الموت إلى الحياة!!
وكذلك بنفس الأسلوب لا يمكن أن نستغل الآية التي تقول: "اَللهُ مَحَبَّةٌ، وَمَنْ يَثْبُتْ فِي الْمَحَبَّةِ، يَثْبُتْ فِي اللهِ وَاللهُ فِيهِ" (1يو4: 16).
وبنفس الأسلوب لا يمكن أن نستغل أية آية من الآيات التي تتحدث عن الأعمال وأهميتها. مثل قول السيد المسيح للشاب الغني: "إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَدْخُلَ الْحَيَاةَ فَاحْفَظِ الْوَصَايَا" (مت 19: 17).
هل مجرد حفظ الوصايا وحده يكفي، بدون إيمان وبدون معمودية؟! كلا، بلا شك. أما الآية فتفهم بمعنى آخر يتفق مع الملابسات التي أحاطت بها.
وهكذا أيها الأحباء، علينا أن نتذكر باستمرار- في تعرفنا على الإيمان السليم - تلك الآية الجميلة التي تقول: "لاَ الْحَرْفِ بَلِ الرُّوحِ. لأَنَّ الْحَرْفَ يَقْتُلُ وَلكِنَّ الرُّوحَ يُحْيِي" (2كو3: 6).
فلنبحث إذًا عن مفهوم الخلاص مقتادين بروح الكتاب، لا بحرفه. محاولين أن نجمع في صعيد واحد النصوص المتعددة التي تتناول الموضوع. لنطرق موضوعنا من جميع نواحيه لا من زاوية واحدة فقط، ولا في ملابسة معينة فقط.
ونصيحتي لكم أن تبعدوا عن قراءة الكتب الغريبة، التي تبعدكم عن الإيمان السليم. ونصيحتي أيضًا أن تبحثوا الموضوع في تواضع كثير، لأن الاعتداد بالذات، في الأمور اللاهوتية، قاد كثيرين إلى الهرطقة.
بعد هذه المقدمة الوجيزة نتحدث عن الخلاص في المفهوم الأرثوذكسي ووسائطه.
لا خلاص إلا بدم المسيح وحده
لا خلاص إلا بدم المسيح وحده
لا إيمان ولا أعمال بدون هذا الدم. إن الإيمان هو إيمان بدم المسيح، والأعمال هي أعمال مؤسسة على استحقاقات دم المسيح. وكما يقول الرسول بولس: "بِدُونِ سَفْكِ دَمٍ لاَ تَحْصُلُ مَغْفِرَةٌ" (عب9: 22).
فما هو إذًا مركز دم المسيح في قضية الخلاص؟ وما هو مركز الإيمان؟.. وما هو مركز الأعمال؟
الأعمال بدون دم المسيح..
لا يوجد خلاص إلا بدم المسيح. جميع الأعمال الصالحة مهما سمت، مهما علت، مهما كملت، لا يمكن أن تُخلص الإنسان بدون دم المسيح. لذلك فإن الأبرار الذين أرضوا الرب بأعمالهم الصالحة في العهد القديم، انتظروا هم أيضًا في الجحيم إلى أن أخرجهم منه السيد المسيح بعد صلبه.
إن الأعمال الصالحة وحدها لا يمكن أن تخلص الإنسان بدون الإيمان بدم المسيح. وإلا كان الوثنيون ذوو الأعمال الصالحة يخلصون بأعمالهم!! حاشا.
وكقاعدة عامة أقولها لكم:
جميع الآيات التي وردت في الكتاب المقدس تهاجم الأعمال، هي عن الأعمال وحدها بدون دم المسيح، أو عن أعمال الناموس (الخاصة بشريعة العهد القديم).
لأنه بدون دم المسيح لا يمكن للأعمال أن تفيد شيئًا...
لذلك عندما يقول الرسول: "لاَ بِأَعْمَال فِي بِرّ عَمِلْنَاهَا" (تي3: 5)، أو عندما يقول: "لَيْسَ مِنْ أَعْمَال كَيْلاَ يَفْتَخِرَ أَحَدٌ" (أف2: 9)، إنما يقصد الأعمال وحدها بدون دم المسيح. وهكذا إن وجد إنسان يعمل أعمالًا صالحة، وهو غير مؤمن، فإن برّ الناموس هذا لا يفيده شيئًا، وأعماله الصالحة وحدها لا تخلصه بدون الإيمان.
مثل هذا الشخص غير المؤمن، تقول له: "إن أعمالك كلها لا تكفي. آمن بالرب يسوع فتخلص".
هناك فرق جوهري أساسي بين الكلام الذي يقال للمؤمن، والكلام الذي يقال لغير المؤمن. في حديثك مع غير المؤمن، يجب أن تحطم جميع الأعمال، كلها بدون دم المسيح لا تفيد شيئًا. مثل هذا تقول له: إن أعمالك لا تخلصك... الذي يخلصك هو دم المسيح. إن دم المسيح هو نقطة البدء في موضوع الخلاص.
ولكن بعد أن يؤمن، ينبغي أن تحدثه عن الأعمال الصالحة التي تليق بإيمانه، لأن "الإِيمَانَ بِدُونِ أَعْمَال مَيِّتٌ" (يع2: 20).
لماذا لا يكون الخلاص إلا بدم المسيح؟
1- الخطية هي عصيان لله، وتعدٍ على حقوقه، وعدم محبة له... والله غير محدود، إذًا فالخطية غير محدودة لأنها موجهة ضد الله غير المحدود. ومهما عمل الإنسان فإن أعماله محدودة، لذلك لا تغفر الخطية إلاّ كفارة غير محدودة.. ولا يوجد غير محدود إلا الله. لذلك لم يكن هناك حل لمغفرة الخطية سوى أن يتجسد الله ذاته ويموت. ويكون موته كفارة غير محدودة، توفي عدل الله غير المحدود، في الاقتصاص من الخطية غير المحدودة. الموجهة ضد الله غير المحدود.
2- هذا الكلام ينطبق على خطيئة آدم كما ينطبق على خطية أي إنسان، لأن الخطية هي الخطية، وعدل الله هو هو، وعقاب الخطية الذي هو الموت هو هو، كما في العهد القديم كذلك في العهد الجديد ومعروف أن "الْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ اللهِ.. لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحًا لَيْسَ وَلاَ وَاحِدٌ" (رو3: 23 و12). وهكذا وقع حكم الموت على الجميع. واستدّ كل فم وصار العالم كله تحت قصاص من الله (رو3: 19). ولم تعد هناك وسيلة للخلاص غير نعمة الله تفتقدنا، وقد افتقدتنا فعلًا وخلصتنا بدم المسيح الذي به وحده الخلاص.
3- من أجل هذا قال معلمنا بولس الرسول: "مُتَبَرِّرِينَ مَجَّانًا بِنِعْمَتِهِ بِالْفِدَاءِ الَّذِي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي قَدَّمَهُ اللهُ كَفَّارَةً بِالإِيمَانِ بِدَمِهِ، لإِظْهَارِ بِرِّهِ، مِنْ أَجْلِ الصَّفْحِ عَنِ الْخَطَايَا السَّالِفَةِ" (رو3: 25). وقال أيضًا: "الَّذِي خَلَّصَنَا وَدَعَانَا دَعْوَةً مُقَدَّسَةً، لاَ بِمُقْتَضَى أَعْمَالِنَا، بَلْ بِمُقْتَضَى الْقَصْدِ وَالنِّعْمَةِ الَّتِي أُعْطِيَتْ لَنَا" (2تي1: 9). وقال أيضًا: "لاَ بِأَعْمَال فِي بِرّ عَمِلْنَاهَا نَحْنُ، بَلْ بِمُقْتَضَى رَحْمَتِهِ خَلَّصَنَا بِغُسْلِ الْمِيلاَدِ الثَّانِي وَتَجْدِيدِ الرُّوحِ الْقُدُسِ" (تي3: 4، 5). وقال أيضًا: "لأَنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ، بِالإِيمَانِ، وَذلِكَ لَيْسَ مِنْكُمْ. هُوَ عَطِيَّةُ اللهِ. لَيْسَ مِنْ أَعْمَال كَيْلاَ يَفْتَخِرَ أَحَدٌ" (أف2: 8). وقال أيضًا: "فَإِنْ كَانَ بِالنِّعْمَةِ فَلَيْسَ بَعْدُ بِالأَعْمَالِ، وَإِلاَّ فَلَيْسَتِ النِّعْمَةُ بَعْدُ نِعْمَةً" (رو11: 6).
إننا نورد هذه الآيات التي يستخدمها البروتستانت، ولا نخبئها، لأننا لا ننكر نعمة الله علينا، ولا ننكر خلاص الله المجاني الذي أعطاه لنا، ولا ننكر إننا كنا كلنا "أَمْوَاتًا بِالذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا" (أف2: 1)، ولولا دمه الأقدس لهلكنا جميعًا. ولكننا نضع هذه الآيات في موضعها الحقيقي. ونعترف إننا خلصنا بدم المسيح.
4- ولكننا نقول إن دم المسيح شيء، واستحقاق دم المسيح شيء آخر. إن دم المسيح كافٍ لمغفرة خطايا العالم كله، فهل حظي العالم كله بالغفران؟! لقد "أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ" (يو3: 16) فهل خلص العالم كله بهذا البذل، أم خلص فقط "كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ"؟
إذًا فدم المسيح موجود، مستعد أن يخلص، وكافٍ للخلاص. ولكن للخلاص شروطًا يجب أن تستوفى حتى يكون الخاطئ مستحقًا لهذا الدم الذي به الخلاص. وهكذا أيضًا يقول يوحنا الحبيب في رسالته الأولى عن المسيح أنه: "كَفَّارَةٌ لِخَطَايَانَا. لَيْسَ لِخَطَايَانَا فَقَطْ، بَلْ لِخَطَايَا كُلِّ الْعَالَمِ أيضًا" (1يو2: 2). كفارة المسيح إذًا غير محدودة، تكفي لمغفرة جميع الخطايا لجميع الناس في جميع الأجيال، في الماضي وفي الحاضر وفي المستقبل. ولكن مع وجود دم المسيح هناك أشخاص هلكوا، وأشخاص يهلكون، وأشخاص سيهلكون! ذلك لأن استحقاقات دم المسيح لها شروط معينة.
شروط الخلاص بدم المسيح
أريد من جهة هذه الشروط أن أضع أمامكم أربعة أمور جوهرية جدًا وهي:
- الإيمان.
- المعمودية.
- الأسرار الكنسية اللازمة للخلاص.
- الأعمال الصالحة.
الإيمان
1- شرط الإيمان
الإيمان شرط أساسي لاستحقاق دم المسيح. وهكذا قال السيد المسيح عن نفسه: "لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ" (يو3: 16).
وتظهر أهمية هذا الشرط لاستحقاق دم المسيح، من قول الكتاب من نفس الإصحاح من فمِ السيد المسيح نفسه: "اَلَّذِي يُؤْمِنُ بِهِ لاَ يُدَانُ، وَالَّذِي لاَ يُؤْمِنُ قَدْ دِينَ، لأَنَّهُ لَمْ يُؤْمِنْ بِاسْمِ ابْنِ اللهِ الْوَحِيدِ" (يو3: 18).
ويظهر هذا الشرط أيضًا من قول يوحنا الرسول في خاتمة إنجيله: "وَأَمَّا هذِهِ فَقَدْ كُتِبَتْ لِتُؤْمِنُوا أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ، وَلِكَيْ تَكُونَ لَكُمْ إِذَا آمَنْتُمْ حَيَاةٌ بِاسْمِهِ" (يو20: 31). هناك شرط إذًا وهو أن الخلاص يكون لكم إذا آمنتم.
وبهذا وعظ بولس الرسول في أنطاكيا قائلًا: "أَنَّهُ بِهذَا يُنَادَى لَكُمْ بِغُفْرَانِ الْخَطَايَا. وَبِهذَا يَتَبَرَّرُ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ" (أع13: 38، 39).
وقد وضح ربنا يسوع المسيح أنه بدون شرط الإيمان هذا لا يمكن أن يكون خلاص بقوله لليهود: "إِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا أَنِّي أَنَا هُوَ تَمُوتُونَ فِي خَطَايَاكُمْ" (يو8: 24).
ما أخطر هذه العبارة "تَمُوتُونَ فِي خَطَايَاكُمْ"! دم المسيح موجود، قادر أن يخلص. ولكنه لا يمكن أن يخلصك بدونك.
يجب أن تقدم شرط الإيمان، لكي تخلص بدم المسيح. إنه الشرط الأول، ولكنه ليس الشرط الوحيد، إنه الخطوة التي تؤهلك للمعمودية.
شرط الإيمان هذا ورد في قول بولس وسيلا لحافظ السجن: "آمِنْ بِالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ فَتَخْلُصَ أَنْتَ وَأَهْلُ بَيْتِكَ" (أع16: 31).
2- ما هو الإيمان؟
إن كلمة الإيمان كلمة واسعة جدًا جدًا، تدخل فيها أمور كثيرة. وإن كان بولس الرسول قد قال إننا "قَدْ تَبَرَّرْنَا بِالإِيمَانِ" (رو5: 1)، فماذا يقصد بهذا الإيمان الذي قد تبررنا به؟
لذلك يضع بولس الرسول أمامنا سؤالًا خطيرًا جدًا في موضوع الإيمان. إذ يقول: "جَرِّبُوا أَنْفُسَكُمْ، هَلْ أَنْتُمْ فِي الإِيمَانِ؟ امْتَحِنُوا أَنْفُسَكُمْ" (2كو13: 5). إذًا لا بد أن نختبر أنفسنا ونرى هل نحن حقًا في الإيمان أم لا. ما هو هذا الإيمان؟
إيمان حي...
إن الإيمان اللازم للخلاص لا بد أن يكون إيمانًا حيًا. وهذا الأمر وضحه على أكمل وجه معلمنا يعقوب الرسول إذ قال: "أَنَّ الإِيمَانَ بِدُونِ أَعْمَال مَيِّتٌ؟" (يع2: 20). وكرر هذا المعنى قائلًا: "لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الْجَسَدَ بِدُونَ رُوحٍ مَيِّتٌ، هكَذَا الإِيمَانُ أيضًا بِدُونِ أَعْمَال مَيِّتٌ" (يع2: 26).
ومثل هذا الإيمان الميت، أي الخالي من الأعمال، لا يقدر أن يخلص أحد. وهكذا يقول معلمنا يعقوب الرسول: "مَا الْمَنْفَعَةُ يَا إِخْوَتِي إِنْ قَالَ أَحَدٌ إِنَّ لَهُ إِيمَانًا وَلكِنْ لَيْسَ لَهُ أَعْمَالٌ، هَلْ يَقْدِرُ الإِيمَانُ أَنْ يُخَلِّصَهُ؟!" (يع2: 14).
حقًا إن الرسول بولس قد قال إننا قد تبررنا بالإيمان. ولكن هذا الإيمان له صفتان هامتان. إيمان حي وإيمان عامل.
ولا نظن أن أحدًا من البروتستانت - مهما أنكر الأعمال - يستطيع في أمرِ الخلاص أن يُعَلم بالإيمان غير العامل. فالرسول يقول: "الشَّيَاطِينُ يُؤْمِنُونَ وَيَقْشَعِرُّونَ" (يع2: 19).
فهل تقصد بالإيمان أيها الأخ إيمانًا من نوع إيمان الشياطين الذين ليست لهم أعمال صالحة، وإنما هم يؤمنون، ويقشعرون من هول شرورهم وفسادهم؟!!
إن عبارة الإيمان الحي العامل قد تتسع في مداها حتى تشمل الحياة الروحية كلها. كيف يمكن أن تشمل الحياة الروحية كلها؟ اميلوا آذانكم أيها الإخوة الأحباء إلى قول الرسول.
الإيمان العامل بالمحبة...
قال بولس الرسول: "لأَنَّهُ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ لاَ الْخِتَانُ يَنْفَعُ شيئًا وَلاَ الْغُرْلَةُ، بَلِ الإِيمَانُ الْعَامِلُ بِالْمَحَبَّةِ" (غلا5: 6) فماذا تعني صفة "العامل بالمحبة" ما هي هذه المحبة، وكيف تكون؟
إن هذه المحبة شرحها بولس الرسول، مستدلًا عليها بجمهرة من الأعمال الصالحة، إذ قال: "الْمَحَبَّةُ تَتَأَنَّى وَتَرْفُقُ. الْمَحَبَّةُ لاَ تَحْسِدُ. الْمَحَبَّةُ لاَ تَتَفَاخَرُ، وَلاَ تَنْتَفِخُ، وَلاَ تُقَبِّحُ، وَلاَ تَطْلُبُ مَا لِنَفْسِهَا، وَلاَ تَحْتَدُّ، وَلاَ تَظُنُّ السُّؤَ، وَلاَ تَفْرَحُ بِالإِثْمِ بَلْ تَفْرَحُ بِالْحَقِّ، وَتَحْتَمِلُ كُلَّ شَيْءٍ، وَتُصَدِّقُ كُلَّ شَيْءٍ، وَتَرْجُو كُلَّ شَيْءٍ، وَتَصْبِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ" (1كو13: 4- 7).
فإذا كان الإيمان هو هذا الإيمان العامل بالمحبة، فإنه سيشمل ولا شك هذه الصفات كلها، وكلها أعمال. هنا تبدو المسيحية في جوهرها، أنها ليست مجرد آية، وإنما هي روح وحياة (يو6: 63). حقًا كما قال الكتاب إن الحرف يقتل ولكن الروح يحيي... الحرف يقول لك إن هناك شيئًا اسمه الإيمان، وأما الروح فيشرح لك كنة الإيمان وأنه يشمل الأعمال الصالحة كلها.
فهل إخوتنا المعارضون يقصدون الإيمان بهذا المعنى الواسع الذي يشمل الحياة الروحية كلها، وهل يقصدون الإيمان بالمعنى الكبير الذي أشار إليه بولس الرسول في الإصحاح الحادي عشر من الرسالة إلى العبرانيين عند حديثه عن رجال الإيمان؟ أم هم يقصدون مجرد الإيمان خلوًا من صفاته السابق ذكرها؟!
إن كان الأمر هكذا فلنتناقش، لكي ما نرى هل يقدر هذا الإيمان أن يخلصهم حسبما تعجب يعقوب الرسول.
3-الإيمان والمحبة...
إن الذين يقولون إن الإيمان وحده هو الذي يبرر الإنسان، ويوقفون الإيمان كعنصر قائم بذاته، بعيدًا عن الأعمال، هؤلاء لا أوقفهم أنا، بل يوقفهم بولس الرسول أمام آية جبارة هي قوله: "إِنْ كَانَ لِي كُلُّ الإِيمَانِ حَتَّى أَنْقُلَ الْجِبَالَ، وَلكِنْ لَيْسَ لِي مَحَبَّةٌ، فَلَسْتُ شيئًا" (1كو13: 2) فهل تريدون إيمانًا أكثر من هذا؟
وأنت أيها الأخ، مهما ارتفعت في الإيمان، ما هي أقصى درجة ستصل إليها؟ هل ستصل إلى كل الإيمان الذي ينقل الجبال؟ صدقني، حتى لو وصلت إلى هذه الدرجة أيضًا، وليست لك محبة، فلست شيئًا! لا يستطيع هذا الإيمان أن يخلصك أنت! إن كان بولس الرسول بكل إيمانه، ليس شيئًا بدون المحبة، فكم بالأولى أنت.
لهذا فإن الرسول وضع المحبة في درجة أعظم من الإيمان. إذ قال: "أَمَّا الآنَ فَيَثْبُتُ: الإِيمَانُ وَالرَّجَاءُ وَالْمَحَبَّةُ، هذِهِ الثَّلاَثَةُ وَلكِنَّ أَعْظَمَهُنَّ الْمَحَبَّةُ" (1كو13: 13).
4- المؤمنون، والمختارون
قلنا إن الإيمان ينبغي أن يكون إيمانًا حيًا وإيمانًا عاملًا بالمحبة ولكن البعض يبالغ أحيانًا في تعريف كلمة المؤمنين، حتى ترادف كلمة "المختارين".
وهكذا ينادي أمثال هؤلاء بأن المؤمن لا يمكن أن يهلك. وإذا سمعوا أو قرأوا عن مؤمن قد هلك يقولون إن هذا لم يكن مؤمنًا حسب مفهومهم الخاص!! لا شك أن المختارين لا يمكن أن يهلكوا. ولكن مَن قال إن المؤمنين هم المختارين؟
إن الكتاب المقدس أعطانا معاني كثيرة لكلمة الإيمان: فذكر مرة: "الشَّيَاطِينُ يُؤْمِنُونَ وَيَقْشَعِرُّونَ" (يع2: 19). وقال بولس الرسول في تعريف للإيمان أنه "هُوَ الثِّقَةُ بِمَا يُرْجَى وَالإِيقَانُ بِأُمُورٍ لاَ تُرَى" (عب11: 1).
وقد شرح لنا الكتاب أن هناك نوعًا من الإيمان الميت. ومع أنه ميت إلا أن الرسول سماه إيمانًا. كما أعطانا مثلًا عن الإيمان الخالي من الأعمال الذي لا يقدر أن يخلص أحدًا (يع2: 20، 14). ومع أنه لا يقدر أن يخلص أحدًا، إلا أن الرسول سماه إيمانًا.
وقد ذكر الكتاب أن الجميع زاغوا وفسدوا وأعوزهم مجد الله (رو3: 12)، فهل الجميع لم يكونوا مؤمنين، وقد خلت الأرض من الإيمان؟! أم أن الله أطلق لقب الإيمان حتى على الذين يخطئون وهم مؤمنون.
إن أمثال هؤلاء الخطاة لم يحرمهم الرب من لقب المؤمنين. فقد قال الرب على لسان إرميا النبي: "شَعْبِي عَمِلَ شَرَّيْنِ: تَرَكُونِي أَنَا يَنْبُوعَ الْمِيَاهِ الْحَيَّةِ، لِيَنْقُرُوا لأَنْفُسِهِمْ أَبْآرًا، أَبْآرًا مُشَقَّقَةً لاَ تَضْبُطُ مَاءً. شَعْبِي قَدْ نَسِيَنِي أَيَّامًا بِلاَ عَدَدٍ" (إر2: 13، 22). ومع كل هذا سماهم شعبه. كما قال على لسان إشعياء النبي: "رَبَّيْتُ بَنِينَ وَنَشَّأْتُهُمْ، أَمَّا هُمْ فَعَصَوْا عَلَيَّ" (إش1: 2). فعلى الرغم من عصيانهم سماهم بنين. ويذكرنا هذا بما قاله عن الابن الضال: "ابْنِي هذَا كَانَ مَيِّتًا فَعَاشَ، وَكَانَ ضَالًا فَوُجِدَ" (لو15: 24). فعلى الرغم من ضلاله وموته الروحي سماه ابنًا.
وفي قول الرسول: "وَإِنْ كَانَ لِي كُلُّ الإِيمَانِ حَتَّى أَنْقُلَ الْجِبَالَ، وَلكِنْ لَيْسَ لِي مَحَبَّةٌ، فَلَسْتُ شيئًا" (1كو13: 2)، دليل آخر على إطلاق حالة الإيمان على الإنسان الخالي من المحبة الذي هو ليس شيئًا.
بل إن الرب أطلق لقب المؤمنين على الذين يشبهون البذار التي سقطت على الصخر ولما نبتت جفت. فقال: "وَالَّذِينَ عَلَى الصَّخْرِ هُمُ الَّذِينَ مَتَى سَمِعُوا يَقْبَلُونَ الْكَلِمَةَ بِفَرَحٍ، وَهؤُلاَءِ لَيْسَ لَهُمْ أَصْلٌ، فَيُؤْمِنُونَ إِلَى حِينٍ، وَفِي وَقْتِ التَّجْرِبَةِ يَرْتَدُّونَ" (لو8: 6، 13).
وطبعا هؤلاء المرتدين لا يمكن أن نسميهم مختارين مع أن السيد المسيح له المجد لقبهم بأنهم كانوا مؤمنين إلى حين. ويشبه هؤلاء طبعًا الذين قال عنهم الرسول: "وَلكِنَّ الرُّوحَ يَقُولُ صَرِيحًا: إِنَّهُ فِي الأَزْمِنَةِ الأَخِيرَةِ يَرْتَدُّ قَوْمٌ عَنِ الإِيمَانِ، تَابِعِينَ أَرْوَاحًا مُضِلَّةً وَتَعَالِيمَ شَيَاطِينَ" (1تي4: 1). وطبعًا هؤلاء لا يمكن أن نسميهم مختارين مع أنهم عاشوا في الإيمان قبل أن يرتدوا. لعله قد وضح الآن كثيرًا بأن هناك فرقًا كبيرًا بين الكلمتين. إن كل المختارين مؤمنون ولكن ليس كل المؤمنين مختارون، إذ قد يرتد بعضهم عن الإيمان تابعين أروحًا مضلة وتعاليم شياطين.
على أن هذه النقطة أيها الأحباء لنا رجعة إليها بعد حين، نتركها الآن قليلًا لكي نتحدث عن الشرط الثاني للخلاص والمدخل الأساسي له وهو المعمودية.
المعمـودية
أهمية المعمودية للخلاص
تظهر أهمية المعمودية من قول السيد المسيح لنيقوديموس: "الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنْ فَوْقُ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَرَى مَلَكُوتَ اللهِ" (يو3: 3). وقد شرح معنى هذه الولادة، فأجاب على سؤال نيقوديموس بقوله: "الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنَ الْمَاءِ وَالرُّوحِ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ مَلَكُوتَ اللهِ" (يو3: 5).
وهذه آية صريحة تعني أنه بدون المعمودية لا يقدر الإنسان أن يدخل إلى الملكوت، ولا يقدر أن يعاينه. وبهذا يكون الخلاص عن طريق المعمودية التي يمهد لها الإيمان.
وهكذا قال السيد المسيح في صراحةٍ ووضوح: "مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ" (مر16: 16). وهكذا أيضًا عندما أرسل تلاميذه لنشر ملكوته على الأرض قال لهم: "فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآب وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ، وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ" (مت 28: 19، 20). وهذه الآية تدل على أن الخلاص يلزمه الإيمان الذي يأتي بالتلمذة، والمعمودية التي هي الباب المباشر، والأعمال الصالحة بحفظ الوصايا. فلو كانت المعمودية غير لازمة للخلاص، لكان يكفي أن يقول الرب لتلاميذه: "اذهبوا وبشروا بالإيمان" دون ذكر للمعمودية.
ومعلمنا بولس الرسول يشرح كيف أن الخلاص يكون بالمعمودية، وكيف أنها هي الميلاد الثاني، بقوله في رسالته إلى تلميذه تيطس أسقف كريت، حيث يقول: "وَلكِنْ حِينَ ظَهَرَ لُطْفُ مُخَلِّصِنَا اللهِ وَإِحْسَانُهُ، لاَ بِأَعْمَال فِي بِرّ عَمِلْنَاهَا نَحْنُ، بَلْ بِمُقْتَضَى رَحْمَتِهِ خَلَّصَنَا بِغُسْلِ الْمِيلاَدِ الثَّانِي وَتَجْدِيدِ الرُّوحِ الْقُدُسِ" (تي3: 4، 5).
ممارسة المعمودية منذ البدء
هذا المبدأ الذي أسسه السيد المسيح "من آمن واعتمد خلص" اتبعته الكنيسة منذ البدء، ففي يوم الخمسين بعد أن وقف بطرس الرسول رافعًا صوته بكلمة الإيمان، ونخس السامعون في قلوبهم "فَقَالَ لَهُمْ بُطْرُسُ: تُوبُوا وَلْيَعْتَمِدْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عَلَى اسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ لِغُفْرَانِ الْخَطَايَا، فَتَقْبَلُوا عَطِيَّةَ الرُّوحِ الْقُدُسِ" (أع2: 37، 38). وهذه الآية صريحة في أنه يكون بالمعمودية مغفرة الخطايا. وكيف يخلص الإنسان بدون مغفرة خطاياه؟! إذًا فالمعمودية لازمة لخلاص الإنسان، فبها تغفر خطاياه، وبها يمهد لقبول الروح القدس.
وعطية الروح القدس، ننالها في السر الثاني من أسرار الكنيسة، سر المسحة المقدسة، أو سر الميرون. والآية السابقة تدل على هذه المعاني كلها.
في يوم الخمسين بعد أن تكلم بطرس عن المعمودية "فَقَبِلُوا كَلاَمَهُ بِفَرَحٍ، وَاعْتَمَدُوا، وَانْضَمَّ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ نَحْوُ ثَلاَثَةِ آلاَفِ نَفْسٍ" فلو كان الإيمان وحده يخلص الإنسان ماذا كانت الحاجة إلى أن يعتمد في يوم واحد 3000 نفس؟! ما كان أسهل أن يقول لهم الرسل: "ما دمتم قد آمنتم أيها الإخوة، فاذهبوا على بركة الله، هذا يكفي، لقد خلصتم وانتهى الأمر"!!
وهكذا نرى أيضًا أن الخصي الحبشي بعد أن آمن على يد فيلبس، قال له مباشرة: "مَاذَا يَمْنَعُ أَنْ أَعْتَمِدَ؟" (أع8: 36) وهكذا نزل به فيلبس إلى الماء فعمده... "وَذَهَبَ فِي طَرِيقِهِ فَرِحًا".
وسجان فيلبي الذي آمن على يدي بولس وسيلا "وَاعْتَمَدَ فِي الْحَالِ هُوَ وَالَّذِينَ لَهُ أَجْمَعُونَ" (أع16: 33).
وكرنيليوس أيضًا الذي ظهر له ملاك الله، وقال له صلواتك وصدقاتك صعدت تذكارًا أمام الله، هو أيضًا بعد أن كلمه بطرس بكلمة الحياة، وبعد أن حلَّ الروحُ القدس على جميع الذين كانوا يسمعون الكلمة "حِينَئِذٍ أَجَابَ بُطْرُسُ: أَتُرَى يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَمْنَعَ الْمَاءَ حَتَّى لاَ يَعْتَمِدَ هؤُلاَءِ الَّذِينَ قَبِلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ كَمَا نَحْنُ أيضًا؟ وَأَمَرَ أَنْ يَعْتَمِدُوا بِاسْمِ الرَّبِّ" (أع10: 47، 49).
وليدية بائعة الأرجوان، لما آمنت على يد بولس الرسول "اعْتَمَدَتْ هِيَ وَأَهْلُ بَيْتِهَا" (أع16: 15).
جميلة تلك العبارة التي قالها بولس الرسول عن العماد: "لأَنَّ كُلَّكُمُ الَّذِينَ اعْتَمَدْتُمْ بِالْمَسِيحِ قَدْ لَبِسْتُمُ الْمَسِيحَ" (غلا3: 27). إذًا في المعمودية يلبس الإنسان المسيح. أي خلاص أعظم من هذا.
إن المعمودية هي الباب الذي يدخل منه الإنسان إلى الخلاص، والإيمان تمهيدًا لها.
نقول هذا لأن كثيرًا من البروتستانت يظنون أن الإنسان يكفيه إيمانه ليخلصه! أو يظنون أن الميلاد الثاني يأتي بالإيمان وليس بالمعمودية لا يرون أن المعمودية هي الميلاد الثاني، على الرغم من صراحة الآية بغسل الميلاد الثاني (تي3: 5)!!
وأيضًا على الرغم من قول الرسول في رسالته إلى أفسس: "أَيُّهَا الرِّجَالُ، أَحِبُّوا نِسَاءَكُمْ كَمَا أَحَبَّ الْمَسِيحُ أيضًا الْكَنِيسَةَ وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِهَا، لِكَيْ يُقَدِّسَهَا مُطَهِّرًا إِيَّاهَا بِغَسْلِ الْمَاءِ بِالْكَلِمَةِ، لِكَيْ يُحْضِرَهَا لِنَفْسِهِ كَنِيسَةً مَجِيدَةً، لاَ دَنَسَ فِيهَا" (أف5: 25، 26).
"لِكَيْ يُقَدِّسَهَا مُطَهِّرًا إِيَّاهَا بِغَسْلِ الْمَاءِ بِالْكَلِمَةِ"، البروتستانت ومن إليهم يدعون أن هذه العبارة معناها يقدسها بالكلمة! تاركين عبارة غسل الماء كأن لا معنى لها.
إن "الكلمة" هنا تعني التبشير. فماذا تعني عبارة "غسل الماء"؟ تعني المعمودية التي يصل إليها الإنسان بالتبشير أي بالكلمة. وهكذا تنطبق وصية السيد المسيح "تلمذوهم... وعمدوهم". "تلمذوهم" بالكلمة "وعمدوهم" بغسل الماء.
شرح (أهمية المعمودية) لاهوتيًا
ما هو جوهر التعليم المسيحي عن المعمودية كوسيلة للخلاص. لماذا هي لازمة للخلاص؟ ولماذا لا يمكن لأحد أن يخلص بدونها؟ المسألة واضحة جدًا، نشرحها فيما يلي:
يقول الكتاب: "أُجْرَةَ الْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ" (رو6: 23) إذًا لا بد من الموت، ولا بد أن طريق الخلاص يبدأ بالموت، ويستمر الخلاص بالموت، وآخر مرحلة للخلاص تأتي بالموت. يبدأ الخلاص بالموت، وينتهي بالموت، ويستمر بالموت، لأن أجرة الخطيئة هي موت. فما معنى هذا الكلام.
أ- بدأ الخلاص بالموت
بدأ الخلاص بموت المسيح على الصليب، حيث دفع ثمن الخطيئة، واشترانا بدمه. وكيف يصل إليك الخلاص؟ يصل إليك بالموت. وكيف ذلك؟ المسيح بموته أعطى الخلاص. ولكي يكون لك أنت نصيب في هذا الخلاص، لا بد أن تشترك مع المسيح في موته: تموت مع المسيح، وتقوم معه، لكي تتمجد معه. ولذلك يقول بولس الرسول: "لأَعْرِفَهُ، وَقُوَّةَ قِيَامَتِهِ، وَشَرِكَةَ آلاَمِهِ، مُتَشَبِّهًا بِمَوْتِهِ" (في3: 10).
إن لم تدخل في هذا الموت، يلحقك الموت الثاني الذي هو العذاب الأبدي في بحيرة النار (رؤ20: 14).
وكيف تدخل في هذا الموت؟ كيف تشترك مع المسيح في موته؟ إن ذلك يتم بالمعمودية. ولهذا يقول بولس الرسول: "أَمْ تَجْهَلُونَ أَنَّنَا كُلَّ مَنِ اعْتَمَدَ لِيَسُوعَ الْمَسِيحِ اعْتَمَدْنَا لِمَوْتِهِ. فَدُفِنَّا مَعَهُ بِالْمَعْمُودِيَّةِ لِلْمَوْتِ" (رو6: 3، 4).
وموتنا مع المسيح، ودفننا معه، هو الذي يجعلنا نشترك معه في أمجاد قيامته. ولذلك يقول بولس الرسول: "لأَنَّهُ إِنْ كُنَّا قَدْ صِرْنَا مُتَّحِدِينَ مَعَهُ بِشِبْهِ مَوْتِهِ، نَصِيرُ أيضًا بِقِيَامَتِه... فَإِنْ كُنَّا قَدْ مُتْنَا مَعَ الْمَسِيحِ، نُؤْمِنُ أَنَّنَا سَنَحْيَا أيضًا مَعَهُ" (رو6: 5، 8).
نلخص الموضوع إذًا في الكلمات الآتية...
أجرة الخطيئة هي موت. فلا بد أن يموت الإنسان ويدفن... ولكن المسيح قد مات عنا. وعلينا أن نشترك معه في موته، حتى لا نكون بعيدين عن استحقاقات موت المسيح. لا يجوز أبدًا أن نترك المسيح يموت وحده عنا، دون أن نشترك معه في موته، أو على الأقل نتشبه بموته، ندخل في "شركة آلامه متشبهين بموته" وهكذا قال الرسول: "متنا معه... دُفِنَّا مَعَهُ... قَدْ صِرْنَا مُتَّحِدِينَ مَعَهُ بِشِبْهِ مَوْتِهِ.. إِنْسَانَنَا الْعَتِيقَ قَدْ صُلِبَ مَعَهُ.. فَإِنْ كُنَّا قَدْ مُتْنَا مَعَ الْمَسِيحِ، نُؤْمِنُ أَنَّنَا سَنَحْيَا أيضًا مَعَهُ" (رو6: 3- 8).
وهذا الموت شرحه الكتاب أنه يتم بالمعمودية. نغطس فيها تمامًا كأننا ندفن في جرن المعمودية، كما قال بولس: "فَدُفِنَّا مَعَهُ بِالْمَعْمُودِيَّةِ لِلْمَوْتِ" (رو6: 4). ثم نقوم من هذا الماء "فِي جِدَّةِ الْحَيَاةِ" "عَالِمِينَ هذَا: أَنَّ إِنْسَانَنَا الْعَتِيقَ قَدْ صُلِبَ مَعَهُ لِيُبْطَلَ جَسَدُ الْخَطِيَّةِ".
المعمودية إذًا لازمة للخلاص، لأنها شركة في موت المسيح، لأنها إيمان بالموت كوسيلة للحياة، واعتراف بأن أجرة الخطيئة هي موت. إن الذين يقولون إن الخلاص يتم بمجرد الإيمان وحده، بدون معمودية، لم يفهموا بعد ما هو الإيمان. فلنحاول أن نناقش الأمر معًا لنفهمه:
ما هو الإيمان؟ هو أن تؤمن أن الخطيئة أُجرتها الموت، وتؤمن أن المسيح قد مات عنك، وتؤمن أنك يجب أن تموت معه لتحيا أيضًا معه، وهكذا يقودك الإيمان إلى ما قلناه:
قلنا إن الخلاص قد بدأ بالموت. موت المسيح. هذا هو الخلاص الذي قد دفع ثمنه، وقلنا إننا بدأنا أن نحصل على هذا الخلاص بالموت، إذ متنا مع المسيح ودفنا معه بالمعمودية. هذا هو الخلاص الذي نلناه.
نقول أيضًا أن هذا الخلاص يستمر بالموت.
ب- يستمر الخلاص بالموت: وهكذا يقول بولس الرسول: "كَذلِكَ أَنْتُمْ أيضًا احْسِبُوا أَنْفُسَكُمْ أَمْوَاتًا عَنِ الْخَطِيَّةِ، وَلكِنْ أَحْيَاءً ِللهِ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا، إِذًا لاَ تَمْلِكَنَّ الْخَطِيَّةُ فِي جَسَدِكُمُ الْمَائِتِ لِكَيْ تُطِيعُوهَا فِي شَهَوَاتِهِ" (رو6: 11، 12).
هذا الكلام جميل جدًا، يشرح لنا الإيمان الأرثوذكسي تمامًا. "لاَ تَمْلِكَنَّ الْخَطِيَّةُ فِي جَسَدِكُمُ الْمَائِتِ". لقد دخلنا الخلاص بالموت. ولا بد أن يستمر جسدنا جسدًا مائتًا عن الشهوات العالمية. وطالما هو مائت، فإن الخلاص يسري فيه. أما إن بدأت شهوات الجسد تقوم من هذا الموت وتتحرك، فإننا نكون حينئذ عرضة لأن نفقد الخلاص، لأن الخلاص لا يتم إلا بالموتِ.
لذلك فإننا نصلي إلى الله في قطع الساعة التاسعة ونقول: "أمت حواسنا الجسمانية أيها المسيح إلهنا ونجنا".
ولعل هذا تنفيذ لقول الكتاب: "وَلكِنْ إِنْ كُنْتُمْ بِالرُّوحِ تُمِيتُونَ أَعْمَالَ الْجَسَدِ فَسَتَحْيَوْنَ" (رو8: 13). ألاّ يقول بولس الرسول: "إِذًا الْمَوْتُ يَعْمَلُ فِينَا" (2كو4: 12).
وهكذا يقول بولس الرسول أيضًا: "لأَنَّنَا نَحْنُ الأَحْيَاءَ نُسَلَّمُ دَائِمًا لِلْمَوْتِ مِنْ أَجْلِ يَسُوعَ، لِكَيْ تَظْهَرَ حَيَاةُ يَسُوعَ أيضًا فِي جَسَدِنَا الْمَائِتِ" (2كو4: 11). ويقول أيضًا: "وَإِنْ كَانَ الْمَسِيحُ فِيكُمْ، فَالْجَسَدُ مَيِّتٌ بِسَبَبِ الْخَطِيَّةِ، وَأَمَّا الرُّوحُ فَحَيَاةٌ بِسَبَبِ الْبِرِّ" (رو8: 10)، كما يقول أيضًا: "إِنَّنَا مِنْ أَجْلِكَ نُمَاتُ كُلَّ النَّهَارِ. قَدْ حُسِبْنَا مِثْلَ غَنَمٍ لِلذَّبْحِ" (رو8: 36). وهكذا نعيش "حَامِلِينَ فِي الْجَسَدِ كُلَّ حِينٍ إِمَاتَةَ الرَّبِّ يَسُوعَ، لِكَيْ تُظْهَرَ حَيَاةُ يَسُوعَ أيضًا فِي جَسَدِنَا" (2كو4: 10).
إذًا طالما نسير في طريق الخلاص لا بد أن يكون الجسد ميتًا عن الخطيئة، لا بد أن يعمل الموت فينا. إنسان يقول إنه قد خلص، وهو يحب العالم أو الأشياء التي في العالم، هذا بالحقيقة واهم لأن "مَحَبَّةَ الْعَالَمِ عَدَاوَةٌ ِللهِ" (يع4: 4).
إن الخلاص يستمر بالموت، موت أعمال الجسد، موت شهوات الجسد، موت عن العالم والمادة وطلباتها المحاربة للروح.
ما معنى "نخلص بحياته"؟
هنا تقف أمامنا الآية التي تقول: "لأَنَّهُ إِنْ كُنَّا وَنَحْنُ أَعْدَاءٌ قَدْ صُولِحْنَا مَعَ اللهِ بِمَوْتِ ابْنِهِ، فَبِالأَوْلَى كَثِيرًا وَنَحْنُ مُصَالَحُونَ نَخْلُصُ بِحَيَاتِهِ" (رو5: 10) ما معنى "نخلص بحياته"؟
إما أن يكون معناها أننا نخلص بحياته كشفيع، ككاهن إلى الأبد على طقس ملكي صادق "يَقْدِرُ أَنْ يُخَلِّصَ أيضًا إِلَى التَّمَامِ الَّذِينَ يَتَقَدَّمُونَ بِهِ إِلَى اللهِ، إِذْ هُوَ حَيٌّ فِي كُلِّ حِينٍ لِيَشْفَعَ فِيهِمْ" (عب7: 25). فنحن نخلص بحياته كشفيع. لأننا باستمرار نخطئ. وإن أخطأنا "فَلَنَا شَفِيعٌ عِنْدَ الآبِ، يَسُوعُ الْمَسِيحُ الْبَارُّ" (1يو2: 1).
ونلاحظ هنا أن استمرار شفاعة المسيح فينا، معناه استمرار احتياجنا إلى الخلاص في كل حين، واستمرار عمل الخلاص فينا.
على أن هناك معنى جميلًا آخر لعبارة نخلص بحياته. وهو قول بولس الرسول: "مَعَ الْمَسِيحِ صُلِبْتُ، فَأَحْيَا لاَ أَنَا، بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ" (غلا2: 20). يقول: "مع المسيح صلبت" هذا هو الموت، "صلب الجسد مع الأهواء والشهوات" كما يقول الرسول (غلا5: 24). بهذا نخلص، عندما يكون المسيح هو الذي يحيا فينا. وعبارة "أحيا لا أنا" معناها تسليم الإرادة تسليمًا كاملًا للرب. بحيث يقول الإنسان باستمرار: "لتكن لا إرادتي بل إرادتك". يكون كأنه ميت، غير موجود، يحيا لا هو، بل المسيح هو الذي يحيا فيه.
يقول للمسيح: "إنني أخلصُ بموتك، وأخلص بحياتك فيَّ". وهذه هي الفكرة السليمة عن الخلاص في المفهوم الأرثوذكسي: نحن قد خلصنا بموت المسيح عندما متنا معه في المعمودية. ونخلص أيضًا بحياة المسيح فينا، بتسليمنا الكامل لمشيئته في حياتنا، قائلين مع الرسول: "أَحْيَا لاَ أَنَا، بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ".
جـ- يتم الخلاص بالموت:
قلنا إن الخلاص يبدأ بالموت في المعمودية، ويستمر بالموت عن شهوات العالم. فإلى متى؟ يقول الكتاب: "كُنْ أَمِينًا إِلَى الْمَوْتِ فَسَأُعْطِيكَ إِكْلِيلَ الْحَيَاةِ" (رؤ2: 10). وهكذا يستمر الموت يعمل فيك، حتى يموت الجسد فعلًا. طالما أنت تميت أعمال الجسد، فأنت ما تزال سائرًا في طريق الخلاص. ومتى تصل إلى نهاية الطريق؟ تصل إليها عندما تموت، وتنتقل إلى العالم الآخر.
أنت إذًا ما تزال سائرًا في الطريق. فهل تقف في نصفه وتصيح قائلًا: "قد خلصت"؟! تواضع يا أخي، واستمع إلى قول الرسول: "انْظُرُوا إِلَى نِهَايَةِ سِيرَتِهِمْ" (عب13: 7). لا تفتخر باطلًا، فكثيرون قد بدأوا بالروح وكملوا بالجسد (غلا3: 3).
على أننا سنعرض لهذا الموضوع بالتفصيل إن شاء الله عندما نتكلم عن إتمام الخلاص.
الأسرار اللازمة للخلاص
هناك أسرار قد لا تلزمك شخصيًا لخلاصك. فأنت قد لا تتزوج، وإن كنت ثمرة لزواج. وقد لا تصاب بمرض تحتاج فيه إلى سر مسحة المرضى. وقد لا تصير كاهنًا وإن كنت تحتاج لسر الكهنوت ليقدم لك عمل الروح القدس في الأسرار اللازمة لك شخصيًا لخلاصك. فأنت يلزمك بلا شك سر المعمودية، وقد تحدثنا عنه - كذلك يلزمك سر مسحة الروح القدس (الميرون)، وسر التوبة، وسر الإفخارستيا (التناول).
وسنتكلم الآن عن أهمية كل من هذه الأسرار على حدة:
سر المسحة المقدسة
لما دعا بطرس اليهود للمعمودية، قال لهم: "تُوبُوا وَلْيَعْتَمِدْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عَلَى اسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ لِغُفْرَانِ الْخَطَايَا، فَتَقْبَلُوا عَطِيَّةَ الرُّوحِ الْقُدُسِ" (أع2: 38). فما هي عطية الروح القدس هذه؟ وهل هي لازمة في حياتنا للخلاص؟ وما أهميتها؟ وهل يمكن أن نخلص بدونها؟
لا يمكن إطلاقًا أن نخلص بدونها، لأن حياتنا الروحية كلها هي عبارة عن استجابة إرادتنا لعمل الروح القدس فينا. وإن كنا لا نأخذ عطية الروح القدس، فباطلة وهالكة هي كل حياتنا. عن هذه النعمة التي أخذناها من سرِّ المسحة المقدسة نصرخ باستمرار ونقول: "روحك القدوس لا تنزعه منا"، وإلا هلكنا.
إن حياتك الروحية لا تعتمد مطلقًا على ذراعك البشري، وإنما هي شركة الروح القدس كما سنشرح في الفصل الخاص بالجهاد والنعمة.
لا بد إذًا من سرِّ المسحة المقدسة، تلك التي تكلم عنها يوحنا الرسول فقال: "وَأَمَّا أَنْتُمْ فَلَكُمْ مَسْحَةٌ مِنَ الْقُدُّوسِ وَتَعْلَمُونَ كُلَّ شَيْءٍ"، "وَأَمَّا أَنْتُمْ فَالْمَسْحَةُ الَّتِي أَخَذْتُمُوهَا مِنْهُ ثَابِتَةٌ فِيكُمْ، وَلاَ حَاجَةَ بِكُمْ إِلَى أَنْ يُعَلِّمَكُمْ أَحَدٌ، بَلْ كَمَا تُعَلِّمُكُمْ هذِهِ الْمَسْحَةُ عَيْنُهَا عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَهِيَ حَقٌّ" (1يو2: 20، 27).
لكي تعرف أهمية الروح القدس لخلاصك، نسأل سؤالًا وهو: هل تستطيع أن تحيا حياة روحية بدون عمل الروح القدس فيك؟ هل تستطيع أن تسير في طريق الخلاص بدون عمل الروح القدس معك؟ لا يمكن. إذًا لا بد من المسحة.
لذلك اهتم الرسل بعطية الروح القدس للمؤمنين، وكانوا ينالونها في بادئ الأمر بوضع أيدي الرسل، قبل أن يُستخدم الميرون.
نرى ذلك واضحًا في قصة إيمان السامرة، حيث اعتبرت مكملة للإيمان والعماد.
يقول الكتاب: "وَلَمَّا سَمِعَ الرُّسُلُ الَّذِينَ فِي أُورُشَلِيمَ أَنَّ السَّامِرَةَ قَدْ قَبِلَتْ كَلِمَةَ اللهِ، أَرْسَلُوا إِلَيْهِمْ بُطْرُسَ وَيُوحَنَّا، اللَّذَيْنِ لَمَّا نَزَلاَ صَلَّيَا لأَجْلِهِمْ لِكَيْ يَقْبَلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ، لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَدْ حَلَّ بَعْدُ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ، غَيْرَ أَنَّهُمْ كَانُوا مُعْتَمِدِينَ بِاسْمِ الرَّبِّ يَسُوعَ. حِينَئِذٍ وَضَعَا الأَيَادِيَ عَلَيْهِمْ فَقَبِلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ" (أع8: 14- 17). إذًا لم تكن المعمودية كافية لأهل السامرة، بل كان لا بد لهم أن يقبلوا الروح القدس.
نفس الكلام أيضًا يمكن أن يقال عن إيمان أهل أفسس. لما ذهب بولس هناك وجد تلاميذ. "قَالَ لَهُمْ: هَلْ قَبِلْتُمُ الرُّوحَ الْقُدُسَ لَمَّا آمَنْتُمْ؟ قَالُوا لَهُ: وَلاَ سَمِعْنَا أَنَّهُ يُوجَدُ الرُّوحُ الْقُدُسُ" (أع19: 2، 3) إذ كانوا قد اعتمدوا بمعمودية يوحنا فقط. فلما كلمهم بولس: "اعْتَمَدُوا بِاسْمِ الرَّبِّ يَسُوعَ. وَلَمَّا وَضَعَ بُولُسُ يَدَيْهِ عَلَيْهِمْ حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَيْهِمْ".
إننا بالمعمودية نشترك مع المسيح في موته، وننال البنوة. وبالروح القدس نحيا الحياة اللائقة بنا كبنين وكلا الأمرين لازم لخلاصنا.
سر الإفخارستيا "التناول"
لكي ندرك أهمية التناول من جسد الرب ودمه، يكفي من باب الاختصار أن نذكر قول المسيح: "الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَمْ تَأْكُلُوا جَسَدَ ابْنِ الإِنْسَانِ وَتَشْرَبُوا دَمَهُ، فَلَيْسَ لَكُمْ حَيَاةٌ فِيكُمْ. مَنْ يَأْكُلُ جَسَدِي وَيَشْرَبُ دَمِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ، مَنْ يَأْكُلْ جَسَدِي وَيَشْرَبْ دَمِي يَثْبُتْ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ" (يو6: 53- 58). هنا نرى الحياة الأبدية متعلقة بالتناول من جسد الرب، بحيث أن الذي لا يتناول لا تكون له حياة، أي يهلك، أتسأل بعد هذا عن لزوم التناول للخلاص؟!
إن كنا أرثوذكس ونؤمن بالإيمان الأرثوذكسي، فنحن إذًا نؤمن بما نقوله في القداس الإلهي عن جسد الرب الذي نتناوله: "يعطى عنا خلاصًا، وغفرانًا للخطايا، وحياة أبدية لكل من يتناول منه". أيسأل أحد ويقول: "هل ممكن الخلاص بدون تناول؟" أقول كلا، لا يمكن. لأن جسد الرب يعطى عنا خلاصًا وغفرانًا للخطايا وحياة أبدية لكل مَن يتناول منه.
فكيف نشرح هذا من الناحية اللاهوتية؟
إن المعمودية قد خلصتك من الخطيئة الأصلية، وهذا هو الخلاص الأول الذي نلته. والمعمودية قد صيرتك ابنًا لله وجعلتك مستحقًا لنوال استحقاقات الدم. ولكنك في كل يوم تخطئ، وتحتاج أن تمحي خطيتك بالدم "إِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ لَيْسَ لَنَا خَطِيَّةٌ نُضِلُّ أَنْفُسَنَا وَلَيْسَ الْحَقُّ فِينَا" (1يو1: 8).
أنت إذًا في كل يوم تخطئ، وتحتاج إلى جسد المسيح المذبوح عنك. تحتاج إلى الذبيحة المقدسة كفارة لخطاياك. وما الذبيحة المقدسة في سر الإفخارستيا سوى امتداد لذبيحة المسيح. لذلك لا يمكن أن تخلص من خطاياك بدونها، هذه التي تعطى عنا خلاصًا وغفرانًا للخطايا. كما أن بها نثبت في الرب كما قال.
قد يأتيك إنسان ويقول لك: أتريد أن تخلص؟ اطرح نفسك تحت قدمي المسيح، وقل له: اقبلني يا يسوع!! هذا الكلام يا إخوتي يحتاج إلى إجراءات تنفيذية... أتريد أن يقبلك المسيح؟.. هناك طريق للخلاص يقبلك به: تموت مع المسيح وتدفن معه بالمعمودية فيقبلك. تمسح بالروح القدس فيقبلك... تأكل جسده وتشرب دمه لكي تثبت فيه وبهذا يقبلك. تعترف بخطاياك فيقبلك، هذا هو الطريق العملي الذي يقبلك به الرب. أما أن تطلب منه قبولك دون أن تسير في طريقه الذي رسمه، فهذا كلام غير لائق.
وبالمثل نقول عن عبارة: "سلم حياتك ليسوع"! ما أسهل أن يلفظ إنسان مثل هذا الكلام، وما أصعب أن ينفذه! هل تظنون أن تسليم الحياة شيء هين؟! إن كل جهادنا الروحي يتركز في هذه العبارة "تسليم الحياة"! ففيها يسلم الإنسان إرادته للرب، ويسلم قلبه وعواطفه، ويسلم عزيمته، ويسلم فكره... أي يعمل أعمالًا تليق بالتوبة.
وإن كنا نتكلم عن سر الإفخارستيا فلا بد أن نسبقه بكلام عن سر التوبة.
سر التوبة
هل تلزم التوبة للخلاص؟ نعم، بل إنه بدون التوبة لا يكون لك خلاص.. لعلك تسأل: كيف هذا؟ إنني آمنت وتعمدت وتبررت... نعم إنك قد تعمدت، ونجوت من الخطيئة الأصلية، ولكن ماذا عن خطاياك الفعلية التي ترتكبها كل يوم، أين تهرب منها؟ وكيف تهرب منها؟
هل الإيمان والمعمودية يجعلانك لا تخطئ بعدهما أبدًا؟! كلا، بلا شك. هوذا يوحنا الرسول يقرر بأنه "إِنْ قُلْنَا إِنَّهُ لَيْسَ لَنَا خَطِيَّةٌ نُضِلُّ أَنْفُسَنَا وَلَيْسَ الْحَقُّ فِينَا" (1يو1: 8)، ذلك لأنه "لَيْسَ أَحَدٌ صَالِحًا إِلاَّ وَاحِدٌ وَهُوَ اللهُ" (مت19: 17)، "لأَنَّنَا فِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ نَعْثُرُ جَمِيعُنَا" (يع3: 2)، وليس أحد بلا خطيئة ولو كانت حياته يومًا واحدًا على الأرض كما نصلي في أوشية الراقدين، فماذا نقول عن هذه الخطايا كلها؟ كيف يخلص منها الإنسان؟ أليس بالتوبة؟
لعل أحدًا يهمس في أذنك قائلًا: "آمن فقط... آمن بالرب يسوع فتخلص أنت وأهل بيتك"!! إن هذه الآية أيها الأخ الحبيب قد قلناها فيما مضى قبل المعمودية. أما عن خطاياك بعد المعمودية فينصحك بخصوصها يوحنا الرسول قائلًا: "إِنِ اعْتَرَفْنَا بِخَطَايَانَا فَهُوَ أَمِينٌ وَعَادِلٌ، حَتَّى يَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَيُطَهِّرَنَا مِنْ كُلِّ إِثْمٍ" (1يو1: 9)، وعنها يقول الكتاب: "مَنْ يَكْتُمُ خَطَايَاهُ لاَ يَنْجَحُ، وَمَنْ يُقِرُّ بِهَا وَيَتْرُكُهَا يُرْحَمُ" (أم 28: 13)... من أجل هذا وضعت لنا الكنيسة المقدسة سر التوبة.
فما دام الإنسان المؤمن معرضًا للسقوط في كل وقت، ومعرضًا للهلاك بخطيئته على الرغم من إيمانه، وما دام الإنسان في حرب دائمة ضد الخطيئة كثيرًا ما يزل فيها ويعثر ويسقط كل يوم، لذلك وضع الله لنا التوبة نتجدد بها ونتطهر ونغتسل من خطيتنا. والتوبة عمل لا ينكر أحد من البروتستانت أهميته ولزومه ويدخل في التوبة الندم والنوح والاعتراف والعزيمة على ترك الخطيئة، وكلها أعمال.
لا أقول إنه بالتوبة وحدها يخلص الإنسان، فالتوبة بدون دم المسيح لا فائدة منها. ولكني أقول إن التوبة تجعل الإنسان مستحقًا لأن يغتسل ويتطهر بدم المسيح فيخلص. دم المسيح مثل كنز عظيم، ولكننا نقترب إليه بالتوبة، ونأخذ منه فنغتني. أما إذا لم نستعمل التوبة، فإن الكنز يبقى كنزًا محتفظًا بقيمته، ونبقى نحن بعيدين عنه، فقراء نهلك جوعًا. حنان الآب موجود، والثوب الجديد موجود، والعجل المسمّن موجود، ولكن على الابن الضال أن يقترب إلى الآب بالتوبة ليحظى بكل هذه... فلنعترف إذًا بأن: "أَعْطَى اللهُ الأُمَمَ أيضًا التَّوْبَةَ لِلْحَيَاةِ" (أع11: 18).
إن أهمية التوبة يوضحها قول السيد المسيح له المجد: "إِنْ لَمْ تَتُوبُوا فَجَمِيعُكُمْ كَذلِكَ تَهْلِكُونَ" (لو13: 3). فهذه الآية تدل على أن التوبة وسيلة للخلاص تنجي من الهلاك، وتدل أيضًا على أنه بدون التوبة يهلك الإنسان الخاطئ. "فَاللهُ الآنَ يَأْمُرُ جَمِيعَ النَّاسِ فِي كُلِّ مَكَانٍ أَنْ يَتُوبُوا، مُتَغَاضِيًا عَنْ أَزْمِنَةِ الْجَهْلِ" (أع17: 30). وليس أن يتوبوا فقط، وإنما يتبع ذلك أيضًا أن يعملوا "أَعْمَالًا تَلِيقُ بِالتَّوْبَةِ" (أع26: 20).
هذه التوبة ينادي بها الرسل القديسون كوسيلة للخلاص من الهلاك المعد للخطاة. فبطرس الرسول يقول عن الله إنه: "يَتَأَنَّى عَلَيْنَا، وَهُوَ لاَ يَشَاءُ أَنْ يَهْلِكَ أُنَاسٌ، بَلْ أَنْ يُقْبِلَ الْجَمِيعُ إِلَى التَّوْبَةِ" (2بط3: 9). فهناك مقابلة بين التوبة والهلاك، تعني أن من يُقبل إلى التوبة يخلص وينجو من الهلاك، والعكس بالعكس.
وبولس الرسول يشرح الغضب المعد لغير التائبين الذين يتعرضون لدينونة الله العادلة، فيقول: "أَمْ تَسْتَهِينُ بِغِنَى لُطْفِهِ وَإِمْهَالِهِ وَطُولِ أَنَاتِهِ، غَيْرَ عَالِمٍ أَنَّ لُطْفَ اللهِ إِنَّمَا يَقْتَادُكَ إِلَى التَّوْبَةِ؟ وَلكِنَّكَ مِنْ أَجْلِ قَسَاوَتِكَ وَقَلْبِكَ غَيْرِ التَّائِبِ، تَذْخَرُ لِنَفْسِكَ غَضَبًا فِي يَوْمِ الْغَضَبِ وَاسْتِعْلاَنِ دَيْنُونَةِ اللهِ الْعَادِلَةِ، الَّذِي سَيُجَازِي كُلَّ وَاحِدٍ حَسَبَ أَعْمَالِهِ" (رو2: 4- 6).
هذه التوبة لم يطلبها الله من الأمم فقط ومن غير المؤمنين، وإنما طلبها أيضًا في سفر الرؤيا من ملائكة كنائس آسيا. فقال لملاك كنيسة أفسس "فَاذْكُرْ مِنْ أَيْنَ سَقَطْتَ وَتُبْ، وَاعْمَلِ الأَعْمَالَ الأُولَى، وَإِّلاَّ فَإِنِّي آتِيكَ عَنْ قَرِيبٍ وَأُزَحْزِحُ مَنَارَتَكَ مِنْ مَكَانِهَا، إِنْ لَمْ تَتُبْ" (رؤ2: 5) كما طلب لملاك كنيسة برغامس (رؤ2: 16)، وقال لملاك كنيسة ساردس: "فَاذْكُرْ كَيْفَ أَخَذْتَ وَسَمِعْتَ، وَاحْفَظْ وَتُبْ، فَإِنِّي إِنْ لَمْ تَسْهَرْ، أُقْدِمْ عَلَيْكَ كَلِصٍّ، وَلاَ تَعْلَمُ أَيَّةَ سَاعَةٍ أُقْدِمُ عَلَيْكَ" (رؤ3: 3). وقال أيضًا لملاك كنيسة لاودكيا: "كُنْ غَيُورًا وَتُبْ" (رؤ3: 19).
لا تظن يا أخي أن خطية آدم وحده هي التي كانت تستحق الموت، وإنما عمومًا أجرة الخطيئة هي موت. وكل خطية ترتكبها بعد معموديتك يمكن أن تكون سببًا في هلاكك إن لم تتب.
وسر التوبة في الكنيسة يسمى أيضًا سر الاعتراف فأنت تحتاج أن تأتي وتقر بخطاياك لكي تأخذ عنها حلًا من الكاهن فتغفر لك. وقد مارست الكنيسة المقدسة سر الاعتراف منذ البدء. ففي أيام الرسل يقول الكتاب: "كَانَ كَثِيرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَأْتُونَ مُقِرِّينَ وَمُخْبِرِينَ بِأَفْعَالِهِمْ" (أع19: 18). وحتى قبل الرسل يقول الكتاب عن يوحنا المعمدان: "وَاعْتَمَدُوا مِنْهُ فِي الأُرْدُنِّ، مُعْتَرِفِينَ بِخَطَايَاهُمْ" (مت3: 6).
في طريق خلاصك إذًا، ليتك تستفيد من قول السيد المسيح لتلاميذه: "اقْبَلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ. مَنْ غَفَرْتُمْ خَطَايَاهُ تُغْفَرُ لَهُ، وَمَنْ أَمْسَكْتُمْ خَطَايَاهُ أُمْسِكَتْ" (يو20: 22، 23).
الأعمال الصالحة
تكلمنا الآن عن الخلاص بدم المسيح، وكيف أن استحقاق دم المسيح يلزم له الإيمان والمعمودية، وسر المسحة المقدسة، وسر التوبة، وسر الإفخارستيا. وبقي أن نتحدث عن الأعمال ومركزها في قضية الخلاص. وقد أفردنا لهذا الموضوع فصلًا خاصًا لأهميته.
أهمية الأعمال في موضوع الخلاص
أهمية الأعمال في موضوع الخلاص
مقدمة..
أعمال الإنسان إما صالحة وإما شريرة. فالأعمال الشريرة تهلك الإنسان وتفقده خلاصه. أما الأعمال الصالحة فهي لازمة للخلاص. عدم وجودها يدل على أن الإيمان ميت، وعلى أنه لا ثمرة له. ولكن الأعمال الصالحة وحدها لا تكفي للخلاص بدون إيمان وبدون معمودية وبدون استحقاقات دم المسيح.
هذه الأعمال الصالحة هي ثمر الإيمان، وبرهان على وجود الإيمان، وبها نكمل الإيمان، كما سنشرح ذلك بالتفصيل فيما بعد. وقد طلب الله هذه الأعمال الصالحة وأمر بها، وحدد عقوبات على من يهملها.
وستكون الدينونة في اليوم الأخير بحسب الأعمال.
إن الأعمال الصالحة لا يتم الخلاص بسببها، ولكنه لا يتم بدونها. فالخلاص لا يكون إلا بدم المسيح وحده، ولكن الأعمال تؤهل لاستحقاق هذا الدم.
على أنه يلزمنا أن نوجه الانتباه إلى أمر هام جدًا وهو أن أعمال الإنسان الصالحة تحتاج إلى مؤازرة من النعمة. فقد قال المسيح له المجد: "بِدُونِي لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَفْعَلُوا شيئًا" (يو15: 5). فأعمالنا الصالحة هي نتيجة لاشتراك إرادتنا مع عمل الروح القدس فينا.
إن نصوص الكتاب المقدس التي تقلل من قيمة الأعمال، هذه إما أن يكون المقصود منها هو أعمال الناموس كالختان والممارسات الطقسية وحفظ الأيام والشهور والأعياد وما إلى ذلك، وإما أن يكون المقصود منها هو مهاجمة الأعمال غير المبنية على دم المسيح وفدائه، كأعمال غير المؤمنين والوثنيين... إلخ. إما أعمال بدون إيمان، أو أعمال سابقة على الإيمان.
وسنحاول أن نتناول هذه النقاط جميعًا واحدة فواحدة حسبما تعطي نعمة الرب من معونة.
الأعمال الشريرة تؤدي إلى الهلاك
وهذا أمر طبيعي. لأن الله كما أنه كامل في رحمته. كذلك هو أيضًا كامل في عدله. وما دامت "أُجْرَةَ الْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ" (رو6: 23)، فلا بد أن ينال الخاطئ عقوبة خطيئته. حقيقي أن المسيح قد مات عنا، ولكن لا يتمتع باستحقاق موت المسيح سوى التائبين. وإلا كان هذا الخلاص المجاني بابًا مفتوحًا للاستهتار والفساد، وتصريحًا بارتكاب الخطيئة دون خوف من عقوبتها، اعتمادًا على دم المسيح وكفارته التي وفت كل شيء!!!
لذلك يقول بولس الرسول في هذا المعنى: "فَمَاذَا نَقُولُ؟ أَنَبْقَى فِي الْخَطِيَّةِ لِكَيْ تَكْثُرَ النِّعْمَةُ؟! حَاشَا! نَحْنُ الَّذِينَ مُتْنَا عَنِ الْخَطِيَّةِ، كَيْفَ نَعِيشُ بَعْدُ فِيهَا؟! إِذًا لاَ تَمْلِكَنَّ الْخَطِيَّةُ فِي جَسَدِكُمُ الْمَائِتِ لِكَيْ تُطِيعُوهَا فِي شَهَوَاتِهِ" (رو6: 1- 12).
ويتابع بولس الرسول حديثه فيقول: "فَمَاذَا إِذًا؟ أَنُخْطِئُ لأَنَّنَا لَسْنَا تَحْتَ النَّامُوسِ بَلْ تَحْتَ النِّعْمَةِ؟ حَاشَا. أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِي تُقَدِّمُونَ ذَوَاتِكُمْ لَهُ عَبِيدًا لِلطَّاعَةِ، أَنْتُمْ عَبِيدٌ لِلَّذِي تُطِيعُونَهُ: إِمَّا لِلْخَطِيَّةِ لِلْمَوْتِ أَوْ لِلطَّاعَةِ لِلْبِرِّ؟" (رو6: 15، 16).
وفي هاتين الآيتين بين لنا الرسول أننا لو أطعنا الخطيئة - ونحن تحت النعمة - فإنها تكون طاعة للموت. وما دامت للموت، فمعناها فقداننا للحياة الأبدية التي لنا في المسيح يسوع.
ما أهم هذه الآيات، وخاصة لأنها كلام الوحي على لسان بولس الرسول الذي هو أكبر رسول يعتمد عليه البروتستانت في موضوع النعمة والتبرير بالإيمان، وأيضًا لأنها آيات من الرسالة إلى رومية وهي الرسالة الأولى والأساسية التي يعتمد عليها في هذا الموضوع.
(انظر أيضًا غلا2: 17).
نصوص من رسالة بولس الرسول:
ما أكثر نصوص الكتاب التي تدل على أن الأعمال الشريرة تؤدي إلى الهلاك:
¦(غلا5: 19- 21): "وَأَعْمَالُ الْجَسَدِ ظَاهِرَةٌ، الَّتِي هِيَ: زِنىً عَهَارَةٌ نَجَاسَةٌ دَعَارَةٌ، عِبَادَةُ الأَوْثَانِ سِحْرٌ عَدَاوَةٌ خِصَامٌ غَيْرَةٌ سَخَطٌ تَحَزُّبٌ شِقَاقٌ بِدْعَةٌ، حَسَدٌ قَتْلٌ سُكْرٌ بَطَرٌ، وَأَمْثَالُ هذِهِ الَّتِي أَسْبِقُ فَأَقُولُ لَكُمْ عَنْهَا كَمَا سَبَقْتُ فَقُلْتُ أيضًا: إِنَّ الَّذِينَ يَفْعَلُونَ مِثْلَ هذِهِ لاَ يَرِثُونَ مَلَكُوتَ اللهِ". إذًا فالإيمان مع مثل هذه الأعمال الشريرة - لا يفيد شيئًا ولا يخلّص وحده الإنسان.
¦(أف 5: 5، 6): "فَإِنَّكُمْ تَعْلَمُونَ هذَا أَنَّ كُلَّ زَانٍ أَوْ نَجِسٍ أَوْ طَمَّاعٍ الَّذِي هُوَ عَابِدٌ لِلأَوْثَانِ لَيْسَ لَهُ مِيرَاثٌ فِي مَلَكُوتِ الْمَسِيحِ وَاللهِ، لاَ يَغُرَّكُمْ أَحَدٌ بِكَلاَمٍ بَاطِل، لأَنَّهُ بِسَبَبِ هذِهِ الأُمُورِ يَأْتِي غَضَبُ اللهِ عَلَى أَبْنَاءِ الْمَعْصِيَةِ".
¦(1كو6: 9، 10): "أَمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الظَّالِمِينَ لاَ يَرِثُونَ مَلَكُوتَ اللهِ؟ لاَ تَضِلُّوا: لاَ زُنَاةٌ وَلاَ عَبَدَةُ أَوْثَانٍ وَلاَ فَاسِقُونَ وَلاَ مَأْبُونُونَ وَلاَ مُضَاجِعُو ذُكُورٍ، وَلاَ سَارِقُونَ وَلاَ طَمَّاعُونَ وَلاَ سِكِّيرُونَ وَلاَ شَتَّامُونَ وَلاَ خَاطِفُونَ يَرِثُونَ مَلَكُوتَ اللهِ".
¦(عب 13: 4): "وَأَمَّا الْعَاهِرُونَ وَالزُّنَاةُ فَسَيَدِينُهُمُ اللهُ"...
هذه آيات صريحة يقدم بها بولس الرسول ما يزيد عن عشرين عملًا تغلق ملكوت الله أمام المؤمن إذا أخطأ...
ويتحدث بولس الرسول - رسول النعمة والتبرير - بعنف شديد في رسالته إلى العبرانيين فيقول:
¦(عب10: 26، 27، 29- 31): "فَإِنَّهُ إِنْ أَخْطَأْنَا بِاخْتِيَارِنَا بَعْدَمَا أَخَذْنَا مَعْرِفَةَ الْحَقِّ، لاَ تَبْقَى بَعْدُ ذَبِيحَةٌ عَنِ الْخَطَايَا. بَلْ قُبُولُ دَيْنُونَةٍ مُخِيفٌ، وَغَيْرَةُ نَارٍ عَتِيدَةٍ أَنْ تَأْكُلَ الْمُضَادِّينَ".
"فَكَمْ عِقَابًا أَشَرَّ تَظُنُّونَ أَنَّهُ يُحْسَبُ مُسْتَحِقًّا مَنْ دَاسَ ابْنَ اللهِ، وَحَسِبَ دَمَ الْعَهْدِ الَّذِي قُدِّسَ بِهِ دَنِسًا، وَازْدَرَى بِرُوحِ النِّعْمَةِ؟ فَإِنَّنَا نَعْرِفُ الَّذِي قَالَ: لِيَ الانْتِقَامُ، أَنَا أُجَازِي، يَقُولُ الرَّبُّ. وَأيضًا: الرَّبُّ يَدِينُ شَعْبَهُ. مُخِيفٌ هُوَ الْوُقُوعُ فِي يَدَيِ اللهِ الْحَيِّ".
ونفس المعنى الموجود في الآيتين الأولين يقول في شدة ما يشبهه في موضوع آخر من الرسالة (عب6: 4- 8).
¦(رو1: 18): "لأَنَّ غَضَبَ اللهِ مُعْلَنٌ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى جَمِيعِ فُجُورِ النَّاسِ وَإِثْمِهِمِ"..
¦(كو3: 5، 6): " فَأَمِيتُوا أَعْضَاءَكُمُ الَّتِي عَلَى الأَرْضِ: الزِّنَا، النَّجَاسَةَ، الْهَوَى، الشَّهْوَةَ الرَّدِيَّةَ، الطَّمَعَ الَّذِي هُوَ عِبَادَةُ الأَوْثَانِ. الأُمُورَ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا يَأْتِي غَضَبُ اللهِ عَلَى أَبْنَاءِ الْمَعْصِيَةِ".
¦(2تس1: 8، 9): "مُعْطِيًا نَقْمَةً لِلَّذِينَ لاَ يَعْرِفُونَ اللهَ، وَالَّذِينَ لاَ يُطِيعُونَ إِنْجِيلَ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِينَ سَيُعَاقَبُونَ بِهَلاَكٍ أَبَدِيٍّ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ". نلاحظ هنا أنه جعل الهلاك الأبدي عقوبة للأمرين معًا: ترك الإيمان، وترك الأعمال. فعبارة "الذين لا يعرفون الله" خاصة بعدم الإيمان، وعبارة "الذين لا يطيعون الإنجيل" خاصة بترك الأعمال.
¦(رو2: 8- 10): "وَأَمَّا الَّذِينَ هُمْ مِنْ أَهْلِ التَّحَزُّبِ، وَلاَ يُطَاوِعُونَ لِلْحَقِّ بَلْ يُطَاوِعُونَ لِلإِثْمِ، فَسَخَطٌ وَغَضَبٌ، شِدَّةٌ وَضِيقٌ، عَلَى كُلِّ نَفْسِ إِنْسَانٍ يَفْعَلُ الشَّرَّ: الْيَهُودِيِّ أَوَّلًا ثُمَّ الْيُونَانِيِّ. وَمَجْدٌ وَكَرَامَةٌ وَسَلاَمٌ لِكُلِّ مَنْ يَفْعَلُ الصَّلاَحَ: الْيَهُودِيِّ أَوَّلًا ثُمَّ الْيُونَانِيِّ". نلاحظ هنا أيضًا ليس فقط عقوبة الأعمال الشريرة، بل أيضًا مكافأة الأعمال الصالحة.
تعليق:
أوردنا فيما سبق آيات عن عقوبة الخطيئة، وكيف أن المؤمن إذا أخطأ يهلك بخطيئته. وأن الأعمال الشريرة تجعل الذي يخطئ لا يرث ملكوت الله، ويقع عليه غضب الله، ويعتبر من أبناء المعصية، ويتعرض لدينونة مخيفة، وغيرة نار تأكله، ويعاقب بهلاك أبدي من وجه الرب، وتقع على نفسه شدة وضيق، ويدينه الله.
وكل هذا ذكره بولس الرسول، الذي تحدث بإسهاب عن النعمة والتبرير بالإيمان. وقد بدأنا وذكرنا هذه الآيات حتى على ضوئها نفهم الآيات الخاصة بالنعمة والإيمان التي ذكرها بولس الرسول نفسه. حتى لا يبدو لأحد أن لبولس الرسول تعليمًا آخر، وإنما هو أيضًا علّم - في كل رسالة تقريبًا - بأن الخطايا تغلق ملكوت السماوات، بل إنه علّم كذلك بأن الأعمال الشريرة تلغي عمل الإيمان. فقال في رسالته إلى تيطس:
¦ (تي1: 16): "يَعْتَرِفُونَ بِأَنَّهُمْ يَعْرِفُونَ اللهَ، وَلكِنَّهُمْ بِالأَعْمَالِ يُنْكِرُونَهُ، إِذْ هُمْ رَجِسُونَ غَيْرُ طَائِعِينَ، وَمِنْ جِهَةِ كُلِّ عَمَل صَالِحٍ مَرْفُوضُونَ".
نصوص أخرى من غير رسائل بولس الرسول
¦ (2بط4:2-22): "لأَنَّهُ إِنْ كَانَ اللهُ لَمْ يُشْفِقْ عَلَى مَلاَئِكَةٍ قَدْ أَخْطَأُوا، بَلْ فِي سَلاَسِلِ الظَّلاَمِ طَرَحَهُمْ فِي جَهَنَّمَ، وَسَلَّمَهُمْ مَحْرُوسِينَ لِلْقَضَاءِ، وَلَمْ يُشْفِقْ عَلَى الْعَالَمِ الْقَدِيمِ. يَعْلَمُ الرَّبُّ أَنْ يُنْقِذَ الأَتْقِيَاءَ مِنَ التَّجْرِبَةِ، وَيَحْفَظَ الأَثَمَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ مُعَاقَبِينَ، وَلاَ سِيَّمَا الَّذِينَ يَذْهَبُونَ وَرَاءَ الْجَسَدِ فِي شَهْوَةِ النَّجَاسَةِ، فَسَيَهْلِكُونَ فِي فَسَادِهِمْ، آخِذِينَ أُجْرَةَ الإِثْمِ، الَّذِينَ قَدْ حُفِظَ لَهُمْ قَتَامُ الظَّلاَمِ إِلَى الأَبَدِ... لأَنَّهُ إِذَا كَانُوا، بَعْدَمَا هَرَبُوا مِنْ نَجَاسَاتِ الْعَالَمِ، بِمَعْرِفَةِ الرَّبِّ وَالْمُخَلِّصِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، يَرْتَبِكُونَ أيضًا فِيهَا، فَيَنْغَلِبُونَ، فَقَدْ صَارَتْ لَهُمُ الأَوَاخِرُ أَشَرَّ مِنَ الأَوَائِلِ، لأَنَّهُ كَانَ خَيْرًا لَهُمْ لَوْ لَمْ يَعْرِفُوا طَرِيقَ الْبِرِّ، مِنْ أَنَّهُمْ بَعْدَمَا عَرَفُوا، يَرْتَدُّونَ عَنِ الْوَصِيَّةِ الْمُقَدَّسَةِ الْمُسَلَّمَةِ لَهُمْ. قَدْ أَصَابَهُمْ مَا فِي الْمَثَلِ الصَّادِقِ: كَلْبٌ قَدْ عَادَ إِلَى قَيْئِهِ، وَخِنْزِيرَةٌ مُغْتَسِلَةٌ إِلَى مَرَاغَةِ الْحَمْأَةِ". واضح من النصوص الأخيرة أنه يتكلم عن مؤمنين يهلكون.
¦(1بط4: 17، 18): "فَمَا هِيَ نِهَايَةُ الَّذِينَ لاَ يُطِيعُونَ إِنْجِيلَ اللهِ؟ وَإِنْ كَانَ الْبَارُّ بِالْجَهْدِ يَخْلُصُ، فَالْفَاجِرُ وَالْخَاطِئُ أَيْنَ يَظْهَرَانِ؟".
¦ (أع5: 9): "فَقَالَ لَهَا بُطْرُسُ: مَا بَالُكُمَا اتَّفَقْتُمَا عَلَى تَجْرِبَةِ رُوحِ الرَّبِّ؟ هُوَذَا أَرْجُلُ الَّذِينَ دَفَنُوا رَجُلَكِ عَلَى الْبَابِ، وَسَيَحْمِلُونَكِ خَارِجًا. فَدَخَلَ الشَّبَابُ وَوَجَدُوهَا مَيْتَةً، فَحَمَلُوهَا خَارِجًا وَدَفَنُوهَا بِجَانِبِ رَجُلِهَا".
إن هلاك حنانيا وسفيرة دليل على أن العمل الشرير يهلك وأن الإيمان وحده لا يكفي. فقد كان الاثنان مؤمنين بالمسيح ولكن قلبهما لم يكن مستقيمًا فهلكا. ويقول الكتاب أنه بعد موتهما: "صَارَ خَوْفٌ عَظِيمٌ عَلَى جَمِيعِ الْكَنِيسَةِ وَعَلَى جَمِيعِ الَّذِينَ سَمِعُوا بِذلِكَ" (أع5: 11).
¦ (رؤ21: 8) "وَأَمَّا الْخَائِفُونَ وَغَيْرُ الْمُؤْمِنِينَ وَالرَّجِسُونَ وَالْقَاتِلُونَ وَالزُّنَاةُ وَالسَّحَرَةُ وَعَبَدَةُ الأَوْثَانِ وَجَمِيعُ الْكَذَبَةِ، فَنَصِيبُهُمْ فِي الْبُحَيْرَةِ الْمُتَّقِدَةِ بِنَارٍ وَكِبْرِيتٍ، الَّذِي هُوَ الْمَوْتُ الثَّانِي".
¦ (رؤ18: 7) "بِقَدْرِ مَا مَجَّدَتْ نَفْسَهَا وَتَنَعَّمَتْ، بِقَدْرِ ذلِكَ أَعْطُوهَا عَذَابًا وَحُزْنًا".
¦ (1يو3: 15) "كُلُّ مَنْ يُبْغِضُ أَخَاهُ فَهُوَ قَاتِلُ نَفْسٍ، وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ كُلَّ قَاتِلِ نَفْسٍ لَيْسَ لَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ ثَابِتَةٌ فِيهِ".
¦ (يع3: 1، 2) "لاَ تَكُونُوا مُعَلِّمِينَ كَثِيرِينَ يَا إِخْوَتِي، عَالِمِينَ أَنَّنَا نَأْخُذُ دَيْنُونَةً أَعْظَمَ لأَنَّنَا فِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ نَعْثُرُ جَمِيعُنَا".
¦ (يع5: 1، 9) "هَلُمَّ الآنَ أَيُّهَا الأَغْنِيَاءُ، ابْكُوا مُوَلْوِلِينَ عَلَى شَقَاوَتِكُمُ الْقَادِمَةِ... لاَ يَئِنَّ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ أَيُّهَا الإِخْوَةُ لِئَلاَّ تُدَانُوا. هُوَذَا الدَّيَّانُ وَاقِفٌ قُدَّامَ الْبَابِ".
¦ تعليق
رأينا من النصوص السابقة أن خطايا كثيرة تسبب الهلاك، وتلقي في البحيرة المتقدة بالنار والكبريت، وتجلب العذاب والحزن، وتحرم من الحياة الأبدية، وتلقي إلى الشقاء، وإلى الدينونة، سواء منها الخطايا التي تبدو خطيرة، أو الخطايا التي يستهين بها البعض مثل التعليم الكثير، والغنى الزائد وبخس الأجراء، وبغضة الأخ... إلخ.
وهذا الأمر هو تعليم السيد المسيح نفسه
¦ (يو5: 28، 29): "فَإِنَّهُ تَأْتِي سَاعَةٌ فِيهَا يَسْمَعُ جَمِيعُ الَّذِينَ فِي الْقُبُورِ صَوْتَهُ، فَيَخْرُجُ الَّذِينَ فَعَلُوا الصَّالِحَاتِ إِلَى قِيَامَةِ الْحَيَاةِ، وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَى قِيَامَةِ الدَّيْنُونَةِ".
¦ (مت13: 40- 42)
"فَكَمَا يُجْمَعُ الزَّوَانُ وَيُحْرَقُ بِالنَّارِ، هكَذَا يَكُونُ فِي انْقِضَاءِ هذَا الْعَالَمِ. يُرْسِلُ ابْنُ الإِنْسَانِ مَلاَئِكَتَهُ، فَيَجْمَعُونَ مِنْ مَلَكُوتِهِ جَمِيعَ الْمَعَاثِرِ وَفَاعِلِي الإِثْمِ، وَيَطْرَحُونَهُمْ فِي أَتُونِ النَّارِ. هُنَاكَ يَكُونُ الْبُكَاءُ وَصَرِيرُ الأَسْنَانِ".
¦ (مت7: 19، 20) "كُلُّ شَجَرَةٍ لاَ تَصْنَعُ ثَمَرًا جَيِّدًا تُقْطَعُ وَتُلْقَى فِي النَّارِ، فَإِذًا مِنْ ثِمَارِهِمْ تَعْرِفُونَهُمْ".
نلاحظ في كل النصوص السابقة أنه لم يتكلم عن طرح غير المؤمنين في النار أو الدينونة وإنما "الذين عملوا السيئات"، "وجميع المعاثر وفاعلي الإثم"، و"مَن لا يصنع ثمرًا جيدًا".
والنصوص المقبلة تظهر بوضوح أن الإيمان وحده لا فائدة منه للخلاص إذا لم يصحب بأعمال صالحة:
¦ (مت7: 21- 23): "لَيْسَ كُلُّ مَنْ يَقُولُ لِي: يَا رَبُّ، يَا رَبُّ! يَدْخُلُ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ. بَلِ الَّذِي يَفْعَلُ إِرَادَةَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ. كَثِيرُونَ سَيَقُولُونَ لِي فِي ذلِكَ الْيَوْمِ: يَا رَبُّ، يَا رَبُّ! أَلَيْسَ بِاسْمِكَ تَنَبَّأْنَا، وَبِاسْمِكَ أَخْرَجْنَا شَيَاطِينَ، وَبِاسْمِكَ صَنَعْنَا قُوَّاتٍ كَثِيرَةً؟ فَحِينَئِذٍ أُصَرِّحُ لَهُمْ: إِنِّي لَمْ أَعْرِفْكُمْ قَطُّ! اذْهَبُوا عَنِّي يَا فَاعِلِي الإِثْمِ".
نلاحظ في هذه الآيات أن هؤلاء الهالكين لم يكونوا مؤمنين فحسب، وإنما أيضًا أصحاب مواهب ومعجزات.
¦ (مت25: 41- 46): "ثُمَّ يَقُولُ أيضًا لِلَّذِينَ عَنِ الْيَسَارِ: اذْهَبُوا عَنِّي يَا مَلاَعِينُ إِلَى النَّارِ الأَبَدِيَّةِ الْمُعَدَّةِ لإِبْلِيسَ وَمَلاَئِكَتِهِ، لأَنِّي جُعْتُ فَلَمْ تُطْعِمُونِي، عَطِشْتُ فَلَمْ تَسْقُونِي، كُنْتُ غَرِيبًا فَلَمْ تَأْوُونِي، عُرْيَانًا فَلَمْ تَكْسُونِي، مَرِيضًا وَمَحْبُوسًا فَلَمْ تَزُورُونِي. حِينَئِذٍ يُجِيبُونَهُ هُمْ أيضًا قَائِلِينَ يَا رَبُّ، مَتَى... فَيَمْضِي هؤُلاَءِ إِلَى عَذَاب أَبَدِيٍّ وَالأَبْرَارُ إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ".
نلاحظ هنا أن هؤلاء الهالكين، لم يكونوا قتلة أو فسقة أو عبدة أوثان. وإنما مجرد عدم إطعام الجائع، ومجرد عدم زيارة المريض، كان سببًا في هلاكهم.
¦ (لو 13: 3، 5) "إِنْ لَمْ تَتُوبُوا فَجَمِيعُكُمْ كَذلِكَ تَهْلِكُونَ".
¦ (مت5: 29، 30) "فَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ الْيُمْنَى تُعْثِرُكَ فَاقْلَعْهَا وَأَلْقِهَا عَنْكَ، لأَنَّهُ خَيْرٌ لَكَ أَنْ يَهْلِكَ أَحَدُ أَعْضَائِكَ وَلاَ يُلْقَى جَسَدُكَ كُلُّهُ فِي جَهَنَّمَ، وَإِنْ كَانَتْ يَدُكَ الْيُمْنَى تُعْثِرُكَ...".
نلاحظ هنا أن سبب الإلقاء في جهنم لم يكن عدم الإيمان وإنما كانت خطية واحدة من خطايا الجسد، مثل شهوة العين التي تقود إلى الزنا، أو السرقة مثلًا.
¦ (لو13: 24- 28): "اجْتَهِدُوا أَنْ تَدْخُلُوا مِنَ الْبَابِ الضَّيِّقِ، فَإِنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كَثِيرِينَ سَيَطْلُبُونَ أَنْ يَدْخُلُوا وَلاَ يَقْدِرُونَ، مِنْ بَعْدِ مَا يَكُونُ رَبُّ الْبَيْتِ قَدْ قَامَ وَأَغْلَقَ الْبَابَ، وَابْتَدَأْتُمْ تَقِفُونَ خَارِجًا وَتَقْرَعُونَ الْبَابَ قَائِلِينَ: يَا رَبُّ، يَا رَبُّ! افْتَحْ لَنَا. يُجِيبُ، وَيَقُولُ لَكُمْ: لاَ أَعْرِفُكُمْ مِنْ أَيْنَ أَنْتُمْ، تَبَاعَدُوا عَنِّي يَا جَمِيعَ فَاعِلِي الظُّلْمِ. هُنَاكَ يَكُونُ الْبُكَاءُ وَصَرِيرُ الأَسْنَانِ".
(هنا يكلم مؤمنين يقولون له يا رب يا رب... ولكنهم هلكوا لأنهم كانوا فاعلي إثم).
¦ (مت19: 24): "مُرُورَ جَمَل مِنْ ثَقْب إِبْرَةٍ أَيْسَرُ مِنْ أَنْ يَدْخُلَ غَنِيٌّ إِلَى مَلَكُوتِ اللهِ".
(أي هناك من سيفقدون الملكوت، لا بسبب عدم إيمانهم بل بسبب مخاطر الغنى).
¦ (مت12: 36): "وَلكِنْ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ بَطَّالَةٍ يَتَكَلَّمُ بِهَا النَّاسُ سَوْفَ يُعْطُونَ عَنْهَا حِسَابًا يَوْمَ الدِّينِ، لأَنَّكَ بِكَلاَمِكَ تَتَبَرَّرُ وَبِكَلاَمِكَ تُدَانُ".
(إن إيمان الإنسان لا ينفي وقوعه في الدينونة بسبب كلامه).
وهنا نتذكر قول معلمنا القديس باسيليوس الكبير: ماذا يفيدني لو عملت كل البر، ثم أقول لأخي يا أحمق فأكون مستحقًا نار جهنم. لأن ربنا يسوع المسيح يقول: "وَمَنْ قَالَ: يَا أَحْمَقُ، يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ نَارِ جَهَنَّمَ" (مت5: 22).
الدينونة... حسب الأعمال
هذه حقيقة واضحة تبين أهمية أعمال الإنسان. في العهد القديم يقول داود في المزمور: "لَكَ يَا رَبُّ الرَّحْمَةُ، لأَنَّكَ أَنْتَ تُجَازِي الإِنْسَانَ كَعَمَلِهِ" (مز62: 12). ويقول سفر الجامعة "لأَنَّ اللهَ يُحْضِرُ كُلَّ عَمَل إِلَى الدَّيْنُونَةِ، عَلَى كُلِّ خَفِيٍّ، إِنْ كَانَ خَيْرًا أَوْ شَرًّا" (جا12: 14).
وفي العهد الجديد تأكدت هذه الحقيقة من فم السيد المسيح وأفواه رسله القديسين، وفي هذا يقول السيد الرب: "فَإِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ سَوْفَ يَأْتِي فِي مَجْدِ أَبِيهِ مَعَ مَلاَئِكَتِهِ، وَحِينَئِذٍ يُجَازِي كُلَّ وَاحِدٍ حَسَبَ عَمَلِهِ" (مت16: 27). كما قال أيضًا "فَإِنَّهُ تَأْتِي سَاعَةٌ فِيهَا يَسْمَعُ جَمِيعُ الَّذِينَ فِي الْقُبُورِ صَوْتَهُ، فَيَخْرُجُ الَّذِينَ فَعَلُوا الصَّالِحَاتِ إِلَى قِيَامَةِ الْحَيَاةِ، وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَى قِيَامَةِ الدَّيْنُونَةِ" (يو5: 28، 29). لاحظوا أنه يتكلم في هذه الآية عن الأعمال "الذين فعلوا الصالحات، والذين عملوا السيئات".
وليست الدينونة على الأعمال فقط، بل حتى على الكلام. ولذلك يقول: "بِكَلاَمِكَ تَتَبَرَّرُ وَبِكَلاَمِكَ تُدَانُ" (مت12: 37).
وهذا الأمر واضح في سفر الرؤيا. إذ أن الرب أرسل إلى كل ملاك من ملائكة الكنائس السبع يقول له: "أَنَا عَارِفٌ أَعْمَالَكَ" (رؤ3: 1- 3). كما قال الرب صراحة: "وَهَا أَنَا آتِي سَرِيعًا وَأُجْرَتِي مَعِي لأُجَازِيَ كُلَّ وَاحِدٍ كَمَا يَكُونُ عَمَلُهُ" (رؤ22: 12).
وقد قيل في هذا السفر: "طُوبَى لِلأَمْوَاتِ الَّذِينَ يَمُوتُونَ فِي الرَّبِّ مُنْذُ الآنَ. نَعَمْ يَقُولُ الرُّوحُ: لِكَيْ يَسْتَرِيحُوا مِنْ أَتْعَابِهِمْ، وَأَعْمَالُهُمْ تَتْبَعُهُمْ" (رؤ14: 13). وقيل أيضًا: "وَدِينَ الأَمْوَاتُ مِمَّا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي الأَسْفَارِ بِحَسَبِ أَعْمَالِهِمْ" (رؤ20: 12).
وصورة الدينونة التي شرحها لنا الرب يسوع من حيث كلامه الذي يقوله للذين عن اليمين، وكلامه للذين على اليسار، هي صورة دينونة حسب الأعمال. إذ أنه قال للذين عن اليمين: "جُعْتُ فَأَطْعَمْتُمُونِي. عَطِشْتُ فَسَقَيْتُمُونِي. كُنْتُ غَرِيبًا فَآوَيْتُمُونِي". وبناء على هذه الأعمال الصالحة قال لهم: "تَعَالَوْا يَا مُبَارَكِي أَبِي رِثُوا الْمَلَكُوتَ الْمُعَدَّ لَكُمْ مُنْذُ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ" (مت25: 31- 46) وبالمثل فعل مع الأشرار، دانهم حسب أعمالهم.
إذًا يكفي أن يقصر الإنسان في إطعام الجياع أو زيارة المرضى، وإذ يخلو قلبه من هذه الرحمة يفقد الملكوت، مهما كان له من إيمان، ومهما كان له من ثقة جوفاء في داخله لا تغنيه شيئًا!! ما أخطر العبارة التي قالها معلمنا يعقوب الرسول "مَا الْمَنْفَعَةُ يَا إِخْوَتِي إِنْ قَالَ أَحَدٌ إِنَّ لَهُ إِيمَانًا وَلكِنْ لَيْسَ لَهُ أَعْمَالٌ، هَلْ يَقْدِرُ الإِيمَانُ أَنْ يُخَلِّصَهُ"؟! (يع2: 14).
وكون الدينونة حسب الأعمال، حقيقة تكلم عنها بولس الرسول كثيرًا. فقال: "لأَنَّهُ لاَ بُدَّ أَنَّنَا جَمِيعًا نُظْهَرُ أَمَامَ كُرْسِيِّ الْمَسِيحِ، لِيَنَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مَا كَانَ بِالْجَسَدِ بِحَسَبِ مَا صَنَعَ، خَيْرًا كَانَ أَمْ شَرًّا" (2كو5: 10). وقال أيضًا: "وَلكِنَّكَ مِنْ أَجْلِ قَسَاوَتِكَ وَقَلْبِكَ غَيْرِ التَّائِبِ، تَذْخَرُ لِنَفْسِكَ غَضَبًا فِي يَوْمِ الْغَضَبِ وَاسْتِعْلاَنِ دَيْنُونَةِ اللهِ الْعَادِلَةِ، الَّذِي سَيُجَازِي كُلَّ وَاحِدٍ حَسَبَ أَعْمَالِهِ" (رو2: 5- 7).
¦ وتلخيصًا للدينونة حسب الأعمال، قال بولس الرسول كذلك:
"فَإِنَّ الَّذِي يَزْرَعُهُ الإِنْسَانُ إِيَّاهُ يَحْصُدُ أيضًا. لأَنَّ مَنْ يَزْرَعُ لِجَسَدِهِ فَمِنَ الْجَسَدِ يَحْصُدُ فَسَادًا، وَمَنْ يَزْرَعُ لِلرُّوحِ فَمِنَ الرُّوحِ يَحْصُدُ حَيَاةً أَبَدِيَّةً" (غلا6: 7، 8). كما قال: "فَعَمَلُ كُلِّ وَاحِدٍ سَيَصِيرُ ظَاهِرًا لأَنَّ الْيَوْمَ سَيُبَيِّنُهُ. لأَنَّهُ بِنَارٍ يُسْتَعْلَنُ، وَسَتَمْتَحِنُ النَّارُ عَمَلَ كُلِّ وَاحِدٍ مَا هُوَ" (1كو3: 13). وقال أيضًا: "كُلَّ وَاحِدٍ سَيَأْخُذُ أُجْرَتَهُ بِحَسَبِ تَعَبِهِ"، ولم يقل "بحسب إيمانه" أو "بحسب النعمة".
وعن الدينونة حسب الأعمال قال بطرس الرسول عن الأب: "الَّذِي يَحْكُمُ بِغَيْرِ مُحَابَاةٍ حَسَبَ عَمَلِ كُلِّ وَاحِدٍ، فَسِيرُوا زَمَانَ غُرْبَتِكُمْ بِخَوْفٍ" (1بط17:1).
فإن كانت الأعمال على هذه الدرجة من الخطورة - خيرًا كانت أم شرًا - بحيث يدان الإنسان بموجبها، فهل يجرؤ أحد أن يقلل من قيمة الأعمال وأهميتها؟!
إن كان الله لا ينسى "كأس الماء البارد" فلا يضيع أجره، ولا ينسى أبدًا تعب المحبة، "إِذًا يَا إِخْوَتِي الأَحِبَّاءَ، كُونُوا رَاسِخِينَ، غَيْرَ مُتَزَعْزِعِينَ، مُكْثِرِينَ فِي عَمَلِ الرَّبِّ كُلَّ حِينٍ، عَالِمِينَ أَنَّ تَعَبَكُمْ لَيْسَ بَاطِلًا فِي الرَّبِّ" (1كو15: 58).
إن الأعمال هامة جدًا في طريق خلاصنا، وهامة في تحديد مصيرنا الأبدي، فلنتأمل إذًا كم هي لازمة.
الأعمالُ ثمارٌ لازمةٌ للإيمان
الأعمال ثمار للإيمان. الإيمان الحي لا بد أن يثمر، وهو يثمر أعمالًا صالحة. هذه الأعمال دليل على وجود الإيمان وحيويته. وهي أيضًا ثمار لعمل الروح القدس فينا، وثمار لازمة لحياة التوبة التي نحياها.
فهل يطلب الله هذه الأعمال؟ أو يطلب هذه الثمار؟ نعم يطلبها، ويشدد في ذلك...
وقف يوحنا المعمدان ينادي قائلًا: "اصْنَعُوا أَثْمَارًا تَلِيقُ بِالتَّوْبَةِ. ولاَ تَبْتَدِئُوا تَقُولُونَ فِي أَنْفُسِكُمْ: لَنَا إِبْرَاهِيمُ أَبًا" (لو3: 8). إن اختيار الله لكم، ليس معناه أن تخلصوا بدون أعمال. لا بد أن تصنعوا ثمارًا تليق بالتوبة. وإن لم نصنع؟ إن لم تصنعوا ثمرًا فنهايتكم تكون الهلاك. وما الدليل؟
يستطرد يوحنا المعمدان - أعظم من ولدت النساء – فيقول: "وَالآنَ قَدْ وُضِعَتِ الْفَأْسُ عَلَى أَصْلِ الشَّجَرِ، فَكُلُّ شَجَرَةٍ لاَ تَصْنَعُ ثَمَرًا جَيِّدًا تُقْطَعُ وَتُلْقَى فِي النَّارِ" (لو3: 9) أي أن الذي لا يعمل أعمالًا صالحة يهلك. تحتج قائلًا إن لي إبراهيم أبًا، أنا مولود من الله، أنا تبررت وتقدست وتجددت. أقول لك: "اصنع ثمارًا تليق بالتوبة".
هذا الكلام لم يقله يوحنا المعمدان فقط، لكننا في العهد الجديد أيضًا نجد بولس الرسول يقول: "أَخْبَرْتُ أَوَّلًا الَّذِينَ فِي دِمَشْقَ، وَفِي أُورُشَلِيمَ حَتَّى جَمِيعِ كُورَةِ الْيَهُودِيَّةِ، ثُمَّ الأُمَمَ، أَنْ يَتُوبُوا وَيَرْجِعُوا إِلَى اللهِ، عَامِلِينَ أَعْمَالًا تَلِيقُ بِالتَّوْبَةِ" (أع26: 20).
وفي رسالته إلى تيطس يقول: "صَادِقَةٌ هِيَ الْكَلِمَةُ. وَأُرِيدُ أَنْ تُقَرِّرَ هذِهِ الأُمُورَ، لِكَيْ يَهْتَمَّ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ أَنْ يُمَارِسُوا أَعْمَالًا حَسَنَةً". لماذا أيها القديس العظيم؟ يكمل معلمنا بولس كلامه فيقول: "وَلْيَتَعَلَّمْ مَنْ لَنَا أيضًا أَنْ يُمَارِسُوا أَعْمَالًا حَسَنَةً، حَتَّى لاَ يَكُونُوا بِلاَ ثَمَرٍ" (تي8:3، 14).
الأعمال إذًا هي ثمرة الإيمان. إن كان لك إيمان، ولا يعطي ثمرًا، فهو إذًا إيمان ميت. لأنه لو كان حيًا لأعطى ثمرًا.
وهذه المسألة يشرحها باستفاضة معلمنا يعقوب الرسول فيقول: "مَا الْمَنْفَعَةُ يَا إِخْوَتِي إِنْ قَالَ أَحَدٌ إِنَّ لَهُ إِيمَانًا وَلكِنْ لَيْسَ لَهُ أَعْمَالٌ، هَلْ يَقْدِرُ الإِيمَانُ أَنْ يُخَلِّصَهُ؟!" (يع2: 14) أنت مؤمن بالمسيح، وتقول: إن دمَ المسيح قد طهرني وقد جددني وقد بررني. حسن هذا جدًا، ولكن إن لم تكن لك أعمال، فهل يقدر هذا الإيمان أن يخلصك؟! إن يعقوب الرسول يثبت في صراحة تامة عجز الإيمان عن تخليص إنسان ليست له أعمال.
فهل يعقوب الرسول هو الوحيد الذي هاجم مثل هذا الإيمان الميت؟ كلا، بل إن بولس الرسول قال أيضًا: "إِنْ كَانَ لِي كُلُّ الإِيمَانِ حَتَّى أَنْقُلَ الْجِبَالَ وَلكِنْ لَيْسَ لِي مَحَبَّةٌ، فَلَسْتُ شيئًا" (1كو13: 2).
إن كنت حقًا ابنًا لله، وهيكلًا لله، والروح القدس يحيا فيك، فينبغي أن تكون لك أعمال هي ثمار الروح فيك. ومعلمنا بولس الرسول يشرح هذه الثمار فيقول: "وَأَمَّا ثَمَرُ الرُّوحِ فَهُوَ: مَحَبَّةٌ فَرَحٌ سَلاَمٌ، طُولُ أَنَاةٍ لُطْفٌ صَلاَحٌ، إِيمَانٌ وَدَاعَةٌ تَعَفُّفٌ" (غلا5: 22). فهل توجد فيك هذه الثمار؟ إن كانت لا توجد، فما الدليل على أن الروح القدس يعمل فيك؟!
إن الشجرة التي لا تثمر، هي شجرة مائتة، وقد قال السيد المسيح له المجد: "كُلُّ شَجَرَةٍ لاَ تَصْنَعُ ثَمَرًا جَيِّدًا تُقْطَعُ وَتُلْقَى فِي النَّارِ فَإِذًا مِنْ ثِمَارِهِمْ تَعْرِفُونَهُمْ. لَيْسَ كُلُّ مَنْ يَقُولُ لِي: يَا رَبُّ، يَا رَبُّ! يَدْخُلُ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ. بَلِ الَّذِي يَفْعَلُ إِرَادَةَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ" (مت 7: 19- 21). وهنا نرى أن السيد الرب قد ربط بين الخلاص والثمر الجيد الذي يدل عليه عمل إرادة الأب.
ولأهمية هذه الثمار قال الرب في توبيخه لليهود: "لِذلِكَ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَلَكُوتَ اللهِ يُنْزَعُ مِنْكُمْ وَيُعْطَى لأُمَّةٍ تَعْمَلُ أَثْمَارَهُ" (مت21: 43).
وقد شرح لنا الرب كيف أنه أزمع أن يقطع التينة التي لم تصنع ثمرًا، فتوسل إليه الكرام قائلًا: "يَا سَيِّدُ، اتْرُكْهَا هذِهِ السَّنَةَ أيضًا، حَتَّى أَنْقُبَ حَوْلَهَا وَأَضَعَ زِبْلًا. فَإِنْ صَنَعَتْ ثَمَرًا، وَإِلاَّ فَفِيمَا بَعْدُ تَقْطَعُهَا" (لو13: 6- 9). فإن كنت تخشى أيها الأخ على نفسك من هذا القطع، فأسرع الآن واعمل أعمالًا تليق بأبناء الله. لا تستهن بقيمة الأعمال، فقد وضعت الفأس على أصل الشجرة. إن الأعمال ليست فقط ثمرًا للإيمان، وإنما أكثر من هذا.
الأعمال برهان على وجود الإيمان
يقول مار يعقوب الرسول: "أَرِنِي إِيمَانَكَ بِدُونِ أَعْمَالِكَ، وَأَنَا أُرِيكَ بِأَعْمَالِي إِيمَانِي" (يع 2: 18). أي أن الأعمال تدل على وجود الإيمان. وهذا واضح من قول الكتاب: "مِنْ ثِمَارِهِمْ تَعْرِفُونَهُمْ، كُلُّ شَجَرَةٍ جَيِّدَةٍ تَصْنَعُ أَثْمَارًا جَيِّدَةً، وَأَمَّا الشَّجَرَةُ الرَّدِيَّةُ فَتَصْنَعُ أَثْمَارًا رَدِيَّةً" (مت7: 16، 17).
الأعمال برهان على الولادة من الله
ذلك لأن الكتاب يقول: "إِنْ عَلِمْتُمْ أَنَّهُ بَارٌّ هُوَ، فَاعْلَمُوا أَنَّ كُلَّ مَنْ يَصْنَعُ الْبِرَّ مَوْلُودٌ مِنْهُ" (1يو2: 29). ويقول أيضًا: "كُلُّ مَنْ هُوَ مَوْلُودٌ مِنَ اللهِ لاَ يَفْعَلُ خَطِيَّةً" (1يو3: 9). واعتبر أن هذا هو المميز لأولاد الله، فقال بعدها: "بِهذَا أَوْلاَدُ اللهِ ظَاهِرُونَ وَأَوْلاَدُ إِبْلِيسَ (ظاهرون)" (1يو3: 10).
وهذا يشبه ما قاله الرب لليهود المفتخرين باطلًا ببنوتهم لإبراهيم: "لَوْ كُنْتُمْ أَوْلاَدَ إِبْرَاهِيمَ، لَكُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أَعْمَالَ إِبْرَاهِيمَ" (يو8: 39). فاتخذ الأعمال دليلًا على البنوة.
وقد دافع بولس الرسول أيضًا عن هذه النقطة فقال: "لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ يَنْقَادُونَ بِرُوحِ اللهِ، فَأُولئِكَ هُمْ أَبْنَاءُ اللهِ" (رو8: 14).
إن كان أولاد الله هم هؤلاء الأبرار. فبماذا تسمي الخطاة؟ سماهم الكتاب "أَوْلاَدَ الأَفَاعِي" (مت3: 7). وسماهم "أَوْلاَدُ إِبْلِيسَ" (يو8: 44)، (1يو3: 10). وسماهم أيضًا "أَبْنَاءَ الْغَضَبِ" و"أَبْنَاءِ الْمَعْصِيَةِ" (أف2: 2، 3).
إن أتاك أحد إذًا. وقال لك إنني ابن الله، لأني تجددت وتبررت وتقدست. فقل له: "من ثمارهم تعرفونهم". الأعمال إذًا ثمر للإيمان، وبرهان على وجود الإيمان، وبرهان على البنوة لله. وماذا أيضًا؟ نقول كذلك.
بالأعمال يكمل الإيمان
فهكذا قال الرسول: ".. وَبِالأَعْمَالِ أُكْمِلَ الإِيمَانُ" (يع2: 22).
لقد بلغ الأمر بيعقوب الرسول أنه - عندما تكلّم عن الديانة – قال: "اَلدِّيَانَةُ الطَّاهِرَةُ النَّقِيَّةُ عِنْدَ اللهِ الآبِ هِيَ هذِهِ: افْتِقَادُ الْيَتَامَى وَالأَرَامِلِ فِي ضِيقَتِهِمْ، وَحِفْظُ الإِنْسَانِ نَفْسَهُ بِلاَ دَنَسٍ مِنَ الْعَالَمِ" (يع1: 27). وكل هذه أعمال ولا شك. ولكننا لا نستغل هذه الآية - كما يفعل البعض - وذلك لإيماننا بمبدأ "خطورة استخدام الآية الواحدة".
ما دامت الأعمال إذًا بهذه الأهمية. فلنتذكر على الدوام قول مار يعقوب: "فَمَنْ يَعْرِفُ أَنْ يَعْمَلَ حَسَنًا وَلاَ يَعْمَلُ، فَذلِكَ خَطِيَّةٌ لَهُ" (يع4: 17).
أهمية السلوك والأعمال الصالحة
يقول البعض: "ما علاقة الخلاص بسلوك الإنسان؟ إن المسألة مسألة إيمان. وليست مسألة سلوك أو أعمال صالحة"!! لذلك سنبين هنا أهمية السلوك وحفظ الوصايا.
¦ يقول يوحنا الرسول: "إِنْ قُلْنَا: إِنَّ لَنَا شَرِكَةً مَعَهُ وَسَلَكْنَا فِي الظُّلْمَةِ، نَكْذِبُ وَلَسْنَا نَعْمَلُ الْحَقَّ. وَلكِنْ إِنْ سَلَكْنَا فِي النُّورِ كَمَا هُوَ فِي النُّورِ، فَلَنَا شَرِكَةٌ بَعْضِنَا مَعَ بَعْضٍ، وَدَمُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِهِ يُطَهِّرُنَا مِنْ كُلِّ خَطِيَّةٍ" (1يو1: 6، 7).
إذًا سلوكنا في النور له نتيجتان، هما الشركة والتطهير.
سلوكنا في النور، يجعل لنا شركة مع الرب ومع بعضنا البعض. بعكس سلوكنا في الظلمة، فإنه يعطل شركتنا مع الله.
وسلوكنا في النور يجعلنا مستحقين أن نتطهر بدم المسيح. لأنه يقول: "إِنْ سَلَكْنَا فِي النُّورِ... دَمُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِهِ يُطَهِّرُنَا مِنْ كُلِّ خَطِيَّةٍ". "إن سلكنا في النور". هنا شرط. إذًا فاستحقاقات الفداء، والتطهير بدم المسيح، يستلزم منا أن نسلك في النور. ما أهم هذا السلوك إذًا وما أخطره.
هذا السلوك الحسن ينجينا من الدينونة في اليوم الأخير. يقول الكتاب: "إِذًا لاَ شَيْءَ مِنَ الدَّيْنُونَةِ الآنَ عَلَى الَّذِينَ هُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، السَّالِكِينَ لَيْسَ حَسَبَ الْجَسَدِ بَلْ حَسَبَ الرُّوحِ" (رو8: 1). إنك بالمسيح تنجو من الدينونة، ولكن بشرط... أن يكون سلوكك روحيًا.
ونلاحظ هنا أن عبارة القديس بولس الرسول تشمل الناحيتين السلبية والإيجابية. فمن جهة ينبغي أن يبعد المؤمن عن الشر، فلا يسلك حسب الجسد. ومن الجهة الأخرى ينبغي أن يثمر في الفضيلة، فيكون سالكًا حسب الروح.
لذلك ما أكثر وصايا آبائنا الرسل عن أهمية السلوك.
يقول القديس بولس في رسالته إلى أهل غلاطية: "إِنْ كُنَّا نَعِيشُ بِالرُّوحِ، فَلْنَسْلُكْ أيضًا بِحَسَبِ الرُّوحِ" (غلا5: 25). ويشدد على هذه النقطة قائلًا: "اسْلُكُوا بِالرُّوحِ فَلاَ تُكَمِّلُوا شَهْوَةَ الْجَسَدِ" (غلا5: 16). ويأمر أن نسلك "فِي جِدَّةِ الْحَيَاةِ" (رو6: 4).
ويرسل إلى أهل أفسس قائلًا: "فَأَطْلُبُ إِلَيْكُمْ، أَنَا الأَسِيرَ فِي الرَّبِّ: أَنْ تَسْلُكُوا كَمَا يَحِقُّ لِلدَّعْوَةِ الَّتِي دُعِيتُمْ بِهَا" (أف4: 1). ويقول لهم أيضًا: "انْظُرُوا كَيْفَ تَسْلُكُونَ بِالتَّدْقِيقِ، لاَ كَجُهَلاَءَ بَلْ كَحُكَمَاءَ" (أف5: 15). (انظروا أيضًا 1تس2: 12، 4: 1، 1كو1: 10، رو13: 13).
ومن ثم كان آباؤنا الرسل يمنعون الخلطة بالذين يسلكون بلا ترتيب. لذلك يقول مار بولس في رسالته الثانية إلى تسالونيكي: "ثُمَّ نُوصِيكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ، بِاسْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، أَنْ تَتَجَنَّبُوا كُلَّ أَخٍ يَسْلُكُ بِلاَ تَرْتِيبٍ، وَلَيْسَ حَسَبَ التَّعْلِيمِ الَّذِي أَخَذَهُ مِنَّا" (2تس3: 6، 11).
ويرى آباؤنا الرسل أن السلوك الحسن هو علامة المحبة، والدليل على الثبات في المسيح.
فيقول القديس يوحنا الرسول: "وَهذِهِ هِيَ الْمَحَبَّةُ: أَنْ نَسْلُكَ بِحَسَبِ وَصَايَاهُ" (2يو 6). ويقول أيضًا: "مَنْ قَالَ: إِنَّهُ ثَابِتٌ فِيهِ يَنْبَغِي أَنَّهُ كَمَا سَلَكَ ذَاكَ هكَذَا يَسْلُكُ هُوَ أيضًا" (1يو2: 6).
¦ وحفظ الوصايا هو دليل محبة المسيح والعلاقة به
قال القديس يوحنا الرسول: "فَإِنَّ هذِهِ هِيَ مَحَبَّةُ اللهِ: أَنْ نَحْفَظَ وَصَايَاهُ. وَوَصَايَاهُ لَيْسَتْ ثَقِيلَةً" (1يو5: 3). ولعل هذا هو ما قاله الرب نفسه: "اَلَّذِي عِنْدَهُ وَصَايَايَ وَيَحْفَظُهَا فَهُوَ الَّذِي يُحِبُّنِي" (يو14: 21).
أما كونها دليل العلاقة به، فقد قال الرب أيضًا: "مَنْ يَصْنَعُ مَشِيئَةَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ أَخِي وَأُخْتِي وَأُمِّي" (مت12: 50).
إن كان سلوك الإنسان على هذه الدرجة من الأهمية: تتوقف عليه شركتنا مع الله ومع الكنيسة، ويتوقف عليه تطهيرنا من خطايانا بدم المسيح، وبه تكون دينونتنا. وهو دليل على محبتنا لله، وثباتنا فيه، وعلاقتنا به، فهل يصحّ أن يتجاهله أحد، قائلًا إن حياتنا ليست مسألة سلوك وإنما إيمان!!
الجهاد والنعمة
الجهاد والنعمة
إن كانت الأعمال لازمة للخلاص فهل يخلص الإنسان بأعماله أم بنعمة الروح القدس العاملة معه؟ لقد تطرف كثيرون في التحمس لأحد الجانبين، فأخطأوا. وسنحاول في هذا المجال أن نجيب عن هذا السؤال الهام وهو كيف يخلص الإنسان؟ بالجهاد أم بالنعمة، أم بكليهما معًا؟
الجهاد والنعمة معًا
لا يمكن للإنسان أن يخلص بجهاده وحده. فقد قال السيد المسيح له المجد: "بِدُونِي لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَفْعَلُوا شيئًا" (يو15: 5). إذًا فذراعك البشري وحده - بدون معونة من الله - لا يمكن أن يخلص، مهما جاهدت ومهما تعبت.
وأيضًا النعمة وحدها لا تشاء أن تخلصك بدون استجابة إرادتك لها. وما أجمل قول القديس يوحنا ذهبي الفم: "إن الله لا يريدنا أن نكون مستلقين على ظهورنا ويعطينا الملكوت، لذلك فالنعمة لا تعمل كل شيء وحدها" فهي ليست مجالًا للكسل والتهاون والتراخي.
فلا تجلس كسلانًا، دون جهاد في حياتك، قائلًا في غير فهم: إني تارك نفسي للنعمة تعمل بي ما تشاء!! إن عمل النعمة فيك يا أخي ليس معناه أن تنام وتتهاون في أداء واجباتك.
مثال يشوع وموسى
كان يشوع بن نون يقود الجيش ويحارب عماليق، وفي نفس الوقت كان موسى النبي يقف على رأس التلة رافعًا يديه بالصلاة. (خر17: 11).
فهل انتصر الشعب عن طريق جيش يشوع المحارب، أم عن طريق صلاة موسى؟ يخطئ من يركز على واحد من الأمرين ويهمل الآخر. لأن يشوع وحده مهما حارب بدون صلاة موسى - أي بدون معونة من الله - ما كان ممكنًا أن ينتصر. وصلاة موسى وحدها لم يكن معناها مطلقًا تشجيع الجيش على أن يتراخى أمام العدو معتمدًا على صلاة موسى! الجهاد والصلاة معًا كانا سائرين جنبًا إلى جنب. هذا يجاهد في الحرب، والآخر يرفع يديه بالصلاة. الاثنان متلازمان.
شركة الروح القدس
هناك عبارة جميلة، إن فهمناها فهمنا الكثير عن النعمة والجهاد. تقول البركة الرسولية "نِعْمَةُ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، وَمَحَبَّةُ اللهِ، وَشَرِكَةُ الرُّوحِ الْقُدُسِ مَعَ جَمِيعِكُمْ" (2كو13: 14) فما معنى عبارة شركة الروح القدس؟
إنها شركة بين اثنين يعملان سويًا: الروح القدس والإنسان. فالروح القدس يقدر أن ينقذك وينجيك، ولكنه لا يشاء أن يفعل هذا بمفرده، وإنما يريدك أن تشترك معه في تدبير حياتك، وهذه هي شركة الروح القدس.
لعلك تحتج وتقول: كيف هذا!! ألاَّ يستطيع الروح القدس وحده أن يخلصني؟ نعم إنه يستطيع، ولكنه لا يشاء لأنه ليست في سياسة الله أن يرغمك على عمل الخير، لأن العمل الذي لا إرادة لك فيه، لا يجوز مطلقًا أن تكافأ عليه.
وإن كان الروح القدس هو وحده الذي يعمل، فلماذا إذًا وجد أبرار وأشرار؟ لو أن الأمر يتلخص في عمل الروح القدس وحده، ما وجد خاطئ واحد على الأرض. إن الروح القدس يستطيع أن يجعل الخاطئ يتوب، ولكنه لا يشاء أن يفعل هذا ما لم تتحد إرادة هذا الخاطئ معه، إنها شركة.
إن مجرد وجود إنسان خاطئ واحد في العالم، لا يتوب، لهو دليل أكيد على أن النعمة وحدها لا تعمل كل شيء.
هل عمل النعمة معناه إلغاء الحرية الشخصية!
كلا فحريتك قائمة، وإرادتك قائمة. تستطيع أن تستجيب لعمل الروح القدس فيك، وأن تشترك معه وتنقاد له. ويمكنك أيضًا أن توقف عمل الروح القدس فيك إذا أردت. ولذلك يحذرنا الكتاب المقدس قائلًا: "لاَ تُطْفِئُوا الرُّوحَ" (1تس5: 19)، ويقول أيضًا: "لاَ تُحْزِنُوا رُوحَ اللهِ الْقُدُّوسَ" (أف4: 30). النعمة واقفة على الباب تقرع... "هنَذَا وَاقِفٌ عَلَى الْبَابِ وَأَقْرَعُ. إِنْ سَمِعَ أَحَدٌ صَوْتِي وَفَتَحَ الْبَابَ، أَدْخُلُ إِلَيْهِ وَأَتَعَشَّى مَعَهُ وَهُوَ مَعِي" (رؤ3: 20). وإن لم يفتح فهو حرّ، يحدد مصيره كما يشاء.
النعمة تعرض معونتها عليك. وأنت حرّ تقبل أو لا تقبل. تعمل أو لا تعمل.
إذا اشتركت مع الروح القدس في العمل، من أجل نفسك، تصل بنعمة الروح القدس إلى كمال القداسة، حسب درجة استجابتك وانقيادك. وإذا رفضت الاشتراك، فالنعمة لا تشاء مطلقًا أن ترغمك على الخير.
يتطرف كثير من الناس، لدرجة أن كلمة الجهاد الشخصي تبدو كما لو كانت هرطقة! كما لو كانت عملًا ضد الإيمان وضد معونة الله! وهذا كله خطأ.
فالنعمة عبارة عن سلاح مقدم إليك، تستطيع أن تحارب به وتنتصر إن أردت، وتستطيع أن تهمله، وتقابل عدو الخير وأنت أعزل فتنهزم. وأنت في كلا الأمرين حر تنفذ مشيئتك، ومن الخير لك أن تستخدم السلاح المقدم إليك من أجل خلاص نفسك.
وكمثال لهذا الأمر نقول: لو أن جنودًا أخذوا من قيادتهم أثناء الحرب دبابات ومدافع وقنابل وأسلحة، وقاتلوا وانتصروا: فهل النصر راجع إلى بسالتهم أم إلى الأسلحة؟ إن بسالتهم وحدها - بدون أسلحة - ما كانت تكفي مطلقًا للانتصار، فالحرب تحتاج إلى سلاح. والأسلحة وحدها، بدون جنود مهرة يستخدمونها، لا يمكن بمفردها أن تعمل شيئًا. كذلك الأمر في الحروب الروحية هي اشتراك بين إرادة الإنسان وأسلحة الروح.
ضرورة الجهاد
كثيرة هي النصوص المقدسة التي تشرح ضرورة الجهاد. نذكر من بينها قول الرسول: "لِذلِكَ نَحْنُ أيضًا إِذْ لَنَا سَحَابَةٌ مِنَ الشُّهُودِ مِقْدَارُ هذِهِ مُحِيطَةٌ بِنَا، لِنَطْرَحْ كُلَّ ثِقْل، وَالْخَطِيَّةَ الْمُحِيطَةَ بِنَا بِسُهُولَةٍ، وَلْنُحَاضِرْ بِالصَّبْرِ فِي الْجِهَادِ الْمَوْضُوعِ أَمَامَنَا" (عب12: 1). يقول الرسول هذا ثم يوبخ العبرانيين قائلًا: "لَمْ تُقَاوِمُوا بَعْدُ حَتَّى الدَّمِ مُجَاهِدِينَ ضِدَّ الْخَطِيَّةِ" (عب12: 4).
فالمفروض إذًا أن نجاهد، وليس جهادًا عاديًا، إنما جهاد حتى الدم ضد الخطيئة.
وإن سأل أحد: إلى متى هذا الجهاد؟ نقول إنه جهاد العمر كله. وكما يقول الكتاب: "الَّذِي يَصْبِرُ إِلَى الْمُنْتَهَى فَهذَا يَخْلُصُ" (مت10: 22). ورسول الجهاد نفسه شرح لنا كيف عاش بالنعمة فقال: "قَدْ جَاهَدْتُ الْجِهَادَ الْحَسَنَ، أَكْمَلْتُ السَّعْيَ، حَفِظْتُ الإِيمَانَ. وَأَخِيرًا قَدْ وُضِعَ لِي إِكْلِيلُ الْبِرِّ، الَّذِي يَهَبُهُ لِي فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، الرَّبُّ الدَّيَّانُ الْعَادِلُ" (2تي4: 7، 8).
إنه جهاد، ولكنه ليس جهادًا شخصيًا منفصلًا عن عمل الله فيه. بل إنه يجمع الاثنين معًا إذ يقول عن كرازته "الأَمْرُ الَّذِي لأَجْلِهِ أَتْعَبُ أيضًا مُجَاهِدًا، بِحَسَبِ عَمَلِهِ الَّذِي يَعْمَلُ فِيَّ بِقُوَّةٍ" (كو1: 29).
ليس لمن يشاء ولا لمن يسعى.
أما الذين يتطرفون في الحديث عن النعمة بحيث يحتقرون عمل الجهاد، فإنهم يعترضون بالآية التي تقول: "لَيْسَ لِمَنْ يَشَاءُ وَلاَ لِمَنْ يَسْعَى، بَلْ ِللهِ الَّذِي يَرْحَمُ" (رو9: 16).
فما معنى هذا؟ هل معناه أن رحمة الله تعطينا الخلاص المجاني، وتنقلنا إلى الملكوت، بدون سعي وبدون مشيئة صالحة؟! هل معنى هذا أن ينام كل إنسان ويكسل، ولا يسعى نحو الخير. ولا يريده، مكتفيًا بأن يرحمه الله وهو في هذا التراخي؟!
مستحيل أن يقصد الرسول هذا. مستحيل أن يقصد هذا المعنى من قوله ولا لمن يسعى، بينما يقول: "قَدْ جَاهَدْتُ الْجِهَادَ الْحَسَنَ، أَكْمَلْتُ السَّعْيَ" (2تي4: 7).
إن الذي قال (ليس لمن يسعى)، قد أكمل السعي. ونال إكليل البر نتيجة لهذا السعي، ونتيجة لجهاده الحسن.
إن الذي قال (ليس لمن يسعى)، هو الذي قال عن نفسه: "لَيْسَ أَنِّي قَدْ نِلْتُ أَوْ صِرْتُ كَامِلًا، وَلكِنِّي أَسْعَى لَعَلِّي أُدْرِكُ الَّذِي لأَجْلِهِ أَدْرَكَنِي أيضًا الْمَسِيحُ يَسُوعُ... أَيُّهَا الإِخْوَةُ، أَنَا لَسْتُ أَحْسِبُ نَفْسِي أَنِّي قَدْ أَدْرَكْتُ. وَلكِنِّي أَفْعَلُ شيئًا وَاحِدًا: إِذْ أَنَا أَنْسَى مَا هُوَ وَرَاءُ وَأَمْتَدُّ إِلَى مَا هُوَ قُدَّامُ، أَسْعَى نَحْوَ الْغَرَضِ لأَجْلِ جَعَالَةِ دَعْوَةِ اللهِ الْعُلْيَا" (في3: 12- 14).
إن بولس نفسه يسعى لكي يدرك. فهل هذا هو مجرد اختبار خاص قد مر بك يا بولس؟ أبدًا... إنه للكل. لذلك يتابع الرسول كلامه فيقول: "فَلْيَفْتَكِرْ هذَا جَمِيعُ الْكَامِلِينَ مِنَّا" (في3: 15)، إن كنت كاملًا إذًا عليك أن تسعى لكي تدرك.
وبولس الرسول نفسه يدعونا جميعًا إلى هذا السعي وهذا الجهاد فيقول: "أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِينَ يَرْكُضُونَ فِي الْمَيْدَانِ جَمِيعُهُمْ يَرْكُضُونَ، وَلكِنَّ وَاحِدًا يَأْخُذُ الْجَعَالَةَ؟ هكَذَا ارْكُضُوا لِكَيْ تَنَالُوا" (1كو9: 24).
ما الذي تطلبه منا أيها الرسول العظيم؟! كيف نركض، والأمر ليس لمن يشاء ولا لمن يسعى؟! ما الفائدة من أن نركض وأن نجاهد؟ كفانا أن نجلس كما نحن، وتأتينا النعمة من عند الله، فتنقلنا من الموت إلى الحياة، وتدخلنا مجانًا إلى الملكوت، دون أن نشاء ودون أن نسعى! إن بولس يكمل كلامه فيقول: "وَكُلُّ مَنْ يُجَاهِدُ يَضْبُطُ نَفْسَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، إِذًا، أَنَا أَرْكُضُ هكَذَا... بَلْ أَقْمَعُ جَسَدِي وَأَسْتَعْبِدُهُ، حَتَّى بَعْدَ مَا كَرَزْتُ لِلآخَرِينَ لاَ أَصِيرُ أَنَا نَفْسِي مَرْفُوضًا" (1كو9: 25- 27).
إذًا فهذا الركض وهذا السعي، ليس لنا فقط نحن المؤمنين الضعفاء وإنما هو للرسل أيضًا. فبولس نفسه يركض. بولس الذي كان ممتلئًا من الروح القدس، الذي كانت تعمل فيه النعمة أكثر من الجميع، هو أيضًا كان محتاجًا أن يركض، وأن يسعى، وأن يكمل السعي، وأن يجاهد الجهاد الحسن... ويدعونا معه أن نركض مثله لكي ننال.
بل إن بولس العظيم نراه يقمع جسده ويستعبده، حتى لا يصير هو نفسه مرفوضًا! فإن كان بولس الرسول يجاهد ويخاف أن يرفض فماذا نفعل نحن؟
ما معنى إذًا قوله: "ليس لمن يشاء ولا لمن يسعى بل الله الذي يرحم"؟ معناه أن الملكوت لا تصل إليه بمجرد مشيئتك فقط، أو بمجرد سعيك فقط، بدون عمل الله معك، وبدون معونة من نعمته، وبدون شركة الروح القدس.
فالجانب الأساسي في الموضوع يرجع إلى الله الذي يرحم، فالذي يعتمد على مشيئته وحده، وعلى سعيه وحده، هو مخطئ، فأنا أسعى والله يرحم. وعندما يبارك الله سعيي، أرجع الفضل إلى الله وليس إلى هذا السعي.
حقيقي ليس لمن يشاء ولا لمن يسعى، ولكن لله الذي يرحم. ولكن من هو الذي يرحمه الله؟ يقول أحد القديسين "إن الله يرحم الذين يشاءون والذين يسعون".
تذكرني هذه الآية بقول بولس الرسول أيضًا: "إِذًا لَيْسَ الْغَارِسُ شيئًا وَلاَ السَّاقِي، بَلِ اللهُ الَّذِي يُنْمِي" (1كو3: 7).
حقيقي أن الفضل لله الذي ينمي. ولكن الله ينمي الغرس الذي غُرس وسُقي. ليس معنى الآية إننا لا نغرس ولا نسقي. قائلين في أنفسنا ليس الغارس شيئًا ولا الساقي، ثم بعد ذلك في جهالة ننتظر أن الله ينمي!! بل إننا نغرس ونسقي ونقول ليس الغارس شيئًا ولا الساقي بل الله الذي ينمي. تمامًا مثلما نشاء ونسعى، ونقول ليس لمن يشاء ولا لمن يسعى بل لله الذي يرحم.
الحرب الروحية
فلنتأمل شرح الرسول لهذه الحرب الروحية في الإصحاح السادس من رسالته إلى أفسس إذ يقول:
"أَخِيرًا يَا إِخْوَتِي تَقَوُّوْا فِي الرَّبِّ وَفِي شِدَّةِ قُوَّتِهِ. الْبَسُوا سِلاَحَ اللهِ الْكَامِلَ لِكَيْ تَقْدِرُوا أَنْ تَثْبُتُوا ضِدَّ مَكَايِدِ إِبْلِيسَ. فَإِنَّ مُصَارَعَتَنَا لَيْسَتْ مَعَ دَمٍ وَلَحْمٍ، بَلْ مَعَ الرُّؤَسَاءِ، مَعَ السَّلاَطِينِ، مَعَ وُلاَةِ الْعَالَمِ عَلَى ظُلْمَةِ هذَا الدَّهْرِ، مَعَ أَجْنَادِ الشَّرِّ الرُّوحِيَّةِ فِي السَّمَاوِيَّاتِ. مِنْ أَجْلِ ذلِكَ احْمِلُوا سِلاَحَ اللهِ الْكَامِلَ لِكَيْ تَقْدِرُوا أَنْ تُقَاوِمُوا فِي الْيَوْمِ الشِّرِّيرِ، وَبَعْدَ أَنْ تُتَمِّمُوا كُلَّ شَيْءٍ أَنْ تَثْبُتُوا. فَاثْبُتُوا مُمَنْطِقِينَ أَحْقَاءَكُمْ بالْحَقِّ، وَلاَبِسِينَ دِرْعَ الْبِرِّ، وَحَاذِينَ أَرْجُلَكُمْ بِاسْتِعْدَادِ إِنْجِيلِ السَّلاَمِ حَامِلِينَ فَوْقَ الْكُلِّ تُرْسَ الإِيمَانِ، الَّذِي بِهِ تَقْدِرُونَ أَنْ تُطْفِئُوا جَمِيعَ سِهَامِ الشِّرِّيرِ الْمُلْتَهِبَةِ. وَخُذُوا خُوذَةَ الْخَلاَصِ، وَسَيْفَ الرُّوحِ الَّذِي هُوَ كَلِمَةُ اللهِ. مُصَلِّينَ بِكُلِّ صَلاَةٍ وَطِلْبَةٍ كُلَّ وَقْتٍ فِي الرُّوحِ، وَسَاهِرِينَ لِهذَا بِعَيْنِهِ بِكُلِّ مُواظَبَةٍ وَطِلْبَةٍ" (أف6: 10- 18).
هنا مصارعة، وهنا حرب روحية وجهاد. والسلاح هو سلاح الله الكامل. ولكن ليس معنى هذا أننا لا نجاهد، إنما يجب أن تجاهد، وتعتمد على الله في جهادك. لا تكن مثل شخص قدمت إليه أسلحة الله الروحية، ووقف صامتًا لا يستخدمها، ولا يحارب بها. الأسلحة موجودة، ولكن عليه أن يحارب.
أسلحة الله لها قوتها، ولكن إن لم تستخدمها فستنهزم. إن الأشخاص الذين ذكرهم بولس الرسول باكيًا في (في3)، كان بإمكانهم أن يستخدموا كل تلك الأسلحة، ولكنهم تركوها، ومالت نفوسهم نحو الخطيئة واستسلموا لها، فهلكوا في خطاياهم.
على أننا في تلك الأسلحة الروحية نلاحظ البر، والحق، وكلمة الله، والصلاة والطلبة، والسهر، وكل هذه أعمال.
ومعلمنا بطرس الرسول يتكلم أيضًا عن هذه الحرب الروحية فيقول: "اُصْحُوا وَاسْهَرُوا. لأَنَّ إِبْلِيسَ خَصْمَكُمْ كَأَسَدٍ زَائِرٍ، يَجُولُ مُلْتَمِسًا مَنْ يَبْتَلِعُهُ هُوَ. فَقَاوِمُوهُ، رَاسِخِينَ فِي الإِيمَانِ" (1بط5: 8، 9). إن إبليس عدونا مثل أسد زائر. فماذا نفعل إذًا؟
(قاوموه) أي جاهدوا واصمدوا واستبسلوا. ولكن ليس اعتمادًا على ذراعكم البشري، بل (قاوموه راسخين في الإيمان). هذه الآية تدل على الأمرين معًا: الجهاد في مقاومة الشيطان، والنعمة التي يعتمد عليها المجاهد بالإيمان.
ومثل هذا الجهاد يدعو إليه بولس الرسول عندما يوبخ العبرانيين قائلًا: "لَمْ تُقَاوِمُوا بَعْدُ حَتَّى الدَّمِ مُجَاهِدِينَ ضِدَّ الْخَطِيَّةِ" (عب12: 4). هنا جهاد وهنا مقاومة. ولكننا لا نقاوم بقوتنا الخاصة وإنما بسلاح الله الكامل، راسخين في الإيمان.
وهكذا يقول بولس الرسول لتلميذه تيموثاوس "جاهد جهاد الإيمان الحسن". فهنا جهاد وهنا إيمان، والأمران يسيران معًا. ويتحدث بولس الرسول عن جهاده فيقول: ".. جَاهَرْنَا فِي إِلهِنَا أَنْ نُكَلِّمَكُمْ بِإِنْجِيلِ اللهِ، فِي جِهَادٍ كَثِيرٍ" (1تس2: 2). ويقول في رسالته إلى كولوسي (2: 1) "فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَعْلَمُوا أَيُّ جِهَادٍ لِي لأَجْلِكُمْ".
مثال داود وجليات
كيف انتصر داود على جليات؟ هل انتصر عليه بنعمة الله ومعونته؟ نعم بلا شك. لقد كان داود معتمدًا على الرب اعتمادًا كاملًا. ولذلك قال داود لجليات: "أَنْتَ تَأْتِي إِلَيَّ بِسَيْفٍ وَبِرُمْحٍ وَبِتُرْسٍ، وَأَنَا آتِي إِلَيْكَ بِاسْمِ رَبِّ الْجُنُودِ". "هذَا الْيَوْمَ يَحْبِسُكَ الرَّبُّ فِي يَدِي، فَأَقْتُلُكَ وَأَقْطَعُ رَأْسَكَ وَتَعْلَمُ هذِهِ الْجَمَاعَةُ كُلُّهَا أَنَّهُ لَيْسَ بِسَيْفٍ وَلاَ بِرُمْحٍ يُخَلِّصُ الرَّبُّ، لأَنَّ الْحَرْبَ لِلرَّبِّ وَهُوَ يَدْفَعُكُمْ لِيَدِنَا" (1صم17: 45- 47).
عظمة داود في هذه الحرب أنه أدخل الله إلى ميدان القتال. قبل مجيء داود لم يكن هنا كلام عن الله. كان الكلام فقط عن الرجل الصاعد، الرجل الجبار، الذي يعير الجيش دون أن يهتم. وكان الكلام أيضًا عن مكافأة الملك لمن يقتل هذا الرجل (1صم17: 25).
أما داود فأدخل اسم الرب إلى الميدان "آتِي إِلَيْكَ بِاسْمِ رَبِّ الْجُنُودِ... يَحْبِسُكَ الرَّبُّ فِي يَدِي، الرَّبُّ الَّذِي أَنْقَذَنِي مِنْ يَدِ الأَسَدِ، لأَنَّ الْحَرْبَ لِلرَّبِّ... إلخ". ولكن هل اكتفى داود بأن أدخل اسم الرب إلى الميدان، وقال: بالإيمان سأقتل جليات، بدون عمل وبدون جهاد، لأن الحرب للرب وهو سيدفعه ليدنا!
كلا، بل إن داود "انْتَخَبَ لَهُ خَمْسَةَ حِجَارَةٍ مُلْسٍ مِنَ الْوَادِي وَجَعَلَهَا فِي كِنْفِ الرُّعَاةِ الَّذِي لَهُ، وَمِقْلاَعَهُ بِيَدِهِ وَتَقَدَّمَ نَحْوَ الْفِلِسْطِينِيِّ" (1صم17: 40). وكان لما تقدم جليات للقاء داود "أَنَّ دَاوُدَ أَسْرَعَ وَرَكَضَ نَحْوَ الصَّفِّ لِلِقَاءِ الْفِلِسْطِينِيِّ، وَمَدَّ دَاوُدُ يَدَهُ إِلَى الْكِنْفِ وَأَخَذَ مِنْهُ حَجَرًا وَرَمَاهُ بِالْمِقْلاَعِ، وَضَرَبَ الْفِلِسْطِينِيَّ فِي جِبْهَتِهِ، فَارْتَزَّ الْحَجَرُ فِي جِبْهَتِهِ، وَسَقَطَ عَلَى وَجْهِهِ إِلَى الأَرْضِ. فَتَمَكَّنَ دَاوُدُ مِنَ الْفِلِسْطِينِيِّ بِالْمِقْلاَعِ وَالْحَجَرِ، وَضَرَبَ الْفِلِسْطِينِيَّ وَقَتَلَهُ" ولم يكتف بهذا، وإنما - إذ لم يكن له سيف - "رَكَضَ دَاوُدُ وَوَقَفَ عَلَى الْفِلِسْطِينِيِّ وَأَخَذَ سَيْفَهُ وَاخْتَرَطَهُ مِنْ غِمْدِهِ وَقَتَلَهُ وَقَطَعَ بِهِ رَأْسَهُ" (1صم17: 48- 51).
حقيقي أن الحرب للرب، وأن الرب هو الذي حَبسَ جليات في يد داود، ولكن كان لا بد لداود أن يحارب، وأن يتقدم الصف ويركض، وينتخب حجارة معينة، وأن يضع الحجر في المقلاع، ويسدد بمهارة، وكان لا بد أيضًا أن يخترط السيف، ويتمكن من الرجل ويقتله.. وكل هذه أعمال...
ومع كل هذا فنحن نُرجع الفضل في هذا الانتصار إلى الله، وليس إلى داود. لأنه كان من الممكن أن الحصاة لا تأتي في موضع قاتل بالنسبة لجليات فلا يموت بها. ومع أن داود حارب بكل مهارة، وانتصر، فإننا مع ذلك نردد قول بولس الرسول: "ليس لمن يشاء ولا لمن يسعى بل لله الذي يرحم". لا بد من الجهاد والعمل، ومع الجهاد والعمل ننسب النصر لله.
الإيمان والعمل معًا
هكذا أيضًا في الجهاد الروحي.. هي حرب لا شك. أنت تحارب بكل ما عندك من قوة، والقوة التي عندك هي من الله. تحارب بكل ما تملك من سلاح، وهذا السلاح هو سلاح الله الكامل. لا تقل: إني أنام، وأسبح في الأحلام، وفي أحلامي أرى الله ينقذني بالنعمة! إن الله لا ينقذ الكسالى، والنعمة ليست تشجيعًا على التراخي والتهاون.
تلميذ لا يذاكر، ويذهب إلى الكاهن يطلب صلاته لكي ينجح. مؤمنًا بقوة الصلاة... ما الحكم على هذا المثال؟ إن الإيمان بدون أعمال ميت. على التلميذ أن يذاكر، ويطلب الصلاة أيضًا. وهكذا يتحد الإيمان والعمل معًا.
يقول البعض إن الجهاد هو ذراع بشري "وملعون من يتكل على ذراع بشر". والحقيقة أن الجهاد يصبح ذراعًا بشريًا، لو اعتمد الإنسان على ذاته فقط، أي لو اعتبر أنه بمجرد جهاده يخلص دون عمل النعمة معه! هنا يقف أمامه قول السيد الرب: "لأَنَّكُمْ بِدُونِي لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَفْعَلُوا شيئًا" (يو15: 5).
إن الحرب بدون سلاح لا تصلح، والسلاح وحده بدون حرب، وبدون إنسان يستعمله جيدًا، لا يمكن أن يجلب النصر. الاثنان متلازمان. وقد قال بولس الرسول: "إِنْ كَانَ أَحَدٌ يُجَاهِدُ، لاَ يُكَلَّلُ إِنْ لَمْ يُجَاهِدْ قَانُونِيًّا" (2تي2: 5). إذًا لا بد أن تجاهد، وتجاهد جهادًا قانونيًا، وبهذا تخلص.
جهاد الرسل والرعاة
هل الرسل لم يجاهدوا ولم يتعبوا من أجل الإيمان؟ إن بولس الرسول نفسه يقول: "أَنَا تَعِبْتُ أَكْثَرَ مِنْهُمْ جَمِيعِهِمْ" (1كو15: 10). كلهم تعبوا، وبولس تعب أكثر، تعبًا سجله في رسالته الثانية إلى كورنثوس (2كو11: 23- 33). فإذا كانت المسألة مجرد نعمة، لماذا إذًا يتعب بولس وما لزوم الكرازة والوعظ والنصح والتبشير والرعاية والتعب؟ ما دامت النعمة تعمل كل شيء!!
لماذا يتعب الراعي، ويرعى ويفتقد ويجاهد؟ أليس الله قادرًا أن يتكلم في قلوب الناس ويخلصهم وحده؟! ما لزوم الرسل إذًا والرعاة والوعّاظ؟! وما لزوم كل جهاد؟ وهل نسمي كل هذا ذراعًا بشرية؟
لو كانت النعمة تعمل وحدها كل شيء، فالكاهن إذًا ينام، ويصلي في قلبه قائلًا: أنت يا رب الذي تتولى رعاية شعبك. من أنا حتى أجاهد وأرعى؟! ليس لمن يشاء ولا لمن يسعى بل لك أنت الذي ترعى الشعب!!
والواعظ، لماذا يعظ؟ يكفيه أن ينام في البيت مستريحًا ويقول: نعمتك يا رب هي التي تتكلم في قلوب الناس وترشدهم وتخلصهم!!
وأنت، لماذا تتعب نفسك في حياتك الخاصة، في الصلاة وفي الصوم وفي الجهاد. استرح معتمدًا على أن النعمة تفعل كل شيء!
العمل مع الله
نقول هذا لأنه كم من أناس ضيعوا آخرين بنصيحة خاطئة يقولون فيها: لا تجاهد. لماذا تجاهد؟ إن الله لا يبدأ في العمل معك إلاّ عندما تقف أنت! فأبطل عملك لكي يعمل الله!! ما هذا الكلام العجيب القاتل؟ ما معنى أن تبطل عملك لكي يعمل الله؟! لماذا لا تشترك في العمل مع الله، فيعمل الله معك، ويعمل الله فيك، ويعمل الله بك. كما قال بولس عن نفسه وعن أبلوس: "فَإِنَّنَا نَحْنُ عَامِلاَنِ مَعَ اللهِ" (1كو3: 9).
لماذا نفصل عملنا عن عمل الله؟ لماذا لا نعمل سويًا، نشترك معه وهو معنا. وهكذا يتكلم يوحنا الرسول عن الرب وعن "الشركة معه" (1يو1: 6). كما يتكلم بولس الرسول عن شركة الروح القدس...
الله بنعمته، بقوته، بروحه القدوس، يقول لك: أنا أريد أن أعمل معك لتخليصك. فإن قبلت العمل معي تخلص، وإن لم تقبل فإنك تحرم نفسك من هذا الخلاص... أنا واقف على الباب، أعرض نعمتي ومحبتي وقوتي ومعونتي وكل الإمكانيات اللازمة لخلاص النفس التي أقرع على بابها. ولكن... إن فتح أحد الباب لي، إن قبل أن يعمل معي، إن سلّمني أحد ذاته لكي أعمل فيها، إن استسلم أحد لعملي، حينئذ اشترك معه، وهو معي.
مثال من التطرف
من أسوأ ما قرأت في حياتي عن التطرف في إنكار قيمة الأعمال، ما كتبه ف.ب. ماير في كتابه (مخلصون ومحفوظون) إن أشدَّ البروتستانت تعصبًا في محاربة الجهاد، يقولون إن للإنسان جهادًا واحدًا في حياته هو جهاد الصلاة. أما ف.ب. ماير هذا فإنه يحارب أيضًا الجهاد في الصلاة.
فيقول تحت عنوان (عندما كففت عن مجهوداتي): "ليس أمامك إلاّ أن تدرك هذه الحقيقة، وهي أنك طالما كنت تصارع مع الله فإنك تخسر أثمن بركاتك! لقد صارع يعقوب مع الله طول الليل ولم يتقدم خطوة واحدة. وعندما لم يستطع أن يصارع بعد، لأن حُقَّ فخذه قد انخلع، وكان على وشك السقوط، نال البركة التي جعلته رئيسًا"!!
ويستطرد ماير فيقول: "لقد تأوهت وجاهدت وتوسلت لكن بلا جدوى. والآن اصمت واسكت!! إن مجهوداتك الجبارة زادت أمورك تعقيدًا"!! ويظل هذا الكاتب البروتستانتي يحارب الصلاة والجهاد والتوسل والصراع مع الله، إلى أن يقول: "اعلم أن الله قادر أن يخلصك... لقد كان منتظرًا كل هذا الوقت الطويل ليخلصك، وحالما تنتهي مجهوداتك سيبدأ هو"!! وهكذا يدعو إلى إبطال السعي، قائلًا في باب آخر عنوانه (لا نسعى بل نتقبل): "إنك لن تحصل على البركة التي تتوق إليها بالكفاح والنضال بصرخاتك القوية وصلواتك، بعزيمتك ومساعيك. بل بأن تهدئ نفسك أمام الله وتقبل النعمة".
ثم شرح مثلًا لفشل مجهودات الصلاة، فروى قصة عن إنسان ظلّ يجاهد سنتين، رفع فيهما صلوات إلى الله ليهبه قوة للتغلب على تجربته. وبدا أن الصلوات لم تسمع. ولما يئس جدًا، ولما أبطل الصلاة، بدأ الله يعمل!!!
هل هذا تعليم يرضي ضمير أحد؟! والكتاب يدعونا في كل أسفاره، أن نجاهد في الصلاة، وأن نصلي بلا انقطاع وأن نسهر ونصلي... ولكنه التطرف البروتستانتي في إنكار قيمة الجهاد حتى في الصلاة!!
التداريب الروحية
إن البروتستانت ومن إليهم ممن يحاربون الجهاد والعمل، يحاربون أيضًا التداريب الروحية، كما لو كانت هي أيضًا اعتمادًا على ذراع بشرية.
ونحن نقول أنه إذا سلك الإنسان في التدريب الروحي، معتمدًا على قوته الخاصة، فإنه يخطئ ولا شك. جيد أن يدرب كل إنسان نفسه، ولكن معتمدًا على قوة الله، مرددًا قول بولس الرسول: "أَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ الَّذِي يُقَوِّينِي" (في4: 13).
وبولس الرسول يتحدث عن تداريبه فيقول في سفر الأعمال: "لِذلِكَ أَنَا أيضًا أُدَرِّبُ نَفْسِي لِيَكُونَ لِي دَائِمًا ضَمِيرٌ بِلاَ عَثْرَةٍ مِنْ نَحْوِ اللهِ وَالنَّاسِ" (أع24: 16). ويقول في رسالته إلى فيلبى: "وَفِي جَمِيعِ الأَشْيَاءِ قَدْ تَدَرَّبْتُ أَنْ أَشْبَعَ وَأَنْ أَجُوعَ، وَأَنْ أَسْتَفْضِلَ وَأَنْ أَنْقُصَ" (في4: 12). لقد تدرب في كل شيء، وأصبحت له الحواس مدربة (عب5: 14).
لا مانع إذًا من أن يستخدم المؤمن التداريب الروحية، بل أن يصلي إلى الله ويقول: "دَرِّبْنِي فِي حَقِّكَ وَعَلِّمْنِي.." (مز25: 5). ولكن في كل هذه التداريب يعتمد على قوة الله التي تعينه. وفي كل نجاح له، ينسب الفضل لله وليس لشجاعته الخاصة وضبطه لنفسه.
الثقة وضمان الملكوت
الثقة وضمان الملكوت
سؤالان يمران بأذهان الكثيرين
1- ما هي حدود الرجاء في مراحم الله؟
2- هل يحق للمؤمن أن يعتبر نفسه ضامنًا للملكوت؟
فما هي الإجابة عنهما؟
ما هي حدود الرجاء في مراحم الله؟
ا- ثقة في الله، غير محدودة
أنسأل: ما هي حدود الرجاء في مراحم الله؟ في الواقع، ليس لهذا الرجاء حدود. فبمقدار ما تكون مراحم الله، هكذا يكون الرجاء فيها. وما دامت مراحم الله غير محدودة، هكذا أيضًا الرجاء في مراحم الله غير محدود.
إن الرجاء هو إحدى الفضائل الثلاث الكبار(1كو13: 13) وهو- ككل فضيلة - ينمو في الإنسان حتى يصل إلى كماله النسبي فيه. ولا يبلغ الرجاء كماله، إلا إذا خلا من كل شك، وتثبت بكل يقين.
وثقة الرجاء تأتي من أمرين: أحدهما يتعلق بالله، والثاني بالإنسان نفسه. أما عن الرجاء - من جهة الله - فهو يُبنى على الإيمان بصفات الله، ومعاملاته السابقة، وكفارة دمه، وصدق مواعيده.
ومن صفات الله أنه غير محدود في رحمته وشفقته ومغفرته ومحبته، وأنه لا يسر بموت الخاطئ، بل بأن يرجع ويحيا (حز18: 23). ومعاملات الله السابقة تثبت لنا هذه الصفات... وكفارة دمه غير محدودة. كافية لغفران خطايا العالم كله من أول الدهور إلى آخرها. أما وعوده فهي كثيرة وصادقة تفتح أبواب الرجاء واسعة أمام التائبين.
هذه هي إحدى زوايا الرجاء. ومن ينظر منها إلى الأبدية، يشبع أملًا. أما الزاوية الأخرى فهي الإنسان ذاته. فهل نظرة الإنسان إلى ذاته يمكن أن تجلب الثقة بأنه ضامن للملكوت؟
ب- عدم ثقة بإرادتنا الخاصة
لست أميل إلى الترتيلة التي تقول "إني واثق..." هي ترتيلة بروتستانتية بلا شك. وعلى الرغم من أن بعض ألفاظها سليمة وصحيحة، إلا أنها - في مجموعها - تعطي تعليمًا بروتستانتيًا غير سليم.
إن سألك أحد "هل أنت واثق؟" فبماذا تجيب؟...
نعم، أنا واثق بدم المسيح، ثقة لا حدود لها، ولكني لا أثق بنفسي. لا أثق بحرية إرادتي، التي ربما تميل إلى الشر. وبعدما بدأت بالروح، ربما أكمل بالجسد (غلا3: 3).
ولذلك فإن الذين يفقدون الخلاص، يفقدونه ليس بسبب أن الله عاجز عن أن يخصلهم، وإنما بسبب أن إرادتهم الحرة قد انحرفت نحو الشر.
فهل يفقد الإنسان الرجاء؟ كلا، فهذا تطرف وقع فيه قايين - أول خاطئ من بني آدم - حينما قال: "ذَنْبِي أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُحْتَمَلَ" (تك4: 13). وفي قَطع الرجاء وقع يهوذا أيضًا، إذ "مَضَى وَخَنَقَ نَفْسَهُ" (مت27: 5).
وكما يخطئ الإنسان إذا فقد الرجاء، يخطئ أيضًا إذا اعتمد على رجاء كاذب مبني على برّه الذاتي. ويخطئ كذلك إذا كان في اعتماده على دم المسيح، ينسى اجتهاده واحتراسه، ولا يفعل ما يجعله مستحقًا لفاعلية دم المسيح...
ويخطئ مَن يظن أنه لا صلة له بالخطية على الإطلاق، وأنه قد تجدد وقد تقدس وأصبح في حياة أخرى لا يمكن فيها أن يخطئ. هذا أيضًا رجاء كاذب. ويختفي وراءه لون من البر الذاتي، سواء كان يدري به صاحبه أو لا يدري...
إننا نثق بدم المسيح، ونثق بكفارته وفدائه. ولكننا - في داخل أنفسنا - نعترف بأننا خطاة، ونعترف بأنه ما أسهل أن تضيعنا خطيئتنا...
إن الذي يقول: "أنا ضامن للملكوت"، كأنه يقول: "أنا ضامن أنني سوف لا أخطئ. وإن أخطأت، فأنا ضامن أنني سوف أتوب توبة صادقة مقبولة"!! أو لعل مثل هذا يحتج على كلامي ويقول: كلا، سوف لا أتحدث عن التوبة. وإنما إن أخطأت "فَلَنَا شَفِيعٌ عِنْدَ الآبِ، يَسُوعُ الْمَسِيحُ الْبَارُّ، وَهُوَ كَفَّارَةٌ لِخَطَايَانَا" (1يو2: 1، 2).
نعم، يا أخي، هو كفارة عن خطايانا. ولكنه هو أيضًا الذي قال: "إِنْ لَمْ تَتُوبُوا فَجَمِيعُكُمْ كَذلِكَ تَهْلِكُونَ" (لو13: 3). هل تظن أنه سيشفع فيك دون أن تتوب؟! كلا، إن هذا وهم باطل. فاهتمّ بأبديتك إذًا، وتب. واعرف أن الذي لا يتوب، سوف لا يشفع المسيح فيه. وإنما ينذره قائلًا: "احْفَظْ وَتُبْ، فَإِنِّي إِنْ لَمْ تَسْهَرْ، أُقْدِمْ عَلَيْكَ كَلِصٍّ، وَلاَ تَعْلَمُ أَيَّةَ سَاعَةٍ أُقْدِمُ عَلَيْكَ" (رؤ3: 3).
تواضع إذًا يا أخي. واستمع إلى قول بولس الرسول منذرًا: "إِذًا مَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ قَائِمٌ، فَلْيَنْظُرْ أَنْ لاَ يَسْقُطَ" (1كو10: 12). إنك لست أقوى من الذين سقطوا، بل ربما لم تصل إلى شيء من درجتهم بعد، قبل سقوطهم. انظر ماذا يقول بولس الرسول، وتمعن جيدًا في الصفات التي يوردها. إنه يقول: "لأَنَّ الَّذِينَ اسْتُنِيرُوا مَرَّةً، وَذَاقُوا الْمَوْهِبَةَ السَّمَاوِيَّةَ وَصَارُوا شُرَكَاءَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، وَذَاقُوا كَلِمَةَ اللهِ الصَّالِحَةَ وَقُوَّاتِ الدَّهْرِ الآتِي، وَسَقَطُوا" (عب6: 4- 6).
يا للهول، ويا للخوف!! هل وصلت يا من تضمن الملكوت إلى هذه الدرجات العالية التي كانت لأولئك؟! هل استنرت، وصرت شريكًا للروح القدس، وذقت الموهبة السماوية وكلمة الله الصالحة وقوات الدهر الآتي؟! ومع ذلك فإن الذين نالوا كل هذه المواهب قد سقطوا. ولم يسقطوا فقط بل هلكوا. لأن الرسول يقول إنه: "لاَ يُمْكِنُ تَجْدِيدُهُمْ أيضًا لِلتَّوْبَةِ" ويشبههم بأرض "مَرْفُوضَةٌ وَقَرِيبَةٌ مِنَ اللَّعْنَةِ، الَّتِي نِهَايَتُهَا لِلْحَرِيقِ" (عب6: 6، 8).
جـ- هل خلصت أم لم تخلص؟
قال لي أحد الشبان: "بماذا أجيب إذًا، إن سألني شخص قائلًا "هل خلصت أم لم تخلص؟".
أولًا يجب أن تدرك أن من يسألك هكذا ليس أرثوذكسيًا خالصًا. لا بد أن يكون بروتستانتي المذهب، أو على الأقل بروتستانتيًا في بيئته وثقافته. لأن الذي يتجاهل معموديتك، وما نلته من الأسرار المقدسة، ويلقي في نفسك الشك في إيمانك، ويدعوك من الآن إلى الإيمان وإلى الخلاص، كما لو كنت وثنيًا في حياتك السابقة!! مثل هذا، لا يمكن أن يكون أرثوذكسيًا، فلغته تظهره.
أما الإجابة على سؤاله فهي: نعم، إنني خلصت في المعمودية من الخطية الأصلية، الخطية الجدية الموروثة. نلت هذا الخلاص الأول بدم المسيح وفاعلية كفارته وفدائه. أما الخلاص النهائي، فنناله بعد أن نخلع هذا الجسد. إننا ما نزال في حرب "مُصَارَعَتَنَا لَيْسَتْ مَعَ دَمٍ وَلَحْمٍ، بَلْ مَعَ... أَجْنَادِ الشَّرِّ الرُّوحِيَّةِ" (أف6: 12). وسننال الخلاص عندما نغلب وننتصر في هذه الحرب...
وطالما نحن في الجسد، لا نستطيع أن نقول إننا انتصرنا وخلصنا... لذلك فالكنيسة المقدسة لا تعيد للقديسين في يوم ميلادهم الجسدي، ولا في يوم انضمامهم إلى الكنيسة، وإنما في يوم نياحتهم، أو استشهادهم، عملًا بقول الكتاب: "انْظُرُوا إِلَى نِهَايَةِ سِيرَتِهِمْ فَتَمَثَّلُوا بِإِيمَانِهِمْ" (عب13: 7). وهكذا في مجمع القديسين في القداس الإلهي، نذكر نفوس جميع الأبرار الذين كملوا في الإيمان، أو اكتملت حياتهم في الإيمان.
نذكر هنا قصة نياحة القديس العظيم الأنبا مقاريوس الكبير، الذي طاردت الشياطين روحه بعد خروجها من الجسد، قائلين له: "خلصت يا مقاره". وكيف إنه لم يقل لهم "نعم بنعمة المسيح خلصت" إلا بعد أن دخل إلى الفردوس.
د- لتكن إجابتكم من إيمان الكنيسة
إن سُئلتم سؤالًا عقيديًا، فلا تجيبوا مطلقًا معتمدين على فكركم الخاص أو فهمكم الخاص. فقد قال الكتاب: "عَلَى فَهْمِكَ لاَ تَعْتَمِدْ" (أم3: 5).
أنت ابن الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، جاوب إذًا بإيمان الكنيسة القبطية الأرثوذكسية. إيمانها كما يظهر في كتبها الكنسية المعترف بها. وكما يظهر في أقوال آبائها، وفي قوانينها وتقاليدها. وسأنظر الآن إلى كتابين هامين من كتب الكنيسة هما الخولاجي المقدس والأجبية، وأرى ماذا يعلماننا في موضوعنا هذا...
إنك تصلي كل يوم في صلاة الغروب وتقول "إذا كان البار بالجهد يخلص، فأين أظهر أنا الخاطئ". "احسبني يا الله مع أصحاب الساعة الحادية عشر، لأني أفنيت عمري في اللذات والشهوات، وقد مضى مني النهار وفات". "لكل إثم بحرص ونشاط فعلت، ولكل خطية بشوق واجتهاد ارتكبت، ولكل عذاب وحكم استوجبت".
هل في عبارة واحدة من كل هذا، ما يدل على أنك قد خلُصت وضمنت الملكوت وانتهى الأمر. أم هي صلوات من نفسٍ منسحقة معترفة بخطاياها، معترفة بأنها تستحق كل عقوبة، طالبة الرحمة من الرّب؟
بنفس هذا الانسحاق تقف أمام الله في صلاة النوم وتقول: "هوذا أنا عتيد أن أقف أمام الديان العادل مرعوب ومرتعب من أجل كثرة ذنوبي، لأن العمر المنقضي في الملاهي يستوجب الدينونة. لكن توبي يا نفسي ما دمت في الأرض ساكنة...". وتوبخ نفسك قائلًا: "إذا انكشفت أفعالك الرديئة وشرورك القبيحة، أمام الديان العادل، فأي جواب تجيبي، وأنت على سرير الخطايا منطرحة، وفي إخضاع الجسد متهاونة!؟"...
إنه انسحاق العشار الواقف أمام الله في ذلة، وليست كبرياء الفريسي... إننا لا نقف كأبرار قد تجددوا وتقدسوا، ونالوا الخلاص، وضمنوا الملكوت إنما في كل صلاة نعترف باستحقاقنا للدينونة ونطلب الخلاص...
وهكذا في صلاة "تفضل يا رب" في صلاة النوم، يتضرع كل منا قائلًا: "أنا طلبت إلى الرب وقلت: ارحمني وخلص نفسي، فإني أخطأت إليك. التجأت يا رب إليك، فخلصني، وعلمني أن أصنع مشيئتك".
وصلاة الساعة السادسة نستهلها بقول المزمور: "اَللَّهُمَّ، بِاسْمِكَ خَلِّصْنِي" (مز53: 1). ونقول فيها "مزق صك خطايانا، أيها المسيح إلهنا ونجنا".
وهكذا تعلمك الكنيسة أن تتضرع إلى الرب كل يوم أن يمزق صكّ خطاياك، مختتمًا هذه القطعة من الصلاة بقولك: "كلامي أقوله، فيسمع صوتي، ويخلص نفسي بسلام".
إنك نلت خلاصًا في المعمودية من خطيئتك الأصلية، ومات إنسانك العتيق، عندما مت مع المسيح ودُفنت معه. ولكنك مع ذلك، ما تزال تخطئ كل يوم. وإن قلت إنك لا تخطئ تضل نفسك ولا يكون الحق فيك (1يو1: 8).
أنت تخطئ كل يوم، وأجرة الخطية الموت. إذًا فأنت تتعرض للموت كل يوم. وتحتاج في كل يوم إلى الخلاص. تحتاج إلى دم المسيح يوميًا ليطهرك من كل خطية. لذلك تحتاج باستمرار إلى أن تعترف بخطاياك، وتتوب، وتتناول من جسد الرب ودمه الذي "يعطى عنا خلاصا، وغفرانا للخطايا، وحياة أبدية لكل من يتناول منه" حسبما تعلمنا صلوات القداس الإلهي.
إنه خلاص يتجدد باستمرار، تطلبه كل يوم، وتأخذه في كل توبة، وفي كل تحليل يصليه الكاهن على رأسك، وفي كل تناول من جسد الرب ودمه.
نرجع بعد هذه المقدمة إلى موضوع الثقة وضمان الملكوت.
********
أسس الثقة وشروطها كما يشرحها يوحنا الرسول
ثقة بولس ويقينه
الذين يتكلمون عن ضمان الملكوت، يعتمدون أولًا على قول بولس الرسول: "فَإِذْ لَنَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ ثِقَةٌ بِالدُّخُولِ إِلَى الأَقْدَاسِ بِدَمِ يَسُوعَ" (عب10: 19). وكذلك قوله عن نفسه: "لأَنَّنِي عَالِمٌ بِمَنْ آمَنْتُ، وَمُوقِنٌ أَنَّهُ قَادِرٌ أَنْ يَحْفَظَ وَدِيعَتِي إِلَى ذلِكَ الْيَوْمِ" (2تي1: 12). وقوله أيضًا "وَأَخِيرًا قَدْ وُضِعَ لِي إِكْلِيلُ الْبِرِّ" (2تي4: 8). وغير ذلك من النصوص المقدسة التي يعتمد عليها الكثيرون قائلين إنهم يعيشون في "يقين بولس"!!
وسوف نتناول بنعمة الرب كل تلك النصوص بالشرح والتعليق في الصفحات المقبلة إن شاء الله.
غير أننا نود أن نفهم أولًا على أي أساس تبنى هذه الثقة. لذلك لسنا نجد - في مقدمة موضوعنا هذا - خيرًا من التوضيح الجميل الذي قدمه لنا معلمنا يوحنا الرسول، عن شروط الثقة وأسبابها وأساسها.
فما هي الأسس التي تحدث عنها يوحنا الرسول؟
1- شرط راحة الضمير
يقول القديس يوحنا الرسول: "أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، إِنْ لَمْ تَلُمْنَا قُلُوبُنَا، فَلَنَا ثِقَةٌ مِنْ نَحْوِ اللهِ" (1يو3: 21). هنا شرط: إن لم تلمنا قلوبنا. أي إن كان ضميرنا لا يلومنا أو لا يبكتنا على شيء. إن كنا لا نخطئ في شيء يجعل قلوبنا تلومنا...
مصدر الثقة هنا إذًا، وأساسها الذي تبنى عليه، هو أن قلوبنا تكون راضية من جهة علاقتنا بالله، لا تلومنا على شيء. أما إذا لامتنا، فإن الثقة بالتالي تتزعزع بلا شك.
إذًا تأتي الثقة من راحة الضمير. وكيف تأتي راحة الضمير هذه؟ يوضح القديس يوحنا هذه الفكرة فيقول: "أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، إِنْ لَمْ تَلُمْنَا قُلُوبُنَا فَلَنَا ثِقَةٌ مِنْ نَحْوِ اللهِ. وَمَهْمَا سَأَلْنَا نَنَالُ مِنْهُ، لأَنَّنَا نَحْفَظُ وَصَايَاهُ، وَنَعْمَلُ الأَعْمَالَ الْمَرْضِيَّةَ أَمَامَهُ" (1يو3: 21، 22).
لقد اتضح إذًا مصدر هذه الثقة. وهو أننا نحفظ وصايا الله، ونعمل الأعمال المرضية أمامه. هذا هو حجر الزاوية في التعليم. طالما نحن نحفظ وصايا الله ونعمل الأعمال المرضية أمامه، فإن ضميرنا يكون مستريحًا، ولا يوجد شيء تلومنا قلوبنا عليه، وحينئذ يكون لنا ثقة من نحو الله. ماذا قال معلمنا يوحنا الرسول أيضًا؟
2- شرط الثبات في المسيح
يقول: "وَالآنَ أَيُّهَا الأَوْلاَدُ، اثْبُتُوا فِيهِ، حَتَّى إِذَا أُظْهِرَ يَكُونُ لَنَا ثِقَةٌ، وَلاَ نَخْجَلُ مِنْهُ فِي مَجِيئِهِ. إِنْ عَلِمْتُمْ أَنَّهُ بَارٌّ هُوَ، فَاعْلَمُوا أَنَّ كُلَّ مَنْ يَصْنَعُ الْبِرَّ مَوْلُودٌ مِنْهُ" (1يو2: 28، 29).
هنا شرط آخر للثقة وهو أن نكون ثابتين في المسيح. فإن لم نثبت في المسيح، لا تكون لنا ثقة، ونخجل منه في مجيئه... إنه تعليم واضح.
هل تقول إذًا: أنا خلصت، إني واثق، أنا ضامن للملكوت!! بينما ضميرك يوبخك على سلوك معين، أو أنت غير ثابت في المسيح. حينئذ تكون في موقف من يخدع نفسه، أو من يتكلم كلامًا في الهواء...
أتريد أن تكون لك ثقة؟ اثبت في المسيح. وإن أردت أن تعرف ما معنى الثبات فيه، تعال بنا نسأل الكتاب ونسترشد به:
يقول بولس الرسول: "فَاثْبُتُوا إِذًا فِي الْحُرِّيَّةِ الَّتِي قَدْ حَرَّرَنَا الْمَسِيحُ بِهَا، وَلاَ تَرْتَبِكُوا أيضًا بِنِيرِ عُبُودِيَّةٍ" (غلا5: 1). أي لا تسمح لأية خطية أن تستعبدك. وماذا أيضًا في معنى الثبات؟
يقول يوحنا الرسول موضحًا: "كُلُّ مَنْ يَثْبُتُ فِيهِ لاَ يُخْطِئُ. كُلُّ مَنْ يُخْطِئُ لَمْ يُبْصِرْهُ وَلاَ عَرَفَهُ" (1يو3: 6). إذًا إن كنت تخطئ، فأنت غير ثابت فيه. وإن كنت غير ثابت فيه، فلا تكون لك ثقة. وحينئذ تخجل منه في مجيئه.
ما أسهل إذًا أن تقول إني واثق، أو تقول إني ضامن للملكوت، دون أن تقدّر ما يقوله الكتاب في شرح معنى هذه الثقة، التي تتطلب منك أن لا تخطئ...
يؤكد يوحنا الرسول هذا المعنى، فيقول في نفس رسالته: "مَنْ يَحْفَظْ وَصَايَاهُ يَثْبُتْ فِيهِ وَهُوَ فِيهِ" (1يو3: 24). هذا هو الثبات المتبادل، يأتي عن طريق حفظ الوصايا.
ولكن إلى أية درجة يحفظ الإنسان الوصايا؟ يجيب الرسول: "مَنْ قَالَ: إِنَّهُ ثَابِتٌ فِيهِ يَنْبَغِي أَنَّهُ كَمَا سَلَكَ ذَاكَ هكَذَا يَسْلُكُ هُوَ أيضًا" (1يو2: 6).
من يجرؤ بعد هذا النص الصريح أن يقول إنه ثابت في الرب؟! وإن كنا غير ثابتين، فكيف إذًا تكون لنا ثقة، ولا نخجل منه في مجيئه.
إذًا بدلًا من عبارة إني واثق، وإني ضامن، يحسن بعد هذا كله، أن نقف مع العشار المنسحق، ليقرع كل منا قلبه ويقول: "اللّهُمَّ ارْحَمْنِي أَنَا الْخَاطِئَ" (لو18: 13).
تستطيع أن تقول إنك واثق وإنك ضامن الملكوت، إن كنت على الدوام ثابتًا في المسيح، كما سلك هو تسلك أنت أيضًا. أو على الأقل إن كنت على الدوام تحفظ وصاياه، وتفعل في كل حين ما يرضيه. لأن الرسول يقول: "وَأَمَّا الَّذِي يَصْنَعُ مَشِيئَةَ اللهِ فَيَثْبُتُ إِلَى الأَبَدِ" (1يو2: 17). ويقول أيضًا: "إِنْ ثَبَتَ فِيكُمْ مَا سَمِعْتُمُوهُ مِنَ الْبَدْءِ، فَأَنْتُمْ أيضًا تَثْبُتُونَ فِي الابْنِ وَفِي الآبِ" (1يو2: 24).
ورب المجد نفسه يشرح لنا أهمية الثبات فيه، فيقول: "إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يَثْبُتُ فِيَّ يُطْرَحُ خَارِجًا كَالْغُصْنِ، فَيَجِفُّ وَيَجْمَعُونَهُ وَيَطْرَحُونَهُ فِي النَّارِ، فَيَحْتَرِقُ" (يو15: 6).
أتريد إذًا أن تثبت فيه كالغصن، وتسري فيك عصارة الكرمة فلا تجف، ولا تلقى إلى النار فتحترق، اسمع الرب يقول: "مَنْ يَأْكُلْ جَسَدِي وَيَشْرَبْ دَمِي يَثْبُتْ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ" (يو6: 56). وماذا أيضًا يا رب؟ يقول و"يَحْيَا إِلَى الأَبَدِ" (يو6: 58).
إذًا فمن شروط الثقة: راحة الضمير، والثبات في الرب، بكل ما يحمل هذان الشرطان من تفاصيل. فما هو الشرط الثالث إذًا؟ إنه:
3- شرط المحبة الكاملة
قال الرسول إنه من ضمن شروط الثقة، أن يثبت الإنسان في الله. ولكي يثبت في الله، ينبغي أن يثبت في المحبة. لأن الله محبة. وهكذا قال القديس يوحنا الحبيب: "اَللهُ مَحَبَّةٌ، وَمَنْ يَثْبُتْ فِي الْمَحَبَّةِ، يَثْبُتْ فِي اللهِ وَاللهُ فِيهِ" (1يو4: 16).
فإن ثبت الإنسان في محبة الله، وتكاملت محبته، حينئذ تكون له ثقة. ولهذا يتابع الرسول كلامه فيقول: "بِهذَا تَكَمَّلَتِ الْمَحَبَّةُ فِينَا: أَنْ يَكُونَ لَنَا ثِقَةٌ فِي يَوْمِ الدِّينِ" (1يو4: 17).
وكيف نثبت في محبة الله؟ يقول الرب نفسه: "إِنْ حَفِظْتُمْ وَصَايَايَ تَثْبُتُونَ فِي مَحَبَّتِي، كَمَا أَنِّي أَنَا قَدْ حَفِظْتُ وَصَايَا أَبِي وَأَثْبُتُ فِي مَحَبَّتِهِ" (يو15: 10). لكي نصل إذًا إلى المحبة الكاملة التي تجلب الثقة، علينا بلا شك أن نكون كاملين في حفظ وصاياه.
وطبيعي أننا إن وصلنا إلى هذه الثقة كنتيجة للمحبة الكاملة، حينئذ لا نخاف بل نطمئن. ولهذا يتابع الرسول كلامه فيقول: "لاَ خَوْفَ فِي الْمَحَبَّةِ، بَلِ الْمَحَبَّةُ الْكَامِلَةُ تَطْرَحُ الْخَوْفَ إِلَى خَارِجٍ" (1يو4: 18).
فهل وصلت أيها الأخ إلى المحبة الكاملة؟ هل أصبحت تحب الرب من كل قلبك، ومن كل فكرك، ومن كل قدرتك؟ وهل في محبتك الكاملة لله أصبحت تبغض العالم بكل ملاذه وشهواته وأمجاده، وتبغض حتى نفسك؟ إن كنت كذلك، وإن استمر الحال بك كذلك، فطوباك. لك أن تثق، طالما أنت ثابت في هذه المحبة الكاملة.
كلمة ختامية
إذًا فالثقة كما يشرحها معلمنا القديس يوحنا الرسول، لها شروط. ومن شروطها أن يحفظ الإنسان وصايا الله ويعمل كل حين ما يرضيه، حتى يرتاح بذلك ضميره، ولا يلومه قلبه على شيء. ومن شروطها الثبات في المسيح، بكل ما تحمله هذه العبارة من معنى. ومن شروطها الوصول إلى المحبة الكاملة من نحو الله، حتى تستطيع المحبة أن تطرح الخوف إلى خارج.
إن وصل الإنسان إلى هذه الدرجات، تكون له الثقة الكاملة، ويصل إلى "يقين بولس" الذي يتغنون به، والذي سنشرحه الآن.
صدقوني، إن كثيرًا من الذين يقولون إنهم واثقون وضامنون، تفكيرهم سطحي جدًا، ولم يصلوا إلى الفهم الحقيقي لمعنى هذه الثقة كما شرحها القديس يوحنا الرسول.
الثقة واليقين في رسائل بولس الرسول
1- يقين بولس وإكليله
يقولون إنهم واثقون من الخلاص لأن بولس الرسول قد قال: "وَأَخِيرًا قَدْ وُضِعَ لِي إِكْلِيلُ الْبِرِّ" (2تي4: 8). وأيضًا لأنه قال: "لأَنَّنِي عَالِمٌ بِمَنْ آمَنْتُ، وَمُوقِنٌ أَنَّهُ قَادِرٌ أَنْ يَحْفَظَ وَدِيعَتِي إِلَى ذلِكَ الْيَوْمِ" (2تي1: 12).
أ- من قال هذا الكلام؟
أول شيء ينبغي أن نعرفه هو: من قال هذه العبارات؟ لقد قالها بولس الرسول وهو من أكبر الرسل بلا منازع. بولس الذي قال: "مَعَ الْمَسِيحِ صُلِبْتُ، فَأَحْيَا لاَ أَنَا، بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ" (غلا2: 20). بولس الذي قال: "فَإِنِّي مُتَيَقِّنٌ أَنَّهُ لاَ مَوْتَ وَلاَ حَيَاةَ، وَلاَ مَلاَئِكَةَ وَلاَ رُؤَسَاءَ وَلاَ قُوَّاتِ، وَلاَ أُمُورَ حَاضِرَةً وَلاَ مُسْتَقْبَلَةً، وَلاَ عُلْوَ وَلاَ عُمْقَ، وَلاَ خَلِيقَةَ أُخْرَى، تَقْدِرُ أَنْ تَفْصِلَنَا عَنْ مَحَبَّةِ اللهِ الَّتِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا" (رو8: 38، 39).
لقد قال هذا الكلام بولس الذي اختطف إلى السماء الثالثة... الذي أشفق الله عليه من فرط الإعلانات (2كو12: 2، 7). فهل أنت أيها الواثق تشبه بولس الرسول فيما وصل إليه من سمو وروحانية ونعمة؟! لا يجوز مطلقًا أن تأخذ حالة القديسين وتنسبها إلى نفسك. إن كان بولس موقنًا، فليس معناه أنك كذلك... ثم هناك نقطة أخرى وهي:
ب- متى قال القديس بولس هذا الكلام؟
قال مار بولس هذه العبارات وهو في أواخر أيامه. لذلك قال قبلها مباشرة: "فَإِنِّي أَنَا الآنَ أُسْكَبُ سَكِيبًا، وَوَقْتُ انْحِلاَلِي قَدْ حَضَرَ" (2تي4: 6). وقال هذا أيضًا بعد أن جاهد الجهاد الحسن، وأكمل السعي، وحفظ الإيمان (2تي4: 7).
ولا مانع مطلقًا - بالنسبة إلى إنسان بار قديس في أواخر أيامه - أن يعطيه الرب ثقة ورجاء، أو أن يجعله يرى الإكليل الذي ينتظره، كما كان بعض الشهداء يرون أكاليلهم قبل سفك دمائهم من أجل المسيح.
ومع ذلك فلنفحص هاتين العبارتين بالتدقيق، ونرى على أي شيء يدلان.
جـ- "إني موقن أنه قادر"
يقول بولس الرسول إنه موقن بأن الله قادر أن يحفظ وديعته. فماذا تعني هذه العبارة؟ لا شك أن الله قادر على أن يحفظ وديعة أي إنسان، ولكن ماذا عن الإنسان ذاته؟ في أي اتجاه تسير إرادته؟
إن الله قادر، وربما أنت لا تريد... الله قادر أن يحفظ وديعتك، وأنت ربما تلقيها بحرية إرادتك إلى الجحيم.. ألم يقل "كَمْ مَرَّةٍ أَرَدْتُ.. وَلَمْ تُرِيدُوا" (مت23: 37).
إن قدرة الله أمر لا يشك فيه أحد. ولكن قدرة الله لا تلغي حرية إرادتك. بالنسبة إلى مار بولس الرسول، كانت حرية إرادته متفقة اتفاقًا كاملًا مع قدرة الله على حفظ وديعته. فهل أنت كذلك؟! نتناول بعد هذا، العبارة الأخرى التي قالها الرسول:
د- "أخيرًا وضع لي إكليل البر"
قال بولس الرسول: "وَأَخِيرًا قَدْ وُضِعَ لِي إِكْلِيلُ الْبِرِّ، الَّذِي يَهَبُهُ لِي فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، الرَّبُّ الدَّيَّانُ الْعَادِلُ" (2تي4: 7، 8). قال إن الإكليل قد وضع، ولم يقل إنه قد أخذ الإكليل، فالإكليل موضوع يأخذه البار في ذلك اليوم.
وكم من أشخاص وضع لهم هذا الإكليل وفقدوه. لذلك ينذر الرب ملاك كنيسة فيلادلفيا، قائلًا له: "تَمَسَّكْ بِمَا عِنْدَكَ لِئَلاَّ يَأْخُذَ أَحَدٌ إِكْلِيلَكَ" (رؤ3: 11).
هـ- ماذا قال الرسول في نفس رسالته؟
إن بولس الرسول الذي قال العبارات السابقة في رسالته الثانية إلى تيموثاوس، قال أيضًا في نفس الرسالة: "صَادِقَةٌ هِيَ الْكَلِمَةُ: أَنَّهُ إِنْ كُنَّا قَدْ مُتْنَا مَعَهُ فَسَنَحْيَا أيضًا مَعَهُ. إِنْ كُنَّا نَصْبِرُ فَسَنَمْلِكُ أيضًا مَعَهُ. إِنْ كُنَّا نُنْكِرُهُ فَهُوَ أيضًا سَيُنْكِرُنَا" (2تي2: 11، 12).
ففي قوله "إن كنا.." دليل على أن الأمر في خلاصنا لا يتوقف على الله فقط، بل علينا نحن أيضًا. إن لله عملًا في خلاص الإنسان، كما أن للإنسان عملًا أيضًا. ولو كان الأمر هو عمل الله وحده، لزالت بذلك حرية الإنسان.
كما نلاحظ أن عبارة "إِنْ كُنَّا نُنْكِرُهُ فَهُوَ أيضًا سَيُنْكِرُنَا" دليل على أن الإنسان يمكن أن يفقد خلاصه.
2-الثقة بالدخول إلى الأقداس
إن الذين يتحدثون عن ضمان الملكوت يعتمدون على قول بولس الرسول: "فَإِذْ لَنَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ ثِقَةٌ بِالدُّخُولِ إِلَى الأَقْدَاسِ بِدَمِ يَسُوعَ لِنَتَقَدَّمْ بِقَلْبٍ صَادِق فِي يَقِينِ الإِيمَانِ، مَرْشُوشَةً قُلُوبُنَا مِنْ ضَمِيرٍ شِرِّيرٍ، وَمُغْتَسِلَةً أَجْسَادُنَا بِمَاءٍ نَقِيٍّ" (عب10: 19- 21).
إن هذا النص يتحدث عن ثقة الدخول ويقين الإيمان، بشروط أساسية. فعبارة "مَرْشُوشَةً قُلُوبُنَا مِنْ ضَمِيرٍ شِرِّيرٍ" تدل على ضرورة النقاوة والتوبة. وعبارة "مُغْتَسِلَةً أَجْسَادُنَا بِمَاءٍ نَقِيٍّ" تدل على ضرورة المعمودية للخلاص.
فهل اكتفى القديس بولس بكلامه هذا، وبهذين الشرطين فقط؟ كلا، إننا إن قرأنا باقي كلامه، نرى عكس ما يدعيه هؤلاء الواثقون! يتابع الرسول كلامه فيقول: "لِنَتَمَسَّكْ بِإِقْرَارِ الرَّجَاءِ رَاسِخًا، لأَنَّ الَّذِي وَعَدَ هُوَ أَمِينٌ وَلْنُلاَحِظْ بَعْضُنَا بَعْضًا لِلتَّحْرِيضِ عَلَى الْمَحَبَّةِ وَالأَعْمَالِ الْحَسَنَةِ".
فما لزوم أهمية المحبة والأعمال الصالحة في موضوع الثقة هذا؟ إن القديس بولس يدلل بكلامه على أن الثقة في "الدُّخُولِ إِلَى الأَقْدَاسِ بِدَمِ يَسُوعَ" إنما تعتمد على أعمال الإنسان وسلوكه أيضًا - وإلا تزعزعت هذه الثقة وانهارت انهيارًا مريعًا.
ولذلك يتابع الرسول كلامه محذرًا ومنذرًا: "فَإِنَّهُ إِنْ أَخْطَأْنَا بِاخْتِيَارِنَا بَعْدَمَا أَخَذْنَا مَعْرِفَةَ الْحَقِّ، لاَ تَبْقَى بَعْدُ ذَبِيحَةٌ عَنِ الْخَطَايَا، بَلْ قُبُولُ دَيْنُونَةٍ مُخِيفٌ، وَغَيْرَةُ نَارٍ عَتِيدَةٍ أَنْ تَأْكُلَ الْمُضَادِّينَ" (عب10: 26، 27). أين الثقة إذًا، مع وجود هذه الدينونة المخيفة، إن أخطأنا؟ ألا يستلزم الأمر إذًا غاية الاحتراس والحيطة، والسلوك في مخافة وانسحاق، إن كنا نريد أن نتقدم إلى الأقداس في ثقة.
ذلك لأن الرسول الذي تحدث عن هذه الثقة بدم المسيح، نراه لا ينسى مطلقًا عدل الله. بل يتابع كلامه قائلًا: "فَإِنَّنَا نَعْرِفُ الَّذِي قَالَ: لِيَ الانْتِقَامُ، أَنَا أُجَازِي، يَقُولُ الرَّبُّ. وَأيضًا: الرَّبُّ يَدِينُ شَعْبَهُ. مُخِيفٌ هُوَ الْوُقُوعُ فِي يَدَيِ اللهِ الْحَيِّ" (عب10: 30، 31).
إن هذا يذكرنا بما نعرفه عن البروتستانت من خطورة استخدامهم للآية الواحدة. كان أجدر بهم في معالجة هذا النص المقدس من أقوال مار بولس الرسول، أن لا يأخذوا الآية الأولى من الإصحاح مكتفين بها، دون أن يتابعوا كلام الرسول حتى نهايته.
ليتهم فعلوا ذلك، إذًا لرأوه يقول أيضًا في موضوع الثقة:
"فَلاَ تَطْرَحُوا ثِقَتَكُمُ الَّتِي لَهَا مُجَازَاةٌ عَظِيمَةٌ، لأَنَّكُمْ تَحْتَاجُونَ إِلَى الصَّبْرِ، حَتَّى إِذَا صَنَعْتُمْ مَشِيئَةَ اللهِ تَنَالُونَ الْمَوْعِدَ" (عب10: 35، 36). حقًا "إن الذي وعد هو أمين"، ولكن نوال الموعد يتوقف على صنع مشيئة الله. فإن كنا لا نصنع مشيئة الله، فإننا بلا شك لا ننال الموعد، ولا تكون لنا ثقة.
ما معنى هذا؟ هل معناه أن الله قد رجع في هباته التي هي بلا ندامة (رو11: 29)؟ كلا، إن هبات الله هي حقًا بلا ندامة، ولكن لها شروطًا. فإذا لم ننل هباته. لا يكون هو الذي رجع في هباته، وإنما تكون أنت الذي خالفت الشروط. إن الله أمين في وعده. ولكنه قال لنا على فم رسوله بولس: "إِذَا صَنَعْتُمْ مَشِيئَةَ اللهِ تَنَالُونَ الْمَوْعِدَ" (عب10: 36).
وواضح أن عمل مشيئة الله يستغرق العمر كله. لذلك قال الرسول: "لأَنَّكُمْ تَحْتَاجُونَ إِلَى الصَّبْرِ". ومعنى هذا أن نصبر العمر كله في عمل مرضاة الله، حتى ننال موعده.
يظهر من كلام القديس بولس الرسول في هذا الإصحاح إذًا إن "الثِقَةٌ بِالدُّخُولِ إِلَى الأَقْدَاسِ بِدَمِ يَسُوعَ" تحتاج إلى أمور كثيرة: تحتاج إلى قلب صادق، وحياة توبة ونقاوة، وأجساد مغتسلة بماء المعمودية النقي، كما تحتاج إلى التحريض على المحبة والأعمال الصالحة، وإلى صنع مشيئة الله، والصبر على كل ذلك، والاحتراس من فعل الخطيئة، وإلا فإن أخطأنا باختيارنا، نتعرض لدينونة مخيفة، ومُخِيفٌ هُوَ الْوُقُوعُ فِي يَدَيِ اللهِ الْحَيِّ.
3- الاجتهاد والصبر، لحفظ الثقة
إن الصبر الذي تحدث عنه بولس الرسول في قوله: "فَلاَ تَطْرَحُوا ثِقَتَكُمُ الَّتِي لَهَا مُجَازَاةٌ عَظِيمَةٌ لأَنَّكُمْ تَحْتَاجُونَ إِلَى الصَّبْرِ، حَتَّى إِذَا صَنَعْتُمْ مَشِيئَةَ اللهِ تَنَالُونَ الْمَوْعِدَ" (عب10: 35، 36). يعود فيتحدث عنه مرة أخرى قائلًا:
"وَلكِنَّنَا نَشْتَهِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ يُظْهِرُ هذَا الاجْتِهَادَ عَيْنَهُ لِيَقِينِ الرَّجَاءِ إِلَى النِّهَايَةِ" (عب6: 11). إذًا فيقين الرجاء يحتاج إلى اجتهاد يظهره الإنسان، حتى النهاية. وإلى ماذا أيضًا؟ يتابع الرسول كلامه فيقول: "لِكَيْ لاَ تَكُونُوا مُتَبَاطِئِينَ بَلْ مُتَمَثِّلِينَ بِالَّذِينَ بِالإِيمَانِ وَالأَنَاةِ يَرِثُونَ الْمَوَاعِيدَ" (عب6: 12).
هنا نرى بولس قد أضاف إلى الإيمان شيئًا آخر، هو الأناة أي الصبر، وقال بهما ننال المواعيد...
ألم يقل الرب من قبل "بِصَبْرِكُمُ اقْتَنُوا أَنْفُسَكُمْ" (لو21: 19)؟ وقال أيضًا: "الَّذِي يَصْبِرُ إِلَى الْمُنْتَهَى فَهذَا يَخْلُصُ" (مت24: 13).
إننا نلنا خلاصًا بالإيمان في المعمودية. ولكن هذا الخلاص تتضافر قوى كثيرة ضده لكي ما تفقدنا إياه: فضده إرادتنا الضعيفة التي تميل كثيرًا إلى الشر، وعدونا الذي "كَأَسَدٍ زَائِرٍ، يَجُولُ مُلْتَمِسًا مَنْ يَبْتَلِعُهُ هُوَ" (1بط5: 8). وضد خلاصنا أيضًا الخطية التي "طَرَحَتْ كَثِيرِينَ جَرْحَى، وَكُلُّ قَتْلاَهَا أَقْوِيَاءُ" (أم7: 26).
ونحن محتاجون في كل ذلك أن "نُحَاضِرْ بِالصَّبْرِ فِي الْجِهَادِ الْمَوْضُوعِ أَمَامَنَا" (عب12: 1). ونظل هكذا صابرين إلى نهاية سيرتنا. ولذلك يقول الكتاب: "انْظُرُوا إِلَى نِهَايَةِ سِيرَتِهِمْ" (عب13: 7).
5- الذي بدأ فيكم عملًا، فهو يكمل
إن الذين ينادون بالثقة وضمان الملكوت، يعتمدون أيضًا على قول القديس بولس إلى أهل فيلبى: "وَاثِقًا بِهذَا عَيْنِهِ أَنَّ الَّذِي ابْتَدَأَ فِيكُمْ عَمَلًا صَالِحًا يُكَمِّلُ إِلَى يَوْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ" (في1: 6).
نعيد ما قلناه سابقًا إن الله قادر أن يكمل فينا. ولكن ماذا عن موقفنا نحن؟! إن الغلاطيين الأغبياء كان الله قد بدأ فيهم عملًا صالحًا، ومع ذلك فإن بولس الرسول يقول لهم: "أَهكَذَا أَنْتُمْ أَغْبِيَاءُ! أَبَعْدَ مَا ابْتَدَأْتُمْ بِالرُّوحِ تُكَمَّلُونَ الآنَ بِالْجَسَدِ؟" (غلا3: 3). إنهم هنا هم الذين سيكملون بالجسد ولا يتركون له فرصة أن يكمل فيهم عملًا صالحًا.
أما من جهة أهل فيلبي، فمع ثقة بولس الرسول، نراه يصلي من أجلهم أن تزداد محبتهم، ويزدادوا في كل فهم، لكي يكونوا "مُخْلِصِينَ وَبِلاَ عَثْرَةٍ إِلَى يَوْمِ الْمَسِيحِ، مَمْلُوئِينَ مِنْ ثَمَرِ الْبِرِّ" (في1: 9- 11). فمع أن المسيح قادر أن يكمل. إلا أن عليهم هم عملًا، أن يكونوا بلا عثرة حتى النهاية. كما أوصاهم قائلًا: "عِيشُوا كَمَا يَحِقُّ لإِنْجِيلِ الْمَسِيحِ" (في1: 27).
وقال لهم إنه: "قَدْ وُهِبَ لَكُمْ لأَجْلِ الْمَسِيحِ لاَ أَنْ تُؤْمِنُوا بِهِ فَقَطْ، بَلْ أيضًا أَنْ تَتَأَلَّمُوا لأَجْلِهِ. إِذْ لَكُمُ الْجِهَادُ عَيْنُهُ الَّذِي رَأَيْتُمُوهُ فِيَّ، وَالآنَ تَسْمَعُونَ فِيَّ" (في1: 29، 30).
فما معنى هذا كله؟ وما دام الله سيكمل ما بدأه فيهم، فما لزوم كل تلك النصائح: أن يزدادوا في المحبة والفهم، وأن يكونوا بلا عثرة، مملوئين من ثمر البر، وأن يعيشوا كما يحق لإنجيل المسيح، وأن يتألموا لأجله، ويكون لهم نفس جهاد القديس بولس؟!
ذلك لأنه كما أن على المسيح جانبًا في خلاصهم، كذلك هم أيضًا عليهم جانب يجب أن يتمموه. لذلك قال لهم: "تَمِّمُوا خَلاَصَكُمْ بِخَوْفٍ وَرِعْدَةٍ" (في2: 12). إن المسيح سوف لا يكمل العمل وحده، وإنما سيكمله بهم وفيهم ومعهم. إن الله لا يأخذ الناس عنوة ويلقيهم في الملكوت، وإنما لا بد أن يعملوا معه.
ولذلك نجد أن الرسالة إلى فيلبي هي أكثر رسالة يقول فيها بولس الرسول أنه يسعى لكي يدرك (في3: 12، 14).
وقد شرح لهم بولس في نفس الرسالة مثالًا من أولئك الذين بدأوا ولم يكملوا حسنًا، فكانت نهايتهم الهلاك. وأصبح الرسول يذكرهم باكيًا. وقد طلب منهم بولس الرسول أن يتمثلوا به في سعيه وجهاده ولا يتمثلوا بأولئك الهالكين (في3: 17).
كلمة ختامية في موضوع الثقة
ما أجمل قول سليمان الحكيم في هذا المجال "اَلْحَكِيمُ يَخْشَى وَيَحِيدُ عَنِ الشَّرِّ، وَالْجَاهِلُ يَتَصَلَّفُ وَيَثِقُ" (أم14: 16). لذلك فإن معلمنا بولس الرسول ينصح قائلًا: "لاَ تَسْتَكْبِرْ بَلْ خَفْ" (رو11: 20). وقد نصح أهل فيلبي قائلًا: "تَمِّمُوا خَلاَصَكُمْ بِخَوْفٍ وَرِعْدَةٍ" (في2: 12). ويضمّ بطرس الرسول صوته إلى هذه النصيحة قائلًا: "إِنْ كُنْتُمْ تَدْعُونَ أَبًا الَّذِي يَحْكُمُ بِغَيْرِ مُحَابَاةٍ حَسَبَ عَمَلِ كُلِّ وَاحِدٍ، فَسِيرُوا زَمَانَ غُرْبَتِكُمْ بِخَوْفٍ" (1بط1: 17).
ما دامت هناك ثقة، وهناك يقين، وهناك ضمان للملكوت، فما معنى الخوف إذًا والرعدة؟! لماذا لا يعتمد الإنسان على وعود الله ويطمئن؟ نعم إننا نطمئن من جهة وعود الله، ولكننا لا نطمئن من جهة أنفسنا.
ولذلك مزج الرسول الحديث عن المواعيد الإلهية بالحديث عن المخافة، فقال: "فَإِذْ لَنَا هذِهِ الْمَوَاعِيدُ أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ لِنُطَهِّرْ ذَوَاتِنَا مِنْ كُلِّ دَنَسِ الْجَسَدِ وَالرُّوحِ، مُكَمِّلِينَ الْقَدَاسَةَ فِي خَوْفِ اللهِ" (2كو7: 1).
هل يمكن أن يهلك المؤمن؟
هل يمكن أن يهلك المؤمن؟
يمكن أن يسقط المؤمن
لعل من أشهر الأمثلة على ذلك بعض ملائكة الكنائس السبع التي في آسيا، هؤلاء ولا شك كانوا مؤمنين. وقصص سقوطهم سنشرحها في الصفحات المقبلة إن شاء الله.
وما أسهل أن نورد العديد من الأمثلة عن الأنبياء والقديسين الذين سقطوا. على أننا سوف لا نطيل في هذه النقطة لأن غالبية جماعات البروتستانت وخلاص النفوس والبليموث، يوافقون على أن المؤمن يمكن أن يسقط. ولكنهم يقولون إنه لا يمكن أن يهلك.
فلتكن هذه النقطة الأخيرة (إمكانية هلاك المؤمن) هي موضوع بحثنا وإثباتنا.
كلمة "مؤمن" وكلمة "مختار"
إن المختارين كلهم من المؤمنين، ولكن المؤمنين ليسوا كلهم مختارين، فقد يسقط بعضهم ويهلك. ومغالطة البروتستانت هي أنهم - كلما نورد لهم قصة مؤمن هلك - يجادلون قائلين: كلا أنه لم يكن مؤمنًا. لو كان مؤمنًا، ما كان قد هلك. (انظر الفرق بين عبارتي المؤمنين والمختارين صـ64) وسنحاول في هذا البحث أن نثبت إثباتًا قاطعًا إيمان كل مثل من الأمثلة التي نوردها لمن هلكوا.
الإثبات الأول (رو11، يو15)
مثال الغصن الذي يقطع
بعد أن شبه بولس الرسول اليهود بأغصان طبيعية قد قُطعت من أصل الزيتونة ودسمها، قال: "سَتَقُولُ قُطِعَتِ الأَغْصَانُ لأُطَعَّمَ أَنَا. حَسَنًا! مِنْ أَجْلِ عَدَمِ الإِيمَانِ قُطِعَتْ، وَأَنْتَ بِالإِيمَانِ ثَبَتَّ" (رو11: 19، 20). واضح هنا أنه يكلم مؤمنًا، قد ثبت في الزيتونة، وطُعّم فيها، وصار "شَرِيكًا فِي أَصْلِ الزَّيْتُونَةِ وَدَسَمِهَا" (رو11: 17). فماذا تراه يقول لهذا المؤمن؟
إنه يقول لهذا المؤمن: "لاَ تَسْتَكْبِرْ بَلْ خَفْ. لأَنَّهُ إِنْ كَانَ اللهُ لَمْ يُشْفِقْ عَلَى الأَغْصَانِ الطَّبِيعِيَّةِ فَلَعَلَّهُ لاَ يُشْفِقُ عَلَيْكَ أيضًا. فَهُوَذَا لُطْفُ اللهِ وَصَرَامَتُهُ: أَمَّا الصَّرَامَةُ فَعَلَى الَّذِينَ سَقَطُوا، وَأَمَّا اللُّطْفُ فَلَكَ، إِنْ ثَبَتَّ فِي اللُّطْفِ، وَإِلاَّ فَأَنْتَ أيضًا سَتُقْطَعُ" (رو11: 20- 22).
والعبارة الأخيرة "أَنْتَ أيضًا سَتُقْطَعُ"، هي إنذار لهذا المؤمن بإمكانية هلاكه، إن لم يثبت في لطف الله.
{ يشبه هذا المثال ما قاله السيد المسيح في تشبيه نفسه بالكرمة، وتشبيهنا نحن بالأغصان. فالأغصان التي في الكرمة تدل على المؤمنين ولا شك. لأن الغصن هو عضو من أعضاء الكرمة، تسري فيه عصارتها. فهل يمكن أن يهلك؟
يقول السيد الرب: "كُلُّ غُصْنٍ فِيَّ لاَ يَأْتِي بِثَمَرٍ يَنْزِعُهُ... إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يَثْبُتُ فِيَّ يُطْرَحُ خَارِجًا كَالْغُصْنِ، فَيَجِفُّ وَيَجْمَعُونَهُ وَيَطْرَحُونَهُ فِي النَّارِ، فَيَحْتَرِقُ" (يو15: 2، 6). وهذا معناه أن مثل هذا المؤمن غير المثمر سيهلك لا محالة.
الإثبات الثاني (عب 3، 4)
مثال الشعب العاصي في البرية
يتحدث مار بولس الرسول في هذين الإصحاحين إلى "الإِخْوَةُ الْقِدِّيسُونَ شُرَكَاءُ الدَّعْوَةِ السَّمَاوِيَّةِ" (عب3: 1). فهل هؤلاء القديسين كانوا من المؤمنين، أم لم يكونوا؟ طبيعي أنهم كانوا مؤمنين ولا شك. هؤلاء يحذرهم الرسول من "الارْتِدَادِ عَنِ اللهِ الْحَيِّ" (عب3: 12). وطبعًا التحذير من الارتداد إنما يوجه إلى المؤمنين، وليس إلى غير المؤمنين.
هؤلاء الإخوة القديسون، المؤمنون، شركاء الدعوة السمائية، يقول لهم الرسول: "لِذلِكَ كَمَا يَقُولُ الرُّوحُ الْقُدُسُ: الْيَوْمَ، إِنْ سَمِعْتُمْ صَوْتَهُ، فَلاَ تُقَسُّوا قُلُوبَكُمْ، كَمَا فِي الإِسْخَاطِ، يَوْمَ التَّجْرِبَةِ فِي الْقَفْرِ" (عب3: 7، 8). فما هو يوم الإسخاط هذا؟ وما الذي حدث فيه؟ وعلى أي شيء يدل في قضيتنا هذه؟
إن الذين أسخطوا الرب، هم الشعب العاصي في البرية، الذين مقتهم الرب أربعين سنة وقال: "أَقْسَمْتُ فِي غَضَبِي: لَنْ يَدْخُلُوا رَاحَتِي" (عب3: 11). وهكذا هلكوا في البرية، وسقطت جثثهم في القفر.
هؤلاء الذين سقطوا، الذين أقسم الله أنهم لن يدخلوا راحته، الذين أسخطوا الرب في القفر، هل كانوا قد نالوا الخلاص قبلًا أم لم ينالوه؟ يجيب بولس الرسول فيقول: "فَمَنْ هُمُ الَّذِينَ إِذْ سَمِعُوا أَسْخَطُوا؟ أَلَيْسَ جَمِيعُ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ مِصْرَ بِوَاسِطَةِ مُوسَى؟" (عب3: 16).
إنهم نالوا الخلاص الأول: أنقذهم الرب من العبودية، وشق لهم البحر الأحمر، واجتازوا في وسط الماء - الذي يرمز إلى المعمودية - وعبروا البحر. ولكنهم مع كل ذلك هلكوا في القفر، وفقدوا الخلاص الذي نالوه، وأقسم الرب أنهم لن يدخلوا راحته.
أليس هؤلاء يقدمون مثالًا واضحًا عن المؤمنين الذين يهلكون؟ إن هؤلاء العصاة يمثلون بلا شك الذين يرتدون بعد الإيمان فيهلكون. وقد هلكوا بسبب العصيان. وأرض الموعد دخلها أناس أخرون. "وَالَّذِينَ بُشِّرُوا أَوَّلًا لَمْ يَدْخُلُوا لِسَبَبِ الْعِصْيَانِ" (عب4: 6).
هذا العصيان الذي يمنع من الدخول إلى راحة الرب، يحذرنا منه الرسول قائلًا: "فَلْنَجْتَهِدْ أَنْ نَدْخُلَ تِلْكَ الرَّاحَةَ، لِئَلاَّ يَسْقُطَ أَحَدٌ فِي عِبْرَةِ الْعِصْيَانِ هذِهِ عَيْنِهَا" (عب4: 11).
بل إنه يقول أكثر من هذا: "فَلْنَخَفْ، أَنَّهُ مَعَ بَقَاءِ وَعْدٍ بِالدُّخُولِ إِلَى رَاحَتِهِ، يُرَى أَحَدٌ مِنْكُمْ أَنَّهُ قَدْ خَابَ مِنْهُ" (عب4: 1).
إن قصة هذا الشعب العاصي الذي فقد خلاصه الأول وهلك إنما أعطيت لنا مثالًا لنتعظ، وندرك أنه من الممكن أن يفقد المؤمن خلاصه. "فَهذِهِ الأُمُورُ جَمِيعُهَا أَصَابَتْهُمْ مِثَالًا، وَكُتِبَتْ لإِنْذَارِنَا نَحْنُ الَّذِينَ انْتَهَتْ إِلَيْنَا أَوَاخِرُ الدُّهُورِ. إِذًا مَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ قَائِمٌ، فَلْيَنْظُرْ أَنْ لاَ يَسْقُطَ" (1كو10: 11، 12).
{ إن قصة هلاك هذا الشعب العاصي، تذكرنا بامرأة لوط التي خلصت من سدوم وهلكت خارجها. لذلك يقول الكتاب: "اُذْكُرُوا امْرَأَةَ لُوطٍ" (لو17: 32).
الإثبات الثالث (عب10: 19- 32)
"فَإِنَّهُ إِنْ أَخْطَأْنَا بِاخْتِيَارِنَا بَعْدَمَا أَخَذْنَا مَعْرِفَةَ الْحَقِّ"..
يتكلم بولس الرسول مع نفس "الإِخْوَةُ الْقِدِّيسُونَ، شُرَكَاءُ الدَّعْوَةِ السَّمَاوِيَّةِ" (عب3: 1). الذين بعدما أنيروا صبروا على مجاهدة آلام كثيرة، والذين رثوا لقيود الرسول، وقبلوا سلب أموالهم بفرح، عالمين في أنفسهم أن لهم "مَالًا أَفْضَلَ فِي السَّمَاوَاتِ وَبَاقِيًا" (عب10: 32، 34). فماذا يقول لهؤلاء الذين يبدأ حديثه معهم قائلًا: "إِذْ لَنَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ ثِقَةٌ بِالدُّخُولِ إِلَى الأَقْدَاسِ بِدَمِ يَسُوعَ"؟
إنه يقول لهم "فَإِنَّهُ إِنْ أَخْطَأْنَا بِاخْتِيَارِنَا بَعْدَمَا أَخَذْنَا مَعْرِفَةَ الْحَقِّ، لاَ تَبْقَى بَعْدُ ذَبِيحَةٌ عَنِ الْخَطَايَا، بَلْ قُبُولُ دَيْنُونَةٍ مُخِيفٌ، وَغَيْرَةُ نَارٍ عَتِيدَةٍ أَنْ تَأْكُلَ الْمُضَادِّينَ... فَإِنَّنَا نَعْرِفُ الَّذِي قَالَ: لِيَ الانْتِقَامُ أَنَا أُجَازِي يَقُولُ الرَّبُّ. وَأيضًا: الرَّبُّ يَدِينُ شَعْبَهُ. مُخِيفٌ هُوَ الْوُقُوعُ فِي يَدَيِ اللهِ الْحَيِّ" (عب10: 26- 31).
هذا إنذار بالهلاك لمن يخطئ من هؤلاء الإخوة المؤمنين القديسين، يعطينا فكرة عن إمكانية هلاك المؤمن. لأن بولس الرسول يقول فيه "فَكَمْ عِقَابًا أَشَرَّ تَظُنُّونَ أَنَّهُ يُحْسَبُ مُسْتَحِقًّا مَنْ دَاسَ ابْنَ اللهِ، وَحَسِبَ دَمَ الْعَهْدِ الَّذِي قُدِّسَ بِهِ دَنِسًا، وَازْدَرَى بِرُوحِ النِّعْمَةِ؟" (عب10: 29). نلاحظ هنا أن عبارة "دَمَ الْعَهْدِ الَّذِي قُدِّسَ بِهِ"، تدل على أن هذا الهالك كان مؤمنًا، قد تقدس قبلًا بدم العهد!
الإثبات الرابع
أمثلة من هلاك المرتدين
هؤلاء المرتدون كانوا من قبل مؤمنين، ثم ارتدوا وهلكوا. والأمثلة في الكتاب المقدس كثيرة توضح هلاكهم. يقول بولس الرسول لتلميذه تيموثاوس: "وَلكِنَّ الرُّوحَ يَقُولُ صَرِيحًا: إِنَّهُ فِي الأَزْمِنَةِ الأَخِيرَةِ يَرْتَدُّ قَوْمٌ عَنِ الإِيمَانِ، تَابِعِينَ أَرْوَاحًا مُضِلَّةً وَتَعَالِيمَ شَيَاطِينَ، فِي رِيَاءِ أَقْوَال كَاذِبَةٍ، مَوْسُومَةً ضَمَائِرُهُمْ، مَانِعِينَ عَنِ الزِّوَاجِ، وَآمِرِينَ أَنْ يُمْتَنَعَ عَنْ أَطْعِمَةٍ قَدْ خَلَقَهَا اللهُ لِتُتَنَاوَلَ بِالشُّكْرِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَعَارِفِي الْحَقِّ" (1تي4: 1- 3).
هؤلاء الذين تبعوا أرواحًا مضلّة وتعليم شياطين، قد هلكوا بلا شك. ومع ذلك فإن عبارة "يرتد قوم عن الإيمان" تدل على أنهم كانوا مؤمنين من قبل. وهذا مثل واضح عن إمكانية هلاك المؤمن، إذا ارتد، ينطوي تحته جميع الهراطقة والمبتدعين.
{ ومن أمثلة المرتدين ما ورد في مثل الزارع، إذ قال الرب: "وَالَّذِينَ عَلَى الصَّخْرِ هُمُ الَّذِينَ مَتَى سَمِعُوا يَقْبَلُونَ الْكَلِمَةَ بِفَرَحٍ، وَهؤُلاَءِ لَيْسَ لَهُمْ أَصْلٌ، فَيُؤْمِنُونَ إِلَى حِينٍ، وَفِي وَقْتِ التَّجْرِبَةِ يَرْتَدُّونَ" (لو8: 13). لا يمكن أن نصدق أنه يكون خلاص لأولئك الذين على الصخر، الذين يرتدون وقت التجربة ومع ذلك فقد سماهم المسيح نفسه مؤمنين، ولو إلى حين.
{ ومن أخطر أنواع الارتداد، ذلك الارتداد العام الذي سيحدث قبل مجيء المسيح ثانية. وفي ذلك قال الرسول عن مجيء المسيح الثاني: "لاَ يَخْدَعَنَّكُمْ أَحَدٌ عَلَى طَرِيقَةٍ مَا لأَنَّهُ لاَ يَأْتِي (أي المسيح)، إِنْ لَمْ يَأْتِ الارْتِدَادُ أَوَّلًا، وَيُسْتَعْلَنْ إِنْسَانُ الْخَطِيَّةِ، ابْنُ الْهَلاَكِ الْمُقَاوِمُ وَالْمُرْتَفِعُ عَلَى كُلِّ مَا يُدْعَى إِلهًا" (2تس2: 3، 4). ولا شك أنه في هذا الارتداد العام سيهلك كثير من المؤمنين الذين يرتدون عن الإيمان.
ومن أمثلة الهراطقة المبتدعين الفاسدين، الذين يرتدون ويهلكون، ما قال عنهم بطرس الرسول: "لأَنَّهُ إِذَا كَانُوا، بَعْدَمَا هَرَبُوا مِنْ نَجَاسَاتِ الْعَالَمِ، بِمَعْرِفَةِ الرَّبِّ وَالْمُخَلِّصِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، يَرْتَبِكُونَ أيضًا فِيهَا، فَيَنْغَلِبُونَ، فَقَدْ صَارَتْ لَهُمُ الأَوَاخِرُ أَشَرَّ مِنَ الأَوَائِلِ. لأَنَّهُ كَانَ خَيْرًا لَهُمْ لَوْ لَمْ يَعْرِفُوا طَرِيقَ الْبِرِّ، مِنْ أَنَّهُمْ بَعْدَمَا عَرَفُوا، يَرْتَدُّونَ عَنِ الْوَصِيَّةِ الْمُقَدَّسَةِ الْمُسَلَّمَةِ لَهُمْ" (2بط2: 20، 21).
الإثبات الخامس (عب6: 4- 8)
الذين استنيروا وسقطوا
يقول بولس الرسول: "لأَنَّ الَّذِينَ اسْتُنِيرُوا مَرَّةً، وَذَاقُوا الْمَوْهِبَةَ السَّمَاوِيَّةَ وَصَارُوا شُرَكَاءَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، وَذَاقُوا كَلِمَةَ اللهِ الصَّالِحَةَ وَقُوَّاتِ الدَّهْرِ الآتِي، وَسَقَطُوا، لاَ يُمْكِنُ تَجْدِيدُهُمْ أيضًا (ثانية) لِلتَّوْبَةِ".
إن الصفات الأولى تدل على إيمان هؤلاء والعبارة الأخيرة تدل على هلاكهم. وهذا إثبات واضح على إمكانية هلاك المؤمن. على أن البروتستانت - للأسف الشديد - يحاولون أن يزعموا أن هؤلاء لم يكونوا مؤمنين!! على الرغم من استنارتهم وشركتهم مع الروح القدس ومذاقتهم المواهب والقوات وكلمة الله!!
ولسنا نريد أن نجادلهم كثيرًا. وإنما يكفي أن نقول إن نص الآية يدل على إيمانهم. فعبارة "لاَ يُمْكِنُ تَجْدِيدُهُمْ أيضًا" دليل واضح على أنه قد سبق تجديدهم من قبل، أي أنهم كانوا مؤمنين.
وهلاكهم واضح في تشبيه الرسول لهم بأرض "مَرْفُوضَةٌ وَقَرِيبَةٌ مِنَ اللَّعْنَةِ الَّتِي نِهَايَتُهَا لِلْحَرِيقِ" (ع8).
الإثبات السادس
يقين يحتاج إلى ثبات، وله شروط
قال القديس بطرس الرسول: "لِذلِكَ بِالأَكْثَرِ اجْتَهِدُوا أَيُّهَا الإِخْوَةُ أَنْ تَجْعَلُوا دَعْوَتَكُمْ وَاخْتِيَارَكُمْ ثَابِتَيْنِ.." (2بط1: 10).
إذًا فاختيار الله لنا، ودعوته لنا، كل ذلك يحتاج منا إلى اجتهاد بالأكثر، لكي يكون هذا الاختيار ثابتًا، وإلا فإن الاختيار لا يثبت!
يشبه هذا أيضًا قول القديس بولس: "وَبَيْتُهُ نَحْنُ إِنْ تَمَسَّكْنَا بِثِقَةِ الرَّجَاءِ وَافْتِخَارِهِ ثَابِتَةً إِلَى النِّهَايَةِ" (عب3: 6).
كأن هذه الثقة يمكن أن تثبت أو لا تثبت، وتحتاج إلى أن نتمسك بها حتى النهاية.
ويعود الرسول فيقول أيضًا: "لأَنَّنَا قَدْ صِرْنَا شُرَكَاءَ الْمَسِيحِ، إِنْ تَمَسَّكْنَا بِبَدَاءَةِ الثِّقَةِ ثَابِتَةً إِلَى النِّهَايَةِ" (عب3: 14). هنا شرط واجب علينا، أن نتمسك، حتى النهاية، ويتابع الرسول كلامه فيحذرنا من أن نقسي قلوبنا، وإلا يحدث لنا كما حدث للشعب العاصي الذي هلك في القفر.
هذا الشرط الواجب علينا، يكرره الرسول مرة أخرى في قوله: "لِيُحْضِرَكُمْ قِدِّيسِينَ وَبِلاَ لَوْمٍ وَلاَ شَكْوَى أَمَامَهُ، إِنْ ثَبَتُّمْ عَلَى الإِيمَانِ، مُتَأَسِّسِينَ وَرَاسِخِينَ وَغَيْرَ مُنْتَقِلِينَ عَنْ رَجَاءِ الإِنْجِيلِ" (كو1: 22، 23).
إنه خلاص من الرب، لنا رجاء فيه، ولكن الرسول ينذرنا قائلًا: "فَكَيْفَ نَنْجُو نَحْنُ إِنْ أَهْمَلْنَا خَلاَصًا هذَا مِقْدَارُهُ؟" (عب2: 3). إذًا يمكن أن نهمل الخلاص. فلا ننجو...
الإثبات السابع (رؤ13: 7)
ما أخطر ما قيل في سفر الرؤيا عن الوحش إنه "أُعْطِيَ أَنْ يَصْنَعَ حَرْبًا مَعَ الْقِدِّيسِينَ وَيَغْلِبَهُمْ"... وعبارة "قديسين" تعني ولا شك أنهم مؤمنون.
فإن كان ممكنا أن ينغلب القديسون، فلنحذر نحن ولنداوم على الطلبة باستمرار لكي يرحمنا الرب، فلا نهلك...
الإثبات الثامن
هلاك ديماس مساعد القديس بولس
كان ديماس أحد مساعدي بولس الرسول. ذكره في رسالته إلى كولوسي "يُسَلِّمُ عَلَيْكُمْ لُوقَا الطَّبِيبُ الْحَبِيبُ، وَدِيمَاسُ" (كو4: 14). وفي رسالته إلى فليمون قال: "يُسَلِّمُ عَلَيْكَ... مَرْقُسُ، وَأَرِسْتَرْخُسُ، وَدِيمَاسُ، وَلُوقَا الْعَامِلُونَ مَعِي" (فل 23، 24).
يذكره هنا ضمن ثلاثة من أكبر الكارزين العاملين معه منهما اثنان من الإنجيليين الأربعة. واسم ديماس يسبق اسم القديس لوقا الإنجيلي. فهل مع كل ذلك لم يكن مؤمنًا.
ومع كل ذلك، فإن ديماس المؤمن، الكارز العظيم، قد هلك. وقال عنه مار بولس: "دِيمَاسَ قَدْ تَرَكَنِي إِذْ أَحَبَّ الْعَالَمَ الْحَاضِرَ" (2تي4: 10). والبروتستانت يقولون في كتبهم أنه - بعد تركه القديس بولس - صار كاهنًا وثنيًا!!
باقي الإثباتات
حرصًا على عدم التكرار، انظر ما يتعلق بهذا الموضوع من الأدلة التي وردت في باب "الدينونة حسب الأعمال"...
اعتراضات، والرد عليها
الاعتراض الأول
(يو27:10-29) لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَخْطَفَ مِنْ يَدِ أَبِي:
أول اعتراض لهم على إمكانية هلاك المؤمن هو قول الرب: "خِرَافِي تَسْمَعُ صَوْتِي، وَأَنَا أَعْرِفُهَا فَتَتْبَعُنِي. وَأَنَا أُعْطِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً، وَلَنْ تَهْلِكَ إِلَى الأَبَدِ، وَلاَ يَخْطَفُهَا أَحَدٌ مِنْ يَدِي. أَبِي الَّذِي أَعْطَانِي إِيَّاهَا هُوَ أَعْظَمُ مِنَ الْكُلِّ، وَلاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَخْطَفَ مِنْ يَدِ أَبِي".
فما معنى هذا النص؟ ليتنا نتأمله جيدًا:
أولًا: هؤلاء الذين لا يهلكون أول صفة ذكرها عنهم الرب أنهم خراف. والسيد المسيح يشبّه الصالحين بالخراف، كما يشبه الأشرار بالجداء. كما ذكر في يوم الدينونة أنه "وَيَجْتَمِعُ أَمَامَهُ جَمِيعُ الشُّعُوبِ، فَيُمَيِّزُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ كَمَا يُمَيِّزُ الرَّاعِي الْخِرَافَ مِنَ الْجِدَاءِ، فَيُقِيمُ الْخِرَافَ عَنْ يَمِينِهِ وَالْجِدَاءَ عَنِ الْيَسَارِ. ثُمَّ يَقُولُ الْمَلِكُ لِلَّذِينَ عَنْ يَمِينِهِ: تَعَالَوْا يَا مُبَارَكِي أَبِي، رِثُوا الْمَلَكُوتَ الْمُعَدَّ لَكُمْ مُنْذُ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ" (مت25: 32- 34).
فما دامت هذه خرافًا، إذًا هي عناصر صالحة. لأنها لو كانت شريرة لسمّاها جداء.
ثانيًا: لقد وصف هذه الخراف بأوصاف البر منها:
أ) يقول إنها تسمع صوتي. وتتبعني. وهذا معناه أنها تنفذ الوصايا وتعمل أعمالًا صالحة. وكلنا نوافق على أن الذي يسمع صوت الرب ويتبعه لا يمكن أن يهلك.
ب) وفي نفس الإصحاح وَصف هذه الخراف بأنها "وَأَمَّا الْغَرِيبُ فَلاَ تَتْبَعُهُ بَلْ تَهْرُبُ مِنْهُ، لأَنَّهَا لاَ تَعْرِفُ صَوْتَ الْغُرَبَاءِ" (يو10: 5). وأنها لذلك لم تسمع صوت السراق واللصوص الذين أتوا قبله (يو10: 8). وهذا كله يعني أن هذه الخراف الصالحة لا تنقاد وراء الشياطين، ولا وراء الأشرار.
وكل هذا يدل على الصلاح من ناحيتيه الإيجابية والسلبية: تتبع الرب ولا تتبع الغريب. تعرف صوت الرب وتميزه، وتسمعه، وتتبعه. ولا تعرف صوت الغرباء ولا تتبعهم، بل تهرب منهم. لسنا نرى للصلاح أدلة أكثر من هذه. ومع ذلك نذكر دليلًا آخر.
ثالثا: يقول: "خِرَافِي تَسْمَعُ صَوْتِي وَأَنَا أَعْرِفُهَا". وهذه المعرفة متبادلة، لذلك يقول أيضًا في نفس الإصحاح: "وَأَعْرِفُ خَاصَّتِي وَخَاصَّتِي تَعْرِفُنِي، كَمَا أَنَّ الآبَ يَعْرِفُنِي وَأَنَا أَعْرِفُ الآبَ" (يو10: 14). أية معرفة أقوى من هذه!! ويوضح الرب هذه المعرفة بأنه "يَدْعُو خِرَافَهُ الْخَاصَّةَ بِأَسْمَاءٍ" (يو10: 3).
هذه المعرفة تميز الصالحين عن الأشرار الذين يقول لهم الرب: "إِنِّي لَمْ أَعْرِفْكُمْ قَطُّ! اذْهَبُوا عَنِّي يَا فَاعِلِي الإِثْمِ" (مت7: 23). إذًا فقد قال الرب عن الأشرار إنه لا يعرفهم... يؤكد هذا أيضًا قول الرب للعذارى الجاهلات: "الْحَقَّ أَقُولُ لَكُنَّ: إِنِّي مَا أَعْرِفُكُنَّ" (مت25: 12).
فما دام إذًا يعرف هذه الخراف التي سوف لا تخطف من يده ولا من يد الآب، إذًا لا بد أن هؤلاء أنقياء القلب صالحون. لأنهم لو كانوا أشرارًا لقال عنهم: إني لا أعرفكم.
نلخص إذًا صفات أولئك المؤمنين الذين سوف لا يخطفون من يد الآب:
إنهم من الخراف لا من الجداء، أي أنهم من الصالحين الأبرار. كما أنهم يطيعون وصايا الله، فيسمعون صوته ويتبعونه. كذلك هم يبعدون عن الشر والأشرار، إذ لا يسمعون لصوت الغريب ولا يتبعونه، بل يهربون منه. نحن ولا شك نوافق أن مثل هذا النوع لا يهلك.
رابعًا: ماذا يُفهم من عبارة لا يقدر أحد "أَنْ يَخْطَفَ مِنْ يَدِ أَبِي". معناه أن القوات الخارجية لا تقدر أن تخطف من يد الآب ولكن هذا لا يمنع من أن المؤمن وهو في يد الآب - كامل الحرية - ممكن بإرادته أن يسقط.
إن الله لا يسمح لقوة خارجية أن تنتصر عليك وأنت في يده. ولكن إرادتك الداخلية يمكن أن تهلكك إن أردت. لو قلت له: أعن يا ربّ ضعفي، فإنه يطرد عنك جميع القوى المعارضة. أما إن أردت بنفسك أن تتركه فإنه لا يرغمك على البقاء معه.
ما رأيكم في بعض خراف كانت في يد المسيح، وضلت، وسقطت، واحتاجت إلى التوبة وقيل عن البعض أن له اسمًا أنه حي وهو ميت؟! من أمثلة هؤلاء بعض الملائكة السبعة الذين ورد ذكرهم في سفر الرؤيا.
قال يوحنا الرائي إنه أبصر السيد المسيح في وسط المنائر السبع التي هي السبع الكنائس. وكان "مَعَهُ فِي يَدِهِ الْيُمْنَى سَبْعَةُ كَوَاكِبَ، والسَّبْعَةُ الْكَوَاكِبُ هِيَ مَلاَئِكَةُ السَّبْعِ الْكَنَائِسِ" (رؤ1: 16، 20). وأول رسالة بدأها الرب بقوله: "هذَا يَقُولُهُ الْمُمْسِكُ السَّبْعَةَ الْكَوَاكِبَ فِي يَمِينِهِ". إذًا فهم ليسوا في يده فقط، وإنما في يمينه. وكلمة يمين ترمز إلى القوة "يمين الرب صنعت قوة. يمين الرب رفعتني" (مز 117: 15، 16).
هؤلاء الذين هم في يمين الرب، هؤلاء الجبابرة رعاة الكنائس، ماذا قال لهم الرب؟ قال لهم كلامًا مُخيفًا...
قال لملاك كنيسة أفسس: "فَاذْكُرْ مِنْ أَيْنَ سَقَطْتَ وَتُبْ، وَاعْمَلِ الأَعْمَالَ الأُولَى، وَإِّلاَّ فَإِنِّي آتِيكَ عَنْ قَرِيبٍ وَأُزَحْزِحُ مَنَارَتَكَ مِنْ مَكَانِهَا" (رؤ2: 5) يا للهول!
وقال لملاك كنيسة ساردس: "أَنَا عَارِفٌ أَعْمَالَكَ، أَنَّ لَكَ اسْمًا أَنَّكَ حَيٌّ وَأَنْتَ مَيْتٌ" (رؤ 1:3). تصوروا أن هذا الملاك العظيم الممسك به الرب في يمينه كان ميتًا، واحتاج أن يقول له الرب: "فَاذْكُرْ كَيْفَ أَخَذْتَ وَسَمِعْتَ، وَاحْفَظْ وَتُبْ، فَإِنِّي إِنْ لَمْ تَسْهَرْ، أُقْدِمْ عَلَيْكَ كَلِصٍّ، وَلاَ تَعْلَمُ أَيَّةَ سَاعَةٍ أُقْدِمُ عَلَيْكَ" (رؤ3: 3). فليرحمنا الله يا إخوتي كعظيم رحمته. إننا لسنا أقوى من هؤلاء الملائكة السبعة.
اسمعوا أيضًا الكلام المخيف الذي قاله الرب لملاك كنيسة لاودكية: "هكَذَا لأَنَّكَ فَاتِرٌ، وَلَسْتَ بَارِدًا وَلاَ حَارًّا، أَنَا مُزْمِعٌ أَنْ أَتَقَيَّأَكَ مِنْ فَمِي" (رؤ16:3). إنه تهديد بالهلاك، ويتابع الرب كلامه فيقول له: "لأَنَّكَ تَقُولُ: إِنِّي أَنَا غَنِيٌّ وَقَدِ اسْتَغْنَيْتُ، وَلاَ حَاجَةَ لِي إِلَى شَيْءٍ، وَلَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّكَ أَنْتَ الشَّقِيُّ وَالْبَئِسُ وَفَقِيرٌ وَأَعْمَى وَعُرْيَانٌ". وهكذا أشار الرب عليه أن يشترى ثيابًا بيضًا حتى لا يظهر "خزي عريته". وقال له أخيرًا "كُنْ غَيُورًا وَتُبْ" (رؤ3: 17- 19).
فلا تعتمد أيها الأخ على أنك في يد الله وتترك محبتك الأولى. فما أسهل أن تسقط من يمين الله، إن أردت ذلك. لا يخطفك أحد من يده، وإنما أنت بإرادتك قد تترك يد الله.
الاعتراض الثاني
(أف1: 13، 14) "خُتِمْتُمْ بِرُوحِ الْمَوْعِدِ الْقُدُّوسِ"
إنها آية أخرى يعتمد عليها المعترضون، وهي قول بولس الرسول:
"إِذْ آمَنْتُمْ خُتِمْتُمْ بِرُوحِ الْمَوْعِدِ الْقُدُّوسِ، الَّذِي هُوَ عُرْبُونُ مِيرَاثِنَا". فاعتبروا أن ختم الروح القدس هو عربون ميراث أبدي لا ينزع من الإنسان.
والرد بسيط إن الذين ختموا بالروح القدس، ما تزال لهم حرية إرادة ولذلك يقول لهم الكتاب: "لاَ تُحْزِنُوا رُوحَ اللهِ الْقُدُّوسَ الَّذِي بِهِ خُتِمْتُمْ لِيَوْمِ الْفِدَاءِ" (أف4: 30). ويقول لهم أيضًا: "لاَ تُطْفِئُوا الرُّوحَ" (1تس5: 19). ويقول أكثر من هذا "مَنْ جَدَّفَ عَلَى الرُّوحِ الْقُدُسِ فَلَيْسَ لَهُ مَغْفِرَةٌ إِلَى الأَبَدِ، بَلْ هُوَ مُسْتَوْجِبٌ دَيْنُونَةً أَبَدِيَّةً" (مر3: 29). إذًا فما يزال الأمر بيد الإنسان الحر في إرادته. إن شاء أحزن الروح، وإن شاء أطفأ الروح، وإن شاء جدف على الروح. لذلك نحن نصلي ونقول مع المرتل: "رُوحَكَ الْقُدُّوسَ لاَ تَنْزِعْهُ مِنِّي" (مز50).
إن شاول الملك الذي اختاره الرب، ومسحه صموئيل بالدهن المقدس وحلَّ عليه الروح القدس فتنبأ، وتحول إلى رجل آخر، حتى تعجب الناس قائلين: "أَشَاوُلُ أيضًا بَيْنَ الأَنْبِيَاءِ" (1صم10: 6- 11). هذا قد عاد الرب فرفضه، "وَذَهَبَ رُوحُ الرَّبِّ مِنْ عِنْدِ شَاوُلَ، وَبَغَتَهُ رُوحٌ رَدِيءٌ مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ" (1صم16: 1، 14). وهلك شاول مرفوضًا من الله.
ليست العبرة في أوائل الإنسان إذ يختم بروح الرب. أو يحل عليه روح الرب، إنما العبرة كيف تكون أواخره.
مثل هذا الرد نجيب به أيضًا على من يعترضون بقول الرب: "وَأَنَا أَطْلُبُ مِنَ الآبِ فَيُعْطِيكُمْ مُعَزِّيًا آخَرَ لِيَمْكُثَ مَعَكُمْ إِلَى الأَبَدِ" (يو14: 16). إن الروح مستعد أن يمكث معنا. ولكن إذا استمر بنا الحال في إحزان الروح وإطفاء الروح، أو في التجديف أخيرًا على الروح، فمن الممكن أن ينزع منا.
الاعتراض الثالث
(لو10، 20)، (في4: 3)، (رؤ21: 27) أَسْمَاءَكُمْ كُتِبَتْ فِي السَّمَاوَاتِ.
يعترض البعض على إمكانية هلاك المؤمن، بقول الرب لتلاميذه السبعين: "وَلكِنْ لاَ تَفْرَحُوا بِهذَا: أَنَّ الأَرْوَاحَ تَخْضَعُ لَكُمْ، بَلِ افْرَحُوا بِالْحَرِيِّ أَنَّ أَسْمَاءَكُمْ كُتِبَتْ فِي السَّمَاوَاتِ" (لو10: 20). ويقول بولس الرسول في رسالته إلى فيلبي: "وَبَاقِي الْعَامِلِينَ مَعِي، الَّذِينَ أَسْمَاؤُهُمْ فِي سِفْرِ الْحَيَاةِ" (في4: 3). أو يقول الوحي الإلهي في سفر الرؤيا: "وَلَنْ يَدْخُلَهَا شَيْءٌ دَنِسٌ وَلاَ مَا يَصْنَعُ رَجِسًا وَكَذِبًا، إِّلاَّ الْمَكْتُوبِينَ فِي سِفْرِ حَيَاةِ الْخَرُوفِ" (رؤ21: 27).
ما أسهل أن نقول إن هذه النصوص المقدسة، وخاصة النص الأخير، إنما يقصد بها المختارون. ولكن أوضح من هذا أن نقول في صراحة تامة: إنه من الممكن أن يكتب اسم شخص في سفر الحياة، ثم يمحى اسمه بعد ذلك.
وهذا واضح من كلام الرب لموسى النبي في سفر الخروج حينما قال له موسى: "وَالآنَ إِنْ غَفَرْتَ خَطِيَّتَهُمْ، وَإِلاَّ فَامْحُنِي مِنْ كِتَابِكَ الَّذِي كَتَبْتَ. فَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: مَنْ أَخْطَأَ إِلَيَّ أَمْحُوهُ مِنْ كِتَابِي" (خر32: 32، 33).
ويقول الرب في سفر الرؤيا: "مَنْ يَغْلِبُ فَذلِكَ سَيَلْبَسُ ثِيَابًا بِيضًا، وَلَنْ أَمْحُوَ اسْمَهُ مِنْ سِفْرِ الْحَيَاةِ" (رؤ3: 5). إذًا فهناك إمكانية لمحو اسم إنسان من سفر الحياة: الذي يغلب لا يمحو الرب اسمه، والذي ينغلب يمكن أن يمحو الرب اسمه من سفر الحياة. وكما قال: "مَنْ أَخْطَأَ إِلَيَّ أَمْحُوهُ مِنْ كِتَابِي".
وقد قال أيضًا في آخر سفر الرؤيا: "وَإِنْ كَانَ أَحَدٌ يَحْذِفُ مِنْ أَقْوَالِ كِتَابِ هذِهِ النُّبُوَّةِ، يَحْذِفُ اللهُ نَصِيبَهُ مِنْ سِفْرِ الْحَيَاةِ، وَمِنَ الْمَدِينَةِ الْمُقَدَّسَةِ، وَمِنَ الْمَكْتُوبِ فِي هذَا الْكِتَابِ" (رؤ 22: 19).
الاعتراض الرابع
(غلا4: 7) نحن أولاد الله، وورثة مع المسيح:
يعترضون أيضًا بقول بولس الرسول: "إِذًا لَسْتَ بَعْدُ عَبْدًا بَلِ ابْنًا، وَإِنْ كُنْتَ ابْنًا فَوَارِثٌ ِللهِ بِالْمَسِيحِ".
إن هذا الاعتراض يدعونا إلى أن نبحث معًا ما هو المعنى الروحي لكلمة ابن: يقول يوحنا الرسول في تعريف كلمة ابن: "إِنْ عَلِمْتُمْ أَنَّهُ بَارٌّ هُوَ، فَاعْلَمُوا أَنَّ كُلَّ مَنْ يَصْنَعُ الْبِرَّ مَوْلُودٌ مِنْهُ" (1يو2: 29). فإن قلت أيها الأخ إنك ابن الله، وبالتالي وارث لله بالمسيح، فينبغي أن تبرهن على بنوتك ببرك. فإن كنت لا تصنع البر فلست مولودًا منه.
يقول يوحنا أيضًا: "كُلُّ مَنْ هُوَ مَوْلُودٌ مِنَ اللهِ لاَ يَفْعَلُ خَطِيَّةً، لأَنَّ زَرْعَهُ يَثْبُتُ فِيهِ، وَلاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُخْطِئَ لأَنَّهُ مَوْلُودٌ مِنَ اللهِ. بِهذَا أَوْلاَدُ اللهِ ظَاهِرُونَ وَأَوْلاَدُ إِبْلِيسَ: كُلُّ مَنْ لاَ يَفْعَلُ الْبِرَّ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ" (1يو3: 9، 10). ويكرر معلمنا يوحنا الحبيب هذا المعنى في الإصحاح الخامس من رسالته فيقول: "نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ مَنْ وُلِدَ مِنَ اللهِ لاَ يُخْطِئُ، بَلِ الْمَوْلُودُ مِنَ اللهِ يَحْفَظُ نَفْسَهُ، وَالشِّرِّيرُ لاَ يَمَسُّهُ" (1يو5: 18).
فهل أنت ابن بهذا المعنى الذي يشرحه يوحنا الرسول؟ إن كنت كذلك فطوباك، لا شك أنك وارث لله بالمسيح. أما إن كنت - إذا ناقشك أحد في آية تتعلق بموضوع الخلاص - تتشاجر وتشتم وترفع صوتك وتقيم ضجّة، ثم بعد ذلك تقول أنا ابن لله!! فاعلم أن أولاد الله لا يشتمون، لأن الشتامين لا يرثون ملكوت الله (1كو6: 10).
لا تفتخر باطلًا أيها الأخ كما افتخر اليهود قديمًا ببنوتهم لإبراهيم، فأخجلهم السيد المسيح بقوله: "لَوْ كُنْتُمْ أَوْلاَدَ إِبْرَاهِيمَ، لَكُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أَعْمَالَ إِبْرَاهِيمَ" (يو8: 39). فلو كنت أنت ابنًا لله، ووارثًا مع المسيح "يَنْبَغِي أَنَّهُ كَمَا سَلَكَ ذَاكَ هكَذَا يَسْلُكُ هُوَ أيضًا" (1يو2: 6).
إن الولادة من الله ليست مجرد لقب زائف نفتخر به. وإنما لها علامات تُميزها. يقول الرسول: "لأَنَّ كُلَّ مَنْ وُلِدَ مِنَ اللهِ يَغْلِبُ الْعَالَمَ" (1يو5: 4). ويقول أيضًا: "وَكُلُّ مَنْ يُحِبُّ فَقَدْ وُلِدَ مِنَ اللهِ وَيَعْرِفُ اللهَ" (1يو4: 7). فهل ينطبق عليك هذان الشرطان؟ هل أنت ثابت في المحبة؟ وهل أنت تغلب العالم؟
علامة جوهرية أخرى للولادة من الله، تظهر في قول بولس الرسول إلى أهل رومية "لأَنَّهُ إِنْ عِشْتُمْ حَسَبَ الْجَسَدِ فَسَتَمُوتُونَ، وَلكِنْ إِنْ كُنْتُمْ بِالرُّوحِ تُمِيتُونَ أَعْمَالَ الْجَسَدِ فَسَتَحْيَوْنَ. لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ يَنْقَادُونَ بِرُوحِ اللهِ، فَأُولئِكَ هُمْ أَبْنَاءُ اللهِ" (رو8: 13، 14). هنا شرط للبنوة لله، يحددها الرسول في الذين ينقادون بروح الله. من هو ابن الله؟ هو الذي ينقاد بروح الله. فهل ينطبق عليك هذا الشرط أيها الوارث مع المسيح والضامن للملكوت؟ اسأل نفسك...
شرط أساسي آخر للولادة من الله، أن تكون مولودًا من فوق، مولودًا من الماء والروح. لأن ربنا يسوع المسيح نفسه قال لنيقوديموس: "الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنَ الْمَاءِ وَالرُّوحِ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ مَلَكُوتَ اللهِ" (يو3: 5). فهل أنت أيضًا قد خلصت "بِغُسْلِ الْمِيلاَدِ الثَّانِي وَتَجْدِيدِ الرُّوحِ الْقُدُسِ" (تي3: 5)؟ وهل قدّسك السيد المسيح مطهّرًا إياك بغسل الماء بالكلمة؟ (أف5: 26).
لا تقل بغير تمعن (أنا ابن لله، فوارث للمسيح، فضامن للملكوت). وإنما اختبر نفسك هل أنت قد ولدت من الماء والروح؟ وهل أنت تحفظ نفسك والشرير لا يمسك؟ هل أنت تغلب العالم؟ هل أنت محب وصانع للبر؟ هل أنت لا تستطيع أن تخطئ؟ هل أنت تنقاد بروح الله؟ إن كنت كذلك فأنت ابن حقًا لله، وأعمالك تدل عليك و"مِنْ ثِمَارِهِمْ تَعْرِفُونَهُمْ".
أما قول بولس "لست عبدًا بل ابنًا" فيجب أن نضع إلى جواره قول السيد المسيح: "إِنَّ كُلَّ مَنْ يَعْمَلُ الْخَطِيَّةَ هُوَ عَبْدٌ لِلْخَطِيَّةِ. وَالْعَبْدُ لاَ يَبْقَى فِي الْبَيْتِ إِلَى الأَبَدِ، أَمَّا الابْنُ فَيَبْقَى إِلَى الأَبَدِ. فَإِنْ حَرَّرَكُمْ الابْنُ فَبِالْحَقِيقَةِ تَكُونُونَ أَحْرَارًا" (يو8: 34- 36).
فالبنوة لله إذًا من علاماتها التحرر من الخطيئة وعدم العبودية لها. فإن كنت ما تزال تفعل الخطيئة فأنت عبد لها وأنت إذًا خارج عن قول بولس الرسول "لست عبدًا بل ابنًا".
إن السيد المسيح يحسم هذا الأمر فيقول: "لَيْسَ كُلُّ مَنْ يَقُولُ لِي: يَا رَبُّ، يَا رَبُّ! يَدْخُلُ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ. بَلِ الَّذِي يَفْعَلُ إِرَادَةَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ" (مت7: 21). "لأَنَّ مَنْ يَصْنَعُ مَشِيئَةَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ أَخِي وَأُخْتِي وَأُمِّي" (مت12: 50). هذا هو حقًا الوريث مع المسيح.
نفس الكلام الذي قلناه سابقًا ينطبق أيضًا على آية بنفس المعنى يستخدمها المعترضون أحيانًا وهي:
"فَإِنْ كُنَّا أَوْلاَدًا فَإِنَّنَا وَرَثَةٌ أيضًا، وَرَثَةُ اللهِ وَوَارِثُونَ مَعَ الْمَسِيحِ. إِنْ كُنَّا نَتَأَلَّمُ مَعَهُ لِكَيْ نَتَمَجَّدَ أيضًا مَعَهُ" (رو8: 17).
الاعتراض الخامس
(يو6: 37) "مَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ لاَ أُخْرِجْهُ خَارِجًا"
حقًا إن كل من يقبل إلى المسيح لا يخرجه المسيح خارجًا. ولكن ماذا نقول عن الذي يخرج بإرادته من تلقاء نفسه؟! إن المسيح هو الباب إن دخل أحد به "يَخْلُصُ وَيَدْخُلُ وَيَخْرُجُ وَيَجِدُ مَرْعًى" (يو10: 9).
إن كل الذين خرجوا من الحظيرة المقدسة، هم خرجوا بذواتهم، بأعمالهم، بطياشتهم، بضلالهم. هم أرادوا لأنفسهم الهلاك. عن أمثال هؤلاء يقول يوحنا الرسول: "مِنَّا خَرَجُوا، لكِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مِنَّا، لأَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا مِنَّا لَبَقُوا مَعَنَا" (1يو2: 19). هم الذين خرجوا.
ومن أمثلة هؤلاء أولئك الذين لم يحتملوا كلام السيد المسيح عندما تحدث عن التناول من جسده ودمه. وفي ذلك يقول الكتاب: "مِنْ هذَا الْوَقْتِ رَجَعَ كَثِيرُونَ مِنْ تَلاَمِيذِهِ إِلَى الْوَرَاءِ، وَلَمْ يَعُودُوا يَمْشُونَ مَعَهُ. فَقَالَ يَسُوعُ لِلاثْنَيْ عَشَرَ: أَلَعَلَّكُمْ أَنْتُمْ أيضًا تُرِيدُونَ أَنْ تَمْضُوا؟" (يو6: 66، 67).
فهؤلاء لم يخرجهم الرب خارجًا، إنما هم الذين تركوه، بعكس الاثنى عشر الذين ثبتوا معه.
حتى يهوذا الإسخريوطي أيضًا، لم يطرده الرب، ولم يخرجه خارجًا. وإنما هو الذي ترك مجمع التلاميذ، وترك عشاء الرب وخرج يفعل ما قد تآمر عليه من قبل.
الاعتراض السادس
(1يو5: 11، 12) "مَنْ لَهُ الابْنُ فَلَهُ الْحَيَاةُ"
يعترض البعض بقول يوحنا الرسول: "وَهذِهِ هِيَ الشَّهَادَةُ: أَنَّ اللهَ أَعْطَانَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً، وَهذِهِ الْحَيَاةُ هِيَ فِي ابْنِهِ، مَنْ لَهُ الابْنُ فَلَهُ الْحَيَاةُ، وَمَنْ لَيْسَ لَهُ ابْنُ اللهِ فَلَيْسَتْ لَهُ الْحَيَاةُ". فيقولون ما دام شخص له الحياة، وله حياة أبدية فكيف يهلك إذًا؟!
مفتاح هذه الآية هو فهم المعنى المقصود من عبارة من له الابن. فماذا تعني هذه العبارة؟ هل تعني "كل من يؤمن به"؟ كلا طبعًا، لأن الابن نفسه يقول: "لَيْسَ كُلُّ مَنْ يَقُولُ لِي: يَا رَبُّ، يَا رَبُّ! يَدْخُلُ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ. بَلِ الَّذِي يَفْعَلُ إِرَادَةَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ" (مت7: 21). وتابع الرب كلامه قائلًا: "كَثِيرُونَ سَيَقُولُونَ لِي فِي ذلِكَ الْيَوْمِ: يَا رَبُّ، يَا رَبُّ! أَلَيْسَ بِاسْمِكَ تَنَبَّأْنَا، وَبِاسْمِكَ أَخْرَجْنَا شَيَاطِينَ، وَبِاسْمِكَ صَنَعْنَا قُوَّاتٍ كَثِيرَةً؟ فَحِينَئِذٍ أُصَرِّحُ لَهُمْ: إِنِّي لَمْ أَعْرِفْكُمْ قَطُّ! اذْهَبُوا عَنِّي يَا فَاعِلِي الإِثْمِ".
هؤلاء لم يكونوا مؤمنين فقط وإنما كانوا صانعي آيات أيضًا. ومع ذلك لم يكن لهم الابن "لم يعرفهم قط". وذلك لأنهم كانوا فاعلي إثم.
وهكذا العذارى الجاهلات: كن مؤمنات، وقد نادينه قائلات: "يَا سَيِّدُ، يَا سَيِّدُ، افْتَحْ لَنَا" (مت25: 11). فأجابهن قائلًا: "الْحَقَّ أَقُولُ لَكُنَّ: إِنِّي مَا أَعْرِفُكُنَّ".
هن أيضًا لم يكن لهن الابن، على الرغم من إيمانهن، وعلى الرغم من أنهن كن ينتظرنه كالحكيمات، وقد حفظن بتوليتهن. وأردن أن يدخلن معه إلى العرس.
إذًا فعبارة من له الابن، لا تعني مجرد الإيمان. فماذا تعني إذًا؟ ما معنى "مَنْ لَهُ الابْنُ فَلَهُ الْحَيَاةُ"؟ تعني الآتي:
¦ أولًا: معرفة الابن
وهذا واضح من قول ربنا يسوع المسيح نفسه للآب: "هذِهِ هِيَ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ: أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ الإِلهَ الْحَقِيقِيَّ وَحْدَكَ وَيَسُوعَ الْمَسِيحَ الَّذِي أَرْسَلْتَهُ" (يو17: 3).
ولكن ما معنى أن نعرف الابن؟ وما الدليل على أننا عرفناه؟
يجيب يوحنا الرسول نفسه، في نفس رسالته قائلًا: "وَبِهذَا نَعْرِفُ أَنَّنَا قَدْ عَرَفْنَاهُ: إِنْ حَفِظْنَا وَصَايَاهُ. مَنْ قَالَ: قَدْ عَرَفْتُهُ وَهُوَ لاَ يَحْفَظُ وَصَايَاهُ، فَهُوَ كَاذِبٌ وَلَيْسَ الْحَقُّ فِيهِ. وَأَمَّا مَنْ حَفِظَ كَلِمَتَهُ فَحَقًّا فِي هذَا قَدْ تَكَمَّلَتْ مَحَبَّةُ اللهِ. بِهذَا نَعْرِفُ أَنَّنَا فِيهِ" (1يو2: 3- 5).
هذا هو الرد. لأنه كيف يكون لنا الابن إن كنا لا نعرفه؟! أو كيف نعرفه إن كنا لا نحفظ وصاياه؟! فإن حفظنا وصاياه ندلل بهذا على أننا نعرفه، وإن عرفناه تكون لنا الحياة. إذًا من يحفظ وصايا الابن، يكون له الابن، وتكون له الحياة. وما حفظ الوصايا سوى أعمال، تبرهن على صدق هذا الحفظ.
¦ ثانيًا: الثبات في الابن
إن الذي له الابن، هو الذي يثبت في الابن، والابن نفسه قد قال: "اُثْبُتُوا فِيَّ وَأَنَا فِيكُمْ... أَنَا الْكَرْمَةُ وَأَنْتُمُ الأَغْصَانُ... إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يَثْبُتُ فِيَّ يُطْرَحُ خَارِجًا كَالْغُصْنِ، فَيَجِفُّ وَيَجْمَعُونَهُ وَيَطْرَحُونَهُ فِي النَّارِ، فَيَحْتَرِقُ" (يو15: 4- 6).
إذًا فالثبات فيه لازم للحياة، كما أن الغصن لا يحيا إلا إذا كان ثابتًا في الكرمة، والذي لا يثبت فيها يجف وتكون نهايته الحريق. إذًا مَن يثبت في الابن فله الحياة.
فكيف إذًا نثبت فيه؟
يتابع الابن كلامه فيقول: "اُثْبُتُوا فِي مَحَبَّتِي. إِنْ حَفِظْتُمْ وَصَايَايَ تَثْبُتُونَ فِي مَحَبَّتِي، كَمَا أَنِّي أَنَا قَدْ حَفِظْتُ وَصَايَا أَبِي وَأَثْبُتُ فِي مَحَبَّتِهِ" (يو15: 9، 10).
الأمر إذًا من هذه الناحية أيضًا يتعلق بحفظ الوصايا، أي بالأعمال الصالحة. يؤكد هذا يوحنا الحبيب أيضًا في نفس رسالته "مَنْ قَالَ: إِنَّهُ ثَابِتٌ فِيهِ يَنْبَغِي أَنَّهُ كَمَا سَلَكَ ذَاكَ هكَذَا يَسْلُكُ هُوَ أيضًا" (1يو2: 6). وماذا تعني أيضًا عبارة من له الابن؟ تعني كذلك:
¦ ثالثا: الشركة مع الابن
الذي له الابن، هو الذي له شركة معه. وفي ذلك يقول يوحنا الرسول نفسه: "وَأَمَّا شَرِكَتُنَا نَحْنُ فَهِيَ مَعَ الآبِ وَمَعَ ابْنِهِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ" (1يو1: 3). ويتحدث بولس الرسول كثيرًا عن هذه الشركة فيقول: "متنا معه، دُفِنَّا مَعَهُ، قمنا معه، نتمجد معه" (رو6). ويقول أيضًا: "لأَعْرِفَهُ، وَقُوَّةَ قِيَامَتِهِ، وَشَرِكَةَ آلاَمِهِ" (في3). ويقول: "مَعَ الْمَسِيحِ صُلِبْتُ" (غلا2) إلخ.
ولكن كيف تكون لنا شركة معه؟ هنا يجيب القديس يوحنا في نفس رسالته "إِنْ قُلْنَا: إِنَّ لَنَا شَرِكَةً مَعَهُ وَسَلَكْنَا فِي الظُّلْمَةِ، نَكْذِبُ وَلَسْنَا نَعْمَلُ الْحَقَّ. وَلكِنْ إِنْ سَلَكْنَا فِي النُّورِ كَمَا هُوَ فِي النُّورِ، فَلَنَا شَرِكَةٌ بَعْضِنَا مَعَ بَعْضٍ، وَدَمُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِهِ يُطَهِّرُنَا مِنْ كُلِّ خَطِيَّةٍ" (1يو1: 6، 7). الأمر إذًا كسابقه يتعلق بالسلوك أي بالأعمال.
¦ رابعًا: محبة الابن
لا شك أن الذي له الابن، هو الذي يرتبط بالابن برابطة الحب. فكيف نحبه إذًا؟
يجيب السيد المسيح نفسه على هذا السؤال بقوله: "اَلَّذِي عِنْدَهُ وَصَايَايَ وَيَحْفَظُهَا فَهُوَ الَّذِي يُحِبُّنِي، وَالَّذِي يُحِبُّنِي يُحِبُّهُ أَبِي، وَأَنَا أُحِبُّهُ، وَأُظْهِرُ لَهُ ذَاتِي" (يو14: 21). والقديس يوحنا يؤكد هذا أيضًا في نفس رسالته فيقول: "فَإِنَّ هذِهِ هِيَ مَحَبَّةُ اللهِ: أَنْ نَحْفَظَ وَصَايَاهُ" (1يو5: 3). الأمر من هذه الناحية أيضًا يتعلق بحفظ الوصايا أي بالأعمال.
إذًا فعبارة من له الابن - سواء كان معناها: مَن يعرف الابن، أو مَن يثبت في الابن، أو مَن له شركة مع الابن أو مَن يحب الابن - فهي تستلزم حفظ الوصايا، لكي تكون للمؤمن الحياة الأبدية.
إذًا فالحياة الأبدية تستلزم سلوكًا دائمًا بالبر. إن حادَ عنه الإنسان يفقد هذه الحياة. لأنه "إِنْ قُلْنَا: إِنَّ لَنَا شَرِكَةً مَعَهُ وَسَلَكْنَا فِي الظُّلْمَةِ، نُضِلُّ أَنْفُسَنَا"...
إن رسالة يوحنا الأولى لها روح خاصة تتمشى في الرسالة كلها. ولذلك إذا حاول البروتستانت أن يعتمدوا على آية منها، وجدوا في باقي الرسالة ما يرد عليهم...
الاعتراض السابع
(خر12: 23، 7) مثال خروف الفصح
"فَحِينَ يَرَى الدَّمَ عَلَى الْعَتَبَةِ الْعُلْيَا وَالْقَائِمَتَيْنِ يَعْبُرُ الرَّبُّ عَنِ الْبَابِ وَلاَ يَدَعُ الْمُهْلِكَ يَدْخُلُ بُيُوتَكُمْ لِيَضْرِبَ".
يستغل المعترضون هذه الآية ويقولون إن الذين كانوا يحتمون داخل الأبواب الملطخة بالدم، كانوا يشعرون بكامل الأمان والاطمئنان مهما كانت حالتهم الشخصية، ومهما كان تقصيرهم وإثمهم... لأن خلاصهم كان يعتمد على الدم، دم خروف الفصح الذي يرمز للمسيح. ولم يكن خلاصهم يعتمد إطلاقًا على أعمالهم. ويقولون إنه يجب أن نكون في ملء الثقة بدم المسيح، ناظرين إلى استحقاقات الدم، وليس إلى أعمالنا.
ونحن لا ننكر أن الخلاص قد تمّ بدمِ المسيح وحده، وإن كفارة دم المسيح غير المحدودة كافية لبعث الاطمئنان في النفس. ولكن ثقتنا بدم المسيح، ليس معناها أن نحيا في الخطيئة، أو أن نقصر في أي عمل صالح، مدعين بأن خلاصنا يتوقف على الدم وليس على برنا وطهارتنا.
وفي مثال خروف الفصح والأبواب المرشوشة بالدم، نرى ملاحظة هامة جدًا توضح الموقف توضيحًا سليمًا من ناحية الرمز. ذلك أن خروف الفصح كان يؤكل على فطير (خر12: 8). وكان لا بد من نزع كل خمير في المحلة لمدة سبعة أيام.
وهكذا قال الكتاب: "سَبْعَةَ أَيَّامٍ تَأْكُلُ فَطِيرًا، وَفِي الْيَوْمِ السَّابعِ عِيدٌ لِلرَّبِّ. فَطِيرٌ يُؤْكَلُ السَّبْعَةَ الأَيَّامِ، وَلاَ يُرَى عِنْدَكَ مُخْتَمِرٌ، وَلاَ يُرَى عِنْدَكَ خَمِيرٌ فِي جَمِيعِ تُخُومِكَ" (خر13: 6، 7).
وقد شدد الرب تشديدًا كبيرًا على عزل الخمير من البيوت، مع توقيع عقوبة القطع على كل من يأكل مختمرًا. فقال: "سَبْعَةَ أَيَّامٍ تَأْكُلُونَ فَطِيرًا. الْيَوْمَ الأَوَّلَ تَعْزِلُونَ الْخَمِيرَ مِنْ بُيُوتِكُمْ، فَإِنَّ كُلَّ مَنْ أَكَلَ خَمِيرًا مِنَ الْيَوْمِ الأَوَّلِ إِلَى الْيَوْمِ السَّابعِ تُقْطَعُ تِلْكَ النَّفْسُ مِنْ إِسْرَائِيلَ" (خر12: 15).
وعاد فشدد على هذه النقطة مرة أخرى فقال: "تَأْكُلُونَ فَطِيرًا، سَبْعَةَ أَيَّامٍ لاَ يُوجَدْ خَمِيرٌ فِي بُيُوتِكُمْ. فَإِنَّ كُلَّ مَنْ أَكَلَ مُخْتَمِرًا تُقْطَعُ تِلْكَ النَّفْسُ مِنْ جَمَاعَةِ إِسْرَائِيلَ، الْغَرِيبُ مَعَ مَوْلُودِ الأَرْضِ. لاَ تَأْكُلُوا شيئًا مُخْتَمِرًا. فِي جَمِيعِ مَسَاكِنِكُمْ تَأْكُلُونَ فَطِيرًا" (خر12: 18- 20).
فما هي الحكمة في كل هذا؟ وإلى أي شيء ترمز؟ إن أي باحث في الكتاب المقدس يرى جيدًا أن الخمير يرمز إلى الشر والخطيئة، وأن الفطير يرمز إلى البر والطهارة.
وقد أوضح بولس الرسول هذا الأمر وضوحًا كاملًا حينما قال: "إِذًا نَقُّوا مِنْكُمُ الْخَمِيرَةَ الْعَتِيقَةَ، لِكَيْ تَكُونُوا عَجِينًا جَدِيدًا كَمَا أَنْتُمْ فَطِيرٌ. لأَنَّ فِصْحَنَا أيضًا الْمَسِيحَ قَدْ ذُبحَ لأَجْلِنَا. إِذًا لِنُعَيِّدْ، لَيْسَ بِخَمِيرَةٍ عَتِيقَةٍ، وَلاَ بِخَمِيرَةِ الشَّرِّ وَالْخُبْثِ، بَلْ بِفَطِيرِ الإِخْلاَصِ وَالْحَقِّ" (1كو5: 7، 8).
وهكذا تتضح أمامنا الصورة: الباب من الخارج مرشوش بالدم، ومن الداخل قد نزع الخمير، والكل يأكل فطيرًا. إن دم المسيح لا يمكن أن يكون تصريحًا لنا بأكل الخمير والشخص الذي يفلت بواسطة الدم من سيف المهلك، يمكن مع هذا الخلاص الأول أن تقطع نفسه من الجماعة إذا أكل خميرًا. وهكذا يفقد خلاص الدم عن طريق أكله من الخبز المختمر.
كم من أناس خلصوا من الخطيئة الأصلية بدم المسيح، ونجوا من سيف المهلك. ثم بعد ذلك فقدوا هذا الخلاص، وقطعوا من جسم الكنيسة، لأنهم أكلوا مختمرًا، أولئك "الَّذِينَ نِهَايَتُهُمُ الْهَلاَكُ، الَّذِينَ إِلهُهُمْ بَطْنُهُمْ وَمَجْدُهُمْ فِي خِزْيِهِمِ، الَّذِينَ يَفْتَكِرُونَ فِي الأَرْضِيَّاتِ" (في3: 19).
هل بعد هذا تجرؤ أن تقول إنني أنام مطمئنًا داخل الأبواب المرشوشة بالدم، مهما كانت سيرتي؟! أقول لك: كلا، إن كان يوجد خمير داخل أبوابك، فلا يمكن أن تنام مطمئنًا "إِنَّ كُلَّ مَنْ أَكَلَ مُخْتَمِرًا تُقْطَعُ تِلْكَ النَّفْسُ مِنْ جَمَاعَةِ إِسْرَائِيلَ".
لذلك نقوا منكم الخميرة العتيقة. وعيدوا بفطير الإخلاص والحق. إن سبعة أيام الفطير ترمز إلى العمر كله الذي ينبغي أن يكون طاهرًا. لأن السبعة عدد يرمز إلى الكمال. وطالما تعيش أيها الأخ داخل الأبواب المرشوشة بالدم، احترس طول حياتك أن تعزل الخمير من بيتك، لأن الحكمَ واضح.
الاعتراض الثامن
المسيح سدد مطالب الله
يقول المعترضون إن موت المسيح قد سدد مطالب العدل الإلهي من كل جهة. فهل يطالبنا الله بتسديده مرة أخرى؟ كلا، إن الله لا يطالبنا بذلك، كما أننا أعجز من أن نوفي عدل الله... وقد سدد السيد المسيح فعلًا كل مطالب العدل الإلهي، وقدم كفارة غير محدودة، تكفي لمغفرة جميع الخطايا لجميع الناس في جميع الأجيال...
ولكننا نكرر هنا ما سبق أن قلناه إن دم المسيح شيء، واستحقاقات دم المسيح شيء آخر. إن كل ما نفعله، ليس هو أن نسدد مطالب العدل الإلهي، وإنما أن نوجد أهلًا لاستحقاقات دم المسيح.
إننا لا نحاول أن نوفي العدل الإلهي حقه، فقد تمّ ذلك على الصليب، حين سفك الرب دمه عنا. إنما كل ما نعمله هو أن نكون مستحقين لدم المسيح.
الاعتراض التاسع
مَن يسمع كلامي... له حياةٌ أبدية
يعترضون أيضًا بقول الرب: "مَنْ يَسْمَعُ كَلاَمِي وَيُؤْمِنُ بِالَّذِي أَرْسَلَنِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَلاَ يَأْتِي إِلَى دَيْنُونَةٍ، بَلْ قَدِ انْتَقَلَ مِنَ الْمَوْتِ إِلَى الْحَيَاةِ" (يو24:5).
نلاحظ هنا أنه لا يتكلم عن الإيمان فقط، بل عن الأعمال بالأكثر في قوله: "مَنْ يَسْمَعُ كَلاَمِي" أي من ينفذ وصاياي. ونحن نعتقد أن المؤمن الذي ينفذ وصايا الله حتى النهاية، فهذا هو الذي يخلص. ولو أننا تابعنا بقية كلام الرب في هذه المناسبة، لوجدناه يقول: "فَيَخْرُجُ الَّذِينَ فَعَلُوا الصَّالِحَاتِ إِلَى قِيَامَةِ الْحَيَاةِ" (يو5: 29). ولم يقل "الذين آمنوا"، مشددًا على أهمية الأعمال للخلاص.
الاعتراض العاشر
(عب10: 23) الَّذِي وَعَدَ هُوَ أَمِينٌ
حقًا إن وعد الله موجود، والَّذِي وَعَدَ هُوَ أَمِينٌ، ولكن هذا لا يدعونا إلى الثقة العمياء. بل إن القديس بولس ذاته يحذرنا في نفس الرسالة قائلًا: "فَلْنَخَفْ، أَنَّهُ مَعَ بَقَاءِ وَعْدٍ بِالدُّخُولِ إِلَى رَاحَتِهِ، يُرَى أَحَدٌ مِنْكُمْ أَنَّهُ قَدْ خَابَ مِنْهُ" (عب4: 1). كما يقول أيضًا: "إِنْ كُنَّا نُنْكِرُهُ فَهُوَ أيضًا سَيُنْكِرُنَا" (2تي2: 12).
يا إخوتي، تذكروا باستمرار خطورة استخدام الآية الواحدة.
متى نصل إلى الخلاص؟
إن كان المؤمن يمكن أن يسقط، ويمكن أن يهلك، وإن كان هناك أناس قد بدأوا بالروح وكمّلوا بالجسد، فمتى نقول إذًا عن إنسان إنه قد خلص تمامًا؟
نقول ذلك عندما يُكمل أيام غربته على الأرض بسلام. ذلك لأننا في حربٍ وصراع، طالما نحن في الجسد (أف6: 10). نحن في حرب لم نعرف نتيجتها بعد، لأنه من الجائز أن يكسب إنسان الجولة الأولى، ويخسر في الجولة الثانية عشرة. من يضمن؟! ولا يستطيع محارب أن يقول إنه انتصر، إلا بعد نهاية الحرب، أي بعد خلع هذا الجسد.
لذلك يقول الرسول: "تَمِّمُوا خَلاَصَكُمْ بِخَوْفٍ وَرِعْدَةٍ" (في2: 12). ويقول أيضًا: "انْظُرُوا إِلَى نِهَايَةِ سِيرَتِهِمْ" (عب13: 7).
نصوص مقدسة عن خلاصنا المنتظر
- يقول القديس بولس: "فَإِنَّ سِيرَتَنَا نَحْنُ هِيَ فِي السَّمَاوَاتِ، الَّتِي مِنْهَا أيضًا نَنْتَظِرُ مُخَلِّصًا هُوَ الرَّبُّ يَسُوعُ الْمَسِيحُ، الَّذِي سَيُغَيِّرُ شَكْلَ جَسَدِ تَوَاضُعِنَا لِيَكُونَ عَلَى صُورَةِ جَسَدِ مَجْدِهِ" (في3: 20).
هذا هو الخلاص، عندما نخلع هذا الجسد المائت، ونلبس جسد المجد... بعد مجيء المسيح الثاني والقيامة العامة.
- ويقول كذلك: "هكَذَا الْمَسِيحُ أيضًا، بَعْدَمَا قُدِّمَ مَرَّةً لِكَيْ يَحْمِلَ خَطَايَا كَثِيرِينَ، سَيَظْهَرُ ثَانِيَةً بِلاَ خَطِيَّةٍ لِلْخَلاَصِ لِلَّذِينَ يَنْتَظِرُونَهُ" (عب9: 28). تحدث الرسول هنا أيضًا عن الخلاص النهائي الذي يحدث بعد مجيء المسيح الثاني.
- وهكذا يقول القديس بطرس الرسول: "أَنْتُمُ الَّذِينَ بِقُوَّةِ اللهِ مَحْرُوسُونَ، بِإِيمَانٍ، لِخَلاَصٍ مُسْتَعَدٍّ أَنْ يُعْلَنَ فِي الزَّمَانِ الأَخِيرِ" (1بط1: 5).
- هذه الحقيقة ذاتها، وضحها مار بولس عندما أمر بخصوص خاطئ كورنثوس "أَنْ يُسَلَّمَ مِثْلُ هذَا لِلشَّيْطَانِ لِهَلاَكِ الْجَسَدِ، لِكَيْ تَخْلُصَ الرُّوحُ فِي يَوْمِ الرَّبِّ" (1كو5: 5).
- عن هذا الخلاص المقبل يقول الرسول لأهل رومية (13: 11) "فَإِنَّ خَلاَصَنَا الآنَ أَقْرَبُ مِمَّا كَانَ حِينَ آمَنَّا".
- ويقول لتلميذه القديس تيموثاوس الأسقف: "لاَحِظْ نَفْسَكَ وَالتَّعْلِيمَ وَدَاوِمْ عَلَى ذلِكَ، لأَنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ هذَا، تُخَلِّصُ نَفْسَكَ وَالَّذِينَ يَسْمَعُونَكَ أيضًا" (1تي4: 16). فهذا القديس كان محتاجًا أن يلاحظ نفسه، ويلاحظ خدمته. ويداوم على هذه الملاحظة، لكي يخلص.
- وعن هذا الخلاص المنتظر يقول القديس بطرس الرسول: "إِنْ كَانَ الْبَارُّ بِالْجَهْدِ يَخْلُصُ" (1بط4: 18).
- ويقول بولس الرسول عن الملائكة: "أَلَيْسَ جَمِيعُهُمْ أَرْوَاحًا خَادِمَةً مُرْسَلَةً لِلْخِدْمَةِ لأَجْلِ الْعَتِيدِينَ أَنْ يَرِثُوا الْخَلاَصَ" (عب1: 14).
- هذا الخلاص الأخير يحتاج إلى صبر وجهاد حتى نناله في المجد. وفي هذا يقول القديس بولس: "لأَجْلِ ذلِكَ أَنَا أَصْبِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ لأَجْلِ الْمُخْتَارِينَ، لِكَيْ يَحْصُلُوا هُمْ أيضًا عَلَى الْخَلاَصِ الَّذِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، مَعَ مَجْدٍ أَبَدِيٍّ" (2تي2: 10).
إذًا فهؤلاء المختارين لم ينالوا الخلاص الذي فيه المجد الأبدي، على الرغم من أنهم نالوا خلاصًا بدم المسيح في المعمودية. ولكنه مجرد عربون (أف1: 14). يمكن أن نفقده إن أبطلنا جهادنا وانحرفت إرادتنا...
هذا الخلاص الأخير، كيف نناله؟ يجيب الرسول قائلًا: "لْنُحَاضِرْ بِالصَّبْرِ فِي الْجِهَادِ الْمَوْضُوعِ أَمَامَنَا" (عب12: 1). ومن يصبر إلى المنتهى، فهذا يخلص.
إجابة أسئلة تتعلق بالموضوع
إجابة أسئلة تتعلق بالموضوع
1) هل اختار الله أناسًا معينين للخلاص؟
أ) الخلاص مقدم للجميع
يجيب الكتاب إجابة واضحة عن هذا السؤال فيقول: "لأَنَّ هذَا حَسَنٌ وَمَقْبُولٌ لَدَى مُخَلِّصِنَا اللهِ، الَّذِي يُرِيدُ أَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ يَخْلُصُونَ، وَإِلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ يُقْبِلُونَ" (1تي2: 4). إن الله يريد أن جميع الناس يخلصون وليست مجموعة معينة منهم. محبة الله قد شملت العالم كله. ولذلك فهو يقول: "إِنِّي لاَ أُسَرُّ بِمَوْتِ الشِّرِّيرِ، بَلْ بِأَنْ يَرْجعَ الشِّرِّيرُ عَنْ طَرِيقِهِ وَيَحْيَا" (حز33: 11).
ولهذا فإنه في قضية الفداء يقول الكتاب: "هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ" (يو3: 16). هنا نرى أن محبته عامة للجميع، للعالم كله، والخلاص مقدم بصفة عمومية لكل من يؤمن به فاديًا وليس لمجموعة معينة.
وهذا المعنى يكرره أيضًا معلمنا يوحنا الحبيب في الحديث عن ذبيحة المسيح الكفارية، إذ يقول: "وَهُوَ كَفَّارَةٌ لِخَطَايَانَا. لَيْسَ لِخَطَايَانَا فَقَطْ، بَلْ لِخَطَايَا كُلِّ الْعَالَمِ أيضًا" (1يو2: 2). إذًا فالسيد المسيح قد قدم الخلاص للجميع، بذل نفسه عن الجميع. هو كفارة لخطايا العالم كله، يريد أن الجميع يخلصون.
هذه العمومية شرحها معلمنا بطرس الرسول فقال: "بِالْحَقِّ أَنَا أَجِدُ أَنَّ اللهَ لاَ يَقْبَلُ الْوُجُوهَ. بَلْ فِي كُلِّ أُمَّةٍ الَّذِي يَتَّقِيهِ وَيَصْنَعُ الْبِرَّ مَقْبُولٌ عِنْدَهُ... هذَا هُوَ رَبُّ الْكُلِّ" (أع10: 34- 36). ويشبه هذا أيضًا ما قاله بطرس في يوم الخمسين: "وَيَكُونُ كُلُّ مَنْ يَدْعُو بِاسْمِ الرَّبِّ يَخْلُصُ" (أع2: 12). إذًا فالله يريد أن جميع الناس يخلصون. فإن لم يخلصوا جميعًا، فلا يمكن أن يرجع السبب إلى الله، وإنما إلى الناس. لأنهم هم لم يريدوا لأنفسهم الخلاص وليس أن الله لم يرد لهم الخلاص.
بـ) وضع الله الاختيار في أيدي الناس
إن الله كصالح ومحب لا يشاء أن يهلك خاطئ واحد، بل يريد لكل خاطئ أن يرجع ويحيا. ومع ذلك فقد وضع الاختيار في أيدي الناس. ترك الحرية لكل إنسان لكي يختار لنفسه. وفي ذلك يقول السيد الرب للإنسان:
"اُنْظُرْ. قَدْ جَعَلْتُ الْيَوْمَ قُدَّامَكَ الْحَيَاةَ وَالْخَيْرَ، وَالْمَوْتَ وَالشَّرَّ... أُشْهِدُ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ. قَدْ جَعَلْتُ قُدَّامَكَ الْحَيَاةَ وَالْمَوْتَ. الْبَرَكَةَ وَاللَّعْنَةَ. فَاخْتَرِ الْحَيَاةَ لِكَيْ تَحْيَا أَنْتَ وَنَسْلُكَ" (تث30: 15، 19).
ولو لم يكن الاختيار في يد الإنسان، فلماذا إذًا أرسل الله الرسل والأنبياء؟ ولماذا إذًا وضع لنا الوصايا وقدم الإنذارات؟ لماذا عينَ الكهنة والمعلمين؟ ما فائدة هذا كله لو كان هناك أناس معينين للخلاص، وآخرون معينين للهلاك؟!
جـ) نصوص كثيرة تدل على أن الإرادة بيد الإنسان
كثير من وصايا الله المقدسة تبدأ بعبارة "إن أراد أحد" أو "إن أردت" أو "إن سمع أحد لصوتي"، وأشباه هذه من العبارات، مما يدل على أن الإرادة في يد الإنسان، يختار لنفسه ما يشاء، ويحدد مصيره حسب عمله. وسنضرب أمثلة لكل هذا:
قال ربنا يسوع المسيح: "إِنْ أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَأْتِيَ وَرَائِي فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعْنِي. فَإِنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَلِّصَ نَفْسَهُ يُهْلِكُهَا، وَمَنْ يُهْلِكُ نَفْسَهُ مِنْ أَجْلِي يَجِدُهَا" (مت16: 24، 25).
وقال للشاب الغني: "وَلكِنْ إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَدْخُلَ الْحَيَاةَ فَاحْفَظِ الْوَصَايَا... إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَكُونَ كَامِلًا فَاذْهَبْ وَبعْ أَمْلاَكَكَ وَأَعْطِ الْفُقَرَاءَ" (مت19: 17، 21).
وقال في رسالته إلى ملاك كنيسة لاودكية: "هنَذَا وَاقِفٌ عَلَى الْبَابِ وَأَقْرَعُ. إِنْ سَمِعَ أَحَدٌ صَوْتِي وَفَتَحَ الْبَابَ أَدْخُلُ إِلَيْهِ وَأَتَعَشَّى مَعَهُ وَهُوَ مَعِي" (رؤ3: 20). من جهة الله فإنه واقف يقرع على الباب، ومن جهة الإنسان فهو الذي يملك الاختيار: يفتح أو لا يفتح. ونتيجة لهذا يتحدد مصيره.
وكثيرًا ما يريد الله، ولا يريد الإنسان. يريد الله الخير للإنسان، ولا يريد الإنسان الخير لنفسه. ويتركه الله لحرية إرادته، يلقى مصيره حسبما يشاء.
مثال ذلك قول الرب في بكائه على أورشليم: "كَمْ مَرَّةٍ أَرَدْتُ أَنْ أَجْمَعَ أَوْلاَدَكِ كَمَا تَجْمَعُ الدَّجَاجَةُ فِرَاخَهَا تَحْتَ جَنَاحَيْهَا، وَلَمْ تُرِيدُوا. هُوَذَا بَيْتُكُمْ يُتْرَكُ لَكُمْ خَرَابًا" (مت23: 37، 38). ومثال ذلك أيضًا توبيخ الرب لليهود إذ قال لهم: "وَلاَ تُرِيدُونَ أَنْ تَأْتُوا إِلَيَّ لِتَكُونَ لَكُمْ حَيَاةٌ" (يو5: 40).
ويدخل في هذا النطاق أيضًا مثال العرس والمدعوين. إذ يقول الرب عن صاحب العرس: "وَأَرْسَلَ عَبِيدَهُ لِيَدْعُوا الْمَدْعُوِّينَ إِلَى الْعُرْسِ، فَلَمْ يُرِيدُوا أَنْ يَأْتُوا" (مت22: 3). إنهم مدعوون إلى العرس، وليسوا معدين للهلاك. الله يفتح لهم ملكوته، ولكنهم يرفضون أن يدخلوا. وفي مثال العرس هذا نجد أن الدعوة تكررت أكثر من مرة ومن مرتين. وفي كل مرة يرسل الرب إلى هؤلاء المدعوين عبيدًا آخرين، ولكنهم لم يريدوا أن يأتوا. لذلك ختمت هذه المأساة بقول الرب لعبيده: "أَمَّا الْعُرْسُ فَمُسْتَعَدٌّ، وَأَمَّا الْمَدْعُوُّونَ فَلَمْ يَكُونُوا مُسْتَحِقِّينَ" (مت22: 8).
ومن أعمق الأمثلة على مدى اهتمام الله بإرادة الإنسان في تقرير مصيره. أن السيد المسيح له المجد يقول للمريض قبل شفائه: "أَتُرِيدُ أَنْ تَبْرَأَ؟" (يو5: 6). إن الطبيب العظيم مستعد أن يشفى، ولكن مشكلة الذين يهلكون هي أنهم لا يريدون أن يبرأوا.
د) الله مستعد أن يرجع عن حكمه
هل يوجد أوضح من هذا دليلًا على عمق رغبة الله في الاهتمام بخلاصنا؟! لا مانع لدى الله في أن يرجع عن حكمه، إن رجع الإنسان عن شره وطلب لنفسه الخلاص.
يعلن الله هذه الحقيقة قائلًا: "وَإِذَا قُلْتُ لِلشِّرِّيرِ: مَوْتًا تَمُوتُ. فَإِنْ رَجَعَ عَنْ خَطِيَّتِهِ وَعَمِلَ بِالْعَدْلِ وَالْحَقِّ، وَسَلَكَ فِي فَرَائِضِ الْحَيَاةِ بِلاَ عَمَلِ إِثْمٍ، فَإِنَّهُ حَيَاةً يَحْيَا. لاَ يَمُوتُ. كُلُّ خَطِيَّتِهِ الَّتِي أَخْطَأَ بِهَا لاَ تُذْكَرُ عَلَيْهِ. عَمِلَ بِالْعَدْلِ وَالْحَقِّ فَيَحْيَا حَيَاةً" (حز33: 14- 16).
وهذا المعنى ذاته ذكره الله أيضًا في سفر إرميا النبي، إذ قال: "تَارَةً أَتَكَلَّمُ عَلَى أُمَّةٍ وَعَلَى مَمْلَكَةٍ بِالْقَلْعِ وَالْهَدْمِ وَالإِهْلاَكِ، فَتَرْجعُ تِلْكَ الأُمَّةُ الَّتِي تَكَلَّمْتُ عَلَيْهَا عَنْ شَرِّهَا، فَأَنْدَمُ عَنِ الشَّرِّ الَّذِي قَصَدْتُ أَنْ أَصْنَعَهُ بِهَا. وَتَارَةً أَتَكَلَّمُ عَلَى أُمَّةٍ وَعَلَى مَمْلَكَةٍ بِالْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ. فَتَفْعَلُ الشَّرَّ فِي عَيْنَيَّ، فَلاَ تَسْمَعُ لِصَوْتِي، فَأَنْدَمُ عَنِ الْخَيْرِ الَّذِي قُلْتُ إِنِّي أُحْسِنُ إِلَيْهَا بِهِ" (إر18: 7- 10).
ولنا مثل عملي واضح في قصة نينوى: لقد أصدر الله عليها حكمًا. ولكن أهل نينوى تابوا بمناداة يونان، وهكذا يقول الكتاب: "فَلَمَّا رَأَى اللهُ أَعْمَالَهُمْ أَنَّهُمْ رَجَعُوا عَنْ طَرِيقِهِمِ الرَّدِيئَةِ، نَدِمَ اللهُ عَلَى الشَّرِّ الَّذِي تَكَلَّمَ أَنْ يَصْنَعَهُ بِهِمْ، فَلَمْ يَصْنَعْهُ" (يون3: 10).
إذًا الأمر يتوقف على الإنسان. ولذلك فإن معلمنا يعقوب الرسول يقول: "اِقْتَرِبُوا إِلَى اللهِ فَيَقْتَرِبَ إِلَيْكُمْ" (يع4: 8). والله نفسه يقول في سفر ملاخي النبي: "ارْجِعُوا إِلَيَّ أَرْجعْ إِلَيْكُمْ" (ملا3: 7).
هـ) الرد على بعض الاعتراضات
نبدأ أولًا بقول بولس الرسول في الرسالة إلى رومية: "وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ الأَشْيَاءِ تَعْمَلُ مَعًا لِلْخَيْرِ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَ اللهَ، الَّذِينَ هُمْ مَدْعُوُّونَ حَسَبَ قَصْدِهِ. لأَنَّ الَّذِينَ سَبَقَ فَعَرَفَهُمْ سَبَقَ فَعَيَّنَهُمْ لِيَكُونُوا مُشَابِهِينَ صُورَةَ ابْنِهِ" (رو28:8-30). ونلاحظ في هذا النص ملاحظات هامة وأساسية:
نلاحظ أنه قال: "كُلَّ الأَشْيَاءِ تَعْمَلُ مَعًا لِلْخَيْرِ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَ اللهَ" ولم يقل "للذين يحبهم" فالأمر متوقف عليهم لا عليه. وهذا ينطبق أيضًا على قول بولس الرسول: "بَلْ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: مَا لَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى بَالِ إِنْسَانٍ: مَا أَعَدَّهُ اللهُ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ" (1كو9:2). ولم يقل أيضًا "للذين يحبهم". لأن الأمر يتعلق في خلاصهم على إرادتهم هم.
ملاحظة ثانية، وهي أن تعيين الله ليس مرجعه إلى اختيار الله وإنما إلى سبق معرفته. كما قال: "الَّذِينَ سَبَقَ فَعَرَفَهُمْ سَبَقَ فَعَيَّنَهُمْ". فالله بسبق معرفته، وبإدراكه لما سوف يحدث في مستقبل الزمان، عرف من هم الذين سوف يسلكون حسب مرضاته بالبر والاستقامة بكامل اختيارهم. وهؤلاء الذين سبق فعرفهم سبق فعينهم.
هذا الكلام ينطبق أيضًا على قصة يعقوب وعيسو "كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: أَحْبَبْتُ يَعْقُوبَ وَأَبْغَضْتُ عِيسُوَ" (رو9: 13). فالله بسبق معرفته كان يعرف أن عيسو سيكون إنسانًا مستبيحًا، قاتلًا، يستهين بالبكورية ويبيعها بأكلة عدس. وكان يعرف أيضًا وداعة يعقوب وحبه للخير.
فأحب الله في يعقوب ما رآه فيه بسبق المعرفة، وأبغض في عيسو ما رأى أنه سيحدث منه بسبق المعرفة أيضًا. ولكننا لا نستطيع مطلقًا أن نقول إن الله عين عيسو للهلاك، وعين يعقوب للخلاص، بمعنى أنه كتب على عيسو الهلاك مهما كان اختياره!! واختار يعقوب للخلاص مهما كانت أعماله!! حاشا لله أن يفعل هذا.
يأتي بعد ذلك قول الكتاب: "أَلَعَلَّ الْجِبْلَةَ تَقُولُ لِجَابِلِهَا: لِمَاذَا صَنَعْتَنِي هكَذَا؟ أَمْ لَيْسَ لِلْخَزَّافِ سُلْطَانٌ عَلَى الطِّينِ، أَنْ يَصْنَعَ مِنْ كُتْلَةٍ وَاحِدَةٍ إِنَاءً لِلْكَرَامَةِ وَآخَرَ لِلْهَوَانِ؟" (رو9: 20، 21). نعم إن للفخاري سلطانًا على الطين أن يصنع منه ما يشاء إناءً للكرامة أو للهوان، وليس للطينة أن تقول له: "لماذا صنعتني هكذا". ولكن الفخاري أيضًا حكيم وعادل.
ومن التفسيرات الجميلة التي سمعتها عن هذا الموضوع أن الفخاري - مع كامل حريته وسلطانه - ينظر بحكمة إلى قطعة الطين ويفحصها. فإن رآها جيدة ناعمة ولينة وتصلح أن تكون إناءً للكرامة، فإنه لا بد سيجعلها إناءً للكرامة.
من غير المعقول أن تقع طينة رائعة في يد فخاري، فيصنع منها إناءً للهوان. لأنه فخاري حكيم. أما إذا كانت الطينة خشنة ورديئة، ولا تصلح إناءً للكرامة، فإن الفخاري مضطر- بما يناسب حالتها - أن يصنع منها إناءً للهوان.
فالأمر إذًا وقبل كل شيء، يتوقف على حالة الطينة ومدى صلاحيتها، مع اعترافنا بسلطان الفخاري وحريته.
إن الفخاري، على قدر إمكانه، يحاول أن يصنع من الطين الذي أمامه آنية للكرامة، على قدر ما يساعده الطين على ذلك. ولذلك قال الرب: "هُوَذَا كَالطِّينِ بِيَدِ الْفَخَّارِيِّ أَنْتُمْ هكَذَا بِيَدِي يَا بَيْتَ إِسْرَائِيلَ. تَارَةً أَتَكَلَّمُ عَلَى أُمَّةٍ وَعَلَى مَمْلَكَةٍ بِالْقَلْعِ وَالْهَدْمِ وَالإِهْلاَكِ، فَتَرْجعُ تِلْكَ الأُمَّةُ الَّتِي تَكَلَّمْتُ عَلَيْهَا عَنْ شَرِّهَا، فَأَنْدَمُ عَنِ الشَّرِّ الَّذِي قَصَدْتُ أَنْ أَصْنَعَهُ بِهَا. وَتَارَةً أَتَكَلَّمُ عَلَى أُمَّةٍ وَعَلَى مَمْلَكَةٍ بِالْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ، فَتَفْعَلُ الشَّرَّ فِي عَيْنَيَّ، فَلاَ تَسْمَعُ لِصَوْتِي، فَأَنْدَمُ عَنِ الْخَيْرِ الَّذِي قُلْتُ إِنِّي أُحْسِنُ إِلَيْهَا بِهِ" (إر18: 6- 10).
يذكرنا هذا بمثل الزارع الذي خرج ليزرع (مت13: 3- 8). الزارع هو نفس الزارع، والبذار هي نفس البذار. ولكن حسب طبيعة الأرض التي سقطت عليها البذار. هكذا كانت نتيجتها في التلف أو الإثمار. إن الزارع لم يعد بذارًا للجفاف أو للاحتراق أو لتختنق بالشوك أو ليأكلها الطير. ولكن طبيعة الأرض هي التي تحكمت في الأمر.
الإنسان حر إذًا في اختيار مصيره "لأَنَّ مَنْ يَزْرَعُ لِجَسَدِهِ فَمِنَ الْجَسَدِ يَحْصُدُ فَسَادًا، وَمَنْ يَزْرَعُ لِلرُّوحِ، فَمِنَ الرُّوحِ يَحْصُدُ حَيَاةً أَبَدِيَّةً" (غلا6: 8).
و) بحث الأمر من الناحية اللاهوتية
إن مبدأ الاختيار هذا فيه ظلم وفيه محاباة ولا يتفق مع عدل الله الذي "يُجَازِي كُلَّ وَاحِدٍ حَسَبَ عَمَلِهِ" (مت16: 27). فإذا كان الله يرحم من يرحم، ويتراءف على من يتراءف، ويترك الباقين للهلاك، فكيف يتفق هذا مع عدل الله؟!
والذين عينهم الله للهلاك، ما ذنبهم؟! ألا يؤدي هذا إلى أن يقع الخطاة في اليأس، شاعرين بأنه لا فائدة من جهادهم، ما داموا أواني قد أعدت للهوان. أما الأبرار فإن هذا ولا شك يدفعهم إلى التراخي والتهاون، شاعرين أنهم مخلّصون مخلّصون. جاهدوا أو لم يجاهدوا!!
ثم ما معنى الثواب إذا كان هناك أشخاص مكتوب عليهم الهلاك قبل أن يولدوا، وآخرون مكتوب لهم الخلاص قبل أن يولدوا؟! فالمختارون إذًا ما فضلهم حتى يثابوا؟ والأشرار ما ذنبهم حتى يعاقبوا؟
وما لزوم الوصية إذًا، إن كان مصير الإنسان محتمًا أطاع الوصية أو لم يطعها! ثم ألا يتعارض مبدأ الاختيار هذا مع إرادة الإنسان الحرة؟
وما جدوى الشيطان أيضًا في اختبار إرادة الإنسان؟ ما جدوى تعبه في إغراء المختارين وهم خالصون لا محالة مهما كانت إغراءاته؟ وما جدوى تعبه في إسقاط غير المختارين، وهم هالكون حتى إن لم يحاربهم.
وما لزوم الكرازة والتبشير والرعاية والتعليم، إن كان ذلك سوف لا يغيّر شيئًا مما كتب على الإنسان من اختيار أو رذل؟
إن فكرة الاختيار هذه توقع العالم في بلبلة، وتتنافى مع عدل الله، كما تتعارض أيضًا مع إرادة الإنسان الحرة.
2) ماذا كان جهاد اللص حتى خلص؟
إن الذين يدعون أن الخلاص هو بالإيمان وحده، يتساءلون: أية أعمال صالحة قد عملها اللص اليمين، وأي جهاد جاهده حتى خلص؟
ونحن نجيب بأن اللص عمل أشياء كثيرة، أهمها:
أ) آمن اللص بالرب في ظروف قاسية جدًا
مجرد إيمان اللص لم يكن أمرًا سهلًا، لو أنه آمن بالرب، وهو يقيم الموتى، ويشفي المرضى، ويمشي على الماء، وينتهر الريح، ويعمل المعجزات الخارقة، لقلنا إن تلك أمور واضحة لا تقبل الشك. ولكنه آمن بالمسيح وهو مصلوب! آمن به وهو مهان ومحتقر من الناس، وأمام الكل في حالة ضعف! يلطمونه، ويبصقون على وجهه، ويستهزئون به، ويقولون له: "تنبأ من لطمك"!
كانت المقاومات كثيرة من كل ناحية أمام هذا الإيمان. ولو أن اللص لم يؤمن لالتمس له الناس الأعذار، فكيف يمكن أن يؤمن برجل مصلوب مهان أنه إله؟! لا بد أن اللص كان محتاجًا إلى جهاد كبير مع نفسه من الداخل إلى هذا الإيمان. مقاتلًا الشكوك الكثيرة التي تقف أمامه وتكاد تلغي إيمانه...
كل من يقول إن اللص لم يجاهد، يبدو أنه لم يتخيل ويتصور الموقف الذي أحاط باللص، ذلك الموقف الذي أعثر فيه غالبية الناس، حتى التلاميذ الذين قال لهم الرب: "كُلَّكُمْ تَشُكُّونَ فِيَّ فِي هذِهِ اللَّيْلَةِ، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: أَنِّي أَضْرِبُ الرَّاعِيَ فَتَتَبَدَّدُ الْخِرَافُ" (مر14: 27). وفعلًا تبددت الرعية كلها!
ولم يستطع أن يقف إلى جوار الصليب إلا المريمات ويوحنا الحبيب فقط... وهذا اللص!
انشق حجاب الهيكل، واظلمت الشمس، وتشققت الصخور.. فهل كان هذا كافيًا للإيمان؟ إننا نعرف جيدًا أنه على الرغم من كل ذلك، لم يؤمن رؤساء الكهنة والكهنة والشيوخ والكتبة والفريسيون. كما لم يؤمن اللص الآخر أيضًا.. إن إيمان اللص اليمين لم يكن أمرًا هينًا.
ب) اعترف بالرب اعترافًا كاملًا
إن عبارة "اذْكُرْنِي يَا رَبُّ مَتَى جِئْتَ فِي مَلَكُوتِكَ" (لو23: 42). تحمل معاني كثيرة: فهو قد اعترف بالمسيح المصلوب ربًا، واعترف به أيضًا ملكًا. اعترف بأن للمسيح ملكوتًا، وأنه آت إلى ملكوته، أي أن ليس للموت سلطان عليه. وآمن أيضًا بأن المسيح يمكنه أن يُدخله الملكوت، أي آمن بأن خلاصه سيكون على يد هذا المصلوب معه.
وكان لهذا اللص رجاء كبير. فعلى الرغم من كل ما فعله في حياته من شرور بشعة، آمن أنه يمكن لمثله أن يخلص وأن يدخل الملكوت، عن طريق المسيح.
ولم يكتف هذا اللص بإيمانه، وإنما اعترف بهذا الإيمان علانية، أمام الجميع، بلا خجل... الأمر الذي لم يقدر عليه بطرس الرسول وغالبية الرسل والتلاميذ.
إن اللص لم يعترف قط بإيمانه بالمسيح، وإنما:
جـ) اعترف أيضًا بخطاياه
لم يكتف اللص بالاعتراف بالإيمان، وإنما ملكته الغيرة المقدسة حينما سمع زميله يجدف على المسيح قائلًا: "إِنْ كُنْتَ أَنْتَ الْمَسِيحَ، فَخَلِّصْ نَفْسَكَ وَإِيَّانَا". فأجابه اللص اليمين منتهرًا: "أَوَلاَ أَنْتَ تَخَافُ اللهَ، إِذْ أَنْتَ تَحْتَ هذَا الْحُكْمِ بِعَيْنِهِ؟ أَمَّا نَحْنُ فَبِعَدْل (جوزينا)، لأَنَّنَا نَنَالُ اسْتِحْقَاقَ مَا فَعَلْنَا، وَأَمَّا هذَا فَلَمْ يَفْعَلْ شيئًا لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ" (لو23: 39- 41).
وهكذا اعترف اللص بخطاياه، واعترف باستحقاقه للعقاب. اعترف أنه إذ يموت مصلوبًا، إنما ينال استحقاق ما فعل. فكأنه لم يستعظم الحكم، وإنما قال: "نحن بعدل جوزينا".
وكان هذا اللص روحيًا في مسلكه: فبينما كان اللص الآخر يفكر في وسيلة للنجاة من الموت والصلب، قائلًا للمسيح: "خَلِّصْ نَفْسَكَ وَإِيَّانَا"، كان هذا اللص المؤمن يفكر في الملكوت، ويتوسل إلى السيد من أجل خلاصه الأبدي، لا من أجل أن ينقذه من موت الجسد. من جهة موت الجسد فقد رضي اللص اليمين به عقابًا على خطاياه. لكنه وجد هذه اللحظات لازمة له للتفكير في أبديته. وانشغل ذهنه بالرب وملكوته، لذلك نراه أيضًا يدافع عن الرب.
د) دافع عن الرب
وقف المسيح وحيدًا لم يدافع عنه أحد ممن تنعموا بنعمه ومعجزاته. لم يدافع عنه أحد من رسله ولا من السائرين وراءه. وباستثناء أسماء قليلة، ارتفع صوت هذا اللص، يُخجل الآلاف من ناكري الجميل قائلًا: "وَأَمَّا هذَا فَلَمْ يَفْعَلْ شيئًا لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ".
دفاع عجيب من شخص يستقبل الموت، دل به على أن البشرية ما تزال فيها بقية من خير. لذلك استحق أن يقول له الرب: "الْيَوْمَ تَكُونُ مَعِي فِي الْفِرْدَوْسِ".
أيسأل الناس إذًا ويقولون: ماذا كان جهاد اللص وما الذي فعله؟ إنني أسألهم جميعًا سؤالًا آخر يسرني أن أسمع الإجابة عليه، وهو: ماذا كان بإمكان هذا اللص أن يفعل أكثر من هذا، ولم يفعله؟!
3) كيف خلصوا بدون عماد؟
هناك بعض قديسين نالوا إكليل الشهادة قبل أن ينالوا نعمة العماد. كأن يكونوا قد استشهدوا وهم في صفوف الموعوظين، بعد إيمانهم. أو أنهم شهدوا عذابات بعض الشهداء وشجاعتهم في لقاء الموت وما حدث لهؤلاء الشهداء من معجزات، فآمنوا وأعلنوا إيمانهم، وقتلهم الولاة قبل أن ينالوا نعمة العماد. وهنا يواجهنا سؤال لاهوتي:
يسأل البعض: كيف خلص هؤلاء الشهداء بدون عماد، وكيف خلص هذا اللص اليمين بدون عماد أيضًا؟ ما دامت المعمودية لازمة للخلاص.
الجواب: لقد شرحنا سابقًا أن المعمودية في جوهرها هي موت مع المسيح. ولذلك قال بولس الرسول: "اعْتَمَدْنَا لِمَوْتِهِ، فَدُفِنَّا مَعَهُ بِالْمَعْمُودِيَّةِ لِلْمَوْتِ، فَإِنْ كُنَّا قَدْ مُتْنَا مَعَ الْمَسِيحِ، نُؤْمِنُ أَنَّنَا سَنَحْيَا أيضًا مَعَهُ" (رو6: 3- 8). فما دامت المعمودية موتًا مع المسيح، فإننا نقول في صراحة ووضوح أن هذا اللص قد مات مع المسيح فعلًا...
كذلك الشهداء قد ماتوا مع المسيح. اشتركوا معه في الموت. وفي سفك دمائهم. لذلك تسمي الكنيسة مثل هذا الموت معمودية الدم. ولو أعطيت لهؤلاء فرصة من العمر، لتمموا معمودية الماء أيضًا.
الفصل الثالث بدعة الخلاص في لحظة
بدعة الخلاص في لحظة
أهمية العقيدة وتدريسّها؟! هل نُعَلم أولادنا الفضيلة، بلا إيمان، ونتركهم لمحاربات الشكوك؟ هل التعزية الروحية تكون على حساب الإيمان؟ وما موقفنا من حرب الشكوك؟
مقدمة
في وقت ما، ربما منذ أكثر من ثلاثين سنة، اتهمنا بعض الطوائف، أن تدريسنا العقيدة للناس يكون على حساب روحياتهم، وأن عظاتنا ليست خلاصية، وأنهم يسمعون الكلام في العقيدة فلا يتعزون، وأن التعزية لا تأتي إلاَّ بترك المنهج العقيدي إلى المنهج الروحي أو (الخلاصي) بحسب تعبيرهم!!
وفي (بساطة) الأقباط، تركنا تدريس العقيدة، وبدأنا في الكلام عن الروحيات، جاريناهم في الطريقة (الخلاصية) فلما وجدونا هكذا، صاروا يدرسون العقيدة في عمق، بحسب مفاهيمهم، ويجعلون الكبار والصغار يحفظون آيات معينة، يفسرونها لهم بطريقة خاصة. تحولت مواعظهم الخلاصية إلى موضوعات عقائدية بحتة. والمنهج العقلي الذي انتقدوه، اندمجوا فيه إلى أبعد الحدود.
وتنبهت الكنيسة للعملية كلها، وكيف بدأت وتحولت وتطورت.
ورأت الكنيسة أولادها أمام مجموعات ضخمة من الشكوك، توجه إلى الإيمان، من داخل ومن خارج.
وكان لا بد أن تعمل عملًا. والعمل بدأ من رئاسة الكنيسة. ولكنه لا بد أن ينتشر في كل مكان، من أجل الإيمان..
ووجد أولادنا أنفسهم أمام شكوك لم تدرس لهم في مدارس التربية الكنسية، ولا في اجتماعات الوعظ في الكنيسة، ولم يجدوا مؤلفات تقدم ردودًا. بل زحفت التعاليم الغربية حتى إلى بعض الذين يقومون بالتعليم داخل الكنيسة!!
إن الدين ليس هو مجموعة من الفضائل. فالفضائل توجد حتى عند غير المؤمنين، عند البراهما والبوذيين وغيرهم... ولكن الدين أولًا هو عقيدة وإيمان.
ومن هذا الإيمان تنبع الفضائل، ويكون لها وضع روحي غير وضع الفضائل عند غير المؤمنين...
(والخلاص) وإن كان يتعلق بروحيات الإنسان، إلا أنه عقيدة لها أسسها. وهذه العقيدة تؤثر على طابع الروحيات.
ولذلك فإن الكنيسة ستعمل بكل جهدها، على تعميق مفاهيم العقيدة في أبنائها منذ بداية طفولتهم، حتى إذا شبوا لا تتعبهم الشكوك والمحاربات الفكرية التي من الخارج..
الآباء والأمهات عليهم مسئولية كبيرة في هذا المجال..
وينبغي أن تدرك الأم مدى مسئوليتها كإشبين لطفلها، تسلمته من الكنيسة يوم العماد لتربيته في حياة الإيمان السليم. والمسئولية تقع أيضًا على مدارس التربية الكنسية التي ينبغي أن تتعدل مناهجها وتتفق، والقيام بهذه الرسالة.
وهناك مسئولية أيضًا على الآباء الكهنة، وعلى الوعاظ، والمهتمين بقيادات الشباب، وكل من له مهمة التعليم.
الطفل نقدم له الإيمان بطريقة التسليم، وفي المراحل المتقدمة يأخذ التعليم أسلوب التفهيم. وفي كل الفترات نجعل أولادنا يحفظون العقيدة والآيات. وفي المرحلة الثانوية والجامعية، يدخل أبناؤنا في المرحلة الجدلية التي تحتمل مناقشة الآراء المعارضة والشكوك.
ويشمل تدريسنا المنهجين معًا، العقيدي والروحي، والإيمان والفضيلة، العقل والقلب، والإنسان كله، لكي يكون منهجًا متكاملًا.
اهتمامنا بالإيمان والعقيدة لا ينسينا الحياة الروحية والسلوك. والاهتمام بالفضيلة لا ينسينا الإيمان.. افعلوا هذه ولا تتركوا تلك. فالتطرف في أحد الطريقتين له أخطاؤه وأخطاره.
وفيما ندرس الإيمان لا نكون عقلانيين، وإنما روحيين أيضًا.
وعلينا أن نجمع كل ما يواجه أبناءنا خارج الكنيسة، من أفكار وتيارات وحروب وشكوك ونقدم لهم ردودًا.
وتكون هذه أيضًا مسئولية كنائسنا ومجلاتنا ومفكرينا، بل تكون هذه أيضًا مسئولية كلياتنا الإكليريكية..
هذا الجيل الذي نعيش فيه، يحتاج إلى اهتمام خاص بالإيمان. ويكفي كبرهان نظرة واحدة إلى المكتبات والمطبوعات.
وهو جيل لا تصلح له السطحية في التعليم، وإنما يجب إعداد المعلمين بعمق خاص في الفهمِ والمعرفة والدراسة.
وينبغي أن تكون للخدام دراسات مستمرة تنشط معلوماتهم، وتجعلها مناسبة لجيلهم Refreshing Courses.
كل عصر له أفكاره، وله الدراسات التي تناسبه. ولا يجوز أن يعيش الخدام في غير جيلهم، لا يشعرون بالحروب التي يتعرض لها أبناؤهم، بالشكوك الفكرية التي تهاجمهم. وما أجمل قول الرسول: "مُسْتَعِدِّينَ دَائِمًا لِمُجَاوَبَةِ كُلِّ مَنْ يَسْأَلُكُمْ عَنْ سَبَبِ الرَّجَاءِ الَّذِي فِيكُمْ" (1بط3: 15).
بدعة الخلاص في لحظة تاريخها، وخطورتها
بدعة الخلاص في لحظة تاريخها، وخطورتها
نبذة تاريخية
الكنيسة - طوال القرون الخمسة عشر الأولى - في اعتقادها بالكهنوت والأسرار الكنسية والتقاليد، ما كانت تؤمن مطلقًا بأن الخلاص يتم في لحظة فالخلاص يتم بدم المسيح، ولكن عن طريق الأسرار المقدسة التي وضعها الله في كنيسته بالروح القدس العامل فيها، والتي يمارسها رجال الكهنوت.
واستمر الأمر هكذا، إلى قيام البروتستانتية بقيادة لوثر، في بداية القرن السادس عشر للميلاد.
مارتن لوثر كان راهبًا كاثوليكيًا، وكان كاهنًا. ثم اصطدم بالكنيسة الكاثوليكية، رغبة في إصلاح الأخطاء التي كانت سائدة وقتذاك. فحرمته الكنيسة وقطعته من الكهنوت. وهنا بدأت المشكلة في دورها الخطير... الذي يبني أساسًا وقبل كل شيء، على كيف تعيش البروتستانتية بدون كهنوت، وبالتالي - في موضوعنا هذا - كيف ينال الناس الخلاص، بعيدًا عن عمل الكهنوت؟
لوثر وجماعته - في حياته ومن بعده - ما كانوا يستطيعون أن يمارسوا أي عمل من أعمال الكهنوت. الكنيسة قطعتهم من الكهنوت، فليقطعوا هم أيضًا الكهنوت من كل أعمال الكنيسة! وهكذا أنكروا الكهنوت، وأنكروا سلطة الكهنوت، ونادوا بأنه لا يوجد سوى كاهن واحد في السماء وعلى الأرض هو يسوع المسيح. وقد قمنا بالرد على هذه النقطة في كتابنا [الكهنوت].
كذلك قامت البروتستانتية بإلغاء كل ما وضعه رجال الكهنوت بسلطانهم الكهنوتي. وقالوا إنهم يعتمدون على الإنجيل وحده: لا قوانين كنسية، ولا قرارات مجامع مقدسة، ولا تقاليد كنسية، ولا أقوال آباء... ولم توافق البروتستانتية أن تكون الكنيسة وسيطة في نوال الخلاص، ولا في أية علاقة بين المؤمن وإلهه واعتبرت هذه العلاقة مجرد علاقة فردية، ولا دخل للكنيسة ولا للكهنوت فيها..!
وكما ألغت هذه الوساطة على الأرض، ألغت أيضًا في عقيدتها كل وساطة أخرى في السماء، أعني كل شفاعة القديسين الذين انتقلوا، وعلّمت أبناءها أنه لا فرق بينهم وبين هؤلاء القديسين، فكل المؤمنين قديسون حسب تسميتهم في العصر الرسولي. وخلطت بين الشفاعة الكفارية والشفاعة التوسلية، حسب فهمها للآية التي تتحدث عن الفداء قائلة إنه لا يوجد سوى وسيط واحد وشفيع واحد بين الله والناس هو يسوع المسيح (1تي2: 5).
ولم يعد في البروتستانتية إكرام للقديسين ولا للملائكة ولا للعذراء، ولم تعد الكنيسة تبنى بأسمائهم.
ومع إنكار الكهنوت وكرامة القديسين، ومع إنكار القوانين والتقاليد، تطور الأمر إلى إنكار تعليم الكنيسة، فلم يعد ملزمًا لأحد. وأصبح لكل أحد الحق في أن يفسر الكتاب كما يشاء!! بلا ضابط من سلطة كنسية.
ومع أن بعض العقلانيين ظنوا أن هذا الأمر كان تحريرًا للعقل البشري من كل سلطة كنسية، ليفكر كما يشاء، حتى أسموا قيام البروتستانتية بحركة التحرير! وإلاَّ أنه كان من نتيجة هذه (الحرية) قيام عشرات المذاهب البروتستانتية، ويقول البعض بل مئات. ويوجد في مصر منها 28 مذهبًا... والسبب في ذلك هو عدم التقيد بضوابط من التقاليد الكنسية أو التعليم الكنسي، وعدم وجود سلطة كنسية تؤاخذ أو تقَوّم من ينحرف في تفكيره اللاهوتي...
ونفس خلفاء لوثر لم يلتزموا بكل تعليمه، ووجد من هو أشد منه إنكارًا للتعليم الكنسي، مثل كلفن وزوينجل وآخرين.
إنه أخرجهم من الخضوع للكنيسة ورؤسائها، فما كان يستطيع أن يلزمهم بالخضوع له ولكل تعليمه. ويوجد حاليًا من البروتستانت من يعارض لوثر في بعض الأفكار اللاهوتية. وأصبحت الكنيسة اللوثرية مجرد واحدة من الكنائس البروتستانتية المتعددة، تختلف عن بعضها في الفكر.
المهم أن هيبة الكنيسة كقيادة، زالت في الفكر البروتستانتي.
وبدأت العقلانية في الكنيسة تناقش كل شيء. وتقبل ما تقبله، وترفض ما يعن لها رفضه.
وبالتالي أخذت البروتستانتية تتدرج حتى أنكرت الأسرار.
أخذت تناقش أولًا ما هو تعريف السرّ؟ ثم ما هو عدد الأسرار؟ إلى أن انتهت إلى إنكار الأسرار. وما دام الكهنوت هو الذي يمارس خدمة الأسرار، ولا كهنوت في البروتستانتية، إذًا ما معنى وجود الأسرار وما لزومها؟!
ولعل البعض يقول: هناك معمودية في البروتستانتية...
نعم، هناك معمودية. ولكنها ليست سرًا كنسيًا، ولا يمارسها كهنوت. وليست لها الفاعلية التي نعتقدها فيها..! هذه خلافات ثلاثة جوهرية...
كان المسيحيون في الكاثوليكية قبل لوثر معتادين أن يعمدهم رجال الكهنوت في الكنيسة. والإيمان بالمعمودية أصبح راسخًا في النفوس مدى خمسة عشر قرنًا، ولا يمكنه نزعه، وتسنده آيات من الإنجيل... فما العمل مع عدم وجود كهنوت في البروتستانتية؟
الحل هو وضع الشيخ محل الكاهن. وفي ترجمة الكتاب، تترجم كلمة كاهن بشيخ. ويمكن للشيوخ أن يعمدوا. ولا مانع من أن يأخذوا لقب (قس)، دون أن يعني هذا اللقب أية صفة أو اختصاصات كهنوتية!
ولكن هل يخلص الناس في المعمودية في التفكير البروتستانتي؟
كلا، فالبروتستانتية تنادي بأن الخلاص بالإيمان وحده. وهذا خلاف رابع بيننا وبينهم في المعمودية.
وأخذ البروتستانت يشددون جدًا على موضوع الإيمان. وأصبحوا يرددون في اجتماعاتهم عبارة "آمن فتخلص" كما لو كانت هذه هي الآية الوحيدة المتعلقة بالخلاص في الكتاب المقدس!! بل ركزوا على الإيمان، حتى أصبحوا يقولون: "آمن فقط.. فتخلص".
والإيمان شعور في القلب، يرون أنه يمكن أن يتم في لحظة. وبالتالي يمكن للإنسان أن يخلص في لحظة، طبعًا بدون كنيسة، ولا أسرار، ولا معمودية، ولا كهنوت!!
وهنا تحولت الفكرة إلى بدعة، نحاول الآن مناقشتها، لنرى ما مدى خطورتها على إيمان الكنيسة كله.
خطورة هذه البدعة
ببدعة الخلاص في لحظة، لا مانع من أن يحيا الناس حياة روحية توصلهم إلى الخلاص الأبدي، بعيدًا عن عمل الكنيسة، بعيدًا عن عمل الكهنوت وعن السلطان الكنسي! حياة أساسها الإيمان وحده، وهو داخل القلب.. وأساسها النعمة، وهي من الله. ومع التركيز على الإيمان والنعمة، تصبح حياة الإنسان مجرد علاقة فردية بينه وبين الله، وتختفي كلمة الكنيسة، وكلمة الكهنوت، وكلمة الأسرار، من حياة الإنسان الروحية. وسنضرب لذلك أمثلة عديدة:
المعمودية
تبعًا لبدعة الخلاص في لحظة، لا يتحدثون عن عمل المعمودية في نوال الخلاص، لأن المعمودية لا تتم في لحظة. إذًا يكون الخلاص في مفهومهم عن طريق الإيمان وحده.
ويتدرج الأمر إلى مفهوم المعمودية، فينكرون فاعليتها. وينسبون كل فاعلية المعمودية إلى الإيمان.
هل المعمودية تمنحك الولادة الثانية، حينما تولد من الماء والروح (يو3: 5). كلا، إن الولادة الجديدة في مفهومهم تكون بالإيمان، فأنت بالإيمان تصير ابنًا لله!
هل المعمودية تمنح التبرير والتجديد؟ إنك بالإيمان - كما يقولون - تنال التبرير والتجديد! مجرد أن تنظر إلى المسيح وهو مصلوب، تتبرر في لحظة!
هل تنال في المعمودية الخلاص، ومغفرة الخطايا، وفيها تُغسل من خطاياك؟ كل هذا في نظرهم تناله بالإيمان.. تناله في (لحظة) إيمانك!
لا مانع إذًا من أن تبقى المعمودية، على أن يجردوها من كل فاعليتها، وتصبح مجرد جسد بلا روح، مجرد علامة، أو مجرد إشهار للإيمان، أو إعلان للإيمان، كما يقول الإخوة البلاميس!
وهم يقولون إنهم نالوا المعمودية! ونفذوا وصية المسيح فيها. وتسأل: ما هي فاعلية تلك المعمودية التي ليس بها الخلاص، ولا التبرير، ولا المغفرة، ولا الولادة من الله؟! ويبقى سؤالك بلا جواب!
وإن كان الإيمان به وحده يخلّص الإنسان، فما قيمة هذه المعمودية إذًا التي قد خلص الإنسان بدونها؟! وما معنى قول الرب: "مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ" (مر16: 16).
ولا نجد لهذه الآية صدى في قلب الذين يؤمنون بالخلاص في لحظة!! وما دام الخلاص في نظرهم بالإيمان وحده، إذًا لا علاقة له بالكنيسة والكهنوت والأسرار!
وما داموا يركزون على الإيمان، ولا يعمدون إلاَّ مَن يؤمن:
لذلك هم في المعمودية، ينكرون عماد الأطفال بحجة أنهم لم يصلوا بعد إلى الإيمان الواعي!
ويبقى الأطفال هكذا - في نظرهم - بلا إيمان، وبلا معمودية. وتسأل إذًا كيف يخلصون، إن كان الإنسان لا يخلص بدون معمودية؟! (مر 16: 16). ويضيع الأطفال في زحمة هذه الأسئلة!!
وكناحية من التساهل، يقول البعض: لا مانع من تعميد الأطفال ولكنهم لا ينالون الخلاص إلاَّ في "لحظة تفجر مفاعيل المعمودية في قلوبهم.. ويعلنون إيمانهم..".
وما فائدة هذه المعمودية إذًا إن كانت لا تفيدهم إلاَّ إذ تفجرت مفاعيلها حينما يكبرون؟! وإن ماتوا قبل هذا، هل يكونون قد نالوا الخلاص أم لا؟!
التوبة
يرون أنه إن تاب الشخص، يخلص في لحظة توبته! وطبعًا بلا اعتراف، وبلا كاهن، وبلا تحليل...
والتوبة هي مشاعر شخصية، لا علاقة للكنيسة بها. يقولون للشخص: القِ نفسك عند أقدام المسيح، فتخرج من هناك مبررًا، وقد أشرق على قلبك نور، وصرت أبيض من الثلج. وقد محا الله كل خطاياك في لحظة، في تلك الجلسة المنفردة التي جلستها عند قدميه! تعال إذًا لتحكي اختبارك!
ولا مانع من أن تنشر هذه "الاختبارات الروحية" وفي مجلة تحمل اسم الأرثوذكسية، لكي يقلدها الناس، ويسيروا على نهجها، ويختفي بالتدريج من أذهانهم اسم الكاهن والتحليل والكنيسة والأسرار.
والذي نال الخلاص في جلسته هذه المنفردة مع الله، حسبما يقولون، ما حاجته إذًا إلى الكنيسة وأسرارها؟!
إنه يستغنى عنها طبعًا، بهذه العلاقة الفردية المباشرة!
وفي التركيز على الإيمان وحده وفاعليته، يقولون لمن يخطئ: آمن فقط أن الله قد رفع عنك خطيئتك، فتشعر أنها قد ارتفعت عنك في لحظة، ويملكك سلام قلبي يفوق كل عقل... بدون اعتراف، وبدون كنيسة، وبدون كهنوت.
وإن اعترفت على الله - هكذا يقولون - فالله هو الذي يغفر لك وليس الكاهن. وفي لحظة اعترافك على الله ستخلص، وتشعر أنك خلصت من خطاياك!
هذه هي مشكلة (الخلاص في لحظة) التي يحاولون بها إلغاء الكنيسة، وهدم كل أسرارها المقدسة... ليس فقط المعمودية والكهنوت والاعتراف... إنما حتى سرّ المسحة المقدسة أيضًا، التي بها نقبل الروح القدس..
سرّ المسحة
يمكن لأي مؤمن - في نظرهم - أن يضع عليك اليد فتنال الروح القدس. بل يمكن لأي امرأة تضع عليك اليد، فتنال الروح، بل وتنال الملء بالروح! وتستطيع أنت أيضًا بهذا أن تمنح الروح لآخرين!
إذًا لم تعد المسحة المقدسة سرًا من أسرار الكنيسة، إنما أمكن تأميمها هي أيضًا، فلم تعد عملًا من أعمال الكهنوت، كان يقوم بها الرسل فقط عند بدء قيام المسيحية (أع8: 14، 15). وأصبحت بهذا الوضع مجرد موهبة، يمنحها لك الذين نالوها من قبلك، ولا دخل للكنيسة في ذلك!
وجماعة الإخوة البلاميس، يرون أن نوال الروح القدس يتم بالإيمان! ففي إيمانك تفيض من قلبك ينابيع الروح... وبهذا لا تكون محتاجًا إلى المسحة المقدسة من الكنيسة، لأنك تنال الروح من الله مباشرة، أيضًا بالعلاقة الفردية، وفي لحظة!!
الأسرار اختبارات!!
إنهم لا ينظرون إلى الأسرار من حيث مفعولها السري في الإنسان، إذ ينال بها نعمة غير منظورة بفعل الروح القدس وبخدمة الكهنوت...
إنما ينظرون إلى كلِّ سرٍّ، على اعتبارِ أنه اختبارٌ!
ولا يسمون الأسرارَ أسرارًا، وإنما يسمونها اختبارات!
يقولون إن هناك اختبارين هامين يجب أن يجتازهما الإنسان، وهما التبرير والتقديس. ويضعون هذين الاختبارين في موضع سرّ المعمودية وسرّ الميرون، دون الإشارة إطلاقًا إلى هذين السرين، ولا إلى علاقتهما بالكنيسة وبالكهنوت!!
والحياة مع الله - في نظرهم - هي مجرد اختبارات..
الولادة الجديدة مثلًا، ليست عندهم سرًا من أسرار الكنيسة تتم في المعمودية، إنما هي اختبار! ويسألون: هل حصلت يا أخي على اختبار الولادة الجديدة؟ تعال كلّم الناس عن اختبارك، وكيف وُلدت؟
ويبدو بالطبع، أن هذه الولادة الجديدة، لا علاقة لها مطلقًا بالمعمودية. وتضيع أسرار الكنيسة عندهم وتتحول إلى اختبارات!
ويقول لك أحدهم: تعال احكِ اختبارك: كيف نلت الروح؟ كيف نلت الملء؟ تعال لتقول لنا اختبارك: كيف خلصت؟ كيف أشرق عليك المسيح بنوره؟
ويبدو من كل هذا أن قبول الروح ليس من أسرار الكنيسة، إنما هو اختبار!
وأن الخلاص ليس هو الإيمان ونوال المعمودية على يدِ كاهن في الكنيسة. إنما الخلاص في مفهومهم هو مجرد اختبار شخصي، نتيجة لإلقاء نفسك عند قدمي المسيح، ربما في حجرتك المغلقة، ولا علاقة للكنيسة بكل هذا.. ويتم هذا الخلاص في غرفتك في لحظة، أو في لحظة سماعك إحدى العظات! ويصرخ السامع ويقول: مجدًا.. ويكون قد خلص وقتها!!
كل مَن يحدثك، أو يطلب منك أن تتحدث عن (اختبار) خلاصك.. قل له بصراحة: إن لغتك تظهرك.
البنوّة لله
يرون أنها تتم في لحظة الإيمان، في لحظة قبولك للمسيح فاديًا ومخلصًا!! ويعتمدون على فهم خاطئ لقول الكتاب: "وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللهِ" (يو1: 12). (أما شرح هذه الآية فستجده في العنوان "هل هذه الآيات تُثبت الخلاص في لحظة"؟!).
وهذه البنوة لله، تتم هكذا كما يقولون، بدون المعمودية، بدون الكنيسة، بمجرد العلاقة الفردية بينك وبين الله!
ولذلك هم يسألونك إن قابلتهم: هل خلصت؟ هل قبلت المسيح مخلصًا وفاديًا؟ كما لو أنك لم تكن مسيحيًا على الإطلاق.
والبعض يقدم لك تعهدًا - وربما في الإنجيل - لكي توقعه، تقول فيه إنك قد قبلت المسيح مخلصًا!! وهم لا يكتفون بهذه البنوة التي نلتها بالإيمان، وإنما:
عليك أن تطالب بحقوقك كابن، وكوريث مع المسيح!
وهكذا تصير في لحظة قبولك للمسيح، ابنًا لله، ووارثًا مع المسيح، وصاحب حقوق تطالب بها!
وهنا يفقد المؤمن اتضاعه. يفقد شعور الانسحاق وعدم الاستحقاق. وبعد أن كان إنسانًا محكومًا عليه بالموت، يصبح في لحظة مطالبًا بحقوق له كوريث...
وبعد أن كان في خورس الموعوظين، يجد نفسه مدعوًا لأن يقف على منبر الكنيسة وكابن، يحكي اختباره في نوال البنوة والميراث مع المسيح!
الخلاص
إنهم يضعون قاعدتين للخلاص: الخلاص بالدم، والخلاص قد تمّ!
الخلاص قد تمّ على الصليب. وأنت قد نلته بدم المسيح، في لحظة إيمانك بالمصلوب. وهذا الخلاص الذي نلته أبدي، لا يمكن أن تفقده مهما سقطت. لذلك عليك أن ترتل ترتيلة "مغسولين بالدم الكريم"... أو ترتيلة "إني واثق بالدم، أنا واثق"!
وما دمت قد نلت الخلاص، عليك أن تحيا في بهجة هذا الخلاص إلى الأبد، هذا الخلاص المجاني، الذي نلته بمجرد الإيمان! هكذا يعتقدون...
وفى الإيمان بعدم فقدان هذا الخلاص مهما سقط المؤمن، يخلطون بين عبارة "المؤمنين" وعبارة "المختارين" وكأنهما كلمة واحدة!
ونحن يمكننا أن نقول تعليقًا على هذا، إن كل المختارين هم مؤمنون بلا شك. ولكن ليس كل المؤمنين مختارين. فقد يرتد بعضهم بعد إيمانه...
وسنكتب لك في هذا الكتاب بمشيئة الرب شرحًا لموضوع الاختبار، والفكر البروتستانتي فيه، والرد عليه...
ثم أن موضوع الخلاص في لحظة، يتحير فيه المنادون به في معنى هذه اللحظة ومتى تكون؟.. المكتفون بالإيمان يرونها لحظة الإيمان! والذين يقولون إنهم أرثوذكس، يقولون إن الخلاص في لحظة المعمودية. وواضح أن القول بالخلاص في لحظة الإيمان يلغي فاعلية المعمودية فيه. والقول بالخلاص في لحظة المعمودية، يلغي أن الخلاص يتم بالإيمان وحده...
ويبقى السؤال في حيرة. أية اللحظتين هي الأصح! يزيد الحيرة إن الإيمان عمليًا لا يتم في لحظة! والمعمودية عمليًا لا ينالها الإنسان في لحظة!!
خلط!
والذين ينادون بالخلاص في لحظة، يخلطون بين الخلاص والتوبة والتغير... فقد يتوب إنسان عن خطية بشعة تتعبه، فيعتبرونه قد خلص! وهكذا يخلطون بين الخلاص الذي يسمونه "التبرير"، وبين التوبة التي يدخلونها تحت عنوان "التقديس".
ويستخدمون هذه العبارات: التبرير - التقديس - التجديد – التمجيد – الخلاص... تمامًا بنفس معناها الموجود في الكتب البروتستانتية!
محاولة للتبرير
والعجيب أن الذين ينادون بالخلاص في لحظة، على الرغم من كل هدمهم لعقائد الكنيسة، يحاولون أن يقدموا تبريرًا لذلك:
فيقولون إنهم بهذا، يسهلون للناس طريق الخلاص. فيقولون للناس إن الخلاص ليس صعبًا، هو يتم في لحظة!
ولكن السيد المسيح لم يفعل هكذا. وإنما قال لنا في صراحة: "مَا أَضْيَقَ الْبَابَ وَأَكْرَبَ الطَّرِيقَ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى الْحَيَاةِ، وَقَلِيلُونَ هُمُ الَّذِينَ يَجِدُونَهُ!" (مت7: 14).
وكذلك آباؤنا الرسل، كلمونا بنفس الأسلوب، وشرحوا لنا الحروب الروحية (أف 6) وقالوا لنا إن عدونا إبليس يجول مثل أسد زائر يلتمس من يبتلعه (1بط 5 : 8). وقالوا أيضًا: "سِيرُوا زَمَانَ غُرْبَتِكُمْ بِخَوْفٍ" (1بط 1: 17). وقالوا أيضًا: "إِنْ كَانَ الْبَارُّ بِالْجَهْدِ يَخْلُصُ، فَالْفَاجِرُ وَالْخَاطِئُ أَيْنَ يَظْهَرَانِ؟!" (1بط4: 18).
وهوذا بولس الرسول يقول: "بِضِيقَاتٍ كَثِيرَةٍ يَنْبَغِي أَنْ نَدْخُلَ مَلَكُوتَ اللهِ" (أع14: 22). ويوبخ أيضًا قائلًا: "لَمْ تُقَاوِمُوا بَعْدُ حَتَّى الدَّمِ مُجَاهِدِينَ ضِدَّ الْخَطِيَّةِ" (عب12: 4).
إن التسهيل قد يقود البعض أحيانًا إلى الاستهتار، وإلى عدم الجهاد، ما داموا يعتقدون أنهم قد خلصوا وانتهى الأمر! وأنه ما عليهم أن يعملوا شيئًا، فالنعمة تعمل كل شيء!!
وبعَد
سنحاول أن نرد على كل النقاط التي يثيرها المتحدثون عن [الخلاص في لحظة] سواء في نبذاتهم أو كتبهم. مع الرد على مصادرهم الرئيسية التي أخذوا منها، أعني الكتب البروتستانتية، وبخاصة الكتب البلموسية، فهي معلمهم الأول!
المعمُودية والتوبة وضروُرتهما للخلاص
المعمُودية والتوبة وضروُرتهما للخلاص
الذين يقولون إن الخلاص بالإيمان وحده، لا يعطون قيمة ولا أهمية ولا فاعلية للمعمودية. وإن تكلموا عليها يكون كلامهم ضعيفًا وبغير روح، ويكون متناقضًا مع كلامهم عن الخلاص في لحظة الإيمان.
ولا يعتقدون أن الإنسان ينال في المعمودية الخلاص، ولا التجديد، ولا البنوة لله، ولا مغفرة الخطايا... فكل هذا ينسبونه إلى الإيمان.
لزوم المعمودية للخلاص
ولكن الكتاب يعلمنا أن المعمودية لازمة للخلاص للأسباب الآتية:
1- قول السيد المسيح: "مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ" (مر16: 16) ولم يقل من آمن فقط، وإنما جعل المعمودية من شروط الخلاص. وذلك لأنها موت مع المسيح وقيامة معه (رو6: 2- 4).
2- وتكلم القديس بطرس الرسول عن الخلاص في المعمودية، فقال: "إِذْ كَانَ الْفُلْكُ يُبْنَى، الَّذِي فِيهِ خَلَصَ قَلِيلُونَ، أَيْ ثَمَانِي أَنْفُسٍ بِالْمَاءِ، الَّذِي مِثَالُهُ يُخَلِّصُنَا نَحْنُ الآنَ، أَيِ الْمَعْمُودِيَّةُ" (1بط3: 20، 21).
والقديس بولس يقول إننا بها خلصنا، بغسل الميلاد الثاني (تي3: 5).
3- في يوم الخمسين، لما آمن اليهود إذ نخسوا في قلوبهم، وقالوا للرسل: "مَاذَا نَصْنَعُ أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِخْوَةُ؟" (أع2: 37) لم يقل لهم القديس بطرس الرسول: ما دمتم قد آمنتم، افرحوا إذًا وتهللوا لقد خلصتم بالإيمان وغُفرت لكم خطاياكم !
كلا، بل قال لهم: "تُوبُوا وَلْيَعْتَمِدْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عَلَى اسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ لِغُفْرَانِ الْخَطَايَا، فَتَقْبَلُوا عَطِيَّةَ الرُّوحِ الْقُدُسِ" (أع2: 38).
إذًا كانت خطاياهم باقية، على الرغم من إيمانهم. وكانوا محتاجين أن يعتمدوا لمغفرة الخطايا.. وهنا نسأل: لماذا كانت الحاجة أن يقوم الرسل في ذلك اليوم بتعميد ثلاثة آلاف نفس (أع2: 41) وهي ليست عملية هينة. أما كان يكفي إيمانهم؟!
4- والذي حدث في يوم الخمسين، حدث لشاول الطرسوسي لما آمن. لقد سأل الرب: "يَا رَبُّ، مَاذَا تُرِيدُ أَنْ أَفْعَلَ؟" (أع9: 6).
فلم يقل له الرب: ما دمت قد آمنت فقد خلصت! بل أرسله إلى حنانيا الدمشقي، الذي قال له: "أيها الأخ شاول.. لِمَاذَا تَتَوَانَى؟ قُمْ وَاعْتَمِدْ وَاغْسِلْ خَطَايَاكَ" (أع22: 16) وهنا نرى عجبًا... إنسانًا تقابل مع المسيح شخصيًا، وتكلم معه فمًا لأذن، وسمع دعوته، وانتخبه الرب إناء مختارًا، وشاهدًا لجميع الناس.. ومع ذلك لم يكن قد اغتسل من خطاياه بعد! واحتاج إلى المعمودية لغسل خطاياه.
أين إذًا الخلاص في لحظة؟! إنه لم يحدث مع بولس الرسول نفسه الذي تحدث عن أهمية الإيمان في التبرير (رو5: 1).
5- نلاحظ هنا أن لزوم المعمودية للمغفرة، هو جزء من قانون الإيمان، الذي نقول فيه: "نؤمن بمعمودية واحدة لمغفرة الخطايا". وهذا هو الأمر الذي قررته الكنيسة الجامعة الرسولية، في القرن الرابع الميلادي، في المجمع المسكوني العظيم. فهل أخطأ كل آباء الكنيسة في العالم كله، في فهم المعمودية؟
نقول هذا للذين يعتقدون بقدسية المجامع وقراراتها. أما الإخوة الباقون فتكفيهم آيات الكتاب السابقة. ونقول لهم أيضًا:
6- ما حدث لبولس، حدث أيضًا لكرنيليوس... إنه رجل أممي شهد له الكتاب إنه "تقي وخائف الله". وقد استحق أن يظهر له ملاك ويقول له: "صَلَوَاتُكَ وَصَدَقَاتُكَ صَعِدَتْ تَذْكَارًا أَمَامَ اللهِ" هذا طلب إليه الملاك أن يستدعى سمعان بطرس، الذي كلمه والذين معه بكلمة الله، فآمنوا، وحل الروح القدس وتكلموا بألسنة (أع10: 4-44).
فلم يقل لهم بطرس: افرحوا وابتهجوا، لقد خلصتم بإيمانكم، بل وأكثر من هذا حل عليكم الروح ومنحكم موهبة!! كلا، بل قال: "أَتُرَى يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَمْنَعَ الْمَاءَ حَتَّى لاَ يَعْتَمِدَ هؤُلاَءِ الَّذِينَ قَبِلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ كَمَا نَحْنُ أَيْضًا؟ وَأَمَرَ أَنْ يَعْتَمِدُوا بِاسْمِ الرَّبِّ" (أع10: 47، 48).
وهكذا لم يخلص كرنيليوس في لحظة. ولم يخلص بعيدًا عن الكنيسة وأسرارها، ولا بعيدًا عن المعمودية وعن الكهنوت. إنما دخل من الباب الطبيعي الذي رسمه الرب.
7- وبطرس الرسول أمر بعماد كرنيليوس والذين معه، لأن السيد المسيح أمر رسله بهذه المعمودية، حينما أرسلهم قائلًا: "اذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآب وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ" (مت28: 19). والسيد المسيح لا يأمر بشيء ليست له أهمية أو ليست له فاعليته، حاشا... فالمعمودية لازمة للخلاص حسب قول الرب.
8- بل قال السيد إن الذي لا يعتمد لا يدخل الملكوت، إذ قال في حديثه مع نيقوديموس: "الحق الحق أقول لك: إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنَ الْمَاءِ وَالرُّوحِ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ مَلَكُوتَ اللهِ" (يو3: 5).
9- والمعمودية لازمة لأن بها المغفرة (أع2: 38)، والغسل من الخطايا (أع22: 16) وصلب الإنسان العتيق، والدخول في جدة الحياة (رو6: 4، 6) وأيضًا بها نلبس المسيح (غلا3: 27) ونصير أولاد الله، إذ نُولد من الماء والروح (يو3: 5) وهي موت مع المسيح وقيامة معه (كو2: 12، رو6: 2، 4).
فإن كانت للمعمودية كل هذه المفاعيل، فكيف يمكن للإنسان أن يخلص في لحظة إيمانه بدون عماد؟!
وإن كان لا بد له أن يعتمد، فلا يمكن أن نقول إنه خلص في لحظة. لأن الإيمان والمعمودية لا يتمان في لحظة، وهما لازمان للخلاص حسب قول الرب: "مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ" (مر16: 16). وإن كان لا بد للمعتمد من التوبة قبل المعمودية (أع2: 38) فمن المحال أن تتم التوبة والإيمان في لحظة.
أما إن كان الخلاص بمجرد قبول المسيح، والميلاد الثاني بمجرد القبول، فلماذا ذكر الكتاب كل هذه المفاعيل الروحية للمعمودية؟!
10- وهكذا نرى أن كل الذين آمنوا، تعمدوا فورًا...
وهذا كان واضحًا مع الذين آمنوا في يوم الخمسين (أع 2)، ومع كرنيليوس (أع10: 48) وكذلك ليديَّة بائعة الأرجوان (أع16: 15)، وسجان فيلبي (أع16: 31) وكريسبس رئيس المجمع (أع18: 8)، والخصي الحبشي (أع8: 38).
فإن كان الإيمان وحده يخلص الإنسان، فهل كانت معمودية كل هؤلاء مجرد شيء زائد!! أما إن كانت ضرورية حسب أمر السيد المسيح ورسله، فلا يكون الخلاص بالإيمان وحده، ولا يكون في لحظة.
11- هنا ونقول: ما أعجب رمز الخلاص في المعمودية، بالخلاص في عبور البحر الأحمر من عبودية فرعون حيث قال موسى النبي: "قِفُوا وَانْظُرُوا خَلاَصَ الرَّبِّ.."(خر14: 13). ويطبق بولس الرسول هذا الأمر بقوله: "فَإِنِّي لَسْتُ أُرِيدُ أَيُّهَا الإِخْوَةُ أَنْ تَجْهَلُوا أَنَّ آبَاءَنَا جَمِيعَهُمْ كَانُوا تَحْتَ السَّحَابَةِ، وَجَمِيعَهُمُ اجْتَازُوا فِي الْبَحْرِ. وَجَمِيعَهُمُ اعْتَمَدُوا لِمُوسَى فِي السَّحَابَةِ وَفِي الْبَحْرِ" (1كو10: 1، 2).
12- وكما كان يرمز إلى المعمودية الخلاص في عبور البحر الأحمر، كان يرمز إليها أيضًا الختان، الذي كان شرطًا للدخول في عضوية شعب الله في العهد القديم (تك 17).
يقول القديس بولس الرسول لأهل كولسي عن السيد المسيح: "وَبِهِ أَيْضًا خُتِنْتُمْ خِتَانًا غَيْرَ مَصْنُوعٍ بِيَدٍ، بِخَلْعِ جِسْمِ خَطَايَا الْبَشَرِيَّةِ، بِخِتَانِ الْمَسِيحِ، مَدْفُونِينَ مَعَهُ فِي الْمَعْمُودِيَّةِ، الَّتِي فِيهَا أُقِمْتُمْ أَيْضًا" (كو2: 11، 12).
هل الخلاص بالكلمة؟!
الذين يحاربون معمودية الماء، يحاولون أن يهربوا من كلمة "الماء" بكافة الطرق، فينكرون معمودية الماء. وذلك أن يتحدثوا عن معمودية أخرى يسميها بعضهم معمودية الروح، ويسميها البعض معمودية النار. بينما لم يتحدث الكتاب إلاَّ عن معمودية واحدة، كما قال القديس بولس الرسول في الرسالة إلى أفسس: "رَبٌّ وَاحِدٌ، إِيمَانٌ وَاحِدٌ، مَعْمُودِيَّةٌ وَاحِدَةٌ" (أف4: 5).
فما هي هذه المعمودية الواحدة التي يقصدها الكتاب؟
إننا نقول: معمودية الماء والروح وبها يُولد الإنسان ميلادًا جديدًا، حسب قول الرب: "إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنَ الْمَاءِ وَالرُّوحِ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ مَلَكُوتَ اللهِ" (يو3: 5) ولكنهم يقدمون اعتراضًا على مفهوم الماء، وهو:
اعتراض
يقولون إن الماء هو الكلمة. وميلاد الإنسان من الماء، يعني أنه يُولد من الكلمة! ويستدلون بالآتي:
1- يقولون في علاقة المسيح بالكنيسة التي قال عنها الرسول: "مُطَهِّرًا إِيَّاهَا بِغَسْلِ الْمَاءِ بِالْكَلِمَةِ" (أف5: 26).. إن عبارة الماء هنا تعني الكلمة!
2- يعتمدون أيضًا على قول بطرس الرسول: "مَوْلُودِينَ ثَانِيَةً، لاَ مِنْ زَرْعٍ يَفْنَى، بَلْ مِمَّا لاَ يَفْنَى، بِكَلِمَةِ اللهِ.." (1بط1: 23) !
3- وأيضًا قول يعقوب الرسول: "شَاءَ فَوَلَدَنَا بِكَلِمَةِ الْحَقِّ" (يع1: 18). وهنا يرون أن الميلاد بالكلمة!
الرد على الاعتراض
عبارة "مُطَهِّرًا إِيَّاهَا بِغَسْلِ الْمَاءِ بِالْكَلِمَةِ" (أف5: 26)، لا تعني إطلاقًا - لغويًا أو لاهوتيًا - أن غسل الماء هو الكلمة...! لأن الرسول لم يقل: "بغسل الماء الذي هو الكلمة"! بل بغسل الماء بالكلمة.
1- ومعنى هذا أن غسل الماء جاء نتيجة للكلمة.
فبطرس تكلم في يوم الخمسين، فلم يغتسل اليهود من خطاياهم، ولم يتطهروا من خطاياهم بالكلمة، وإلاَّ ما كان يقول لهم: "تُوبُوا وَلْيَعْتَمِدْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عَلَى اسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ لِغُفْرَانِ الْخَطَايَا" (أع2: 38) إذًا على الرغم من الكلمة ومن تأثيرها، إذ كانوا قد نخسوا في قلوبهم وآمنوا، وطلبوا الإرشاد (أع2: 37) إلاَّ أنهم ما كانوا قد تطهروا بعد من خطاياهم. وانتظروا معمودية الماء لمغفرة الخطايا. وفي ظل ما حدث يوم الخمسين، نسأل عن معنى "مطهرًا إياها بغسل الماء بالكلمة" فنصل إلى الآتي:
2 - الكلمة - أي الكرازة - توصل إلى الإيمان. والإيمان يوصل إلى المعمودية. والمعمودية توصل إلى مغفرة الخطايا، أي إلى التطهير من الخطايا.
نفس الوضع حدث مع شاول الطرسوسي. هنا الكلمة جاءته من رب المجد نفسه، وليس من رسول ولا من أي إنسان. ومع ذلك لم ينل التطهير بمجرد الكلمة. فالرب أرسله إلى حنانيا. وحنانيا قال له: "أيها الأخ شاول.. لماذا تتوانى؟ قُمْ وَاعْتَمِدْ وَاغْسِلْ خَطَايَاكَ" (أع22: 16) فإن كان قد اغتسل من خطاياه بالكلمة، ما كانت حاجته إذًا إلى أن يغتسل في المعمودية؟! ولكننا نقول إن الكلمة أوصلته إلى الإيمان، ثم إلى المعمودية، حيث اغتسل من خطاياه.
وهنا نفهم معنى عبارة: "ولدنا بكلمة الحق".
3- "ولدنا بكلمة الحق" لا تعني ولادة مباشرة من الكلمة، إنما تعني ولادة غير مباشرة بتوسط الإيمان والمعمودية.
وكما أن كلمة الإيمان لم ترد هنا، في هذه الآيات، كذلك كلمة المعمودية لم ترد. على اعتبار أن الكلمتين تفهمان ضمنًا، ولا حاجة إلى إيرادهما في كل مرة..
ولا أظن أن أحدًا من إخوتنا البروتستانت يفهم أن عبارة "مولودين ثانية... بكلمة الله" أو "بكلمة الحق" تعني مجرد الكلمة بدون إيمان!!
4- فإن كان يفهم عبارة "الإيمان" ضمنًا، فليفهم أيضًا عبارة "المعمودية" ضمنًا، باعتبار أن "حذف المعلوم جائز".
وإلاَّ فكيف يفهم قول الرب: "مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ" (مر16: 16)؟!
هنا ونذكر أن الرب قال بعدها: "وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ يُدَنْ" ولم يذكر المعمودية، لأنه لا معمودية لمَن لا يؤمن. الذي لا يؤمن، سوف لا يطلب المعمودية. والذي لا يؤمن، لا تسمح له الكنيسة بالمعمودية.. فلا داعي لأن يقول الرب: من لم يؤمن ولم يعتمد، يدان.
5- الكلمة إذًا أولًا. والإيمان والمعمودية بعدها، كنتيجتين. وإذا اعتمد الإنسان ينال البنوة، باعتباره مولودًا من الماء والروح، حسب قول الرب (يو3: 5).
وبهذا يعتبر نفسه مولودًا بالكلمة، لأنه لولاها - كنقطة البدء الأساسية - ما كان يصل إلى شيء من كل هذا، وما كان يخلص! وهنا نحاول أن نفهم قول الرسول:
6– "لأنَّ كُلَّ مَنْ يَدْعُو بِاسْمِ الرَّبِّ يَخْلُصُ" (رو10: 13).
هل هنا الخلاص بمجرد أنه يدعو باسم الرب، وننسى كل الخطوات السابقة؟
كلا. فهذا هو أسلوب الحرفية، وأسلوب فصل الآية عن الجو الذي قيلت فيه، وحذف كل ما سبقها!! ولا شك أن هذا أسلوب لا يتفق مع روح الكتاب إطلاقًا!
ونلاحظ في هذه الآية (رو10: 13) إنه لا حديث عن الكلمة، ولا عن الإيمان...
إذًا نقرأ كل ما قاله الرسول لنفهم الآية في الجو الذي قيلت فيه. إنه يقول: "لأَنَّ «كُلَّ مَنْ يَدْعُو بِاسْمِ الرَّبِّ يَخْلُصُ».. فَكَيْفَ يَدْعُونَ بِمَنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ؟ وَكَيْفَ يُؤْمِنُونَ بِمَنْ لَمْ يَسْمَعُوا بِهِ؟ وَكَيْفَ يَسْمَعُونَ بِلاَ كَارِزٍ؟ وَكَيْفَ يَكْرِزُونَ إِنْ لَمْ يُرْسَلُوا؟" (رو10: 13، 15).
7- وهكذا يحدثنا الرسول عن خطوات ضمنية، لم تذكر في نص أو حرفية الآية، ولكنها تفهم ضمنًا. والمقصود بهذه الآية أن الخلاص للجميع، لكل من يدعو.
الدعاء باسم الرب يسبقه الإيمان. والإيمان يسبقه سماع الكلمة. وسماع الكلمة يعني وجود كارزين. والحديث عن الكارزين يعني وجود كنيسة ترسلهم، لتكون كرازتهم شرعية.
وبالمثل نتحدث عن كل الخطوات الضمنية. فهنا لم يرد ذكر للتوبة، ولكنها لا بد أن تفهم ضمنًا، لأنه بدونها لا يخلص الإنسان بل يهلك (لو13: 3) وبالمثل لم يذكر المعمودية، ولكنها لا بد أن تُفهم ضمنًا أيضًا حسب قول الرب في (مر16: 16) وهنا نقول:
8- لو كان غسل الميلاد الثاني بمجرد الكلمة، لماذا قال المسيح لتلاميذه: "فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ.."(مت28: 19).
ما دامت الكلمة كافية، إذًا تكفي التلمذة، وهي خدمة واسعة للكلمة، أكثر من مجرد الكلمة للإيمان. ما الداعي للمعمودية إذًا، إن كانوا قد نالوا الميلاد الثاني، والغسيل والتطهير من خطاياهم، بمجرد الكلمة، بدون عماد!!
9- ولماذا أصر الخصي الحبشي على العماد بعد الكلمة؟
لقد كلمه فيلبس عن المسيح، وبشره وأقنعه، فآمن من كل قلبه أن يسوع المسيح هو ابن الله (أع 8: 36، 37) ومع ذلك كانت المعمودية ضرورية له جدًا.. فلماذا، إن كان قد تطهر واغتسل ونال البنوة بالكلمة، حسبما يقولون؟!
10- مشكلة المحاربين لمعمودية الماء والروح، أنهم يظنون أنها مجرد معمودية ماء.. كما لو كان ماء بدون روح! فيستهينون لذلك بالماء!
ولكن الرب يقول: "يُولَدُ مِنَ الْمَاءِ وَالرُّوحِ" (يو3: 5) هنا عمل الروح في الماء، حيث يقدس الروح القدس هذا الماء، حتى أن كل من يغطس فيه ويقوم يكون قد وُلد من الماء والروح. هذا الذي قال عنه الرسول: "خَلَّصَنَا بِغُسْلِ الْمِيلاَدِ الثَّانِي وَتَجْدِيدِ الرُّوحِ الْقُدُسِ" (تي3: 5) ولم ترد هنا عبارة "الكلمة". وهذا الماء ليس هو الكلمة، بل هو ماء حقيقي.
إنه ماء حقيقي
1- لا شك أن الماء الذي اعتمد به الخصي الحبشي هو ماء حقيقي، إذ يقول الكتاب: "فَأَمَرَ أَنْ تَقِفَ الْمَرْكَبَةُ، فَنَزَلاَ كِلاَهُمَا إِلَى الْمَاءِ، فِيلُبُّسُ وَالْخَصِيُّ، فَعَمَّدَهُ. وَلَمَّا صَعِدَا مِنَ الْمَاءِ، خَطِفَ رُوحُ الرَّبِّ فِيلُبُّسَ" (أع8: 38، 39) وقيل بعدها إن الخصي: "ذَهَبَ فِي طَرِيقِهِ فَرِحًا" ولم يذكر هذا الفرح قبل العماد. لأنه مع قبوله الكلمة وإيمانه، كان ينقصه شيء هو العماد.
والماء الذي ذُكر في قصة الحبشي لم يكن هو الكلمة طبعًا، فالكلمة كانت قد أدت عملها قبل ذلك. حيث قيل إن فيلبس "فَتَحَ فَاهُ.. فَبَشِّرَهُ بِيَسُوعَ" (أع8 : 35).
2- والماء في قصة كرنيليوس هو أيضًا ماء حقيقي.
ولم يكن هو الكلمة. فالكلمة قد سبقته في تبشير القديس بطرس له وللذين معه، حتى آمن، وحل عليه وعليهم الروح القدس، وتكلموا بألسنة (أع10: 44) وحينئذ قال القديس بطرس: "أَتُرَى يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَمْنَعَ الْمَاءَ حَتَّى لاَ يَعْتَمِدَ هؤُلاَءِ الَّذِينَ قَبِلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ كَمَا نَحْنُ أَيْضًا؟!" (أع10: 47) "وَأَمَرَ أَنْ يَعْتَمِدُوا بِاسْمِ الرَّبِّ".
وهنا نسأل عن أهمية المعمودية لهؤلاء الذين آمنوا، وحل عليه الروح القدس، وتكلموا بألسنة.
3- والسيد المسيح أيضًا حينما قال: "يُولَدُ مِنَ الْمَاءِ وَالرُّوحِ" (يو3: 5) كان يقصد ماء حقيقيًا، وليس مجرد الكلمة.
وكان يقصد بهذا الماء الولادة الجديدة، من فوق، ومن الروح (يو3: 3، 6).
4- أحبُ بهذه المناسبة أن أحيل القارئ العزيز إلى فصل طويل عن الماء ورموزه وبركته في كتابنا عن "خميس العهد" الذي يشرح من أول عبارة "وَرُوحُ اللهِ يَرِفُّ عَلَى وَجْهِ الْمِيَاهِ" (تك1: 2).
حول معمودية الأطفال
ما دامت المعمودية لازمة للخلاص، كما شرحنا في بداية هذا الفصل... وما دامت فاعلية المعمودية من الخطورة بحيث لا يستغنى عنها الإنسان... لذلك كان من المهم أن لا نمنع الخلاص عن الأطفال، ولا نمنع عنهم بركات المعمودية وفاعليتها...
اعتراض
يقولون إن الإيمان شرط للمعمودية، والأطفال لم يصلوا إلى وعي الإيمان لذلك لا يمكن تعميدهم.
وأصحاب هذا الرأي لا يوافقون كليةً على معمودية الأطفال.
وهناك رأي يقول بمعموديتهم، على أن يعلنوا إيمانهم حينما يكبرون، وحينما تتفجر فيهم فاعلية المعمودية...
الرد على الاعتراض
1– لا بد أن نعمد الأطفال من أجل خلاصهم. لأننا لو تركناهم بدون معمودية وبدون إيمان، فمعنى ذلك هلاكهم... ومَن الذي يقبل على نفسه هلاك كل أطفال العالم.
2- السيد المسيح أبدى اهتمامًا خاصًا بالأطفال. وقال: "إِنْ لَمْ تَرْجِعُوا وَتَصِيرُوا مِثْلَ الأَوْلاَدِ فَلَنْ تَدْخُلُوا مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ" (مت18: 3). وقد احتضن الأطفال وباركهم. وقال: "دَعُوا الأَوْلاَدَ يَأْتُونَ إِلَيَّ وَلاَ تَمْنَعُوهُمْ، لأَنَّ لِمِثْلِ هؤُلاَءِ مَلَكُوتَ اللهِ. اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: مَنْ لاَ يَقْبَلُ مَلَكُوتَ اللهِ مِثْلَ وَلَدٍ فَلَنْ يَدْخُلَهُ" (مر10: 14- 16).
إذًا فهم يقبلون الملكوت بطريقة يعوزنا محاكاتها. فكيف؟
3- الطفل ليست لديه أية شكوك ضد الإيمان، ولا أية مقاومة له. والله لا يطالبه بوعي يناسب الكبار.
4- وهو يحتاج أن يتربى في الإيمان، داخل الكنيسة، وينمو في هذا الإيمان فنحن نعمده لنعطيه أيضًا هذه الفرصة، ولا نحرمه من كل وسائط النعمة التي تساعده في الطريق الروحي، وإلاَّ نكون كمَن يجني عليه. كما لا نضع كل أمور الإيمان داخل مقياس العقلانية.
5- والطفل ليس محتاجًا أن يعلن إيمانه حينما يبلغ الرشد، أو يبلغ الثانية عشرة كما يقول البعض، فهو يعلن إيمانه باستمرار في كل مراحل طفولته الناطقة، حسب قدرة سنه. ويتساوى مع الطفل كل (البسطاء) من الناس، الذين لم يدخلوا في نطاق العقلانية التي تدرك بالذهن أشياء كثيرة. ولكن ربما لهم الروح الذي يفحص كل شيء حتى أعماق الله (1كو2: 10).
6- أما من جهة قواعد الإيمان المعروفة، فنحن نعمده على إيمان والديه.
والاعتماد على إيمان الوالدين في أمور عديدة، أمر مألوف في الكتاب المقدس. ومن أمثلته: الختان، وخلاص الأبكار بدم الخروف، وخلاص الأطفال بعبور البحر... إلخ.
ويمكن القراءة عن هذه الموضوع بتفصيل كبير في كتابنا عن المعمودية.
7- أما قولهم عن تفجير مفاعيل المعمودية في سن معينة:
فإننا نقول: "ما هي هذه المفاعيل"؟ وما الذي تحتاجه أو يحتاجه بعضها إلى أن يتفجر في سن معينة.
كون المعمودية موتًا مع المسيح وقيامة معه، أمر لا يحتاج إلى سن، فهو في صميم عمل المعمودية كصبغة. وفاعلية المعمودية من حيث الميلاد الثاني، وغسل المعمد من الخطية الأصلية والخطايا السابقة للمعمودية... كل هذا لا يحتاج إلى سن معينة يتفجر فيها. فهو يصير ابنًا لله، وتغفر له خطاياه، وينال التبرير والتجديد في نفس وقت عماده. وكذلك يموت الإنسان العتيق، ويُولد إنسان جديد، ولكنه حرّ ... ويلبس المسيح (غلا3: 27).
إن وجد شيء آخر (تتفجر فيه مفاعيل المعمودية) فلعله أمر يتساوى فيه الكبير والصغير..
8- أما الرأي الذي يقول بخلاص الأطفال بدون معمودية، فهو رأى ضد تعليم الكتاب المقدس في الفداء والكفارة وأهمية دم المسيح للخلاص... ولا يجد تأييدًا من أحد.
9- الكنيسة كانت تعمد الأطفال منذ البداية، من عصر الرسل، كما يتضح من عماد عائلات بأكملها، كبارًا وصغارًا، كما قيل في عماد سجان فيلبي: "وَالَّذِينَ لَهُ أَجْمَعُونَ" (أع16: 33) وعماد ليديَّة بائعة الأرجوان "هي وأهل بيتها" (أع16: 15)... ومن غير المعقول أن كل هؤلاء وأمثالهم لم يكن بينهم أطفال.
10- لا توجد آية واحدة في الكتاب المقدس تأمر بمنع معمودية الأطفال.
التوبة وأهميتها للخلاص
1- لا يمكن أن يوجد لاهوتي واحد في العالم، يقول إنه يمكن أن يخلص إنسان بدون توبة.
فعدم التوبة معناه الارتباط بالخطية، وبالتالي الانفصال عن الله، لأنه "أَيَّةُ شَرِكَةٍ لِلنُّورِ مَعَ الظُّلْمَةِ؟!" (2كو 6: 14).
والخلاص بمعناه السليم، هو الخلاص من الخطية وعقوبتها. والسيد المخلص سُميَّ كذلك "لأَنَّهُ يُخَلِّصُ شَعْبَهُ مِنْ خَطَايَاهُمْ" (مت1: 21) فما دامت هناك خطية، لا يوجد إذًا خلاص. لأن الإنسان لا يخلص وهو في حياة الخطية.
2- ولزوم التوبة للخلاص يظهر في قول السيد المسيح: "إِنْ لَمْ تَتُوبُوا فَجَمِيعُكُمْ كَذلِكَ تَهْلِكُونَ" (لو13: 3، 5). والتوبة مرتبطة بغفران الخطايا (أع 5: 31).
وقد كان عمل المسيح على الصليب هو مغفرة الخطايا، لأن هذا هو الخلاص الذي قدمه للعالم "الَّذِي لَنَا فِيهِ الْفِدَاءُ، بِدَمِهِ غُفْرَانُ الْخَطَايَا" (كو1: 14) "الَّذِي فِيهِ لَنَا الْفِدَاءُ بِدَمِهِ، غُفْرَانُ الْخَطَايَا" (أف1: 7).
ولا يمكن أن تغفر خطية، ما زال الإنسان يرتكبها.
فإن تاب تغفر له.. وملكوت السموات لا يدخله غير التائبين. وكل الخطاة سيطرحون في البحيرة المتقدة بالنار والكبريت (رؤ21: 8).
ويقول القديس بولس الرسول: "إِنْ أَخْطَأْنَا بِاخْتِيَارِنَا بَعْدَمَا أَخَذْنَا مَعْرِفَةَ الْحَقِّ، لاَ تَبْقَى بَعْدُ ذَبِيحَةٌ عَنِ الْخَطَايَا، بَلْ قُبُولُ دَيْنُونَةٍ مُخِيفٌ، وَغَيْرَةُ نَارٍ عَتِيدَةٍ أَنْ تَأْكُلَ الْمُضَادِّينَ" (عب10: 26، 27).
3- وآباؤنا الرسل ربطوا مغفرة الخطايا بالتوبة، كما بالمعمودية.
وهكذا من أجل مغفرة الخطايا، قال القديس بطرس لليهود في يوم الخمسين: "تُوبُوا وَلْيَعْتَمِدْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عَلَى اسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ لِغُفْرَانِ الْخَطَايَا" (أع2: 38).
4- يقول الكتاب، في ارتباط التوبة بمغفرة الخطايا: "تُوبُوا وَارْجِعُوا لِتُمْحَى خَطَايَاكُمْ" (أع3 : 19).
فهل إذا كان إنسان لا يتوب، أيستطيع أن يخلص وتمحى خطاياه؟! كلا بلا شك فقول الكتاب واضح. ولكن لعلك تقول: "إن خطاياي تمحى بدم المسيح"... نقول لك: لا أحد يختلف في هذا. ولكنك لا تستحق دم المسيح إن كنت تستمر في الخطية ولا تتوب. ودم المسيح لا يشجع على البقاء في الخطية. إذًا توبوا وارجعوا لتمحى خطاياكم بدم المسيح.
5- والكتاب لا يطلب منا التوبة فقط، وإنما يقول: "اصْنَعُوا أَثْمَارًا تَلِيقُ بِالتَّوْبَةِ" (مت3: 8).
وأيضًا: "أَعْمَالًا تَلِيقُ بِالتَّوْبَةِ" (أع26: 20) ... بل إن الرسول يوبخنا إن قصرنا في التوبة فيقول: "لَمْ تُقَاوِمُوا بَعْدُ حَتَّى الدَّمِ مُجَاهِدِينَ ضِدَّ الْخَطِيَّةِ" (عب12: 4). ومن أجل التوبة "مصارعتنا ليست مع لحم ودم... بل مع أجناد الشر الروحية" (أف 6) وفي هذا يقول لنا الرسول: "قَاوِمُوا إِبْلِيسَ فَيَهْرُبَ مِنْكُمْ" (يع4: 7).
6- وفي ارتباط التوبة بالخلاص قال الرسول لأهل كورنثوس، لما أحزنهم بتوبيخه: "الْحُزْنَ الَّذِي بِحَسَبِ مَشِيئَةِ اللهِ يُنْشِئُ تَوْبَةً لِخَلاَصٍ بِلاَ نَدَامَةٍ" (2كو7: 10).
7- ولما كان الإنسان في كل يوم يخطئ، وأجرة الخطية هي موت (رو6: 23) ويحتاج إلى الخلاص من هذا الموت.
لذلك هو محتاج إلى التوبة، ليخلص من هذا الموت.
لأن السيد المسيح يقول: "إِنْ لَمْ تَتُوبُوا فَجَمِيعُكُمْ كَذلِكَ تَهْلِكُونَ" (لو13: 3).
8- ولعل البعض يقول: "إن التوبة ليست ثمنًا للخلاص، فالخلاص ثمنه هو دم المسيح"!! أقول لك:
حقًا إن الخلاص ثمنه دم المسيح. ولكن دم المسيح لا يمحو إلاَّ خطايا الذين تابوا... التوبة إذًا ليست هي الثمن، إنما هي وسيلة. وبدونها لا نستحق الدم الكريم.
9- ولما كان الإنسان يخطئ كل يوم، ويحتاج إلى التوبة كل يوم، إذًا فالتوبة تصحبه كل حياته ليخلص من خطاياه. وبالتالي لا يكون الخلاص في لحظة.
إنها حرب روحية تستمر مدى الحياة. "الصِّدِّيقَ يَسْقُطُ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَيَقُومُ" (أم24: 16) والقديس بولس الرسول يقول: "أَقْمَعُ جَسَدِي وَأَسْتَعْبِدُهُ، حَتَّى بَعْدَ مَا كَرَزْتُ لِلآخَرِينَ لاَ أَصِيرُ أَنَا نَفْسِي مَرْفُوضًا" (1كو9: 27).
فإن كان الرسول العظيم يتكلم هكذا، فهل أنت أعظم من بولس الرسول... حتى تقول إنك خلصت وضمنت الملكوت... ولا تقول هذا بجهاد العمر كله، وإنما تقول خلصت في لحظة!!
10- التوبة لازمة إذًا للخلاص. ولكن التوبة في مفهومنا الأرثوذكسي تختلف عن التوبة في المفهوم البروتستانتي.
التوبة في المفهوم الأرثوذكسي
الكل ينادي بالتوبة. لا يجادل في أهميتها أحد.
ولكن التوبة عند الأرثوذكسية شيء. وعند البروتستانتية شيء آخر، من جهة ماهيتها ومفعولها وإتمامها، ولزومها للخلاص، وما يتعلق بها من أمور أخرى...
وسنتناول الآن هذه الخلافات واحدًا فواحدٍ.
التوبةُ سرٌّ كنسي
التوبة في المفهوم الأرثوذكسي هي سرّ من أسرار الكنيسة السبعة، اسمه (سر التوبة) أما الطوائف البروتستانتية - وهي لا تؤمن بأسرار الكنيسة - فلا تنظر إلى التوبة كسرٍّ مقدس، إنما كمجرد مشاعر داخل قلب الإنسان من ندم على الخطية، وعزم على تركها.
إذًا هناك فارق بين (التوبة) و(سر التوبة).
ولهذا الفرق دلالاته، ونتائجه اللاهوتية، التي سنذكرها الآن:
التوبة والاعتراف
التوبة في المفهوم الأرثوذكسي تحمل ضمن أساسياتها الاعتراف على الأب الكاهن بالخطايا، حسب قول الكتاب: "مَنْ يَكْتُمُ خَطَايَاهُ لاَ يَنْجَحُ، وَمَنْ يُقِرُّ بِهَا وَيَتْرُكُهَا يُرْحَمُ" (أم28: 13) وقد مارس الناس الإقرار بالخطية (الاعتراف بها) في العهد القديم (لا5: 5) واستمر ذلك حتى فترة ما بين العهدين، فكانوا يأتون إلى يوحنا المعمدان "وَاعْتَمَدُوا مِنْهُ فِي الأُرْدُنِّ، مُعْتَرِفِينَ بِخَطَايَاهُمْ" (مت3: 6) ومارسوا الاعتراف في العهد الجديد أيضًا (أع19: 18).
أما الطوائف البروتستانتية، فلا تدخل الاعتراف في نطاق التوبة، بل تهاجمه وهي في ذلك على نوعين:
أ- نوع يهاجم الاعتراف علنًا، ويهاجم معه الكهنوت أيضًا
وهذا النوع هو الأضعف. لأنه مكشوف، يحترس منه الثابتون في العقيدة. كما أن آراءه ظاهرة يمكن الرد عليها.
ب- والنوع الثاني لا يهاجم الاعتراف، ولا الكهنوت، ولا التناول. ولكنه ينسبها للناس، بعدم الحديث عنها، وبتقديم بدائل لها.
كما ورد في مجلة (الينبوع): [هل تحب أن تتبرر الآن؟ ماذا يمنع؟ لا شيء... إنها فرصة العمر أن تأتي كما أنت، وتقبل الرب يسوع، فتتبرر في لحظات]!! (1: صـ13).
وورد فيها أيضًا: [تتطلع إلى حمل الله، وتضع عليه آثامك وخطاياك. وتنطلق أنت حرًا. ألقِ كل أحمالك، واستمتع بغفرانه]!! (1: صـ17).
وورد فيها كذلك: [هذا هو ثمن التبرير: لقد مات البار، وسدد دين الخطية كله إلى الأبد. إن قبلته اليوم، تحصل على البراءة، وتخرج من محضره حرًا من كل دين] (1: صـ12).
وبنفس المعنى قولها عن المسيح: [إن استطعت أن تراه وهو يطعن بواسطة الجندي الروماني، فسوف تتبرر في لحظة واحدة] (1: صـ10).
وفي كل هذه الأمثلة، ينال الإنسان التبرير والغفران ويتخلص من جميع خطاياه، بدون الاعتراف، وبدون التحليل، بمجرد قبول المسيح، أو التطلع إليه!! وبدون الأسرار الكنسية.
ومثال ذلك ما ورد في إحدى المجلات القبطية، التي دخلت فيها هذه الروح تحت عنوان [اختبارات روحية]... وفي كل ذلك، لا حديث عن الأسرار، كأن لا أهمية لها، وتقديم بدائل من كلام له طابعه الروحي، ويخفي خطورة لاهوتية...
إنه طريق غير مكشوف، وواجبنا أن نكشفه للناس، ليحترسوا.
وهذا الأسلوب هو ما يميز النبذات غير الأرثوذكسية.
التوبة والكنيسة
بينما تقدم البروتستانتية التوبة كمجرد عمل فردي داخل القلب، تضيف الأرثوذكسية إلى ذلك عمل الكنيسة والأسرار والكهنوت. وهذه الثلاثة لا تتعرض لها الكتابات التي تهاجم العقائد الأرثوذكسية، وبها تميز النبذات.
أما الأرثوذكسية فتقدم في التوبة: التحليل من فم الكاهن، حسب قول الرب لرجال الكهنوت: "اقْبَلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ. مَنْ غَفَرْتُمْ خَطَايَاهُ تُغْفَرُ لَهُ، وَمَنْ أَمْسَكْتُمْ خَطَايَاهُ أُمْسِكَتْ" (يو20: 22، 23) ومع التحليل، يوجد الإرشاد الروحي من أب الاعتراف، والسماح بالتناول من الأسرار المقدسة.
التوبة والخلاص
الأرثوذكسية ترى التوبة لازمة للخلاص، حسبما ذكرنا قبلًا.
أما البروتستانت، ففي التركيز على أهمية الدم في موضوع الخلاص، ينسون الكلام على التوبة، أو يضعونها تحت عنوان "التقديس" دون التركيز على دورها في الخلاص.
والبعض يضعون كلمة الخلاص مكان كلمة التوبة. فإن كان إنسانًا مدمنًا على الخمر أو القمار مثلًا، وتأثر بعظة وتاب، يقولون إنه خلص في تلك اللحظة! وربما يعود إلى ذلك. وقد يبطل هذا الشخص الخمر والقمار بصفة دائمة، وتكون له خطايا أخرى لم يخلص منها...
التوبة والنعمة
في التوبة يركز البروتستانت على عمل النعمة، ويرون كل جهاد الإنسان لا قيمة له! يكفي أن يلقي بنفسه عند قدمي المسيح، فيخلصه من جميع خطاياه، دون عمل منه!
أما التعليم الأرثوذكسي، ففيه الحياة الروحية هي شركة مع الروح القدس الروح يعين، والنعمة تعمل، والإنسان يجاهد.
وإن لم يجاهد، يبكته الرسول بقوله: "لَمْ تُقَاوِمُوا بَعْدُ حَتَّى الدَّمِ مُجَاهِدِينَ ضِدَّ الْخَطِيَّةِ" (عب12: 4) والكتاب المقدس يصور لنا الحياة الروحية، حربًا مع أجناد الشر الروحية، تحتاج إلى سلاح الله الكامل (أف 6) ولا بد للإنسان أن ينتصر في هذه الحرب لينال المكافأة. والسيد المسيح في رسائله إلى ملائكة (رعاة) الكنائس السبع، كرر عبارة: "مَنْ يَغْلِبُ.." سبع مرات، كشرط للنعيم الأبدي (رؤ2، 3).
إن النعمة لا تعمل وحدها كل شيء، وإلاَّ ما كان الله يقول عن التوبة: "ارْجِعُوا إِلَيَّ أَرْجعْ إِلَيْكُمْ" (ملا3: 7).
وقد كتبنا عن هذا الموضوع بابًا كاملًا في كتاب "الخلاص في المفهوم الأرثوذكسي" يمكن الرجوع إليه... وخلاصة الأمر هي:
تركز البروتستانتية على الجانب الإلهي وحده، في التوبة، وفي الخلاص، وتهمل الجانب البشرى تمامًا.
التوبة والاختبارات
إنهم يعتبرون التوبة اختبارًا. ويشجعون التائبين أن يحكوا اختباراتهم في الاجتماعات أمام الناس. فتسمع منهم عبارات: "أنا كنت (كذا)... وصرت (كذا).." ويظل يسرد خطايا بشعة بلا خجل... مغطيًا إياها بما وصل إليه من نعمة!!
أما الأرثوذكسية فلا توافق على سرد هذه القصص، لأنها غالبًا ما تحمل افتخارًا بالتغير الذي وصل إليه التائب. وقد يتأذى البعض من سماع الخطايا التي يعلنها (التائب) بلا خجل.
التوبة بين الفرح والانسحاق
تعلم الأرثوذكسية بوجوب انسحاق التائب، متذكرًا ما أساء به إلى الله، مبللًا فراشه بدموعه كما فعل داود النبي. أما البروتستانتية فتدفع الناس إلى فرح لا انسحاق فيه... بل كثيرًا ما يتحول التائب حديثًا إلى خادم، بطريقة مباشرة، لا تعطيه فرصة للحزن الداخلي على خطاياه!
ويعللون ذلك بوجوب الفرح بالخلاص "امنحني بَهْجَةَ خَلاَصِكَ" (مز 50) بينما بولس الرسول تحدث عن فوائد الحزن على الخطية (2كو 7).
ولا ننسى أنه - في تناول خروف الفصح - وسط فرح الشعب بخلاصه من سيف المهلك، كان يأكل الفصح على أعشاب مُرَّةٍ، حسب أمر الرب (خر12: 8) والأعشاب المُرة كانت تذكرهم بخطاياهم، التي بسببها وقعوا في عبودية فرعون.
الفصح يذكرهم بالخلاص وبهجته. ولكنه يؤكل على أعشاب مُرَّة.
فما هو مركز (الأعشاب المرة) في التوبة بالمفهوم البروتستانتي؟ وما مركز انسحاق القلب ودموع التوبة؟
التوبة والتجديد
إن ما نسميه في الأرثوذكسية (توبة)، كثيرًا ما يسميه البروتستانت تجديدًا، أو ولادة جديدة، أو خلاصًا..!
فيسألون التائب: هل تجددت؟ هل خلصت؟ هل اختبرت الولادة الجديدة، الخلاص؟! ويكون كل ما يقصدونه هو عملية توبة، لا أكثر ولا أقل، قد مر بها هذا الشخص...!
في المفهوم الأرثوذكسي، كل هذه التعبيرات: التجديد، الولادة الجديدة، الخلاص، تتم في سرّ المعمودية. أما التوبة فهي عملية تغيير في سلوك الإنسان.
على إننا نفرق بين تجديد الطبيعة الذي يحدث في المعمودية، وتجديد الذهن (رو12: 2). الذي يحدث في التوبة.
التوبة والسلوك والأعمال
البروتستانتية، لا ترى الحياة المسيحية حياة سلوك وعمل، بل حياة نعمة وإيمان. وأما الأرثوذكسية فإلى جوار الإيمان والنعمة، تضيف السلوك والأعمال كثمر لهما، يدل عليهما.
فالكتاب يقول: "اصْنَعُوا أَثْمَارًا تَلِيقُ بِالتَّوْبَةِ" (مت3: 8) "وأَعْمَالًا تَلِيقُ بِالتَّوْبَةِ" (أع26: 20) ويقول: "وَأَنَا أُرِيكَ بِأَعْمَالِي إِيمَانِي" (يع2: 18). كما يقول القديس يوحنا الرسول: "مَنْ قَالَ: إِنَّهُ ثَابِتٌ فِيهِ يَنْبَغِي أَنَّهُ كَمَا سَلَكَ ذَاكَ هكَذَا يَسْلُكُ هُوَ أَيْضًا" (1يو2: 6). "إِنْ سَلَكْنَا فِي النُّورِ كَمَا هُوَ فِي النُّورِ، فَلَنَا شَرِكَةٌ بَعْضِنَا مَعَ بَعْضٍ، وَدَمُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِهِ يُطَهِّرُنَا مِنْ كُلِّ خَطِيَّةٍ" (1يو1: 7).
إذًا أهمية السلوك والأعمال، تعليم كتابي...
إن التطهير يتم بالدم، ولكن على أساس التوبة والسلوك في النور، حسب تعليم القديس يوحنا الرسول (1يو1: 7).
دور الكنيسة في نيل الخلاص
دور الكنيسة في نيل الخلاص
إن الخلاص العظيم الذي قدمه السيد المسيح على الصليب، تنقله الكنيسة بعمل الروح القدس فيها إلى الناس. وذلك بتكليف من السيد المسيح نفسه. وذلك عن طريق ثلاثة أمور هي: خدمة الكلمة، وخدمة الأسرار، وخدمة المصالحة، والرعاية...
خدمة الكلمة
إخوتنا البروتستانت يركزون في الخلاص على الإيمان. وكيف يصل الإيمان إلى الناس إلاَّ عن طريق الكنيسة؟
وفي هذا يقول الرسول: "وَكَيْفَ يُؤْمِنُونَ بِمَنْ لَمْ يَسْمَعُوا بِهِ؟ وَكَيْفَ يَسْمَعُونَ بِلاَ كَارِزٍ؟ وَكَيْفَ يَكْرِزُونَ إِنْ لَمْ يُرْسَلُوا؟" (رو10: 14، 15) والكنيسة هي التي ترسل الكارزين، بعد أن تضع عليهم اليد، وهي التي تنشر الإيمان، الذي بدونه لا يخلص أحد.
إذًا الكنيسة لها دور أساسي في الخلاص عن طريق نشر الإيمان، بالكرازة وخدمة الكلمة...
وهذه الخدمة تستلمها الكنيسة من فم المسيح نفسه، الذي قال لآبائنا الرسل: "فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ... وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ" (مت28: 19، 20).. "اذْهَبُوا إِلَى الْعَالَمِ أَجْمَعَ وَاكْرِزُوا بِالإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا" (مر16: 15).
بهذه الكرازة أوصلت الكنيسة الإيمان للناس، وبدونها ما كان ممكنًا أن يخلصوا ولذلك حرص الرسل على هذه الخدمة. وفي سيامة الشمامسة السبعة قالوا: "وَأَمَّا نَحْنُ فَنُواظِبُ عَلَى الصَّلاَةِ وَخِدْمَةِ الْكَلِمَةِ" (أع6: 4).
وقد جعل الرب خدمة الكلمة الموصلة للخلاص من اختصاص الكنيسة، ولم يعهد بها حتى للملائكة.
ففي قصة اهتداء كرنيليوس، أرسل له الله ملاكًا. وكان يمكن لهذا الملاك أن يبشر كرنيليوس برسالة الخلاص. ولكنه لم يفعل ذلك، إنما أحاله إلى الكنيسة المؤتمنة على هذه الخدمة. وهكذا قال له: "أَرْسِلْ إِلَى يَافَا رِجَالًا، وَاسْتَدْعِ سِمْعَانَ الْمُلَقَّبَ بُطْرُسَ" وماذا تكون مهمة بطرس هذا؟ قال الملاك في ذلك: "وَهُوَ يُكَلِّمُكَ كَلاَمًا بِهِ تَخْلُصُ أَنْتَ وَكُلُّ بَيْتِكَ" (أع11: 13، 14).
وصارت هذه مهمة من عمل الكنيسة، أعنى خدمة التعليم، وتفهيم الناس قواعد الإيمان وتعريفهم بطريق الخلاص. وهكذا قال القديس بولس الرسول لتلميذه تيموثاوس الأسقف:
"لاَحِظْ نَفْسَكَ وَالتَّعْلِيمَ وَدَاوِمْ عَلَى ذلِكَ، لأَنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ هذَا، تُخَلِّصُ نَفْسَكَ وَالَّذِينَ يَسْمَعُونَكَ أَيْضًا" (1تي4: 16).
إذًا التعليم هو من وسائط الخلاص. والكنيسة هي التي اؤتمنت على التعليم، بحسب قول الرب: "وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ" (مت28: 20). وهكذا قال بولس الرسول: "إِذِ الضَّرُورَةُ مَوْضُوعَةٌ عَلَيَّ، فَوَيْلٌ لِي إِنْ كُنْتُ لاَ أُبَشِّرُ.. فَقَدِ اسْتُؤْمِنْتُ عَلَى وَكَالَةٍ" (1كو9: 16، 17) وكان الخلاص هو هدف التبشير، لذلك يقول الرسول بعد ذلك: "لأُخَلِّصَ عَلَى كُلِّ حَال قَوْمًا" (1كو9: 22).
وعن طريق الكرازة وخدمة الكلمة، استطاع فيلبس أن يقود الخصي الحبشى إلى الإيمان لكي يخلص (أع8). وبخدمة الكلمة في يوم الخمسين، أمكن أن تخلص ثلاثة آلاف نفس (أع2: 41).
وخدمة الكلمة لا يقوم بها إلاَّ المرسل من الكنيسة، لذلك لما دعا الروح القدس برنابا وشاول لهذه الخدمة أحالهما إلى الكنيسة.
وقال الروح القدس: "أَفْرِزُوا لِي بَرْنَابَا وَشَاوُلَ لِلْعَمَلِ الَّذِي دَعَوْتُهُمَا إِلَيْهِ" (أع 13) إنها دعوة من الروح القدس. ولكن لا بد أن تمر عن طريق الكنيسة من خلال القنوات الشرعية التي عهد لها الله بهذه الخدمة: "فَصَامُوا حِينَئِذٍ وَصَلُّوا وَوَضَعُوا عَلَيْهِمَا الأَيَادِيَ، ثُمَّ أَطْلَقُوهُمَا" وهكذا عملا في خدمة الكلمة (أع13: 2، 3). وخدمة الكلمة ليست كل شيء في عمل الكنيسة من جهة الخلاص، إنما هناك أيضًا خدمة الأسرار.
خدمة الأسرار
الكنيسة تقدم الخلاص عن طريق خدمة أسرار الكنيسة المقدسة.
1- وفي مقدمة هذه الأسرار سر المعمودية، الذي قال فيه الرب: "مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ" (مر16: 16) والذي أمر به الكنيسة حينما قال لآبائنا الرسل: "فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآب وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ" (مت28: 19).
ولذلك فإن الرسل، حالما آمن اليهود في يوم الخمسين، عمدوهم لمغفرة الخطايا (أع2: 38، 41).
ولا شك أن مغفرة الخطايا التي تأتي بالمعمودية لازمة للخلاص.
وهكذا عمدوا أيضًا الخصي الحبشي (أع 8) وكرنيليوس وجميع الذين كانوا يسمعون الكلمة معه (أع 10) وعمدوا أهل السامرة (أع 8) وعمدوا سجان فيلبي والذين له (أع 16) وكذلك ليديَّة بائعة الأرجوان هي وأهل بيتها (أع 16)
وما زالت الكنيسة بالمعمودية تنقل الخلاص إلى الناس، إذ يدفنون فيها مع المسيح ويقومون معه. يموت إنسانهم العتيق (رو6) ويلبسون المسيح في المعمودية (غلا3: 27).
وقد شرحنا في بداية هذا الفصل فاعلية المعمودية وعلاقتها بالخلاص. وفيها تعطيهم الكنيسة مغفرة الخطية الأصلية والخطايا السابقة للمعمودية، عن طريق استحقاقات دم المسيح، وتصيرهم أولادًا لله (يو3: 5، تي3: 5).
2- ولكن الناس يخطئون بعد معموديتهم، ويحتاجون إلى الخلاص من عقوبة هذه الخطايا. وهنا تقدم لهم الكنيسة سر التوبة، وسر الإفخارستيا، لمغفرة خطاياهم.
وذلك بالسلطان الممنوح للكنيسة في قول السيد المسيح: "مَنْ غَفَرْتُمْ خَطَايَاهُ تُغْفَرُ لَهُ، وَمَنْ أَمْسَكْتُمْ خَطَايَاهُ أُمْسِكَتْ" (يو20: 23) وقوله: "كُلُّ مَا تَرْبِطُونَهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَرْبُوطًا فِي السَّمَاءِ، وَكُلُّ مَا تَحُلُّونَهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَحْلُولًا فِي السَّمَاءِ" (مت18: 18).
أي فرح للمؤمن أن يأخذ حلًا من خطاياه، بسلطان معطى من السيد المسيح نفسه. وهناك ينال المغفرة.
ونفس المغفرة ينالها في سر الإفخارستيا، الذي نقول عنه في القداس الإلهي: "يُعطى عنا خلاصًا، وغفرانًا للخطايا، وحياة أبدية لكل مَن يتناول منه"، وذلك بناء على قول السيد المسيح لتلاميذه حينما سلمهم هذا السر (جسده ودمه) "لِمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا" (مت26: 28). وحسب قوله لليهود: "مَنْ يَأْكُلُ جَسَدِي وَيَشْرَبُ دَمِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ" (يو6: 54) و"يَثْبُتْ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ" (يو6: 56).
3- والكنيسة تساعد الناس على الخلاص بسكنى الروح القدس فيهم، وتعطيهم ذلك عن طريق سر المسحة المقدسة (1يو2: 20، 27).
وكان هذا السر العظيم، تمنحه الكنيسة في بادئ الأمر عن طريق وضع اليد (أع8: 17، أع19: 6). وما دام بدون الروح القدس، لا يستطيع إنسان أن يحيا حياة روحية، ولا أن يتبكت على خطية، إذًا فمنح هذا السرّ عن طريق الكنيسة له عمله الخلاصي العميق.
4- وكل هذه الأسرار المقدسة المؤدية إلى الخلاص، تقدمها الكنيسة عن طريق سر آخر هو سر الكهنوت.
وهكذا ندرك أهمية الكنيسة والكهنوت في قضية الخلاص. حقًا إن الخلاص قد تم على الصليب بالفداء بدم المسيح. ولكن نقل هذا الخلاص إلى الناس تقوم به الكنيسة عن طريق الكهنوت والأسرار المقدسة...
وبالإضافة إلى هذا تقوم الكنيسة بالرعاية وخدمة المصالحة.
الرعاية وخدمة المصالحة
كل مؤمن معرض أن يضل عن الطريق، فمَن يفتقده ويرعاه، ويرده إلى الطريق، إلاَّ الكنيسة التي تقود المؤمنين في حياة التوبة، وبالتالي في طريق الخلاص، حسب قول الكتاب: "مَنْ رَدَّ خَاطِئًا عَنْ ضَلاَلِ طَرِيقِهِ، يُخَلِّصُ نَفْسًا مِنَ الْمَوْتِ، وَيَسْتُرُ كَثْرَةً مِنَ الْخَطَايَا" (يع5: 20).
وبهذا العمل، تخلص الكنيسة نفوسًا من الموت، تخلصهم من موت الخطية عن طريق الإرشاد، وعن طريق الافتقاد، وعن طريق الهداية. وهكذا تعمل على مصالحتهم مع الله... هذه المصالحة التي قال عنها القديس بولس الرسول:
"وَأَعْطَانَا خِدْمَةَ الْمُصَالَحَةِ.. إِذًا نَسْعَى كَسُفَرَاءَ عَنِ الْمَسِيحِ، كَأَنَّ اللهَ يَعِظُ بِنَا. نَطْلُبُ عَنِ الْمَسِيحِ: تَصَالَحُوا مَعَ اللهِ" (2كو5: 18، 20).
ويمكن أن تدخل هذه المصالحة تحت سر التوبة. ولولا أهمية هذا العمل لخلاص أنفس الناس، ما كان الكتاب يقول إن الله أعطى البعض أن يكونوا رعاة... لعمل الخدمة لبنيان جسد المسيح (أف4: 11، 12) وما كان يقول لبطرس: "ارْعَ خِرَافِي، ارْعَ غَنَمِي" (يو21: 15، 16).
عمل الرعاية هذا يقوم به الكهنوت في الكنيسة.
وهكذا قال بولس الرسول لأساقفة أفسس: "اِحْتَرِزُوا اِذًا لأَنْفُسِكُمْ وَلِجَمِيعِ الرَّعِيَّةِ الَّتِي أَقَامَكُمُ الرُّوحُ الْقُدُسُ فِيهَا أَسَاقِفَةً، لِتَرْعَوْا كَنِيسَةَ اللهِ الَّتِي اقْتَنَاهَا بِدَمِهِ" (أع20: 28).
أترى كان يتم الخلاص بدون عمل الرعاية؟ محال...
هوذا الإنجيل يقول عن الغنم التي لا راعي لها إن الرب "وَلَمَّا رَأَى الْجُمُوعَ تَحَنَّنَ عَلَيْهِمْ، إِذْ كَانُوا مُنْزَعِجِينَ وَمُنْطَرِحِينَ كَغَنَمٍ لاَ رَاعِيَ لَهَا" (مت9: 36). وهؤلاء ما أسهل أن يفتك بهم العدو، ويفقدون الخلاص.
إن الخلاص لا يمكن الحصول عليه بدون الكنيسة.
الأعمال ومركزها في موضوع الخلاص
الأعمال ومركزها في موضوع الخلاص
اعتراض
الذين ينادون بالخلاص في لحظة، يقولون إن الخلاص هو بالإيمان وحده، الذي يمكن نواله في لحظة!! لذلك هم ينكرون كل مفعول للأعمال، ويعترضون على إدخالها في موضوع الخلاص، الذي تم فيه بدم المسيح وحده...
وهم يقدمون لإثبات رأيهم آيات كثيرة من الكتاب منها: "حِينَ ظَهَرَ لُطْفُ مُخَلِّصِنَا اللهِ وَإِحْسَانُهُ وإحسانه، لاَ بِأَعْمَال فِي بِرّ عَمِلْنَاهَا نَحْنُ، بَلْ بِمُقْتَضَى رَحْمَتِهِ - خَلَّصَنَا بِغُسْلِ الْمِيلاَدِ الثَّانِي وَتَجْدِيدِ الرُّوحِ الْقُدُسِ" (تي3: 4، 5).
"لأَنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ، بِالإِيمَانِ، وَذلِكَ لَيْسَ مِنْكُمْ. هُوَ عَطِيَّةُ اللهِ. لَيْسَ مِنْ أَعْمَال كَيْلاَ يَفْتَخِرَ أَحَدٌ" (أف2: 8، 9).
الرد على الاعتراض
1- إننا نسأل الذين يركزون على الإيمان، ويرفضون الأعمال كلها: أي أعمال تقصدون؟ هناك ستة أنواع من الأعمال:
أ) أعمال الناموس التي هي مجرد ممارسات طقسية.
بـ) أعمال قبل الإيمان، أي الأعمال الصالحة التي للأمم.
جـ) أعمال بشرية فقط، لا يشترك الله فيها.
د) عمل الروح القدس في الأسرار.
هـ) أعمال صالحة هي شركة مع الروح القدس.
و) أعمال الله وحده، وطريقة استحقاقنا لها.
فعلينا أن نفحص كل هذه الأنواع الستة، ونرى ما هي أنواع الأعمال التي يرفضها الكتاب؟ وما هي الأنواع اللازمة من الأعمال والتي بدونها لا نخلص، إذ أن الإيمان بدون أعمال ميت.
2- هنا ونسأل: لماذا ركز الرسول على موضوع الإيمان؟
لقد ركز في الكلام مع غير المؤمنين من اليهود والأمم، أو في الكلام عنهم، حتى تظهر أهمية الفداء بدم المسيح.
لأنه بدون الإيمان لا يمكن أن يخلص أحد من هؤلاء مهما كانت أعمالهم. ولأن الإيمان هو النقطة الصعبة إذ هي تغيير الدين. فإن قبلوها سيقبلون كل ما بعدها كالمعمودية والتوبة والتناول. فالذي يقبل المسيح سيقبل كل تعاليمه.
لهذا مع اليهود والأمم - ركز الرسول على الإيمان وليس أعمالهم:
فمن جهة اليهود، هاجم أعمال الناموس بدون إيمان.
ومن جهة الأمم، هاجم أعمالهم الصالحة بدون إيمان.
أما أعمال الصالحة إذا أضيفت إلى الإيمان، فإنها تكون لازمة ومقبولة باعتبارها ثمرًا للإيمان.
فلتناول بالشرح هذين النوعين المرفوضين:
أعمال الناموس
3- كانت لأعمال الناموس أهمية في العهد القديم، يظنون أنهم يتبررون بها. وتدخل فيها الممارسات الطقسية التي يفرضها الناموس: مثل الختان، وحفظ السبت، والمواسم والأعياد وأوائل الشهور، وما فيها من تقدمات، وما يختص بالنجاسات والتطهير، في الأكل والشرب واللمس وغير ذلك، مما نفى الرسول الاعتماد عليه، مؤكدًا أن الإنسان لا يتبرر به.
بل أظهر أن أعمال الناموس قد بَطلت، لأنها كانت مجرد رمز لنعم العهد الجديد أو كانت مجرد ظل للخيرات العتيدة. وقال في ذلك: "فَلاَ يَحْكُمْ عَلَيْكُمْ أَحَدٌ فِي أَكْل أَوْ شُرْبٍ، أَوْ مِنْ جِهَةِ عِيدٍ أَوْ هِلاَل أَوْ سَبْتٍ، الَّتِي هِيَ ظِلُّ الأُمُورِ الْعَتِيدَةِ" (كو2: 16، 17).
فالختان مثلًا، كان من أعمال الناموس. كان علامة لشعب الله. وقد كان رمزًا للمعمودية، إذ به يموت جزء من إنسان، رمزًا لموت الإنسان كله. حينما يموت المؤمن في المعمودية، ويدفن مع المسيح، لكي يحيا معه. إذًا الختان في العهد الجديد كمجرد عمل من أعمال الناموس، لا علاقة له بالخلاص، لأنه ظل للأمور العتيدة، وقد حلت المعمودية محله.
4- وحتى في العهد القديم، أظهر الرب أن أعمال الناموس هذه، إن كانت خالية من الروح، تصبح بلا قيمة...
وذلك لأنها قد صارت مجرد ممارسات لا يشترك القلب فيها، وقد يمارسها الإنسان مع ممارسة الخطية في نفس الوقت!
فقال في سفر إشعياء: "لاَ تَعُودُوا تَأْتُونَ بِتَقْدِمَةٍ بَاطِلَةٍ. الْبَخُورُ هُوَ مَكْرَهَةٌ لِي. رَأْسُ الشَّهْرِ وَالسَّبْتُ وَنِدَاءُ الْمَحْفَلِ. لَسْتُ أُطِيقُ الإِثْمَ وَالاعْتِكَافَ. رُؤُوسُ شُهُورِكُمْ وَأَعْيَادُكُمْ بَغَضَتْهَا نَفْسِي. صَارَتْ عَلَيَّ ثِقْلًا. مَلِلْتُ حَمْلَهَا... أَيْدِيكُمْ مَلآنَةٌ دَمًا" (إش1: 13- 15).
5- وأعمال الناموس هذه هي التي هاجمها الرسول بقوله:
"إِذْ نَعْلَمُ أَنَّ الإِنْسَانَ لاَ يَتَبَرَّرُ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ، بَلْ بِإِيمَانِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ" (غلا2: 16). "وَلكِنْ أَنْ لَيْسَ أَحَدٌ يَتَبَرَّرُ بِالنَّامُوسِ عِنْدَ اللهِ فَظَاهِرٌ، لأَنَّ الْبَارَّ بِالإِيمَانِ يَحْيَا" (غلا3: 11). "لأَنَّهُ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ كُلُّ ذِي جَسَدٍ لاَ يَتَبَرَّرُ أَمَامَهُ" (رو3: 20).
واضح هنا جدًا، كلامه عن أعمال الناموس. وواضح أيضًا أن هذا النوع من الأعمال، ليس هو ما نقصده في حياتنا المسيحية. ربما قصده مَن أرادوا تهويد المسيحية...
6- هذا من جهة اليهود. ومن جهة محاولة بعض اليهود الذين اعتنقوا المسيحية في عصر الرسل، وأرادوا إدخال عاداتهم اليهودية في المسيحية، وكذلك طقوسهم وممارساتهم. فشرح لهم الرسل أن اللازم للخلاص هو الإيمان، وليست أعمال الناموس. وماذا إذًا عن الأمم؟ هنا يتكلم الرسول عن:
الأعمال بدون إيمان
ويمكن أن نقول عنها أيضًا: الأعمال الصالحة قبل الإيمان، كأعمال الأتقياء من الأمميين، مثل كرنيليوس وغيره.
إنها أعمال صالحة، ولكنها بدون إيمان لا تبرر الإنسان. فالتبرير هو بالدم فقط، دم المسيح، الذي حمل خطايانا، ومات عنا "الَّذِي لَنَا فِيهِ الْفِدَاءُ، بِدَمِهِ غُفْرَانُ الْخَطَايَا" (كو1: 14) وهكذا قال الرسول: "مُتَبَرِّرِينَ مَجَّانًا بِنِعْمَتِهِ بِالْفِدَاءِ الَّذِي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي قَدَّمَهُ اللهُ كَفَّارَةً بِالإِيمَانِ بِدَمِهِ، لإِظْهَارِ بِرِّهِ، مِنْ أَجْلِ الصَّفْحِ عَنِ الْخَطَايَا السَّالِفَةِ" (رو3: 24، 25).
إذًا كل أعمال صالحة بدون دم المسيح لا تخلص.
وذلك لأنه بِدُونِ سَفْكِ دَمٍ لاَ تَحْصُلُ مَغْفِرَةٌ! (عب9: 22).
والخلاص - كما نؤمن جميعًا - هو عن طريق الفداء العظيم الذي تم على الصليب. إذًا الأعمال بغير الإيمان بالدم والكفارة لا تبرر أحدًا. وهذه الأعمال هي التي قال عنها الرسول: "لاَ بِأَعْمَال فِي بِرّ عَمِلْنَاهَا" (تي3: 5).
وواضح أيضًا أننا لا نقصد هذا النوع مطلقًا، في حديثنا عن الأعمال فكلنا مؤمنون بالفداء والكفارة وأهمية دم المسيح.
يبقى النوع الثالث المرفوض من الأعمال وهو:
الأعمال البشرية وحدها
أي الأعمال التي يعملها البشر، بدون اشتراك الله معهم في العمل، دون شركة الروح القدس... إنما هي مجرد ذراع بشري... هذه لا علاقة لها بالخلاص.
ونحن لا نستطيع أن نسمي مثل هذه أعمالًا روحية، أو أعمالًا صالحة بالمفهوم الدقيق للكلمة.
إن العمل البشري المنفصل عن الله، لا يخلص الإنسان.
العمل الذي يعمله الإنسان وحده، دون أن يدخل الله فيه، مصيره أن يؤول إلى المجد الباطل. ولا مكافأة له، ولا علاقة له بالخلاص. وعنه نقول في صلواتنا بالأجبية: "وبأعمالي ليس لي خلاص" أي بأعمالي وحدها، بدونك أنت، وبدون دمك.
هذه هي الأنواع الثلاثة من الأعمال، المرفوضة، والتي لا علاقة لها بالخلاص. فلنتكلم عن الأنواع الثلاثة الأخرى...
عمل الروح القدس في الأسرار
إن أسرار الكنيسة السبعة ليست أعمالًا بشرية يقوم بها الأب الكاهن. وإنما هي أعمال سرية يقوم بها الروح القدس نفسه على يد الكاهن، الذي لا يعدو أن يكون خادمًا للأسرار.
الروح القدس هو الذي يلد المؤمنين في المعمودية ولادة جديدة، يصيرون بها مولودين من الماء والروح (يو3: 5) ومولودين من الروح (يو3: 6).
فهل نعتبر المعمودية إذًا عملًا بشريًا أم إلهيًا؟
والروح القدس هو الذي يقدس المؤمن ويثبته في سر المسحة المقدسة، سر الميرون. ولذلك قال القديس يوحنا الحبيب: "وَأَمَّا أَنْتُمْ فَلَكُمْ مَسْحَةٌ مِنَ الْقُدُّوسِ" (1يو2: 20).
فهل المسحة عمل بشري، وهي من القدوس؟
إن الروح القدس هو الذي يحل على المؤمنين (أع19: 6)، فهل هذا عمل بشرى؟!
والروح القدس هو الذي يغفر الخطايا في سر التوبة. لذلك نفخ الرب في وجوه تلاميذه القديسين. وقال لهم: "اقْبَلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ. مَنْ غَفَرْتُمْ خَطَايَاهُ تُغْفَرُ لَهُ.." (يو20: 22، 23) إذًا فالمعمودية تتم بالروح القدس الذي قبلوه. فهل نعتبرها عملًا بشريًا؟!
والروح القدس هو الذي يحول الخبز والخمر إلى جسد الرب ودمه في سر الإفخارستيا. والسيد الرب نفسه هو الذي يقول: "خُذُوا كُلُوا هذَا هُوَ جَسَدِي" (1كو11: 24) خذوا اشربوا.. هذا هو دمي (مت26: 26، 27) والرب نفسه وضع بركات هذا السر (يو6: 50– 56).
والروح هو الذي يجعل الاثنين واحدًا في سر الزيجة. لذلك يقول الرب عن ذلك: "فَالَّذِي جَمَعَهُ اللهُ لاَ يُفَرِّقْهُ إِنْسَانٌ" (مر10: 9).
وهكذا في باقي الأسرار المقدسة. الروح القدس هو العامل فيها، وهو المعطي كل بركاتها ونعمها.
فالذين ينكرون أسرار الكنيسة وفاعليتها في الخلاص، إنما ينكرون عمل الروح القدس نفسه، الذي به تتم الأسرار.
لماذا ينكرون لزوم المعمودية للخلاص، مع قول الله الصريح: "مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ" (مر16: 16)؟! هل المعمودية هي عمل بشري لا يحتمله محاربو الأعمال؟! أم أنها بالحقيقة عمل الروح القدس، الذي يلد من الماء إنسانًا جديدًا..؟ وإن كانت عمل الروح، إذًا فهي عمل الله.
إذًا من ينكر فاعلية المعمودية، إنما ينكر عمل الله.
وإن كان الله في المعمودية "قد شاء فولدنا" "بِغُسْلِ الْمِيلاَدِ الثَّانِي وَتَجْدِيدِ الرُّوحِ الْقُدُسِ" (تي3: 5) وخلصنا بهذا الغسل من خطايانا (أع22: 16). فلماذا الاعتراض إذًا على عمل الله؟!
ولماذا يعترضون على مغفرة الكاهن للخطايا؟ هل هذه المغفرة هي عمل إنسان، أم هي عمل الروح القدس؟
وإن كانت عمل الروح، فلماذا يرفضونها؟! وإن كانت عمل الروح، فهي إذًا عمل إلهي. وما الكاهن سوى خادم لهذا السر. الروح القدس هو الذي يغفر الخطايا، ويعلن ذلك من فم الكاهن[1] وقد شرحنا هذا بالتفصيل في كتاب الكهنوت.
هذه الأعمال التي يعملها الرب في الأسرار المقدسة، من أجل خلاصنا، ينبغي أن نقف أمامها ونقول: " قِفُوا وَانْظُرُوا خَلاَصَ الرَّبِّ" (خر14: 13).
هل تنكر كل أسرار الكنيسة وعمل الروح القدس فيها، من أجل التشبث ببدعة الخلاص في لحظة؟ أو من أجل الإصرار على أن الخلاص بالإيمان وحده، الذي يظنون أن يتم في لحظة؟! وفي سبيل ذلك لا مانع من إنكار كل آيات الكتاب المقدس التي تثبت غير ذلك!!
إن محاربة أسرار الكنيسة، هي عدم فهم لهذه الأسرار. يظنون أعمالًا بشرية فيهاجمونها. وهي عمل الروح القدس.
ننتقل إلى نوع آخر من الأعمال، ونفحص ما إذا كان الذين يرفضونها على حق أم لا؟ تلك هي:
أعمال شركة الروح القدس
إننا نطلب شركة الروح القدس معنا في العمل. ونقول في صلواتنا في رفع البخور: "اشترك في العمل مع عبيدك، في كل عمل صالح".
لا شك أننا بدون الله، لا نقدر أن نعمل شيئًا (يو15: 5) هو العامل فينا، وهو العامل بنا، وهو العامل معنا. وكما قال القديس بولس عن نفسه وعن زميله في الخدمة أبلوس: "نَحْنُ عَامِلاَنِ مَعَ اللهِ" (1كو3: 9). وقال لأهل فيلبي: "لأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَامِلُ فِيكُمْ أَنْ تُرِيدُوا وَأَنْ تَعْمَلُوا مِنْ أَجْلِ الْمَسَرَّةِ" (في2: 13).
وما دام الله هو العامل فينا، إذًا فالأعمال الصالحة التي يقوم بها المؤمن ليست مجرد أعمال بشرية، وإنما هي شركة الروح الذي فيه، الذي يحركه للعمل ويشترك معه.
لهذا تمنحنا الكنيسة في كل اجتماع بركة "شركة الروح القدس" التي أشار إليها القديس بولس الرسول (2كو13: 14). لا نشترك مع الروح القدس في الجوهر أو في اللاهوت، حاشا! وإنما نشترك معه في العمل. ونصير بهذا الاشتراك "شركاء الطبيعة الإلهية" (2بط1: 4)... في العمل.
والعمل الذي يشترك فيه معنا روح الله، لا يجوز لإنسان أن يحتقره، أو يتجاهل قيمته في موضوع الخلاص. "مَنْ لَهُ أُذُنَانِ لِلسَّمْعِ، فَلْيَسْمَعْ" (مر4: 9 و23).
إننا إن تكلمنا، فلسنا نحن المتكلمين، بل يشهد السيد المسيح قائلًا: "لَسْتُمْ أَنْتُمُ الْمُتَكَلِّمِينَ بَلْ رُوحُ أَبِيكُمُ الَّذِي يَتَكَلَّمُ فِيكُمْ" (مت10: 20) ونحن حينما نصلي، هل نحن الذين نصلي وحدنا؟ كلا "لأَنَّنَا لَسْنَا نَعْلَمُ مَا نُصَلِّي لأَجْلِهِ كَمَا يَنْبَغِي. وَلكِنَّ الرُّوحَ نَفْسَهُ يَشْفَعُ فِينَا بِأَنَّاتٍ لاَ يُنْطَقُ بِهَا" (رو8: 26) وإن تبنا، فإن الروح هو الذي يبكتنا على خطية (يو16: 8) وهو الذي يرشدنا ويقوينا. وإن خدمنا، فالسيد المسيح يقول: "ولكِنَّكُمْ سَتَنَالُونَ قُوَّةً مَتَى حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَيْكُمْ، وَتَكُونُونَ لِي شُهُودًا.." (أع1: 8).
إذًا الأعمال الصالحة التي يعملها المؤمن، لا يعملها وحده مطلقًا، بل الروح القدس هو الذي يعملها فيه كما رأينا.
ومحاربتها هي محاربة للروح القدس العامل فيها. بل هي أيضًا محاربة للسيد المسيح الذي قال: "بِدُونِي لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَفْعَلُوا شَيْئًا" (يو15: 5).
حتى إرادتنا، حتى كل عمل نعمله... يقول الرسول: "لأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَامِلُ فِيكُمْ أَنْ تُرِيدُوا وَأَنْ تَعْمَلُوا مِنْ أَجْلِ الْمَسَرَّةِ" (في2: 13).
إذًا محاربة الأعمال الصالحة هي عدم فهم لهذه الأعمال. يظنونها مجرد أعمال بشرية فيهاجمونها! ليتهم يدركون عمل الروح فيها، حينئذ سوف يستحون من مهاجمتها.
وهذه الأعمال الصالحة لا يمكن أن ندخل الملكوت بدونها. وكما شرحنا بالتفصيل في كتابنا "الخلاص في المفهوم الأرثوذكسي".
إن الأعمال الصالحة لا نخلص بها، ولكننا لا نخلص بدونها.
على الأقل، يمكن أن نسمي هذه الأعمال "ثمر الإيمان".
فإن كانوا يركزون على الإيمان وحده، هنا نسأل: هل هذا الإيمان له ثمر، أم هو بدون ثمر؟ إن كان لا بد أن يكون له ثمر، ليثبت أنه إيمان حي، فهنا تظهر قيمة الأعمال. وإن كان بلا ثمر، تقف أمامنا الآية التي تقول: "كُلُّ شَجَرَةٍ لاَ تَصْنَعُ ثَمَرًا جَيِّدًا تُقْطَعُ وَتُلْقَى فِي النَّارِ" (مت3: 10).
وإن كان الإيمان لازمًا للخلاص، فهو لازم بثمره، أي بهذه الأعمال الصالحة.
وإن كان بلا أعمال، فهو "إيمان ميت" (يع2: 17، 20) ينظر القديس يعقوب الرسول إلى صاحبه ويقول: "إِنْ قَالَ أَحَدٌ إِنَّ لَهُ إِيمَانًا وَلكِنْ لَيْسَ لَهُ أَعْمَالٌ، هَلْ يَقْدِرُ الإِيمَانُ أَنْ يُخَلِّصَهُ؟" (يع2: 14).
ننتقل بعد ذلك إلى النقطة الأخيرة في موضوع الأعمال، وهي: عمل الله ذاته وكيف نستحقه:
أعمال الله وحده
الفداء هو عمل الله وحده، لم نشترك نحن فيه.
والخلاص الذي تمّ بالفداء، هو عمل الله وحده.
ولكن عمل الله شيء، واستحقاقنا لعمل الله شيء آخر.
لقد قدم الله بالفداء كفارة للعالم كله (1يو2: 2). فهل انتفع بها كل العالم؟! كلا، طبعًا. والخلاص الذي قدمه الرب للعالم، هو خَلُص به جميع الناس؟! كلا... إذًا ماذا نستفيد: "إِنْ أَهْمَلْنَا خَلاَصًا هذَا مِقْدَارُهُ؟" (عب2: 3).
إذًا فكيف ننال الخلاص الذي دبره الله وحده؟
أنناله بالإيمان؟ الإيمان نفسه عمل. أننال هذا الخلاص بالمعمودية والتوبة؟ إنهما أيضًا عملان.
وما هو عمل الإيمان الذي ننال به الخلاص؟ يقول الرسول: "لأَنَّهُ قَدْ وُهِبَ لَكُمْ لأَجْلِ الْمَسِيحِ لاَ أَنْ تُؤْمِنُوا بِهِ فَقَطْ، بَلْ أَيْضًا أَنْ تَتَأَلَّمُوا لأَجْلِهِ" (في1: 29).
إذًا هذا الإيمان، هو هبة من الله.
ويقول الرسول عن هذا الإيمان: "وَلَيْسَ أَحَدٌ يَقْدِرُ أَنْ يَقُولَ: «يَسُوعُ رَبٌّ» إِلاَّ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ" (1كو12: 3).
وكذلك المعمودية هي ولادة من الروح (يو3: 5، 6).
ومع أن الخلاص هو عمل الله وحده، إلاَّ أننا نناله في المعمودية، حسب قوله: "مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ" (مر16: 16).
كما إننا لا يمكن أن ننال الخلاص بدون التوبة.
وذلك حسب قول الرب: "إِنْ لَمْ تَتُوبُوا فَجَمِيعُكُمْ كَذلِكَ تَهْلِكُونَ" (لو13: 3، 5). وكذلك حسب قول بولس الرسول لليهود في يوم الخمسين (أع2: 38).
الخلاص هو عمل الله وحده. هذا حق. ولكن كيف نناله؟ القديس بطرس الرسول يشرح هذا الموضوع قائلًا: "تُوبُوا وَلْيَعْتَمِدْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عَلَى اسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ لِغُفْرَانِ الْخَطَايَا، فَتَقْبَلُوا عَطِيَّةَ الرُّوحِ الْقُدُسِ" (أع2: 38).
إذًا لا بد من التوبة والمعمودية، لننال المغفرة، ونقبل عطية الروح القدس. وهل يوجد خلاص بدون هذه المغفرة، وبدون الروح القدس؟ فإن كانت المغفرة لازمة للخلاص وتُنال هنا بالتوبة والمعمودية، فلماذا إذًا إنكار قيمة الأعمال؟!
إن التعليم الأرثوذكسي هو تعليم كتابي.
وهوذا أمامنا آيات الكتاب واضحة في موضوع الخلاص.
أما عن توضيح موضوع الأعمال بالتفصيل، وكون أن الدينونة تكون حسب الأعمال، لأن الله "سَيُجَازِي كُلَّ وَاحِدٍ حَسَبَ أَعْمَالِهِ" (رو2: 6). أو أن الأعمال الشريرة تؤدي إلى الهلاك، فهذا نحيلك فيه إلى كتاب "الخلاص في المفهوم الأرثوذكسي"...
[1] انظر كتابنا "الكهنوت" (سلطان الحل والربط، كيف للكاهن أن يغفر الخطايا؟).
ما يُسمونها مَراحل الخلاص
ما يُسمونها مَراحل الخلاص
مراحل الخلاص
م | الموضوع | المرحلة الأولى | المرحلة الثانية | المرحلة الثالثة |
1 2 3 4 5 6 7 | مفهومه بركاته زمانه شواهده عوامله وسائله مستلزماته | نوال الخلاص(خلاص نلناه) خلاص من قصاص الخطية (التبرير) في لحظة (لو7: 48، 50) (مر16: 16) دم المسيح سر التوبة والمعمودية الإيمان الواعي | إتمام الخلاص(خلاص نحياه) من سلطان لخطية(التقديس) مسيرة العمر (في2: 12) (2كو 7: 1) روح المسيح سر المسحة والتناول الجهاد القانوني | كمال الخلاص(خلاص نترجاه) من جسد الخطية (التمجيد) في لحظة (في3: 20، 21) (1كو15: 52) مجيء المسيح المجيء الثاني السهر والانتظار |
نبذة
وزعت هذه النبذة بالبريد، وأوصلها بعض أبنائنا إلينا. وهي مأخوذة عن فكر بروتستانتي، وقد حاول صاحبها أن يلبسها ثيابًا أرثوذكسية لم تستطع أن تغطيها.
هذه النبذة تُقسم الخلاص إلى ثلاث مراحل:
أ- خلاص نلناه، من قصاص الخطية، يتم في لحظة.
ب- خلاص نحياه، من سلطان الخطية، هو مسيرة العمر.
جـ- خلاص نترجاه، من جسد الخطية، يتم في لحظة.
ويرون أن الخلاص الذي نلناه يتم (بالتبرير)، والذي نحياه يتم (بالتقديس). والخلاص الذي نترجاه يسمى (التمجيد).
ومعروف أن مصدر هذا التقسيم، هو قصة راع بروتستانتي:
سألته إحدى الفتيات (بأدب شديد!): "هل خلصت يا حضرة القسيس؟". فأجابها: "خلصت، وأخلص، وسأخلص". فصارت هذه العبارة رائدة لكثيرين. وبدأ تقسيم الموضوع إلى المراحل الثلاث: خلاص نلناه، وخلاص نحياه، وخلاص نترجاه. وهو تقسيم سجعي سنفحص ما معناه، وما مغزاه، وما فحواه...
ويقول البروتستانت إن الخلاص الذي نلناه في لحظة، قد تم في لحظة قبول المسيح فاديًا ومخلصًا، أي في لحظة الإيمان.
ولعلكم تلاحظون أن كتب العهد الجديد التي يوزعها الجدعونيون مجانًا، تحوي آخرها إقرارًا بقبول المسيح فاديًا ومخلصًا، لكي يوقع عليه حامل الإنجيل..!
تناقض
وعلى الرغم من أن نبذة (مراحل الخلاص) ذكرت أن الخلاص الذي نلناه من عقوبة الخطية قد تم في لحظة، إلاَّ أنها - لكي تأخذ مظهرًا أرثوذكسيًا - قالت إن هذا الخلاص من مستلزماته: الإيمان الواعي، ووسائله هي سر التوبة وسر المعمودية!
بل ورد فيها: [بهذا صار لأي إنسان امتياز مبارك، عندما يُقبِل إلى المسيح بتوبة قلبية، وإيمان واعٍ، أن يحصل على برِّ المسيح، عندما يتحد معه بشبه موته، أي بالمعمودية، ليقوم معه في جدة الحياة (رو6: 4).. ولهذا قال المسيح: "مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ" (مر16: 16) اهـ].
وهنا يبدو التناقض، ويعرج كاتب النبذة بين الفرقتين (1مل18: 21): بين الفكر البروتستانتي والمظهرية الأرثوذكسية. ويقف أمامنا سؤال ليس له جواب، وهو:
كيف يمكن أن نجمع في لحظة، بين التوبة القلبية، والإيمان الواعي، وسرّ المعمودية؟!
والوصول إلى التوبة يحتاج إلى وقت، والوصول إلى الإيمان الواعي يحتاج إلى وقت. وممارسة سر المعمودية تستغرق وقتًا. فكيف يمكن إتمام كل ذلك في لحظة؟
إن البروتستانت صرحاء مع أنفسهم. يقولون إن الخلاص الذي تم، إنما كان ذلك في لحظة الإيمان. أما الفكر البروتستانتي الذي يحاول أن يلبس ثيابًا أرثوذكسية فلأنه غير صريح، لذلك يقع في تناقض.. فلنناقش الآن ما ورد في النبذة عن مراحل الخلاص:
1- عبارة (مراحل)
مجرد الحديث عن (مراحل) يعني أن الخلاص لا يتم في لحظة.
فهناك أكثر من مرحلة، ثلاث مراحل، لا يمكن أن تعني لحظة... إلاَّ لو كانت كل مرحلة ثلث لحظة. وكان يمكننا أن نكتفي بهذا، للرد على كاتب النبذة.. كما أن هناك ردًا آخر تحويه تفاصيل هذه المراحل وهو:
إن إحدى هذه المراحل (التقديس) تشمل (مسيرة العمر) كله!
وما دامت تشمل كل عمر الإنسان، إذًا فهذا الخلاص لا يتم في لحظة. ومما يزيد الأمر تعقيدًا على كاتب النبذة، إنه بعد هذا العمر كله، يوجد (خلاص نترجاه)... وموعده مجيء المسيح...
2- الإيمان والتوبة، واللحظة!
ليس الإيمان أمرًا يأتي عفو الخاطر. وليست التوبة مجرد انفعال وقتي. فهما ولا شك يحتاجان إلى وقت:
والإيمان والتوبة يحتاجون إلى عمل الكلمة، وإلى عمل النعمة:
هذه الكلمة، أو هذه الكرازة، نجدها واضحة في قول الرب: "فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ.. وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ" (مت28: 19، 20)... وفي قوله: "اكْرِزُوا بِالإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا.. مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ" (مر16: 15، 16) ونجد خدمة الكلمة واضحة في عمل بطرس الرسول في يوم الخمسين: كلمة. بعدها نخس السامعون في قلوبهم، فآمنوا، ودعاهم الرسل إلى التوبة والمعمودية (أع2: 37، 38) ونجد نفس الأمر في إيمان الخصي الحبشي: بشره فيلبس، فآمن، فاعتمد (أع8: 35- 38).
وفي خلال خدمة الكلمة، كان الإيمان يزحف في قلب السامعين، حين وصل إلى نضجه، ثم إلى إعلانه... ولم يتم كل ذلك في لحظة.
ونفس الكلام نقوله عن التوبة أيضًا. إنها لا تهبط فجأة في القلب في لحظة. يلزمها خدمة الكلمة، أو تأثيرات أخرى من عمل النعمة، تظل تعمل في القلب، حتى توصله إلى التوبة. وتدخل هي أيضًا في (مراحل الخلاص!).
بعد كل هذه المقدمات، فلنتناول هذه المراحل الثلاث ونفحصها:
الخلاص من عقوبة الخطية
هذا الذي تسميه النبذة (خلاصًا نلناه) بالتبرير، في لحظة! وهو - كما تشرح النبذة - خلاص من قصاص الخطية، عوامله دم المسيح، ووسائله سر التوبة والمعمودية، ومستلزماته الإيمان. وشواهده (مر16: 16) "مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ"، و(لو7: 48، 50) "قال لها: مَغْفُورَةٌ لَكِ خَطَايَاكِ... إِيمَانُكِ قَدْ خَلَّصَكِ".
واضح أن السيد المسيح قدم خلاصًا بدمه على الصليب. ولكن هذا الخلاص لم ينله كل أحد. فكفارة السيد المسيح شيء، واستحقاق هذه الكفارة شيء آخر...
فما زال هناك كثيرون لم يخلصوا حتى الآن، على الرغم من الدم الطاهر المسفوك، وعلى الرغم من الكفارة التي تحمل خطايا العالم كله (1يو2: 2) وذلك لأنهم لم يسلكوا في الطريق المؤدي إلى الخلاص. ومن جهة هذا الطريق تذكر الآيات الآتية كمثال:
1- " مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ" (مر16: 16).
2- "تُوبُوا وَلْيَعْتَمِدْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عَلَى اسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ لِغُفْرَانِ الْخَطَايَا" (أع2: 38).
3- "قُمْ وَاعْتَمِدْ وَاغْسِلْ خَطَايَاكَ" (أع22: 16).
4- "إِنْ لَمْ تَتُوبُوا فَجَمِيعُكُمْ كَذلِكَ تَهْلِكُونَ" (لو13: 3، 5).
ومن هذه الآيات يتضح أنه للخلاص من عقوبة الخطية تلزم ثلاثة أمور لا تتم في لحظة، وهي الإيمان والتوبة والمعمودية.
وحتى مع الخلاص بهذه الأمور الثلاثة، لا يعني الأمر سوى الخلاص من الخطية الجدية الأصلية، والخطايا الفعلية السابقة للمعمودية.
هذه الخطية الأصلية، هي التي قال عنها الكتاب: "بِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ دَخَلَتِ الْخَطِيَّةُ إِلَى الْعَالَمِ، وَبِالْخَطِيَّةِ الْمَوْتُ، وَهكَذَا اجْتَازَ الْمَوْتُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ، إِذْ أَخْطَأَ الْجَمِيعُ" (رو5: 12). وهكذا أصبحنا كلنا "أَمْوَاتٌ بِالْخَطَايَا" (أف2: 5) لقد كنا كلنا جزءًا من آدم ومن حواء، حينما حُكم عليهما بالموت...
في المعمودية غفرت لنا الخطية الأصلية، والخطايا السابقة للمعمودية. وهذا لا يعني مغفرة الخطايا التي تحدث أيضًا في المستقبل، بعد الإيمان والمعمودية!
الخلاص من عقوبة الخطية، أمر ينسحب على خطايا الماضي والحاضر والمستقبل.
فكل خطية بعد المعمودية، لها عقوبة وقصاص. وهذه العقوبة لا يخلص الإنسان منها، إلا بالتوبة.
وذلك حسب قول الرب: "إِنْ لَمْ تَتُوبُوا فَجَمِيعُكُمْ كَذلِكَ تَهْلِكُونَ" (لو13: 3، 5) فكيف يمكن لإنسان أن يقول إنه نال الخلاص من عقوبة الخطية لحظة إيمانه، أو لحظة توبته، أو لحظة معموديته؟! ألاَّ يبقى أمامنا السؤال بلا جواب: وماذا عن الخلاص من عقوبة الخطايا التي بعد الإيمان والمعمودية؟! الجواب هو:
كل إنسان لكي يخلص من عقوبة الخطية يحتاج إلى توبة مستمرة كل حياته، عن كل خطية يرتكبها ونحن في كل يوم نخطئ. وخطيئتنا لها قصاص وتحتاج إلى توبة.
إذًا الخلاص من عقوبة الخطية في لحظة، أمر مستحيل عمليًا. لأنه لا يوجد إنسان معصوم "إِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ لَيْسَ لَنَا خَطِيَّةٌ نُضِلُّ أَنْفُسَنَا وَلَيْسَ الْحَقُّ فِينَا" (1يو1: 8) "لأَنَّنَا فِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ نَعْثُرُ جَمِيعُنَا" (يع3: 2) إذًا كيف نخلص من هذه الخطايا؟ يقول القديس يوحنا الرسول: "وَلكِنْ إِنْ سَلَكْنَا فِي النُّورِ كَمَا هُوَ فِي النُّورِ... إِنِ اعْتَرَفْنَا بِخَطَايَانَا" (1يو1: 7، 9) حينئذ "وَدَمُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِهِ يُطَهِّرُنَا مِنْ كُلِّ خَطِيَّةٍ" "فَهُوَ أَمِينٌ وَعَادِلٌ، حَتَّى يَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَيُطَهِّرَنَا مِنْ كُلِّ إِثْمٍ" (1يو1: 7، 9).
إذًا اعترافنا بخطايانا، وسلوكنا في النور، أمران لازمان لنا في كل حياتنا، لكي يغفر لنا خطايانا، ونستحق دم المسيح يطهرنا من كل خطية...
وهذا الأمر يستمر معنا كل الحياة، أعنى حياة التوبة الدائمة، والاعتراف بالخطايا، والسلوك في النور... فالتوبة ليست عملًا لحظيًا، إنما هي حياة...
وبهذا فإن الخلاص من عقوبة الخطية أمر نطلبه طول حياتنا، ونسلك في وسائله ولا نقول إننا نلناه في لحظة!
إنما يتحدث عن الخلاص من عقوبة الخطية في الماضي، إنسان قد انقطعت صلته بالخطية تمامًا، وأصبحت الخطية بالنسبة إليه من حديث الماضي وحده! أما إنسان يعتقد أن الخلاص من سلطان الخطية، موضوع مسيرة العمر كله، فهو يعترف ضمنًا أنه لم يخلص من الخطية وممارساتها. وبالتالي لم يخلص بعد من عقوبتها..!
ممارسة الخطية، وعقوبة الخطية، أمران متلازمان. فما دام الخلاص من سلطان الخطية هو مسيرة العمر كله، إذًا بالتالي الخلاص من عقوبة الخطية هو طلبة العمر كله.
ننتقل إلى النقطة التالية في (مراحل الخلاص) وهي:
الخلاص من سلطان الخطية
كان يمكن أن نقول إن هذه النقطة خارجة عن موضوع بحثنا، ما دام كاتب النبذة يقول إنها تشمل مسيرة العمر كله. إذًا هي ضد بدعة (الخلاص في لحظة) وتُوقع أصحابها في تناقض... ويسمونها مرحلة (التقديس).
ويسمونها أيضًا مرحلة (إتمام الخلاص). ويستشهدون بقول الكتاب: "تَمِّمُوا خَلاَصَكُمْ بِخَوْفٍ وَرِعْدَةٍ" (في2: 12). وبقوله أيضًا: "لِنُطَهِّرْ ذَوَاتِنَا مِنْ كُلِّ دَنَسِ الْجَسَدِ وَالرُّوحِ، مُكَمِّلِينَ الْقَدَاسَةَ فِي خَوْفِ اللهِ" (2كو7: 1). ولذلك يقولون إنه من مستلزمات هذه المرحلة الجهاد القانوني، ومن وسائلها سر المسحة والتناول..
وما دام الأمر هكذا، فلنقدم بعض الملاحظات:
1- عبارة إتمام الخلاص، تعني أن الخلاص لم يتم. وإتمامه كما يقولون يحتاج إلى مسيرة العمر. فما معنى إذًا (الخلاص في لحظة)؟!
2- وإن كانت المرحلة السابقة هي (نوال الخلاص) هذا الذي يقولون إنه تم في لحظة!
فهل يتفق مع نوال الخلاص، أن تقضي بعده مسيرة العمر "بِخَوْفٍ وَرِعْدَةٍ" (في2: 12)؟
3- عبارات التبرير والتقديس والتمجيد، التي وردت في هذه النبذة، لنا عليها تعليق في بحث خاص في هذا الكتاب.
ننتقل إلى النقطة الثالثة في هذه (المراحل) وهي:
الخلاص من "جسد الخطية!"
قالوا في ذلك: وفي نهاية الحياة، وعد الرب أنه سيأتي، ليعطي المؤمنين الذين ينتظرون مجيئه أجسادًا نورانية شبه جسده الممجد "فَإِنَّ سِيرَتَنَا نَحْنُ هِيَ فِي السَّمَاوَاتِ، الَّتِي مِنْهَا أَيْضًا نَنْتَظِرُ مُخَلِّصًا هُوَ الرَّبُّ يَسُوعُ الْمَسِيحُ، الَّذِي سَيُغَيِّرُ شَكْلَ جَسَدِ تَوَاضُعِنَا لِيَكُونَ عَلَى صُورَةِ جَسَدِ مَجْدِهِ" (في3: 20، 21)... وأيضًا (1كو15: 52).
ويقولون إنه الخلاص الذي نترجاه، وأنه كمال الخلاص، وأنه الخلاص من جسد الخطية، ويسمونه التمجيد. ويقولون إن عوامله ووسائله هي مجيء المسيح الثاني. ومستلزماته السهر والانتظار. ويقولون إن هذا الخلاص يتم في لحظة.
ولنا على كل هذا الكلام ملاحظات، من بينها:
1- عجيب أن يكون الخلاص الذي ننتظره، هو الخلاص من هذا الجسد ولبس الجسد الروحاني (1كو15: 52)!!
فلبس الجسد الروحاني في القيامة، هو مجرد مقدمة للأفراح... حيث نلبس إكليل البر (2تي4: 8) ونخلص من هذا الجهاد العنيف، ونتمتع بما لم تره عين، ولم تسمع به أذن، ولم يخطر على قلب بشر (1كو2: 9)... نتمتع بالعشرة مع الله، ومع ملائكته وقديسيه، في أورشليم السمائية مسكن الله مع الناس (رؤ21: 3) حيث نأكل من شجرة الحياة (رؤ2: 7) ومن المن المخفي (رؤ2: 17) ونجلس مع الابن في عرشه (رؤ3: 21) وترجع إلينا الصورة الإلهية، ونتمتع بكل البركات التي وردت في سفر الرؤيا. ونحيا حياة كلها سعادة وبركة.
هذا هو الخلاص العظيم الذي ننتظره. وخلع الجسد المادي فيه هو مجرد عنصر سلبي من سلبيات كثيرة. حيث نتخلص من المادة كلها، ومن هذا العالم، ومن الخطية ونتائجها: الموت والحزن، كما نخلص من حروب الشياطين ومن الخطية عمومًا، لأنه: "لا يَكُونُ حُزْنٌ وَلاَ صُرَاخٌ وَلاَ وَجَعٌ فِي مَا بَعْدُ" "وَالْمَوْتُ لاَ يَكُونُ فِي مَا بَعْدُ" (رؤ 21) وإبليس الذي يضلنا سيكون قد طُرح في بحيرة النار والكبريت (رؤ20: 10) كما سنخلص من معرفة الخطية، وترجع أذهاننا وقلوبنا إلى البساطة والنقاوة التي لا تعرف خطية... فلماذا إذًا تركيز الخلاص الذي نترجاه، على مجرد خلع الجسد المادي؟
2- ولماذا يسميه كاتب النبذة "جسد الخطية"؟
هل لمجرد الإيقاع اللفظي، في التوافق بين عبارات "خلاص من عقوبة الخطية"، ومن سلطان الخطية، ومن جسد الخطية..! تمامًا كالإيقاع اللفظي في التقسيم السجعي: خلاص نلناه، وخلاص نحياه، وخلاص نترجاه..!
إن شرح الأمور اللاهوتية على أساس لفظي أو سجعي، كم أوقع الكثيرين في أخطاء لاهوتية عديدة وصعبة!
مَن قال إننا نلبس جسد الخطية؟!
لو كان هذا الجسد خطية، ما كان الله قد خلقه، لأن الله لا يخلق شيئًا شريرًا على الإطلاق ولو كان هذا الجسد خطية، ما لبس الله جسدًا حينما تجسد لخلاصنا. ولو كان هذا الجسد خطية، ما كنا نكرم أجساد القديسين، وما كانت ملامسة عظام أليشع تقيم ميتًا (2مل13: 21) ولو كان هذا الجسد خطية، ما كان الرسول يقول: "فَمَجِّدُوا اللهَ فِي أَجْسَادِكُمْ وَفِي أَرْوَاحِكُمُ الَّتِي هِيَ للهِ" (1كو6: 20) وما كانت أجسادنا تصير هياكل للروح القدس (1كو6: 19) وأعضاء المسيح (1كو6: 15) وما كانت أجسادنا تشترك في العمل الروحي: في الصلاة والصوم والسهر والسجود والتعب من أجل خلاص الآخرين!
إن كان الجسد يخطئ، فالروح أيضًا تخطئ.
الشيطان روح من غير جسد مادي، وهو يخطئ. وقد وقع في خطايا الكبرياء، والكذب، والحسد، خداع الآخرين. ولم يشترك معه جسد في هذه الأخطاء... والبشر أيضًا يقعون في أخطاء الروح هذه، وفي أخطاء أخرى كثيرة للروح. وبأخطاء الروح يدفعون الجسد إلى الخطية دفعًا.
ونحن نصلي إلى الله أن يطهر نفوسنا وأجسادنا وأرواحنا، وأن ينجينا من دنس الجسد والروح. والرسول نفسه يقول: "لِنُطَهِّرْ ذَوَاتِنَا مِنْ كُلِّ دَنَسِ الْجَسَدِ وَالرُّوحِ، مُكَمِّلِينَ الْقَدَاسَةَ فِي خَوْفِ اللهِ" (2كو7: 1) إذًا الروح تتدنس كما يتدنس الجسد.
والخلاص الذي نطلبه، هو خلاص من الخطية عمومًا، ومن الدنس عمومًا، سواء كان من الجسد أو من الروح.
وما دامت الروح تخطئ، إذًا الروح تتعذب في الأبدية كما يتعذب الجسد. وليس العذاب فقط للجسد، باعتباره جسد الخطية!!
إن الكتاب يقول لنا: "قَبْلَ الْكَسْرِ الْكِبْرِيَاءُ، وَقَبْلَ السُّقُوطِ تَشَامُخُ الرُّوحِ" (أم16: 18) ويحدثنا أيضًا عن "تَكَبُّرِ الرُّوحِ" (جا7: 8). وقيل عن نبوخذ نصر الملك إنه "ارْتَفَعَ قَلْبُهُ وَقَسَتْ رُوحُهُ" (دا5: 20). ويقول الكتاب: "طُولُ الرُّوحِ خَيْرٌ مِنْ تَكَبُّرِ الرُّوحِ. لاَ تُسْرِعْ بِرُوحِكَ إِلَى الْغَضَبِ، لأَنَّ الْغَضَبَ يَسْتَقِرُّ فِي حِضْنِ الْجُهَّالِ" (جا7: 9) وقال الله عن الجيل الزائغ المتمرد إنه: "وَلَمْ تَكُنْ رُوحُهُ أَمِينَةً للهِ" (مز78: 8) ولأهمية الروح وعملها وإمكانية سقوطها قال الكتاب: "مَالِكُ رُوحِهِ خَيْرٌ مِمَّنْ يَأْخُذُ مَدِينَةً" (أم16: 32).
لماذا إذًا الكلام عن الخلاص فقط من جسد الخطية؟ بينما المطلوب هو الخلاص من الخطية جسدًا وروحًا..
3- لعل التركيز على (جسد الخطية) هو الظن بأن التخلص من هذا الجسد المادي يتم في لحظة!!
ولعل حجة هؤلاء هي قول الرسول: "هُوَذَا سِرٌّ أَقُولُهُ لَكُمْ: لاَ نَرْقُدُ كُلُّنَا، وَلكِنَّنَا كُلَّنَا نَتَغَيَّرُ. فِي لَحْظَةٍ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ، عِنْدَ الْبُوقِ الأَخِيرِ. فَإِنَّهُ سَيُبَوَّقُ، فَيُقَامُ الأَمْوَاتُ عَدِيمِي فَسَادٍ، وَنَحْنُ نَتَغَيَّرُ. لأَنَّ هذَا الْفَاسِدَ لاَ بُدَّ أَنْ يَلْبَسَ عَدَمَ فَسَادٍ، وَهذَا الْمَائِتَ يَلْبَسُ عَدَمَ مَوْتٍ" (1كو15: 51- 53).
الواقع إن الذي يتم في لحظة، هو عملية الاختطاف، وما يتتبعها من تغير عند البوق الأخير، في يوم القيامة:
يقول الرسول: "إِنَّنَا نَحْنُ الأَحْيَاءَ الْبَاقِينَ إِلَى مَجِيءِ الرَّبِّ، لاَ نَسْبِقُ الرَّاقِدِينَ. لأَنَّ الرَّبّ نَفْسَهُ بِهُتَافٍ، بِصَوْتِ رَئِيسِ مَلاَئِكَةٍ وَبُوقِ اللهِ، سَوْفَ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَمْوَاتُ فِي الْمَسِيحِ سَيَقُومُونَ أَوَّلًا.. ثُمَّ نَحْنُ الأَحْيَاءَ الْبَاقِينَ سَنُخْطَفُ جَمِيعًا مَعَهُمْ فِي السُّحُبِ لِمُلاَقَاةِ الرَّبِّ فِي الْهَوَاءِ، وَهكَذَا نَكُونُ كُلَّ حِينٍ مَعَ الرَّبِّ" (1تس4: 15- 17).
هؤلاء الذين يبقون أحياء إلى مجيء الرب، ويخطفون معه إلى السحاب. تتغير أجسادهم في لحظة إلى أجساد روحانية.
وذلك لكي يمكنهم أن يلاقوا الرب في الهواء، ويأخذهم معه على السحاب، ويكونوا معه كل حين. ولا يجوز هذا للأجساد المادية. كما أنهم بهذا التغير يصيرون مثل باقي البشر الذين قاموا من الأموات بأجساد روحانية (1كو15: 44، 53).
وطبعًا كاتب نبذة (مراحل الخلاص) لم يكتبها لهؤلاء الباقين إلى مجيء الرب، الذين سيخطفون لملاقاة الرب في الهواء!!
أما الذين يموتون الآن، ويقومون في اليوم الأخير، وكذلك الذين ماتوا قبلنا.. كلهم لا ينطبق عليهم الخلاص من الجسد المادي في لحظة... فلماذا؟
ذلك لأن هذا الموضوع، ينقسم إلى مرحلتين بينهما مسافة:
أ) المرحلة الأولى، وهي خلع الجسد المادي، بالموت.
بـ) المرحلة الثانية، وهي لبس الجسد الروحاني، في القيامة.
وبين المرحلتين مدى زمني، ربما يكون آلاف أو مئات السنين، وليس لحظة! لأن لحظة التخلص من الجسد المادي بالموت، ليست هي لحظة التمجيد الذي يقصدونه، وليست وسيلتها مجيء المسيح، وليس شاهدها (1كو15: 52) أو (في3: 21) فكل هذا عن تغيير الجسد في يوم القيامة.
وواضح أنه ليست بيننا وبين القيامة لحظة.
فالمسافة بين الموت والقيامة طويلة جدًا. ولأن المسافة طويلة، فإن الخليقة كلها تئن منتظرة. وفي هذا يقول الرسول:
"فَإِنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ الْخَلِيقَةِ تَئِنُّ وَتَتَمَخَّضُ مَعًا إِلَى الآنَ.. وَلَيْسَ هكَذَا فَقَطْ، بَلْ نَحْنُ الَّذِينَ لَنَا بَاكُورَةُ الرُّوحِ، نَحْنُ أَنْفُسُنَا أَيْضًا نَئِنُّ فِي أَنْفُسِنَا، مُتَوَقِّعِينَ التَّبَنِّيَ فِدَاءَ أَجْسَادِنَا.. لأَنَّنَا بِالرَّجَاءِ خَلَصْنَا. وَلكِنَّ الرَّجَاءَ الْمَنْظُورَ لَيْسَ رَجَاءً، لأَنَّ مَا يَنْظُرُهُ أَحَدٌ كَيْفَ يَرْجُوهُ أَيْضًا؟ وَلكِنْ إِنْ كُنَّا نَرْجُو مَا لَسْنَا نَنْظُرُهُ فَإِنَّنَا نَتَوَقَّعُهُ بِالصَّبْرِ" (رو8: 22- 25).
هذا الذي ننظره ونتوقعه، بالصبر والرجاء، لا يمكن أن تنطبق عليه عبارة لحظة. فما أطول المسافة بين خلعنا لهذا الجسد، ولبسنا الجسد الروحاني النوراني...
ومن هنا يكون وصول الإنسان إلى مرحلة (التمجيد) التي يقصدونها لا يتم لقارئ النبذة أو لغيره في لحظة.
ننتقل إلى قاعدة عامة نطبقها على ما ورد في نبذة (مراحل الخلاص) وهي:
خطورة التحديدات
هذه التحديدات الموجودة في (مراحل الخلاص) تحديدات غير مقبولة لاهوتيًا، والصيغات السجعية واللغوية ليست هي المقياس اللاهوتي السليم...
فمثلًا تحديد الخلاص من عقوبة الخطية بأنه خلاص نلناه، في الماضي تعبير خاطئ، لأننا أيضًا نحياه ونترجاه.
فنحن نحياه، عن طريق التوبة المستمرة، وما يصحبها من مغفرة وخلاص من العقوبة. كما إننا نترجى هذا الخلاص في المستقبل، حينما نقف أمام الله في يوم الدينونة الرهيب، راجين أن نسمع منه عبارات المغفرة والخلاص. وإلاَّ فما معنى "يوم الدينونة" الذي سيجازي فيه الرب كل واحد حسب أعماله؟ (مت16: 27، رؤ22: 12).
2- والخلاص من سلطان الخطية، أمر يختصّ أيضًا بالماضي والحاضر والمستقبل. ومن الصعب تحديده بالحاضر فقط.
فمهما كان الخلاص الذي نحياه حاليًا من جهة سلطان الخطية، فهو لا يقاس إطلاقًا بما نترجاه في الأبدية، حيث نحيا في البر والقداسة والنقاوة، بلا صراع، بلا جهاد، إذ ننال إكليل البر (2تي4: 8) ولا تكون خطية فيما بعد "لأَنَّ الأُمُورَ الأُولَى قَدْ مَضَتْ" (رؤ21: 4).
ولا يكون في الأبدية أي سلطان للشيطان ولا أعوانه في محاربة المؤمنين، ولا أي ضعف فيهم يستسلم لأية حروب داخلية أو خارجية، بل تنتهي الحرب تمامًا.
إذًا الخلاص من سلطان الخطية ليس خاصًا بالحاضر فقط، بمعنى أننا نحياه الآن. إننا سنحياه أيضًا في المستقبل. لذلك نحن في صراعنا الحالي، نترجى هذه الحالة الروحية السامية.
إن الذي ينكر الخلاص من بعض سلطان الخطية في الماضي، إنما ينكر عقيديًا بعض مفاعيل المعمودية في تجديد الطبيعة.
حقًا إننا ما نزال نحارب. ولكن مقاومتنا بعد المعمودية أقوى بكثير من حالتنا قبلها ولذلك يقول بولس الرسول: "إِنَّ خَلاَصَنَا الآنَ أَقْرَبُ مِمَّا كَانَ حِينَ آمَنَّا" (رو13: 11).
كذلك الخلاص من سلطان الخطية، نلنا منه شيئًا في الماضي، حينما دخلنا بالمعمودية في جدة الحياة، في نعمة التجديد، أعني تجديد الطبيعة، هذه التي قال عنها القديس بولس الرسول: "عَالِمِينَ هذَا: أَنَّ إِنْسَانَنَا الْعَتِيقَ قَدْ صُلِبَ مَعَهُ لِيُبْطَلَ جَسَدُ الْخَطِيَّةِ، كَيْ لاَ نَعُودَ نُسْتَعْبَدُ أَيْضًا لِلْخَطِيَّةِ" (رو6: 4، 6).
3- كذلك الخلاص الذي نترجاه، ذكرنا من قبل أن حصره في الخلاص من الجسد المادي، هو تحديد خاطئ...
4- إن القضايا اللاهوتية تحتاج إلى دقة كبيرة في التعبير.
مجرد تغيير كلمة بكلمة، قد يؤدي إلى خطأ لاهوتي، أو إلى بدعة. والتقيد في المسائل اللاهوتية بالتعبير السجعي، قد تكون له خطورة كبيرة.
5- كذلك تعبير "لحظة" له أخطاؤه لاهوتيًا ولغويًا. ومن الصعب لغويًا أن نطلق كلمة لحظة على مرحلة!
كيف يمكن لإنسان أن يتحدث عن (مراحل) الخلاص، فيقول إنها ثلاث مراحل: المرحلة الأولى منها لحظة، والمرحلة الأخيرة منها لحظة، والمرحلة الوسطى هي مسيرة العمر. والمراحل الثلاث توضع تحت عنوان "الخلاص في لحظة"؟!
وفي هذه المراحل ينسى الكاتب كل الخطوات الطويلة التي كانت ممهدة لها. فإن كانت المرحلة الأولى التي يسمونها التبرير تعتمد على الإيمان، فهل يمكن تجاهل كل الخطوات التي أوصلت الإنسان إلى الإيمان، كخدمة الكلمة، وعمل القلب، وصراع الروح للاستجابة.
وحتى المرحلة الأولى التي يقولون إنها خلاص نلناه في لحظة، بالإيمان الواعي، والتوبة القلبية، وبالمعمودية، نسألهم فيها:
أية لحظة تقصدون؟!
أهي لحظة خاصة بالإيمان؟ أم بالتوبة؟ أم بالمعمودية؟
لا المعمودية تتم في لحظة، ولا التوبة، ولا الإيمان! فكيف يمكن أن تشمل الكل معًا في لحظة؟!!!
6- بقى في النبذة موضوع خاص بمعمودية الأطفال. تعليقنا عليه، في الفصل الخامس بالمعمودية.
الخلاص هو قصة العُمر كله
الخلاص هو قصة العُمر كله
الخلاص بالإيمان والتوبة والمعمودية
1- أنت يا أخي، كنت في صُلب آدم، حينما أخطأ، وحينما عوقب، وحينما دخل الموت إليه. فورثت عنه كل هذا، وتلقيت معه حكم الموت، كجزء منه ودخلت الخطيئة إلى طبيعتك، وفقدت صورتك الإلهية.
وأصبحت في حاجة إلى الخلاص من هذه الخطية الأصلية الجدية، ومن كل نتاجها وعقوباتها.
هذه التي قال عنها الرسول: "بِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ دَخَلَتِ الْخَطِيَّةُ إِلَى الْعَالَمِ، وَبِالْخَطِيَّةِ الْمَوْتُ، وَهكَذَا اجْتَازَ الْمَوْتُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ، إِذْ أَخْطَأَ الْجَمِيعُ" (رو5: 12) فكيف إذًا نلت الخلاص من هذه الخطية؟
2- تبدأ قصة الخلاص في حياة كل إنسان بالإيمان والتوبة والمعمودية. وذلك حسب قول السيد المسيح: "مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ" (مر16: 16) وحسب قول القديس بطرس الرسول لليهود في يوم الخمسين: "تُوبُوا وَلْيَعْتَمِدْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عَلَى اسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ لِغُفْرَانِ الْخَطَايَا.." (أع2: 38).
وهذه الخطايا تشمل الخطية الأصلية، وجميع الخطايا الفعلية التي ارتكبها الإنسان قبل المعمودية.
3- في المعمودية ننال خلاصًا وغفرانًا، وغسلًا لخطايانا، وتجديدًا.
فيها نُدفن مع المسيح (كو2: 12) نموت معه، لنقوم معه، ونحن في جدة الحياة (رو6: 4) "عَالِمِينَ هذَا: أَنَّ إِنْسَانَنَا الْعَتِيقَ قَدْ صُلِبَ مَعَهُ لِيُبْطَلَ جَسَدُ الْخَطِيَّةِ، كَيْ لاَ نَعُودَ نُسْتَعْبَدُ أَيْضًا لِلْخَطِيَّةِ" (رو6: 6).
لقد صرنا في المعمودية أولادًا لله، وصرنا أعضاء في جسد المسيح. بل أكثر من هذا يقول الرسول: "لأَنَّ كُلَّكُمُ الَّذِينَ اعْتَمَدْتُمْ بِالْمَسِيحِ قَدْ لَبِسْتُمُ الْمَسِيحَ" (غلا3: 27) لقد متنا مع المسيح وقمنا. مات إنساننا العتيق المحكوم عليه بالموت، وقام إنسان جديد على صورة الله...
4- ولكننا ما زلنا نخطئ بعد المعمودية. المعمودية منحتنا تجديدًا في طبيعتنا، ولكنها لم تمنحنا عصمة. لقد صار المعتمد إنسانًا جديدًا، ولكنه إنسان حر، وبالحرية يمكن أن يخطئ.
نحن لا ننكر أننا نخطئ بعد المعمودية، ونخطئ كل يوم "إِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ لَيْسَ لَنَا خَطِيَّةٌ نُضِلُّ أَنْفُسَنَا وَلَيْسَ الْحَقُّ فِينَا" (1يو1: 8).
نعمة التجديد التي نلناها في المعمودية، لم تسلبنا نعمة الحرية التي لنا كصورة الله، هذه الحرية التي ترفع من قدر إنسانيتنا...
الطبيعة التي أخذناها من المعمودية، طبيعة نقية، ومع ذلك هي طبيعة قابلة للخطية. فهكذا كانت أيضًا طبيعة آدم قبل السقوط...
5- إننا لم ننل العصمة. لم ننل بعد إكليل البر، الذي يهبه لنا في ذلك اليوم الرب الديان العادل (2تي4: 8).
حقًا إننا نخطئ بعد المعمودية. ولكن لا شك أن هناك فرقًا بين مَن يخطئ قبل العماد وحياته في الشر، وبين مَن يخطئ بعد عماده، ويبكت من الروح القدس ومن ضميره. وتكون الخطية بالنسبة إليه شيئًا عارضًا، ترفضه روحه ويمكنه الانتصار عليه...
6- كذلك نحن في سر الميرون، سر المسحة المقدسة (1يو2: 20، 27)، يسكن فينا الروح القدس، نصير هياكل للروح القدس، وروح الله يسكن فينا (1كو3: 16).
ولكن الروح القدس الذي فينا، لا يرغمنا على الخير.
ولا يمنعنا من ارتكاب الخطية إجبارًا بالقوة. إنما يرشدنا ويقوينا، ويبكتنا على خطية. ونبقى كما نحن أحرارًا، يمكن أن نسقط في الخطية، إذا انحرفت إرادتنا الحرة.
وواضح أننا نخطئ بعد المعمودية، وبعد سكنى الروح القدس فينا. وهنا لا بد أن يعترضنا سؤال وهو:
7- هذه الخطايا التي نقع فيها بعد المعمودية: أليست لها عقوبة؟ ألاَّ تحتاج أيضًا إلى خلاص؟!
الكتاب صريح في هذا الأمر. إنه يقول: "أُجْرَةَ الْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ" (رو6: 23). كل خطية، بلا استثناء.. "لأَنَّهُ لاَ بُدَّ أَنَّنَا جَمِيعًا نُظْهَرُ أَمَامَ كُرْسِيِّ الْمَسِيحِ، لِيَنَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مَا كَانَ بِالْجَسَدِ بِحَسَبِ مَا صَنَعَ، خَيْرًا كَانَ أَمْ شَرًّا" (2كو5: 10). وقد قال السيد نفسه: "وَهَا أَنَا آتِي سَرِيعًا وَأُجْرَتِي مَعِي لأُجَازِيَ كُلَّ وَاحِدٍ كَمَا يَكُونُ عَمَلُهُ" (رؤ22: 12). وما دامت هناك عقوبة على كل خطية فعلية نرتكبها، إذًا لا بد من احتياج مستمر للخلاص. وكيف ذلك؟ نتدرج إلى: الخلاص بالتوبة والتناول
8- لعلك تقول: كل خطاياي قد حملها المسيح على الصليب
هنا وأقول لك: أية خطايا قد حملها المسيح عنك؟
بكل صراحة، يجب أن تعلم أن المسيح لا يحمل عنك إلاَّ الخطايا التي تتوب عنها. لأنه هو نفسه يقول: "إِنْ لَمْ تَتُوبُوا فَجَمِيعُكُمْ كَذلِكَ تَهْلِكُونَ" (لو13: 3، 5). والكتاب يقول في ذلك أيضًا "أَمْ تَسْتَهِينُ بِغِنَى لُطْفِهِ وَإِمْهَالِهِ وَطُولِ أَنَاتِهِ، غَيْرَ عَالِمٍ أَنَّ لُطْفَ اللهِ إِنَّمَا يَقْتَادُكَ إِلَى التَّوْبَةِ؟ وَلكِنَّكَ مِنْ أَجْلِ قَسَاوَتِكَ وَقَلْبِكَ غَيْرِ التَّائِبِ، تَذْخَرُ لِنَفْسِكَ غَضَبًا فِي يَوْمِ الْغَضَبِ وَاسْتِعْلاَنِ دَيْنُونَةِ اللهِ الْعَادِلَةِ، الَّذِي سَيُجَازِي كُلَّ وَاحِدٍ حَسَبَ أَعْمَالِهِ" (رو2: 4- 6).
9- إذًا هناك خلاص تناله أيضًا في التوبة...
والتوبة ليست عملًا يتم في لحظة، إنما هي تستمر معك طول حياتك، عن كل خطية ترتكبها في رحلة العمر الطويلة. وليست التوبة فقط، وإنما...
10- هناك خلاص تناله في التناول من جسد الرب ودمه:
إننا نقول في القداس الإلهي عن التناول: "يُعطىّ عنا خلاصًا وغفرانًا للخطايا وحياة أبدية لمَن يتناول منه".
ولعل هذا مأخوذ من وعود السيد المسيح التي قال فيها: "مَنْ يَأْكُلُ جَسَدِي وَيَشْرَبُ دَمِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ... مَنْ يَأْكُلْ جَسَدِي وَيَشْرَبْ دَمِي يَثْبُتْ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ" (يو6: 54، 56).
إذًا هناك خلاص نناله في المعمودية، وخلاص نناله في التوبة والتناول وما في التوبة من اعتراف بالخطايا.
لا نستطيع أن نقول إننا خلصنا حقًا، ما دمنا نخطئ، وما دامت عقوبة الخطية تترصدنا، وما دمنا نحتاج كل يوم إلى توبة... إنما نحن ننال خلاصًا في كل يوم بالتوبة، وتمحى خطايانا بالدم، ونخطئ مرة أخرى.
11- إننا نحيا على الأرض فترة اختبار. والإنسان لا يُختبر في لحظة، أو في فترة معينة من حياته. إنما حياته كلها - حتى يوم وفاته - هي فترة اختبار.
إن لحظات مقدسة في حياة الإنسان، لا يمكن أن تعبر عن حياته كلها، مهما كانت لحظات توبة، أو عمق الصلة مع الله في صلاة وتأمل وخدمة للآخرين! فحياة الإنسان فيها الكثير من التغير ومن التقلب.
القديس بطرس الرسول كان في لحظة ما في منتهى الحماس والتمسك بالرب حتى الموت، يقول له: "وَإِنْ شَكَّ الْجَمِيعُ فَأَنَا لاَ أَشُكُّ... وَلَوِ اضْطُرِرْتُ أَنْ أَمُوتَ مَعَكَ لاَ أُنْكِرُكَ!" (مر14: 29، 31)... وبعدها بساعات، سبّ ولعن، وقال لا أعرف الرجل، منكرًا المسيح ثلاث مرات (مت26: 74، 75).
إن كان رسول عظيم كهذا، تعرض إلى حرب روحية شديدة وسقط، فماذا تقول عن نفسك يا مَن تظن أنك خلصت؟!
إنك في حرب!
12- إنها حرب قائمة دائمة، تستمر معك طول الحياة...
وما دمت في حرب، كيف تعلن نتيجتها قبل انتهائها؟!
هذه الحرب يتحدث عنها القديس بولس الرسول فيقول: "فَإِنَّ مُصَارَعَتَنَا لَيْسَتْ مَعَ دَمٍ وَلَحْمٍ، بَلْ مَعَ .. مَعَ أَجْنَادِ الشَّرِّ الرُّوحِيَّةِ" (أف6: 12). وقال لنا عن هذه الحرب: "مِنْ أَجْلِ ذلِكَ احْمِلُوا سِلاَحَ اللهِ الْكَامِلَ لِكَيْ تَقْدِرُوا أَنْ تُقَاوِمُوا فِي الْيَوْمِ الشِّرِّيرِ، وَبَعْدَ أَنْ تُتَمِّمُوا كُلَّ شَيْءٍ أَنْ تَثْبُتُوا" (أف6: 13). وما أجمل تلخيص الرسول لأمور الحرب هنا:
حرب. سلاح. مقاومة. تتمموا كل شيء. تثبتوا ... ونحتاج في هذه الحرب إلى إطفاء جميع سهام الشرير الملتهبة (أف 6: 16).
والقديس بطرس الرسول يقول عن هذه الحرب: "اُصْحُوا وَاسْهَرُوا. لأَنَّ إِبْلِيسَ خَصْمَكُمْ كَأَسَدٍ زَائِرٍ، يَجُولُ مُلْتَمِسًا مَنْ يَبْتَلِعُهُ هُوَ. فَقَاوِمُوهُ، رَاسِخِينَ فِي الإِيمَانِ.." (1بط5: 8، 9) إذًا هو يكلّم مؤمنين، ومحاربين، ويحتاجون إلى صحو وسهر، ومقاومة لعدو شديد. والقديس بولس يريد أن نقاوم حَتَّى الدَّمِ، مُجَاهِدِينَ ضِدَّ الْخَطِيَّةِ (عب12: 4).
الحرب ما زالت مستمرة. ونتيجتها هي التي تقرر خلاصكم.
ولذلك فإن السيد المسيح يكرر عبارة "مَن يغلب..." سبع مرات في رسائله إلى الكنائس السبع التي في آسيا (رؤ2، 3). فهل تحسب نفسك من الغالبين، والحرب ما زالت مستمرة؟! انتظر إذًا حتى تنتهي هذه الحرب.
13- كثيرًا ما يخيل إليك أنك قد خلصت من الخطية، ثم ترجع إليها أو إلى غيرها مرة أخرى!
كثيرًا ما تظن أنك صرت صدِّيقًا بارًا، ثم ترى أن "الصِّدِّيقَ يَسْقُطُ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَيَقُومُ" (أم24: 16). وكيف يقوم؟ يقوم بعمل النعمة، وبخدم المصالحة من رجال الكهنوت (2كو5: 18، 20) وبسري التوبة والإفخارستيا، وبمعونة من الكنيسة في افتقادها ورعايتها...
وكثيرًا ما تحولك التوبة، ليس من خاطئ إلى تائب فحسب، بل من خاطئ إلى قديس ولكن هل تظن بهذا أنك قد وصلت؟! كلا، فإن الحرب ضد القديسين أخطر وأصعب!
أتراك صرت قديسًا، وظننت أنك قد خلصت؟! إذًا اسمع ما يقوله سفر الرؤيا عن الوحش: "وَأُعْطِيَ أَنْ يَصْنَعَ حَرْبًا مَعَ الْقِدِّيسِينَ وَيَغْلِبَهُمْ" (رؤ13: 7)... هؤلاء القديسون الذي غلبهم الوحش، ألاَّ يحتاجون إلى الخلاص؟!
14- ما أكثر صلوات القديسين طلبًا للخلاص...
وما أكثر صلواتنا اليومية التي نصليها بالمزامير طلبًا للخلاص. ونقول فيها: "اَللَّهُمَّ، بِاسْمِكَ خَلِّصْنِي" (مز 54) "انضح عليَّ بزوفاك فاخلص، اغْسِلْنِي فَأَبْيَضَّ أَكْثَرَ مِنَ الثَّلْجِ" (مز 51) "إلى متى أردد هذه المشورات في نفسي، وهذه الأوجاع في قلبي النهار كله؟ إلى متى يرتفع عدوى عليَّ" (مز 12).
15– فما دامت الحرب الروحية التي تهدد خلاصنا، هي طول الحياة كلها، إذًا فهذا الخلاص هو قصة الحياة كلها.
لاَ تَسْتَكْبِرْ بَلْ خَفْ!
16- يقول القديس بولس الرسول: "لاَ تَسْتَكْبِرْ بَلْ خَفْ! لأَنَّهُ إِنْ كَانَ اللهُ لَمْ يُشْفِقْ عَلَى الأَغْصَانِ الطَّبِيعِيَّةِ فَلَعَلَّهُ لاَ يُشْفِقُ عَلَيْكَ أَيْضًا! فَهُوَذَا لُطْفُ اللهِ وَصَرَامَتُهُ: أَمَّا الصَّرَامَةُ فَعَلَى الَّذِينَ سَقَطُوا، وَأَمَّا اللُّطْفُ فَلَكَ، إِنْ ثَبَتَّ فِي اللُّطْفِ، وَإِلاَّ فَأَنْتَ أَيْضًا سَتُقْطَعُ" (رو11: 20- 22).
إذًا هناك احتمال أنك لا تثبت، وحينئذ تُقطع. فلذلك لا تستكبر وتظن أنك قد خلصت وانتهى الأمر.
بل خَفْ. المتضعون يسلكون بهذه المخافة. أما المتكبرون فيفتخرون باطلًا بأنهم خلصوا، وضمنوا الخلاص إلى الأبد. وبهذا الافتخار تزول المخافة من قلوبهم. وبالتالي يزول الحرص، وتتخلى عنهم النعمة بسبب الكبرياء فيسقطون. ويبطلون وصية الرسول القائل:
17- "تَمِّمُوا خَلاَصَكُمْ بِخَوْفٍ وَرِعْدَةٍ" (في2: 12).
ومعنى هذا أن الخلاص الذي نلناه في المعمودية من الخطية الأصلية والخطايا السابقة للمعمودية، وهو خلاص يحتاج إلى تتميم.
وهو تتميم يشمل الحياة كلها، ولا يتم في لحظة.
18- إنه لم يتوقف على القبول والإيمان، ولا على التوبة والمعمودية، وإنما يحتاج إلى ثمر الإيمان (يو15: 5، 6) وإلى ثمار تليق بالتوبة (مت3: 8) ويلزمه في كل ذلك عمل النعمة، وشركة الروح القدس (2كو13: 14). ومحبة الله، والثبات في هذه المحبة (يو15: 9). والجهاد (2تي2: 5، عب12: 1). والمصارعة مع الشيطان (أف6: 12) والمقاومة حتى الدم (عب12: 4). كما تلزم فاعلية الأسرار وهي كثيرة...
ويلزم أيضًا الخوف: الخوف من السقوط، ومن الدينونة..
19- ويقول القديس ذهبي الفم عن الخوف، في شرح (في2: 12):
[إن الرسول لم يقل فقط "بخوف" وإنما قال "ورعدة" وهي درجة أعلى بكثير من الخوف...
هذا الخوف كان عند القديس بولس نفسه. ولذلك قال: أنا أخاف "لئلا بَعْدَ مَا كَرَزْتُ لِلآخَرِينَ لاَ أَصِيرُ أَنَا نَفْسِي مَرْفُوضًا" (1كو9: 27).
لأنه إن كان بدون الخوف لا تتم بعض الأمور الزمنية، فكم بالأولى الأمور الروحية. لأنه حيثما توجد حرب بمثل هذا العنف، وحيثما توجد هذه العوائق العظيمة، كيف يمكن أن توجد إمكانية للخلاص بدون خوف؟!]..
ويستطرد القديس يوحنا ذهبي الفم فيقول:
[أنت قد آمنت، وقمت بأعمال فاضلة. وقد ارتقيت إلى فوق. إذًا احترس لنفسك. كن في خوف حيثما تقف. ولتكن لك العين الحذرة، لئلا تسقط. لأنه ما أكثر أمور الشر الروحية التي تعمل على الإحاطة بك (أف6: 12)].
جميلة هذه النصيحة التي يقولها لنا القديس ذهبي الفم: إن عوائق كثيرة تعمل على الإحاطة بنا. لذلك ينبغي أن نتمم خلاصنا بخوف ورعدة.
20- تخاف لأنك لا تزال في الجسد، ولأن حروبًا كثيرة تحيط بك لإسقاطك، ولأنك مهدد بأنك ستُقطع إن لم تثبت. وتخاف بسبب ضعف طبيعتك وقوة أعدائك. كما أن الخوف يجلب لك الحرص والتدقيق والاتضاع، ويلصقك بالصلاة بالأكثر، لتنال معونة من فوق.
21- وقد أكد القديس بطرس الرسول ضرورة هذا الخوف بقوله: "وَإِنْ كُنْتُمْ تَدْعُونَ أَبًا الَّذِي يَحْكُمُ بِغَيْرِ مُحَابَاةٍ حَسَبَ عَمَلِ كُلِّ وَاحِدٍ، فَسِيرُوا زَمَانَ غُرْبَتِكُمْ بِخَوْفٍ" (1بط1: 17).
نعم نسير بخوف، لئلا يفقد أحد إكليله (رؤ3: 11).. لئلا تمحى أسماؤنا من سفر الحياة (رؤ3: 5؛ خر32: 33)، لئلا تتزحزح منارتنا من مكانها (رؤ2: 5) لئلا نعمل مثل الغلاطيين: "نبدأ بالروح ونكمل بالجسد"! (غلا3: 3).
22- نخاف أيضًا، لأن الخلاص ليس سهلًا، فالرسول يقول:
"إِنْ كَانَ الْبَارُّ بِالْجَهْدِ يَخْلُصُ، فَالْفَاجِرُ وَالْخَاطِئُ أَيْنَ يَظْهَرَانِ" (1بط4: 18). والإنسان البار هو مؤمن طبعًا، لأن "الْبَارُّ فَبِالإِيمَانِ يَحْيَا" (عب10: 38). فإن كان هذا المؤمن البار، بالجهد يخلص، أفلا يخاف المؤمن العادي؟!
23- ذلك لأنه لو كان الخلاص يتم في لحظة، أو لو كان قد تم وانتهى الأمر، ما كان هناك داعٍ للخوف.
ولكن الكتاب يقول: "أَمَّا الْبَارُّ فَبِالإِيمَانِ يَحْيَا، وَإِنِ ارْتَدَّ لاَ تُسَرُّ بِهِ نَفْسِي" (عب10: 38). هناك إذًا احتمال أن يرتد المؤمن، ولا يسر به الله. حقًا إنه أمر يدعو للخوف...
24- أيقول أحد أن المؤمن قد خلص وضمن الخلاص؟! ماذا نقول إذًا عن هذا الذي يرتد بعد إيمانه؟!
وقصص الارتداد عن الإيمان كثيرة في الكتاب.. وقد شرحنا هذه النقطة بالتفصيل في كتابنا "الخلاص في المفهوم الأرثوذكسي" فلا داعي للاستفاضة فيها هنا. إنما نقول: ما دام هناك خوف من الارتداد، إذًا "سِيرُوا زَمَانَ غُرْبَتِكُمْ بِخَوْفٍ" كما يقول الرسول (1بط1: 17).
زمان غربتكم
25- حينما قال الرسول: "سِيرُوا زَمَانَ غُرْبَتِكُمْ بِخَوْفٍ" (1بط1: 17)، كان يقصد طبعًا طول مدة غربتنا على الأرض، يرافقنا الحرص فيها طلبًا للخلاص. ولهذا فإن الكنيسة كانت باستمرار تهتم كيف فارق الإنسان هذا العالم، وليس كيف بدأ حياته. ولذلك يقول القديس بولس الرسول عن الأمثلة التي نقتدي بها:
"انْظُرُوا إِلَى نِهَايَةِ سِيرَتِهِمْ فَتَمَثَّلُوا بِإِيمَانِهِمْ" (عب13: 7).
وماذا تعني عبارة "نهاية سيرتهم" إلاَّ أن الخلاص يشمل الحياة كلها حتى نهاية السيرة بحيث لا نستطيع أن نحكم قبل هذه النهاية، التي فيها هؤلاء القديسون "كملوا في الإيمان".
26- فالخلاص ليس هو مجرد البدء، إنما الاستمرارية حتى النهاية.
ليس هو انتقالك من الموت إلى الحياة، إنما استمرارك في الحياة. فقد تبدأ بالروح وتكمل بالجسد، كما فعل الغلاطيون الأغبياء (غل3: 3).
ليس الخلاص في أن تصير قديسًا، إنما الخلاص هو أن تستمر في القداسة، حتى تسلم وديعتك بسلام وتنتقل إلى الرب.
27- هوذا بولس الرسول يقدم لنا أهل أفسس كمثال:
إنه يكتب رسالته إلى "الْقِدِّيسِينَ الَّذِينَ فِي أَفَسُسَ" (1: 1) ومع ذلك يطلب إليهم أن يسلكوا كما يليق بالدعوة التي دعوا إليها (4: 1)، وأن يسلكوا بالتدقيق، لا كجهلاء بل كحكماء (5: 15). وشرح لهم حروب الشياطين (6: 10- 18). وقال لهؤلاء القديسين "الْبَسُوا سِلاَحَ اللهِ الْكَامِلَ لِكَيْ تَقْدِرُوا أَنْ تَثْبُتُوا ضِدَّ مَكَايِدِ إِبْلِيسَ" (6: 11).
بل ما أعجب قول بولس الرسول إلى قديسي أفسس، وهو يحذرهم من الوقوع في الزنا والنجاسة والطمع وكلام السفاهة.
فيقول: "وَأَمَّا الزِّنَا وَكُلُّ نَجَاسَةٍ أَوْ طَمَعٍ فَلاَ يُسَمَّ بَيْنَكُمْ كَمَا يَلِيقُ بِقِدِّيسِينَ، وَلاَ الْقَبَاحَةُ، وَلاَ كَلاَمُ السَّفَاهَةِ" (5: 3- 7). أكان هناك خوف على هؤلاء القديسين أيضًا "لأَنَّهُ بِسَبَبِ هذِهِ الأُمُورِ يَأْتِي غَضَبُ اللهِ عَلَى أَبْنَاءِ الْمَعْصِيَةِ، فَلاَ تَكُونُوا شُرَكَاءَهُمْ" (أف5: 6، 7).
إذًا فالقديسون يحتاجون إلى سلاح وإلى حرب، وإلى ثبات، حتى يعلن الله خلاصهم في اليوم الأخير (1بط1: 5).
28- فهل يجرؤ إنسان إذًا أن يسأل غيره قبل الوقت، ويقول له: "هل خلصت يا أخ؟". إن كان قد خلص، وخلص في لحظة سجلها في مفكرته، فما معنى الجهاد إذًا مدى الحياة؟ وما معنى الحرب التي يتعرض لها القديسون؟ وما معنى أن بعض القديسين سيغلبهم الوحش (رؤ 13)؟ وما معنى سقوط ثلاثة من ملائكة الكنائس السبع (رؤ2، 3)؟ وما معنى حاجة المؤمنين إلى سلاح الله الكامل لكي يقدروا أن يثبتوا ضد مكائد إبليس (أف 6)؟!
إن شعر أحد في لحظة أنه قد تخلّص من محبة الخطية، فليتضع هذا الشخص ولينسحق فربما تعود إليه الخطية مرة أخرى، وبصورة أشد وأبشع!
إن الشيطان ليس نائمًا، ولم يسلّم سلاحه بعد. بل على العكس هو ما زال يجول كأسد يزأر (1بط5: 8، 9). لذلك حياة القديسين هي حياة جهاد طوال "زمان غربتهم" على الأرض... حتى بولس الرسول نفسه، الذي صعد إلى السماء الثالثة وسمع كلمات لا ينطق بها (2كو12: 2، 4).
29- بولس الرسول العظيم يقول: "أَقْمَعُ جَسَدِي وَأَسْتَعْبِدُهُ، حَتَّى بَعْدَ مَا كَرَزْتُ لِلآخَرِينَ لاَ أَصِيرُ أَنَا نَفْسِي مَرْفُوضًا" (1كو9: 27)!
هذا القديس المتواضع، لم يقل أنا خلصت في لحظة، كما يقولها بكل جرأة أحد الشبان في أيامنا! بل إنه يقول بكل اتضاع: "أَسْعَى نَحْوَ الْغَرَضِ لأَجْلِ جَعَالَةِ دَعْوَةِ اللهِ الْعُلْيَا"، "أَسْعَى لَعَلِّي أُدْرِكُ الَّذِي لأَجْلِهِ أَدْرَكَنِي أَيْضًا الْمَسِيحُ يَسُوعُ" (في3: 14، 12).
30- ولا يقول هذا الكلام عن نفسه فقط، بل يضعه كقاعدة أمامنا، بل أمام الكاملين منا فيقول: "فَلْيَفْتَكِرْ هذَا جَمِيعُ الْكَامِلِينَ مِنَّا... فَلْنَسْلُكْ بِحَسَبِ ذلِكَ الْقَانُونِ عَيْنِهِ، وَنَفْتَكِرْ ذلِكَ عَيْنَهُ" (في3: 15، 16).
إذًا يا مَن تظن أنك نلت الخلاص في لحظة، انتظر قليلًا ولا تتسرع... ربما تكون لحظة من النعمة قد مرت بك، فأحسست شيئًا روحيًا داخلك. وظننت أن نعمة تلك اللحظة قد صارت لك بيعة الحياة كلها إذًا "لاَ تَسْتَكْبِرْ بَلْ خَفْ!" (رو11: 20). وأمامك مثال:
31- القديس تيموثاوس، تلميذ بولس الرسول، كمثال في الخلاص:
كان هذا القديس من رجال الإيمان المعروفين. وقد تربى تربية صالحة على يدي أمه وجدته (2تي1: 5) وكان منذ طفولته يعرف الكتب المقدسة (2تي3: 15). وقد صار بعد إيمانه أحد أساقفة الكنيسة، وصار مساعدًا لبولس الرسول في كرازته الواسعة. ولقد قال عنه القديس بولس في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس: "لأَنَّهُ يَعْمَلُ عَمَلَ الرَّبِّ كَمَا أَنَا أَيْضًا" (1كو16: 10).
ومع كل ذلك، يقول له معلمه بولس:
"لاَحِظْ نَفْسَكَ وَالتَّعْلِيمَ وَدَاوِمْ عَلَى ذلِكَ، لأَنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ هذَا، تُخَلِّصُ نَفْسَكَ وَالَّذِينَ يَسْمَعُونَكَ أَيْضًا" (1تي4: 16).
إذًا القديس تيموثاوس الأسقف والمبشر والمعلم ومساعد بولس الرسول، الذي يعمل عمل الرب كما هو أيضًا.. تيموثاوس رجل الإيمان، كان محتاجًا إلى الخلاص، وكان محتاجًا أن يلاحظ نفسه لكي يخلص.. وهذه الملاحظة للنفس كانت لا بد أن تستمر على الدوام.
وقد جعل الرسول خلاص هذا القديس الأسقف مشروطًا بشرط: إن فعلت هذا تخلّص نفسك. إن لاحظت نفسك والتعليم وداومت على ذلك.
مَن يصبر إلى المنتهى
32- ما دام موضوع الخلاص هو قصة العمر كله، إذًا علينا أن نجاهد باستمرار، ونصبر على حروب العدو وهجماته.. وما هي حدود هذا الصبر؟ يقول السيد الرب:
"الَّذِي يَصْبِرُ إِلَى الْمُنْتَهَى فَهذَا يَخْلُصُ" (مت10: 22)
وعبارة الصبر إلى المنتهى لكي يخلص الإنسان، تعني أن الخلاص لا يتم في لحظة. وتعني أن الصبر ليس له مدى محدود، وإنما إلى المنتهى، أي إلى "نهاية سيرتهم". لأنه يحدث أحيانًا أن تبرد محبة الكثيرين (مت24: 12)، ولا نستطيع أن نحصى عدد الذين يتركون محبتهم الأولى (رؤ2: 4)، ويحتاجون إلى توبة.
33- إن الإكليل لم يأتِ موعده بعد، ففترة اختبارنا لا تزال قائمة. وسنظل في هذا الاختبار مدى الحياة. وقد قال الرب: "كُنْ أَمِينًا إِلَى الْمَوْتِ فَسَأُعْطِيكَ إِكْلِيلَ الْحَيَاةِ" (رؤ2: 10) وعبارة "إلى الموت" لا تنطبق عليها كلمة لحظة. وهذه الأمانة "إلى الموت" شرط لنوال إكليل الحياة.
34- وقد وعد بمنح الأكاليل لمَن يغلب. والغلبة لا تحدد الآن. فطالما نحن في حرب، لا تستطيع أن تقول إنك خلصت. وإنما "لما تنتهي الحرب نكلل"، كما يقال في الترتيلة. ومتى تنتهي الحرب؟ تنتهي بانتهاء الحياة على الأرض.
35- لا تحكم قبل الوقت. ولا تحكم باللحظات، فاللحظات تتغير. ربما ما تناله في لحظة، تفقده في لحظة أخرى! وما أخطر التغير الذي شرحه الوحي الإلهي بقوله: "مُدَّةَ كُلِّ أَيَّامِ الأَرْضِ .. وَبَرْدٌ وَحَرٌّ، وَصَيْفٌ وَشِتَاءٌ، وَنَهَارٌ وَلَيْلٌ، لاَ تَزَالُ" (تك8: 22). ليتك إذًا تصلي لكي لا يكون هربك في شتاء (مت24: 20).
لا تقل إذًا: "إني خلصت في اليوم الفلاني"، محددًا الساعة والدقيقة! بل الأفضل أن تصلي، لكي يديم الله عليك خلاصه حتى المنتهى، إلى نهاية سيرتك.
36- لا يكفي أن تبدأ، إنما يجب أن تثبت وتستمر:
فالرسول يقول: "وَأَمَّا اللُّطْفُ فَلَكَ، إِنْ ثَبَتَّ فِي اللُّطْفِ، وَإِلاَّ فَأَنْتَ أَيْضًا سَتُقْطَعُ" (رو11: 22). وهذا الثبات الذي يطلبه الرسول، لا تحكم عليه لحظة، إنما هو قصة الحياة كلها.
أنت تبت في لحظة (فرضًا)؟! هذا حسن جدًا. ولكنك لن تخلص، إلاَّ إذا ثبتّ في التوبة. والزمن يحكم على هذا الثبات.
حياتك تغيرت في لحظة؟! حسن جدًا، ولكنك لن تخلص إلاَّ إذا احتفظت بهذا التغير إلى أفضل، حتى المنتهى.
37- مرت عليك لحظات مصيرية، عرفت فيها الله، أدركت فيها فناء العالم هذا حسن ورائع، وإنما المهم أن تثبت. واللحظات لا يمكن أن تحكم على ثباتك!
أتراك تحولت من خاطئ إلى قديس؟! حسن جدًا.. ولكن الخلاص هو أن تثبت في هذه القداسة طول حياتك. وتسلك كما يليق بالدعوة التي دعيت إليها، حسبما نصح الرسول قديسي أفسس (أف4: 1 - 3).
وحتى إن كنت قد نلت خلاصًا بعمل الرب معك، وبجهاد طويل وليس في لحظة، وبممارسة أسرار الكنيسة وكل وسائط النعمة.. انصت إلى قول الرسول: "تَمِّمُوا خَلاَصَكُمْ بِخَوْفٍ وَرِعْدَةٍ" (في2: 12).
إن هذا الخلاص هو قصة العمر كله...
خلاص في اليوم الأخير
38- إعلان الخلاص ليس عملك، حتى تقول: "أنا خلصت" أو تقول عن غيرك "خلص فلان" إنه عمل الله.
الله هو الذي يعلن الخلاص، لأنه الديان العادل. يقول في اليوم الأخير: "تَعَالَوْا يَا مُبَارَكِي أَبِي، رِثُوا الْمَلَكُوتَ الْمُعَدَّ لَكُمْ مُنْذُ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ" (مت25: 34) أو يقول: "اذْهَبُوا عَنِّي يَا مَلاَعِينُ إِلَى النَّارِ الأَبَدِيَّةِ الْمُعَدَّةِ لإِبْلِيسَ وَمَلاَئِكَتِهِ" (مت25: 41). هو الذي يجلس على كرسي مجده، ويفرز الخراف من الجداء، والقمح من الزوان.. يقول الرسول: "أَنْتُمُ الَّذِينَ بِقُوَّةِ اللهِ مَحْرُوسُونَ، بِإِيمَانٍ، لِخَلاَصٍ مُسْتَعَدٍّ أَنْ يُعْلَنَ فِي الزَّمَانِ الأَخِيرِ" (1بط1: 5).
39– وما دام لم يُعلن، وإعلانه من فم الله وحده، إذًا فلا نسبق الوقت، ولا نُعلن حكم الله المنتظر. الإعلان سيكون في يوم الرب، في اليوم الأخير. ولذلك قال الرسول في عقوبته لخاطئ كورنثوس: "لِكَيْ تَخْلُصَ الرُّوحُ فِي يَوْمِ الرَّبِّ يَسُوعَ" (1كو5: 5).
ولم يقل الآن.. إنه خلاص "يُعلن في اليوم الأخير". وحتى الأكاليل التي ننالها في هذا الخلاص، قال الرسول: "وَأَخِيرًا قَدْ وُضِعَ لِي إِكْلِيلُ الْبِرِّ، الَّذِي يَهَبُهُ لِي فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، الرَّبُّ الدَّيَّانُ الْعَادِلُ، وَلَيْسَ لِي فَقَطْ، بَلْ لِجَمِيعِ الَّذِينَ يُحِبُّونَ ظُهُورَهُ أَيْضًا" (2تي4: 8).
هل أنت إذًا قد خلصت، أم تنتظر ذلك اليوم، وتنتظر الإعلان أو الحكم من فم الديان العادل؟
وذلك بعد أن تغلب، وبعد أن تنتهي الحرب..
أنت إذًا طول عمرك تسعى للخلاص لكي تناله. وفي هذا نرى أن القديس بولس الرسول العظيم، رجل الرؤى والمعجزات، الذي صعد إلى السماء الثالثة، والذي تعب أكثر من جميع الرسل.. هذا الرسول العظيم يقول: "أَسْعَى لَعَلِّي أُدْرِكُ الَّذِي لأَجْلِهِ أَدْرَكَنِي أَيْضًا الْمَسِيحُ يَسُوعُ" (في3: 12).
إذًا حياتنا في الأرض هي حياة سعي لكي ندرك. ويستمر هذا السعي - بجهاد - مرير طول العمر. ومتى ينتهي هذا السعي؟ ينتهي عند الموت. ولذلك فإن القديس بولس الرسول لم يستطع أن يقول: "جَاهَدْتُ الْجِهَادَ الْحَسَنَ، أَكْمَلْتُ السَّعْيَ" (2تي4: 7)، إلاَّ بعد أن قال قبلها مباشرة: "أَنَا الآنَ أُسْكَبُ سَكِيبًا، وَوَقْتُ انْحِلاَلِي قَدْ حَضَرَ" (2تي4: 7، 6).
أخشى إن قلت "أنا خلصت" أو "إني واثق"... تهمل نفسك وتقع في اللامبالاة. لأنه لماذا الجهاد ما دمت قد ضمنت كل شيء؟!
تذكر باستمرار قول الرسول: "إِذًا مَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ قَائِمٌ، فَلْيَنْظُرْ أَنْ لاَ يَسْقُطَ" (1كو10: 12).
اعتراضات.. والردّ عليها
1) المغفرة بالدم وحده
اعتراض .. والرد عليَه
يقولون: التوبة لا تغفر الخطايا، فهي محدودة، والخطية غير محدودة. والمعمودية لا تغفر الخطايا. إنما مغفرة الخطايا هي بدم المسيح وحده.
ونحن لا ننكر إطلاقًا أن المغفرة هي بالدم، حسب تعليم الكتاب "وَبِدُونِ سَفْكِ دَمٍ لاَ تَحْصُلُ مَغْفِرَةٌ!" (عب9: 22). ولكن هذه المغفرة التي قدمها الدم، نحصل عليها نحن بالمعمودية والتوبة. وهذا هو تعليم الكتاب نفسه وليس رأيًا خاصًا لأحد.
وفي هذا قال القديس بطرس لليهود في يوم الخمسين: "تُوبُوا وَلْيَعْتَمِدْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عَلَى اسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ لِغُفْرَانِ الْخَطَايَا" (أع2: 38).
ومن جهة التوبة، فقد قال عنها السيد المسيح نفسه: "إِنْ لَمْ تَتُوبُوا فَجَمِيعُكُمْ كَذلِكَ تَهْلِكُونَ" (لو13: 3، 5). وقال الآباء الرسل في موضوع قبول الأمم: "إِذًا أَعْطَى اللهُ الأُمَمَ أَيْضًا التَّوْبَةَ لِلْحَيَاةِ" (أع11: 18).
حقًا إن التوبة محدودة، والمعمودية محدودة. ولكنهما تعطيان الاستحقاق لكفارة الدم غير المحدودة.
وكما أن الآباء الرسل ربطوا بين التوبة والحياة (أع11: 18) كذلك السيد المسيح ربط بين المعمودية والخلاص بقوله: "مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ" (مر16: 16). إننا لا نفصل بين الدم، والتوبة والمعمودية.
فهما مبنيتان على الدم. وبدون الدم لا مفعول لهما. ولكنهما صكان يصرفان من استحقاقات الدم. وهما اللذان يوصلان إلى استحقاق المغفرة التي قدمها الدم.
2) الخلاص قد تم
اعتراض.. والرد عليَه
يقولون: إن الخلاص قد تم على الصليب من دينونة الخطية إلى الأبد.
نعم إن عمل المسيح في الخلاص قد تم على الصليب. ومع ذلك فما زال البشر يسعون لنوال هذا الخلاص الذي تم على الصليب، والذي له شروط لنواله...
هو تم من جهة عمل المسيح. ولكن هل تم من جهتنا نحن؟
هناك عمل بشري يجب أن نقوم به نحن. لأن الله لا يفرض علينا الخلاص فرضًا، إنما نحن نناله بكامل إرادتنا، بوسائط وضعها الله نفسه ومنها:
1- الإيمان. فالخلاص الذي تم على الصليب، نناله أولًا بالإيمان:
والسيد المسيح يقول: "إِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا أَنِّي أَنَا هُوَ تَمُوتُونَ فِي خَطَايَاكُمْ" (يو8: 24) وأيضًا: "لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ" (يو3: 16).
الخلاص إذًا تم، ولكن لا يناله إلاَّ من يؤمن. ولذلك قال بولس وسيلا لسجان فيلبي: "آمِنْ بِالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ فَتَخْلُصَ أَنْتَ وَأَهْلُ بَيْتِكَ" (أع16: 31). ولم يقولا له: افرح فالخلاص قد تم، سواء آمنت أو لم تؤمن!
2- الخلاص تم. ولكن لا نناله إلاَّ بالمعمودية:
وهذا هو تعليم الرب القائل: "مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ" (مر16: 16). هل يمكن لإنسان أن يفرح باطلًا ويقول قد تم، بينما هو لم يؤمن ويعتمد!
3- والخلاص تم. ولكن إن لم نتب نهلك (لو13: 3).
حقًا إن الخلاص قد تم ومع ذلك لم يخلص حنان وقيافا. ولم يخلص إسكندر النحاس الذي سيجازيه الرب حسب أعماله (2تي4: 14). ولم يخلص سيمون الساحر (أع 8) ولا حنانيا وسفيرة (أع 5) ولم يخلص النيقولاويون (رؤ2: 15) ولا إيزابل (رؤ2: 20) ولم تخلص بابل العظيمة (رؤ18: 2).
4- الخلاص تم، بمعنى أن السيد المسيح فتح باب الخلاص للذين يؤمنون ويتوبون ويعتمدون، ويسلكون حسب الروح وليس حسب الجسد (رو8: 1) ويعيشون في شركة الروح القدس (2كو13: 14) ويكون لهم ثمار الروح (غلا5: 22). ولهذا يقول بولس الرسول إلى: "أَحِبَّاءَ اللهِ، مَدْعُوِّينَ قِدِّيسِينَ" الذين في رومية (رو1: 7) "فَإِنَّ خَلاَصَنَا الآنَ أَقْرَبُ مِمَّا كَانَ حِينَ آمَنَّا" (رو13: 11).
5- هذا الخلاص الذي تم، يبكتنا عليه قول الرسول:
"فَكَيْفَ نَنْجُو نَحْنُ إِنْ أَهْمَلْنَا خَلاَصًا هذَا مِقْدَارُهُ؟" (عب2: 3).
كيف نستحق هذا الخلاص؟ وكيف نقبله؟ وكيف نناله؟ وكيف نثبت فيه، فلا نفقده؟
إذًا لا ينبغي أن نقول الخلاص قد تم، ونقف بعيدًا عنه!
6- وإن كان الخلاص قد تم وانتهى الأمر، فلماذا قال بولس الرسول لتلميذه القديس تيموثاوس: "لاَحِظْ نَفْسَكَ وَالتَّعْلِيمَ وَدَاوِمْ عَلَى ذلِكَ، لأَنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ هذَا، تُخَلِّصُ نَفْسَكَ وَالَّذِينَ يَسْمَعُونَكَ أَيْضًا" (1تي4: 16).
7- وإن كان الخلاص قد تم وانتهى الأمر، فلماذا قال اليهود للرسل في يوم الخمسين: "مَاذَا نَصْنَعُ أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِخْوَةُ؟" (أع2: 37). ولماذا قال شاول الطرسوسي للمسيح: "يَا رَبُّ، مَاذَا تُرِيدُ أَنْ أَفْعَلَ؟" (أع9: 6).
إذًا هناك عمل بشرى يجب أن يعمله الإنسان:
عمل يعمله، لكي ينال هذا الخلاص الذي تم، ولكي يثبت في هذا الخلاص متى ناله. وغالبية البروتستانت للأسف الشديد، يتجاهلون هذا الجانب البشري، الذي منه الإيمان والتوبة والمعمودية والأعمال الصالحة، مع أن هذا الجانب البشري في نفس الوقت ليس بشريًا بحتًا، إنما عمل الله أيضًا واضح فيه.
8- وإن كان الخلاص قد تم، فلماذا ننتظره ونرجوه؟
هذا الذي قال عنه القديس بولس الرسول: "فَإِنَّ سِيرَتَنَا نَحْنُ هِيَ فِي السَّمَاوَاتِ، الَّتِي مِنْهَا أَيْضًا نَنْتَظِرُ مُخَلِّصًا هُوَ الرَّبُّ يَسُوعُ الْمَسِيحُ..." (في3: 20). وهذا الخلاص المرجو يقول عنه الرسول: "لأَنَّنَا بِالرَّجَاءِ خَلَصْنَا. وَلكِنَّ الرَّجَاءَ الْمَنْظُورَ لَيْسَ رَجَاءً، لأَنَّ مَا يَنْظُرُهُ أَحَدٌ كَيْفَ يَرْجُوهُ أَيْضًا؟ وَلكِنْ إِنْ كُنَّا نَرْجُو مَا لَسْنَا نَنْظُرُهُ فَإِنَّنَا نَتَوَقَّعُهُ بِالصَّبْرِ" (رو8: 24، 25) وعن هذا يقول القديس بطرس الرسول: "لِخَلاَصٍ مُسْتَعَدٍّ أَنْ يُعْلَنَ فِي الزَّمَانِ الأَخِيرِ" (1بط1: 5).
9- وإن كان الخلاص قد تم. فما معنى قول السيد المسيح: "أَنَا الْكَرْمَةُ وَأَنْتُمُ الأَغْصَانُ... إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يَثْبُتُ فِيَّ يُطْرَحُ خَارِجًا كَالْغُصْنِ، فَيَجِفُّ وَيَجْمَعُونَهُ وَيَطْرَحُونَهُ فِي النَّارِ، فَيَحْتَرِقُ" (يو15: 5، 6). وهذا نفس الكلام الذي أنذر به المعمدان قائلًا: "كُلُّ شَجَرَةٍ لاَ تَصْنَعُ ثَمَرًا جَيِّدًا تُقْطَعُ وَتُلْقَى فِي النَّارِ" (مت3: 10).
10- وإن كان الخلاص قد تم، فلماذا يقول الكتاب: "فَسِيرُوا زَمَانَ غُرْبَتِكُمْ بِخَوْفٍ" (1بط1: 17). "تَمِّمُوا خَلاَصَكُمْ بِخَوْفٍ وَرِعْدَةٍ" (في2: 12).
11- يقولون إن كفارة المسيح قد وفت العدل الإلهي.
هذا حق، بالنسبة إلى عمل المسيح من جهة الآب. أما من جهتنا، فيجب أن تكون لنا علاقة بهذه الكفارة التي وفت العدل الإلهي. ويجب أن نسلك في الطريق الذي يجعلنا مستحقين لهذه الكفارة.
12- إن كان الخلاص قد تم، فلماذا نقول في صلاتنا: "اغفر لنا ذنوبنا، كما نغفر نحن أيضًا"؟ إذًا هناك ذنوب تحتاج إلى مغفرة. ونحن نطلب هذه المغفرة في كل صلاة، حسب تعليم المسيح لنا (مت6: 12).
3) لماذا لا تقول: قد خلصت؟
اعتراض .. والرد عليَه
?يقولون: أليس الأرثوذكس يعتقدون أنهم قد خلصوا في المعمودية؟ لماذا إذًا لا يقول كل شخص منهم: "أنا قد خلصت"؟!
لأن المعمودية إنما تخلصنا من الخطايا السابقة للمعمودية... سواء الخطية الأصلية أو الخطايا الفعلية. ويبقى بعد ذلك طريق طويل أمامنا نصارع ونجاهد فيه حتى نخلص.
والخلاص من الماضي وحده فقط لا يكفي..
فأنت قد تخلص بسر التوبة من خطية أو خطايا فعلتها في الماضي. ولكنك لا تستطيع أن تقول بصفة عامة "قد خلصت"... ماذا إذًا عن الحاضر بضعفاته وحروبه؟ وماذا أيضًا عن المستقبل؟
إن أمامنا باقي العمر، لنجاهد فيه الجهاد الحسن، ونكمل السعي (2تي4: 7)، واضعين نصب أعيننا قول الرسول: "فَسِيرُوا زَمَانَ غُرْبَتِكُمْ بِخَوْفٍ" (1بط1: 17). وحتى إن مرت علينا فترة في التوبة، حفظنا الله فيها بلا خطية، نتذكر قول الكتاب: "مَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ قَائِمٌ، فَلْيَنْظُرْ أَنْ لاَ يَسْقُطَ" (1كو10: 12).
4) مغفرة إلى الأبد
اعتراض .. والرد عليَه
يقولون إن الموت الكفاري على الصليب، منح غفرانًا من دينونة الخطية إلى الأبد.
نعم لقد قدم السيد المسيح بموته الكفاري كنزًا من المغفرة نناله منه بسرّ التوبة، في كل مرة. وليس من المعقول أن يعطينا الله في يوم الإيمان، أو في يوم العماد، غفرانًا لكل الخطايا التي سنرتكبها في المستقبل.
إنما كل خطية نسقط فيها، تحتاج إلى توبة لمغفرتها، وتحتاج إلى خلاص من دينونتها.
فإن تبنا عنها، واعترفنا بها وتركناها، ننال المغفرة عن طريق التوبة، في استحقاقات دم المسيح.
وليس هناك إعفاء من الدينونة بدون توبة.
والكتاب يقول: "لاَ بُدَّ أَنَّنَا جَمِيعًا نُظْهَرُ أَمَامَ كُرْسِيِّ الْمَسِيحِ، لِيَنَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مَا كَانَ بِالْجَسَدِ بِحَسَبِ مَا صَنَعَ، خَيْرًا كَانَ أَمْ شَرًّا" (2كو5: 10).
5) حول فاعلية المعمودية
اعتراض
ورد في كتب "الإخوة البلاميس" مرات عديدة جدًا:
إن المعمودية لا فاعلية لها على الإطلاق، إنما هي لمجرد إشهار الإيمان، أو إعلان الإيمان!!
الرد على الاعتراض
ليس هذا هو تعليم الإنجيل، الذي تحدث في عمق عن فاعلية المعمودية، ولم يقل مطلقًا إنها لإشهار الإيمان. ولا توجد آية واحدة تذكر. إنما توجد آيات عديدة تتحدث عن فاعلية المعمودية، نذكر من بينها:
1- فاعلية المعمودية في الخلاص
وذلك واضح جدًا من قول السيد المسيح له المجد: "مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ" (مر16: 16).
2- فاعلية المعمودية في غسل الإنسان من خطاياه
وذلك واضح من قول حنانيا الدمشقي لشاول الطرسوسي بعد لقائه مع السيد المسيح: "أيها الأخ شاول... لِمَاذَا تَتَوَانَى؟ قُمْ وَاعْتَمِدْ وَاغْسِلْ خَطَايَاكَ" (أع22: 16). أي أن شاول بعد لقائه مع المسيح، وإيمانه، واختياره من الرب، كان لا يزال محتاجًا أن يغسل خطاياه، بالمعمودية.
3- المعمودية لغفران الخطايا
وهذا واضح من قول بطرس الرسول لليهود في يوم الخمسين: "تُوبُوا وَلْيَعْتَمِدْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عَلَى اسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ لِغُفْرَانِ الْخَطَايَا" (أع2: 38).
4- المعمودية للميلاد من الله
وهذا واضح من قول السيد المسيح لنيقوديموس: "الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنَ الْمَاءِ وَالرُّوحِ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ مَلَكُوتَ اللهِ" (يو3: 5).
ولعل هذا ما قصده بولس الرسول أيضًا بقوله: "بَلْ بِمُقْتَضَى رَحْمَتِهِ خَلَّصَنَا بِغُسْلِ الْمِيلاَدِ الثَّانِي وَتَجْدِيدِ الرُّوحِ الْقُدُسِ" (تي3: 5).
5- المعمودية دفن مع المسيح، وقيامة معه، وختان روحي
وقد ورد هذا في رسالة بولس الرسول إلى كولوسي، إذ يقول: "وَبِهِ أَيْضًا خُتِنْتُمْ خِتَانًا غَيْرَ مَصْنُوعٍ بِيَدٍ، بِخَلْعِ جِسْمِ خَطَايَا الْبَشَرِيَّةِ، بِخِتَانِ الْمَسِيحِ، مَدْفُونِينَ مَعَهُ فِي الْمَعْمُودِيَّةِ، الَّتِي فِيهَا أُقِمْتُمْ أَيْضًا مَعَهُ... وَإِذْ كُنْتُمْ أَمْوَاتًا فِي الْخَطَايَا وَغَلَفِ جَسَدِكُمْ، أَحْيَاكُمْ مَعَهُ، مُسَامِحًا لَكُمْ بِجَمِيعِ الْخَطَايَا" (كو2: 11- 13).
والدفن مع المسيح والقيامة معه – بالمعمودية - ورد أيضًا في (رو 6) كما سنذكر الآن...
6- بالمعمودية التجديد، إذ ندخل بها في "جدة الحياة".
وفي هذا يقول بولس الرسول لأهل رومية: "أَمْ تَجْهَلُونَ أَنَّنَا كُلَّ مَنِ اعْتَمَدَ لِيَسُوعَ الْمَسِيحِ اعْتَمَدْنَا لِمَوْتِهِ، فَدُفِنَّا مَعَهُ بِالْمَعْمُودِيَّةِ لِلْمَوْتِ، حَتَّى كَمَا أُقِيمَ الْمَسِيحُ مِنَ الأَمْوَاتِ، بِمَجْدِ الآبِ، هكَذَا نَسْلُكُ نَحْنُ أَيْضًا فِي جِدَّةِ الْحَيَاةِ؟ .. عَالِمِينَ هذَا: أَنَّ إِنْسَانَنَا الْعَتِيقَ قَدْ صُلِبَ مَعَهُ لِيُبْطَلَ جَسَدُ الْخَطِيَّةِ..." (رو6: 3- 6).
هنا ونعرض أيضًا لقول عوض سمعان، الكاتب البلاموسي المشهور:
"بالنزول في الماء نعلن موتنا مع المسيح، وبالصعود من الماء نعلن قيامتنا".
فنقول إن الكتاب لم يقل عن المعمودية إنها مجرد إعلان لموتنا مع المسيح وقيامتنا... بل قال: متنا مع المسيح. قمنا معه. مدفونين معه بالمعمودية. إنساننا العتيق قد صُلب معه ..
النصوص واضحة وصريحة، ولا يمكن تغييرها وتأويلها، لمجرد تأييد فكر بشري خاص من جهة المعمودية. إنها موت حقيقي مع المسيح، موت للإنسان العتيق، وليست مجرد إعلان للموت، وهي قيامة حقيقية مع المسيح، قيامة لإنسان جديد، في جدة الحياة، وليست مجرد إعلان للقيامة. تؤيد هذا شهادة كتابية أخرى وهي:
7- بالمعمودية نلبس المسيح
حقًا ما أجمل، وما أعمق، وما أروع، قول القديس بولس الرسول عن المعمودية في رسالته إلى أهل غلاطية: "لأَنَّ كُلَّكُمُ الَّذِينَ اعْتَمَدْتُمْ بِالْمَسِيحِ قَدْ لَبِسْتُمُ الْمَسِيحَ" (غلا3: 27).
أنريد فاعلية للمعمودية أكثر من هذا؟! أم ننكر الآية أو نخفيها، أو نفسرها حسب هوانا، لنثبت أفكارًا بشرية بعيدة عن الإنجيل في فهم المعمودية؟!
ها هي النصوص المقدسة واضحة عن فاعلية المعمودية، ولا يوجد نص واحد يقول إنها مجرد إشهار للإيمان! ومَن له أذنان للسمع فليسمع (مت13: 9، 43).
6) حول الغسيل بالمعمودية
اعتراض .. والرد عليَه
يقولون إن المعمودية لا تغسل إلاَّ الأجساد، ولا تأثير لها على النفس!
1- لم يقل الكتاب إطلاقًا إن المعمودية هي لغسل الجسد!
بل إن هذه النقطة يرد عليها القديس بطرس الرسول بقوله عن رموز الفلك: "إِذْ كَانَ الْفُلْكُ يُبْنَى، الَّذِي فِيهِ خَلَصَ قَلِيلُونَ، أَيْ ثَمَانِي أَنْفُسٍ بِالْمَاءِ، الَّذِي مِثَالُهُ يُخَلِّصُنَا نَحْنُ الآنَ، أَيِ الْمَعْمُودِيَّةُ. لاَ إِزَالَةُ وَسَخِ الْجَسَدِ، بَلْ سُؤَالُ ضَمِيرٍ صَالِحٍ عَنِ اللهِ، بِقِيَامَةِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ" (1بط3: 20، 21).
2- وعبارة "لا لإزالة وسخ الجسد" ترد على عبارة "المعمودية لا تغسل إلاَّ الأجساد".
وعبارة "يخلصنا" تدل أننا ننال الخلاص في المعمودية، حسبما قال الرب في (مر16: 16).
ويرد على عبارة أن المعمودية هي لغسل الجسد، قول القديس حنانيا الدمشقي لشاول الطرسوسي بعد إيمانه:
3– "لِمَاذَا تَتَوَانَى؟ قُمْ وَاعْتَمِدْ وَاغْسِلْ خَطَايَاكَ" (أع22: 16).
وواضح طبعًا أن غسل الجسد ليس هو غسل الإنسان من خطاياه، إنما الغسل من الخطايا هو غسل للروح، وتنقية لها وتطهير وتبرير وتجديد. ويؤيد هذا ما قاله القديس بولس في عبارة:
4- "خَلَّصَنَا بِغُسْلِ الْمِيلاَدِ الثَّانِي وَتَجْدِيدِ الرُّوحِ الْقُدُسِ" (تي3: 5).
5- إن غسل الجسد فقط يمكن أن يدعيه البعض، إن كان الأمر هو معمودية من الماء، ولكنها من الماء والروح.
ولهذا قال السيد المسيح: "إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنَ الْمَاءِ وَالرُّوحِ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ مَلَكُوتَ اللهِ" (يو3: 5). إنه ليس ماء ساذجًا، ذلك الذي يغطس فيه الناس في المعمودية، إنما نضع فيه من زيت المسحة المقدسة، مسحة الروح القدس (1يو2: 20، 27). وبالصلاة يأخذ الماء طبيعة جديدة، لكي يكون مَن يُولد منه يولد من الماء والروح.
6- ولو كانت المعمودية لمجرد غسل الجسد، ما كان بطرس الرسول يطلب من اليهود أن يعتمدوا لمغفرة الخطايا (أع2: 38).
إن غسل الجسد فقط لا يغفر الخطايا.
7- وإن كانت لغسل الجسد فقط، ما كان السيد المسيح يجعلها وسيلة ننال بها الخلاص، حسب قوله في (مر16: 16).
إن مجرد غسل الجسد، لا يخلص الإنسان!
إذًا فهذا الاعتراض من جانب البلاميس، لا يتفق مطلقًا مع تعليم المسيح ورسله القديسين في الإنجيل المقدس. ويؤسفني أن يترك البعض آيات الكتاب ليقدموا فكرهم الخاص بدلًا منها، أو أنهم يسخرون الآيات لخدمة فكرهم!
7) وأيضًا: حول الغسيل بالمعمودية
اعتراض
يقولون إن الذي يغسل الخطايا هو الدم، وليس المعمودية، بدليل قول الكتاب في سفر الرؤيا عن السيد المسيح: "الَّذِي أَحَبَّنَا، وَقَدْ غَسَّلَنَا مِنْ خَطَايَانَا بِدَمِهِ..." (رؤ1: 5).
الرد على الاعتراض
إننا لا ننكر مطلقًا أننا نغتسل من خطايانا بدم المسيح. ولكننا نغتسل بدمه في المعمودية..
إن المؤمن حينما يغسل خطاياه من المعمودية، حسب تعليم الكتاب (أع22: 16) إنما هو في المعمودية يغتسل بدم المسيح، ولا فاصل بين الأمرين. بدليل أنه في المعمودية يموت مع المسيح، ويُدفن مع المسيح.
لقد وضع الرب أن غسلك بالدم يتم بغسيل المعمودية.
وإلاَّ كان عليك أن تنكر الآية التي تقول: "قُمْ وَاعْتَمِدْ وَاغْسِلْ خَطَايَاكَ" (أع22: 16) وباقي الآيات التي تحمل نفس المعنى.
لماذا هذا الأسلوب الذي يعتمد على آية واحدة، ويهمل كل الآيات الأخرى التي يتكامل بها المعنى؟! ليس هذا هو الحق الإنجيلي. فأنصاف الحقائق ليست كلها حقائق!
في التوبة أيضًا يغتسل الإنسان من خطاياه، بدم المسيح.
هل يعترض أيضًا الإخوة البلاميس على مفعول التوبة في غسل الخطايا، قائلين إننا نغتسل من خطايانا بالدم!!
إن المعمودية تأخذ من استحقاق الدم. والتوبة أيضًا تأخذ من استحقاق الدم وكل الحياة المسيحية تقوم على أساس دم المسيح. والنعمة أيضًا تعطينا من استحقاق الدم.
فهل ننكر مفعول المعمودية والتوبة والنعمة، ونرتل قائلين: "مغسولين بالدم الكريم"؟! ونهمل آيات الكتاب الخاصة بالمغفرة!
إن الدم هو الأساس، والمعمودية والتوبة والنعمة وسائط. الدم هو العمل الإلهي الفدائي الذي قدم لنا. والمعمودية والتوبة تدخلان أيضًا في الجانب البشري المطلوب منا، لاستحقاق عمل الدم من أجلنا.
يمكننا إذًا لتبسيط المعنى وتوضيحه، أن نقول:
إننا نُغسل من خطايانا بدم المسيح، في المعمودية.
ونفس العبارة يمكن أن نقولها عن التوبة والاعتراف، ونقولها أيضًا عن سر الإفخارستيا.
ولكن الإخوة البلاميس، ومَن يجري أيضًا في تيارهم الفكري، يعودون فيقدمون اعتراضًا آخر خاصًا بالمغفرة...
8) المغفرة بالإيمان
اعتراض
يقولون إن المغفرة تتم بالإيمان، بدليل قول الرب:
"حَتَّى يَنَالُوا بِالإِيمَانِ بِي غُفْرَانَ الْخَطَايَا" (أع26: 18). وأيضًا قول الآباء الرسل: "لَهُ يَشْهَدُ جَمِيعُ الأَنْبِيَاءِ أَنَّ كُلَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ يَنَالُ بِاسْمِهِ غُفْرَانَ الْخَطَايَا" (أع10: 43).
الرد على الاعتراض
طبعًا بالنسبة إلى غير المؤمنين لا بد من التركيز على الإيمان. لأنه لا تجوز له معمودية، وتوبته بدون المسيح - إن تاب - لا تمنحه مغفرة (بغير الدم).
وهاتان الآيتان المستخدمتان (أع26: 18، أع10: 43)، كلاهما عن قبول الأمم، الذين لا بد من تبشيرهم بالإيمان، قبل أي حديث معهم عن العقائد التي هي داخل الإيمان.
فالإيمان هو الخطوة الأولى التي تقودهم إلى المغفرة.
لأنهم مهما تابوا يقف أمامهم قول السيد المسيح: "لأَنَّكُمْ إِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا أَنِّي أَنَا هُوَ تَمُوتُونَ فِي خَطَايَاكُمْ" (يو8: 24). فإن آمنوا تكون لتوبتهم حينئذ قيمة...
وإن آمن هؤلاء الأمم، يقودهم الإيمان إلى المعمودية والمغفرة:
ولنأخذ مثال شاول الطرسوسي، من اليهود وليس من الأمم.
لقد تقابل مع السيد المسيح في طريق دمشق، وتحدث معه فمًا لأذن. وآمن، وقال: "يَا رَبُّ، مَاذَا تُرِيدُ أَنْ أَفْعَلَ؟" (أع9: 6). فأرسله الرب إلى حناينا. وقال له حناينا: "أيها الأخ شاول.. لِمَاذَا تَتَوَانَى؟ قُمْ وَاعْتَمِدْ وَاغْسِلْ خَطَايَاكَ" (أع22: 16).
فإن كانت خطايا شاول قد غُفرت بالإيمان، فلماذا طُلب إليه أن يغتسل منها بعد ذلك بالمعمودية؟!
أليس هذا دليلًا على أن شاول - بعد إيمانه - بقيت خطاياه تنتظر المعمودية لكي تغسله منها؟ "مَنْ لَهُ أُذُنَانِ لِلسَّمْعِ، فَلْيَسْمَعْ" (لو14: 35).
وأحب أن أقول للإخوة البلاميس: إلى جوار هذه الآيات التي عن المغفرة بالإيمان، ضعوا الآيات التي عن المغفرة بالمعمودية، وهي كثيرة منها (أع2: 38، أع22: 16). وضعوا أيضًا الآيات الخاصة بالتوبة مثل (لو13: 3، 5، أع11: 18). ولا تستخدموا أسلوب (الآية الواحدة) لأنه لا يوصل إلى عقيدة.
هنا وأحب أن أهمس في آذانكم بكلمة صريحة هي:
أنتم تقولون إن المغفرة بالدم وحده، وليس بالمعمودية ولا بالتوبة! فلماذا تقولون الآن إن المغفرة بالإيمان؟!
حقًا إن المغفرة هي بالدم. والإيمان وسيلة، والمعمودية وسيلة، والتوبة وسيلة وهذه الوسائل الثلاث لازمة للمغفرة ويمكن أن نضع أمامنا أيضًا قول الرب: "اِغْفِرُوا يُغْفَرْ لَكُمْ" (لو6: 37) "وَإِنْ لَمْ تَغْفِرُوا لِلنَّاسِ زَّلاَتِهِمْ، لاَ يَغْفِرْ لَكُمْ أَبُوكُمْ أَيْضًا زَّلاَتِكُمْ" (مت6: 15). على أن هاتين الآيتين الأخيرتين يمكن وضعهما أيضًا ضمن (التوبة)، إنما ذكرتهما من جهة التوجيه إلى بعض التفاصيل.
فإن آمن شخص، ولم يغفر لأخيه، أترى ينال الغفران؟!
ألستم توافقون معي، على أن الحق هو كل الحق؟
حقًا إن ثمن الخلاص هو الدم، وليس ثمنه المعمودية ولا التوبة. وكذلك ليس ثمنه الإيمان. لأن الخلاص هو هبة مجانية، كقول الكتاب: "مُتَبَرِّرِينَ مَجَّانًا بِنِعْمَتِهِ بِالْفِدَاءِ" (رو3: 24). ولأنه أيضًا "وَبِدُونِ سَفْكِ دَمٍ لاَ تَحْصُلُ مَغْفِرَةٌ!" (عب9: 22).
ولكن الإيمان والمعمودية والتوبة، وسائل أساسية لازمة لنوال استحقاقات الدم. وبدونها لا نستفيد من دم المسيح القادر على مغفرة خطايا العالم كله.
انظروا هوذا دم المسيح أمامنا، يستطيع أن يطهر من كل خطية. ولكن الرسول يضع لهذا التطهير شروطًا فيقول: "إِنِ اعْتَرَفْنَا بِخَطَايَانَا فَهُوَ أَمِينٌ وَعَادِلٌ، حَتَّى يَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَيُطَهِّرَنَا مِنْ كُلِّ إِثْمٍ" (1يو1: 7).. "إِنِ اعْتَرَفْنَا بِخَطَايَانَا فَهُوَ أَمِينٌ وَعَادِلٌ، حَتَّى يَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَيُطَهِّرَنَا مِنْ كُلِّ إِثْمٍ" (1يو1: 9).
إذًا المغفرة بالدم. ولكن هناك شروطًا لنوال هذه المغفرة. ومن ضمن هذه الشروط: الإيمان، والمعمودية، والتوبة..
ومن ضمن الشروط كما يقول الكتاب: أن نغفر لغيرنا، وأن نسلك في النور، وأن نعترف بخطايانا.. وهذه النقاط الأخيرة لا مانع من إدماجها في شرط التوبة.
9) حول المغفرة بالمعمودية
اعتراض.. والرد عليَه
يقولون: المغفرة بالمعمودية تحول الغفران من عمل باطني للتوبة والإيمان، إلى عمل سطحي!
ونجيبهم بأن هذا الكلام يصح، لو كانت معمودية بدون إيمان، وبدون توبة! ونحن نطلب من المتقدم إلى المعمودية، أن يجحد الشيطان (للتوبة)، وأن يعترف بالإيمان. وإن كان طفلًا، ينوب أحد والديه عنه في ذلك.
وهذا ما فعله القديس بطرس الرسول مع الذين آمنوا من اليهود، ونخسوا في قلوبهم. وقال لهم إلى جوار إيمانهم: "تُوبُوا وَلْيَعْتَمِدْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عَلَى اسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ لِغُفْرَانِ الْخَطَايَا" (أع2: 38). وهكذا اجتمع الإيمان والتوبة والمعمودية معًا لنوال المغفرة.
10) الإيمان ونوال الروح القدس
اعتراض
إنهم كما يحاولون إلغاء سر المعمودية، أو ما لهذه المعمودية من فاعلية، يحاولون أيضًا إلغاء سر المسحة المقدسة.
فيقولون إن الإيمان هو الوسيلة لحلول الروح القدس. ويعتمدون في ذلك على قول الرب: "مَنْ آمَنَ بِي، كَمَا قَالَ الْكِتَابُ، تَجْرِي مِنْ بَطْنِهِ أَنْهَارُ مَاءٍ حَيٍّ. قَالَ هذَا عَنِ الرُّوحِ الَّذِي كَانَ الْمُؤْمِنُونَ بِهِ مُزْمِعِينَ أَنْ يَقْبَلُوهُ، لأَنَّ الرُّوحَ الْقُدُسَ لَمْ يَكُنْ قَدْ أُعْطِيَ بَعْدُ..." (يو7: 38، 39). ويعتمدون أيضًا على قول القديس بولس الرسول في رسالته إلى أهل أفسس: ".. إِذْ آمَنْتُمْ خُتِمْتُمْ بِرُوحِ الْمَوْعِدِ الْقُدُّوسِ" (أف1: 13).
الرد على الاعتراض
إن الروح القدس لا يناله المؤمن بمجرد إيمانه، بل ينالوه كخطوة تالية للإيمان. وقد تكون بينهما فترة طويلة.
ونفس النص الذي أورده الإخوة البلاميس يحمل هذا المعنى، إذ ورد فيه "قَالَ هذَا عَنِ الرُّوحِ الَّذِي كَانَ الْمُؤْمِنُونَ بِهِ مُزْمِعِينَ أَنْ يَقْبَلُوهُ، لأَنَّ الرُّوحَ الْقُدُسَ لَمْ يَكُنْ قَدْ أُعْطِيَ بَعْدُ" (يو7: 39). إذًا هؤلاء المؤمنون به، لم ينالوا الروح القدس بمجرد إيمانهم، وإنما كانوا مزمعين أن يقبلوه...
ومتى قبلوا الروح القدس؟.. قبلوه في يوم الخمسين كالآباء الرسل، أو بعد الخمسين مثل كثير من المؤمنين الآخرين.
إنه عطية من الله ينالها المؤمن بعد الإيمان، وبعد المعمودية أيضًا. ولهذا قال القديس بطرس لليهود بعد إيمانهم في يوم الخمسين: "تُوبُوا وَلْيَعْتَمِدْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عَلَى اسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ لِغُفْرَانِ الْخَطَايَا، فَتَقْبَلُوا عَطِيَّةَ الرُّوحِ الْقُدُسِ" (أع2: 38).
إذًا الإيمان والتوبة والمعمودية، تمهيد لقبول الروح القدس.
وكان الروح القدس يُمنح في بداية العصر الرسولي، بوضع يد الرسل. ثم صار يمنح بالمسحة المقدسة، كما شرح القديس يوحنا الرسول في رسالته الأولى "وَأَمَّا أَنْتُمْ فَلَكُمْ مَسْحَةٌ مِنَ الْقُدُّوسِ.." (1يو2: 20) "وَأَمَّا أَنْتُمْ فَالْمَسْحَةُ الَّتِي أَخَذْتُمُوهَا مِنْهُ ثَابِتَةٌ فِيكُمْ.." (1يو2: 27).
وسفر أعمال الرسل يقدم لنا مثالين يثبتان أن الروح القدس ما كان ينال مع الإيمان، إنما هو عطية مستقلة تمامًا، قد ينالها المؤمنون بعد فترة من إيمانهم وهذان المثلان هما إيمان السامرة (أع 8)، وإيمان أفسس (أع 19).
أ- قيل عن إيمان السامرة: "وَلَمَّا سَمِعَ الرُّسُلُ الَّذِينَ فِي أُورُشَلِيمَ أَنَّ السَّامِرَةَ قَدْ قَبِلَتْ كَلِمَةَ اللهِ، أَرْسَلُوا إِلَيْهِمْ بُطْرُسَ وَيُوحَنَّا، اللَّذَيْنِ لَمَّا نَزَلاَ صَلَّيَا لأَجْلِهِمْ لِكَيْ يَقْبَلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ، لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَدْ حَلَّ بَعْدُ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ، غَيْرَ أَنَّهُمْ كَانُوا مُعْتَمِدِينَ بِاسْمِ الرَّبِّ يَسُوعَ، حِينَئِذٍ وَضَعَا الأَيَادِيَ عَلَيْهِمْ فَقَبِلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ" (أع8: 14- 17).
هؤلاء كانوا مؤمنين ومعتمدين، ولم يكن الروح القدس قد حل على أحد منهم. ونالوه بوضع أيدي الرسولين فيما بعد.
ب- أما من جهة تلاميذ أفسس، فإن بولس الرسول سألهم: "هَلْ قَبِلْتُمُ الرُّوحَ الْقُدُسَ لَمَّا آمَنْتُمْ؟ قَالُوا لَهُ: وَلاَ سَمِعْنَا أَنَّهُ يُوجَدُ الرُّوحُ الْقُدُسُ" (أع19: 2). وكانوا قد اعتمدوا بمعمودية يوحنا.. "اعْتَمَدُوا بِاسْمِ الرَّبِّ يَسُوعَ.. وَلَمَّا وَضَعَ بُولُسُ يَدَيْهِ عَلَيْهِمْ حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ" (أع19: 5، 6).
وهؤلاء كانوا قد آمنوا فقط. وعلى الرغم من إيمانهم، ما كانوا يعلمون أنه يوجد الروح القدس. والإيمان لم يهبهم الروح.. كما يدعي الإخوة البلاميس!
لذلك اعتمدوا أولًا، ثم قبلوا الروح القدس بوضع يد الرسول القديس بولس. وبالنسبة إليهم كان الإيمان عملًا مستقلًا عن المعمودية عن قبول الروح.
إن الإيمان مجرد تمهيد لقبول الروح. ولا ينال الروح إلاَّ من آمن أولًا. وحينئذ ينال الروح بعد المعمودية.
ولما قال الرسول: "إِذْ آمَنْتُمْ خُتِمْتُمْ بِرُوحِ الْمَوْعِدِ" (أف1: 13)، إنما قصد أن الإيمان كان التمهيد لختمهم بالروح.
هل خَلُص هؤلاء في لحظة؟!
هل خَلُص هؤلاء في لحظة؟!
(العشار. الابن الضال. زكا. سجان فيلبي. اللص اليمين)
نبذة بغير توقيع
أراني أحدهم نبذة بروتستانتية عنوانها من الخارج هو: "بدعة الخلاص في لحظة" أما في داخلها، فدفاع عن هذه البدعة يختتم بعبارة: "إذًا الخلاص في لحظة حقيقة مؤكدة"!!
وعرفت أن القصد من عنوان النبذة هو محاولة لإعطائها صورة أرثوذكسية من الخارج تغري الأرثوذكس بقراءتها، كما لو كانت صادرة من الكنيسة! بينما في داخلها تعليم غير أرثوذكسي!!
ولست حاليًا بصدد الحكم على هذا الأسلوب في النشر، ومدى روحانيته، ومدى صراحته في الإيمان (1تي1: 2)... إنما سأتعرض للموضوع ذاته، وأناقش النقاط الأساسية فيه.
وسنتناول الأمثلة التي ذكرها الكاتب بالتتابع. وفي مقدمتها: العشار والابن الضال، وهل خلص كل منهما في لحظة؟
للمثلين هدف آخر
لم يكن السيد المسيح في أيّ من هذين المثلين يشرح عقيدة الخلاص، إنما كان في أحدهما يتحدث عن أهمية الاتضاع، وفي الثاني يتحدث عن أهمية التوبة.
هل يرى إخوتنا البروتستانت أن الاتضاع والتوبة هما سبب الخلاص؟! إذ لم يذكر في مثل العشار، ولا في مثل الابن الضال، أي شيء عن الإيمان، ولا عن الفداء والكفارة ودم المسيح!
وذلك لأن لكل منهما هدفًا آخر. فلماذا إذًا يستخدم كلام الكتاب في غير موضعه؟! وما هي المناسبة الخاصة بكل من هذين المثلين؟
هل خَلص العشار في لحظة؟
أما عن مثل العشار، فيقول القديس لوقا الإنجيلي عن الرب: "وَقَالَ لِقَوْمٍ وَاثِقِينَ بِأَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ أَبْرَارٌ، وَيَحْتَقِرُونَ الآخَرِينَ هذَا الْمَثَلَ: إِنْسَانَانِ صَعِدَا إِلَى الْهَيْكَلِ لِيُصَلِّيَا، وَاحِدٌ فَرِّيسِيٌّ وَالآخَرُ عَشَّارٌ..." (لو18: 9، 10). وانتهى المثل بعبارة: "لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَرْفَعُ نَفْسَهُ يَتَّضِعُ، وَمَنْ يَضَعُ نَفْسَهُ يَرْتَفِعُ".
هنا إذًا تركيز على مقارنة بين الكبرياء والاتضاع... أو مقارنة بين الافتخار والانسحاق... وكيف أن الإنسان ينخفض ويُدان بالكبرياء والافتخار، بينما يتبرر بالاتضاع والانسحاق.
ولكن الإخوة البروتستانت الذين ينادون بأن التبرير بالإيمان، يركزون هنا على عبارة: "نَزَلَ إِلَى بَيْتِهِ مُبَرَّرًا دُونَ ذَاكَ" التي قيلت عن العشار بسبب اتضاعه وانسحاقه!
فهل هم يؤمنون أن التبرير يكون بالاتضاع؟!
إن الاتضاع عمل، والانسحاق عمل، والاعتراف بالخطية عمل. فهل يخلص العشار بأعماله؟ وما مركز النعمة هنا؟ وما مركز الدم والكفارة والفداء؟ حيث لا إشارة إلى شيء من كل هذا !
إن عبارة: "نزل مبررًا دون ذاك" تعني ببساطة أن الرب يقبل توبة المتضعين المنسحقين بقلوبهم، ويرفض افتخار المتكبرين. أو تعني أن الله يرفع المتضعين، ويخفض المتكبرين، كما يُفهم من ختام هذا المثل (لو18: 14).
إن الرب لم يضرب هذا المثل إطلاقًا ليشرح قضية الخلاص، أو ليذكر أن الخلاص يمكن أن يتم في لحظة. ومع ذلك فإن في هذا المثل معنيين أرثوذكسيين: أولهما الاعتراف بالخطية، والثاني هو الصلة بالهيكل (بالكنيسة).
لقد ذهب العشار إلى بيت الرب، ليعترف بخطيئته، ويشرح عدم استحقاقه وقف من بعيد، لا يشاء أن يرفع عينيه إلى السماء، ثم قرع واعترف بخطيته لم (يطالب بحقوقه) كما يفعل البعض!! إنما طلب الرحمة في انسحاق، وشعور بعدم الاستحقاق...
هنا يعترض البعض بأن العشار خلص بدون معمودية وتناول!
فنرد عليهم بأنه ما كان ممكنًا في هذا المثل التحدث عن أسرار الكنيسة، لأنها لم تكن قد تأسست بعد، فأسرار الكنيسة تأسست على دم المسيح، الذي لم يكن قد سُفك بعد!!
المعمودية هي موت وقيامة مع المسيح (رو6: 4، 5). والمسيح عندما قال هذا المثل، لم يكن قد مات بعد... ما كان ممكنًا للعشار أن يقول عن المسيح مع الرسول: "مَدْفُونِينَ مَعَهُ فِي الْمَعْمُودِيَّةِ" (كو2: 12). وهكذا أيضًا عن باقي الأسرار التي تأسست على استحقاقات دم المسيح.
كذلك لم يكن الحديث عن الأسرار هو هدف هذا المثل.
إنما كان قصده تبكيت قوم "واثقين بأنفسهم أنهم أبرار، ويحتقرون الآخرين"... ومع كل هذا، لا مانع من أن نرجع إلى السؤال الأساسي ونرد عليه وهو:
هل يُفهم من المثل أن العشار نال الخلاص في لحظة؟
إن انسحاق العشار وتوبته واعترافه وطلبه الرحمة، كل ذلك يعطيه استحقاقًا للمغفرة، كأي استحقاق للمغفرة في العهد القديم، ينتظر دم المسيح لسداد أجرة الخطية.
فلو عاش عشار منسحق وتائب ومعترف مثل هذا أيام المسيح، لكان عليه - لكي ينال الخلاص - متى تأسست الكنيسة، بعد الفداء وحلول الروح القدس... أن يذهب ويعلن إيمانه بالمسيح المصلوب القائم، وينال المعمودية لمغفرة الخطايا (أع2: 38).
وبهذا لا يكون قد خلص في لحظة، لأنه "وَبِدُونِ سَفْكِ دَمٍ لاَ تَحْصُلُ مَغْفِرَةٌ" (عب9: 22).
أما لو كان هذا العشار قد عاش ومات قبل صلب المسيح، لكان عليه أن ينتظر في الجحيم، إلى أن يخرجه الرب بعد الصلب مع آدم والأنبياء وباقي القديسين، ولا يكون قد خلص في لحظة.
هل خلص الابن الضال في لحظة؟!
كما كان هدف مثل العشار هو التواضع، وليس الخلاص (لو18: 9)، كذلك مثل الابن الضال، بل كل الإصحاح، عن التوبة (لو 15).. وليس عن الخلاص.
كان الفريسيون والكتبة قد تذمروا لأن المسيح يقبل إليه العشارين والخطاة (لو15: 1، 2)، فذكر لهم الرب ثلاثة أمثلة عن رجوع الخطاة، هي الخروف الضال، والدرهم المفقود، والابن الضال.. كلها قصص عن سعي الرب وراء الخطاة وردهم، وقبول الراجعين منهم...
إنها قصص عن التوبة، وليست قواعد عقائدية للخلاص.
ومع ذلك، فإن قصة الابن الضال، تحوي رموزًا عميقة.
فلنتأمل إذًا هذا المثل، ونفحص التوبة التي فيه.
لقد مرت على الابن لحظات مصيرية، جلس فيها إلى نفسه، وبحث حالته ومصيره، وقرر التوبة.
إنها لحظات مقدسة بلا شك، ولحظات مصيرية، ولكنها ليست لحظات خلاص. لأن الخلاص لا يتم في لحظة ولا لحظات!
إن الجلوس مع النفس شيء، وتقرير المصير شيء، والتوبة شيء. ولكن الخلاص شيء أكبر من هذا كله وهنا يبدو الفرق الواضح العميق بين التفكيرين الأرثوذكسي والبروتستانتي.
في التفكير البروتستانتي: الخلاص مجرد علاقة فردية بين الإنسان والله، لذلك يرون أنه يمكن أن يتم في لحظة.
أما في العقيدة الأرثوذكسية، فإن للكنيسة دورًا في الخلاص، باعتبارها أمينة على نعم الروح القدس التي في الأسرار المقدسة.
وهكذا يكون للكهنوت دور، كوكيل لله (تي1: 7). وبالتالي لا يمكن أن يتم الخلاص في لحظة...
لقد جلس الابن الضال مع نفسه، واستعرض سوء حالته، وقرر التوبة. ولكن هذه اللحظات المصيرية المقدسة، لم تكن لحظات خلاص.. فلماذا؟
أولًا، لأنه كان لا يزال في أرض بعيدة، بعيدًا عن الآب وعن حضن الآب، وعن بيت الآب الذي هو الكنيسة. ولا يمكن أن يتم الخلاص، وهو بعيد عن الآب...
وقد شعر هو بهذا وبأهميته، فقال: "أَقُومُ وَأَذْهَبُ إِلَى أَبِي وَأَقُولُ لَهُ: يَا أَبِي، أَخْطَأْتُ" (لو15: 18). وقام وذهب إلى أبيه.
رجوعه إلى بيت الآب، معناه رجوعه إلى الكنيسة. فالخلاص يتم في بيت الآب لذلك اشترك العبيد في القصة، وهم يرمزون هنا إلى الكهنة.
فَقَالَ الأَبُ لِعَبِيدِهِ: "أَخْرِجُوا الْحُلَّةَ الأُولَى وَأَلْبِسُوهُ، وَاجْعَلُوا خَاتَمًا فِي يَدِهِ، وَحِذَاءً فِي رِجْلَيْهِ، وَقَدِّمُوا الْعِجْلَ الْمُسَمَّنَ وَاذْبَحُوهُ فَنَأْكُلَ وَنَفْرَحَ". وقال هذا قبل أن يقول: "لأَنَّ ابْنِي هذَا كَانَ مَيِّتًا فَعَاشَ، وَكَانَ ضَالًا فَوُجِدَ".
لنرى ماذا تحمل هذه التفاصيل، من رموز وطقوس؟
لبس الحلة الأولى يرمز إلى المعمودية، وإلى البر.
يرمز إلى المعمودية، إن كان المثل عن غير المؤمنين. فالابن الضال يرمز إلى الأمم الذين تغربوا عن الرب في كورة بعيدة، بينما الابن الأكبر يرمز إلى اليهود...
ولبس الحلة هنا يذكرنا بقول الرسول: "لأَنَّ كُلَّكُمُ الَّذِينَ اعْتَمَدْتُمْ بِالْمَسِيحِ قَدْ لَبِسْتُمُ الْمَسِيحَ" (غلا3: 27).
والحلة الجديدة ترمز أيضًا إلى "تَبَرُّرَاتُ الْقِدِّيسِينَ" بالنسبة إلى المؤمنين (رؤ19: 8 ، حز16: 10، أف6: 14). ونلاحظ أن هذا البر في (حز16) جاء بعد المعمودية والميرون. بعد "فَحَمَّمْتُكِ بِالْمَاءِ" أي المعمودية "ومَسَحْتُكِ بِالزَّيْتِ" أي الميرون. ثم (أَلْبَسْتُكِ...) (حز16: 9، 10).
أما الأكل من العجل المسمن المذبوح، فيرمز إلى الإفخارستيا.
ونلاحظ أن هذا قد تم - في مثل الابن الضال - بعد التوبة والاعتراف وانسحاق القلب. بعد قوله: "أَخْطَأْتُ... وَلَسْتُ مُسْتَحِقًّا بَعْدُ أَنْ أُدْعَى لَكَ ابْنًا"...
ونلاحظ أيضًا أن ذبح وتقديم العجل المسمن، تم بواسطة عبيد الآب، أي رجال الكهنوت، الذين لهم دور في القصة.
كما أن ذبح العجل يعني سفك الدم، ويذكرنا بقول الرسول: "وَبِدُونِ سَفْكِ دَمٍ لاَ تَحْصُلُ مَغْفِرَةٌ" (عب9: 22).
ما كان ممكنًا للابن الضال أن يخلص قبل ذبح العجل المسمن، وسفك دمه والتناول منه..
أما الخاتم في يده فيرمز إلى البنوة، وإلى أن نفسه قد صارت عروسًا للمسيح. والحذاء في رجليه، يرمز إلى حفظ الوصايا (أف6: 15)
وهكذا نرى أن قصة الابن الضال قد شملت:
أ- الرجوع إلى النفس ولومها، والتوبة، والاعتراف والانسحاق.
ب- الرجوع إلى الكنيسة، وإلى بيت الآب وحضن الآب.
جـ- المعمودية، والبر.
د- التناول من سر الإفخارستيا، وحفظ الوصايا.
ه- مشاركة عبيد الآب الذين هم رجال الكهنوت.
وواضح أن كل هذا، لم يتم في لحظة... ومَنْ لَهُ أُذُنَانِ لِلسَّمْعِ، فَلْيَسْمَعْ... (مت13: 9).
هل خلص زكا في لحظة؟
قصة زكا تشبه قصة سجان فيلبي في عبارة: "الْيَوْمَ حَصَلَ خَلاَصٌ لِهذَا الْبَيْتِ" (لو19: 9). وتزيد عليها تفاصيل عديدة في قصة توبة زكا، لا يمكن أن تتم في لحظة.
ومع أن كلمة "اليوم" لا تعنى كلمة (لحظة)، إلاَّ إننا سنبحث تفاصيل القصة لنرى على أي شيء تدل؟
تشرح القصة: سعي زكا إلى المسيح.. رغبته، بساطته، صعوده إلى الجميزة، ودعوة الرب له: "أَسْرِعْ وَانْزِلْ، لأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ أَمْكُثَ الْيَوْمَ فِي بَيْتِكَ" وإسراع زكا ونزوله، وقبوله للرب فرحًا. وحتى بعد كل ذلك لم يكن الرب قد قال: "الْيَوْمَ حَصَلَ خَلاَصٌ لِهذَا الْبَيْتِ".
وإنما زكا أخذ الرب إلى بيته، ودخل الرب بيته. "فَلَمَّا رَأَى الْجَمِيعُ ذلِكَ تَذَمَّرُوا قَائِلِينَ: "إِنَّهُ دَخَلَ لِيَبِيتَ عِنْدَ رَجُل خَاطِئٍ" (لو19: 7).
ومع أن اللقاء عند الجميزة، وما قبل الجميزة من مشاعر، والدعوة، والذهاب إلى البيت... لا يمكن أن يتم كل ذلك في لحظة... إلاَّ أن الرب لم يكن قد قال بعد: "اليوم حصل خلاص لهذا البيت"... ثم جاءت توبة زكا واعترافه، وعزمه على ردّ الظلم... هل كل ذلك، يمكن أن تشمله كلمة (لحظة)؟!
ومع ذلك فإن لنا ثلاثة ملاحظات على عبارة: "اليوم حصل خلاص لهذا البيت": الأولى هي عبارة: "لهذا البيت" فأهل ذلك البيت لا يمكن أن يكونوا قد خلصوا في لحظة بتوبة واحدة منهم. إنما تكون توبته بدء علاقة مع الرب تؤدي إلى خلاصهم. وهذا لا يتم في لحظة.
الملاحظة الثانية هي أننا لا يمكن في هذا المثل أن نتكلم عن الأسرار الكنسية لأنها لم تكن قد تأسست بعد...
الملاحظة الثالثة: هي أن زكا لا يمكن أن يكون قد خَلُص إلاَّ بعد صلب المسيح، لأنه بِدُونِ سَفْكِ دَمٍ لاَ تَحْصُلُ مَغْفِرَةٌ (عب9: 22).
فالعبارة التي قالها الرب لا تعني سوى وعد بالخلاص، أو إعلان أن هذا البيت مستحق للخلاص الذي سيتم بعد حين على الصليب. إن زكا وأهل بيته قد أخذوا وقتذاك صكًا للخلاص الذي لم ينالوه إلاَّ بعد صلب المسيح، وبشرط...
يقينًا أن زكا وأهل بيته لم ينالوا الخلاص إلاَّ بعد إتمام الفداء، وإيمانهم بهذا الفداء، وعمادهم في العصر المسيحي لمغفرة الخطايا (أع2: 38).
فبدون الإيمان بدم المسيح لا يمكن أن يخلص أحد.
لا بد أن يكونوا قد اعتمدوا وغسلوا خطاياهم، حسب نصيحة حنانيا لشاول الطرسوسي (أع22: 16). فاستحقاق الخلاص شيء، ونواله شيء آخر...
إذًا لا يمكن أن يكون زكا قد نال الخلاص في لحظة.
إن القول بأن أحدًا نال الخلاص قبل الصلب، هو هدم صريح لعقيدة الخلاص بالدم التي يؤمن بها إخوتنا البروتستانت!
حسن هو هذا الإيمان. ولكن يناسبه التطبيق بالأكثر.
ولا يصح أن يأخذ أحد آيات الكتاب حرفيًا، "فالْحَرْفَ يَقْتُلُ" كما يقول الكتاب (2كو3: 6). بل ينبغي أيضًا أن نمزج بنص الآية الفهم اللاهوتي السليم، وإلاَّ قادتنا الحرفية إلى السطحية. مَنْ لَهُ أُذُنَانِ لِلسَّمْعِ فَلْيَسْمَعْ (مت11: 15).
هل خلص سجان فيلبي في لحظة؟
في قصة سجان فيلبي، نقرأ أن بولس وسيلا قد قالا له: "آمِنْ بِالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ فَتَخْلُصَ أَنْتَ وَأَهْلُ بَيْتِكَ" (أع16: 31).
فهل إيمان فيلبي، خلّص أهل بيته في لحظة؟
لاهوتيًا وعمليًا، من المستحيل أن يتم هذا في لحظة.
إنما إيمان شخص، قد يؤدي إلى خلاص أهل بيته، في حالة ما إذا كان يقودهم ذلك إلى الإيمان، أي يتبعونه في إيمانه. ويكون إيمانه هو الخطوة الأولى التي تقود إلى الخلاص بعد حين.
وهذا واضح في قصة خلاص سجان فيلبي وبيته. يقول سفر أعمال الرسل: "وَكَلَّمَاهُ وَجَمِيعَ مَنْ فِي بَيْتِهِ بِكَلِمَةِ الرَّبِّ... فَأَخَذَهُمَا فِي تِلْكَ السَّاعَةِ مِنَ اللَّيْلِ وَغَسَّلَهُمَا مِنَ الْجِرَاحَاتِ، وَاعْتَمَدَ فِي الْحَالِ هُوَ وَالَّذِينَ لَهُ أَجْمَعُونَ" (أع16: 32- 34) وبعد العماد يقول الكتاب: "وَتَهَلَّلَ مَعَ جَمِيعِ بَيْتِهِ".
فلو كان مجرد إيمانه قد خلصه، ماذا كانت الحاجة إلى تبشيره وكل بيته بكلمة الله في تلك الساعة من الليل؟! وماذا كانت الحاجة إلى أن يعتمد في الحال، هو والذين له أجمعون؟! ثم بعد ذلك يتهلل...
وعبارة: "اعتمد في الحال" تعني ضمنًا أهمية المعمودية لخلاصه. ولذلك في الحال اعتمد هو والذين له أجمعون، لكي ينالوا الخلاص حسب قول السيد الرب: "مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ" (مر16: 16). وكما اعتمد الخصي الحبشي بعد إيمانه مباشرة (أع8: 37، 38).
وطبيعي أن كل ذلك لم يتم في لحظة.
لم يقل الرسولان لسجان فيلبي: ما دمت قد آمنت، تهلل إذًا فقد خلصت، وصرت ابنًا لله، بمجرد قبولك!!
إنما كانت هناك كرازة، وأعمال حسنة تدل على توبة، ثم عماد.. هل يجرؤ أحد إذًا أن يقول إن سجان فيلبي قد خلص هو وأهل بيته في لحظة؟!
أو هل يجرؤ أحد أن يقول إن سجان فيلبي، قد خلص بدون الكنيسة، أو بدون المعمودية؟!
هل خلص اللص في لحظة؟
مثال خلاص اللص على الصليب، هو من الأمثلة الشهيرة، التي يحاول البعض استخدامها، لإثبات الخلاص في لحظة، ولعدم ضرورة المعمودية والكهنوت. وهم في ذلك يقدمون الاعتراض الآتي المكون من ثلاث نقاط:
اعتراض
1- لقد خلص اللص في لحظة، حينما قال له الرب: "الْيَوْمَ تَكُونُ مَعِي فِي الْفِرْدَوْسِ" (لو23: 43)!
2- وقد خلص بدون معمودية!
3- وقد خلص أيضًا بدون كهنوت وبدون تدخل الكنيسة!
فلماذا إذًا تشترطون الكهنوت والكنيسة والمعمودية؟
الرد على الاعتراض
لا يمكن أن يكون اللص قد خلص في لحظة... ونقدم لذلك الأدلة الآتية:
1- لا يمكن أن يكون اللص قد خلص بمجرد الوعد الإلهي، قبل موت المسيح على الصليب.
وذلك لأن أجرة الخطية هي موت (رو6: 23). فلا بد أن يموت المسيح أولًا ليخلص اللص...
وواضح أن السيد المسيح قد بقى على الصليب ربما حوالي ساعتين بعد أن قال وعده للص. لأن ذلك الوعد كان هو الكلمة الثانية من كلمات المسيح السبع على الصليب. ربما قالها في الساعة الأولى من الساعات الثلاث التي قضاها على الصليب من السادسة إلى التاسعة. فهل خلص اللص بعد موت المسيح مباشرة؟ هنا ونقول:
2- كان لا بد للص أن يموت مع المسيح لكي يخلص.
وموته مع المسيح هو معمودية في أعمق صورها.
لأنه ما هي المعمودية؟ يقول الرسول: "أَمْ تَجْهَلُونَ أَنَّنَا كُلَّ مَنِ اعْتَمَدَ لِيَسُوعَ الْمَسِيحِ اعْتَمَدْنَا لِمَوْتِهِ، فَدُفِنَّا مَعَهُ بِالْمَعْمُودِيَّةِ لِلْمَوْتِ" (رو6: 3، 4). ويقول: "لأَنَّهُ إِنْ كُنَّا قَدْ صِرْنَا مُتَّحِدِينَ مَعَهُ بِشِبْهِ مَوْتِهِ، نَصِيرُ أَيْضًا بِقِيَامَتِهِ، عَالِمِينَ هذَا: أَنَّ إِنْسَانَنَا الْعَتِيقَ قَدْ صُلِبَ مَعَهُ لِيُبْطَلَ جَسَدُ الْخَطِيَّةِ" (رو6: 5، 6).
وواضح أن اللص صُلب مع المسيح صلبًا حقيقيًا، ومات معه موتًا حقيقيًا، وليس مجرد على "شبه موته". من هنا كان موته هذا معمودية مثالية هي مثال لكل معمودية.
فكيف يجرؤ أحد أن يقول إن اللص لم يعتمد؟
إن مَن ينال هذه البركة العظمى مع المسيح يكون بلا شك في وضع مثالي، لعل بولس الرسول اشتهاه اشتهاءً حينما قال: "مَعَ الْمَسِيحِ صُلِبْتُ" (غلا2: 20).
إن الوحيد في جميع قديسي الأرض الذي يقول هذه العبارة لفظًا ومعنى هو طبعًا اللص اليمين...
يليه بصورة مشابهة، القديسون الشهداء، الذين لم يموتوا مع المسيح حرفيًا، إنما ماتوا من أجله، فاعتبروا كأنهم ماتوا معه.
ونحن نعتبر أن الذين آمنوا بالمسيح واستشهدوا قبل معمودية الماء، إنما قد نالوا معمودية الدم، بالموت معه.
وهنا نسأل: متى نال اللص هذه المعمودية ومات على الصليب؟
إن الكتاب يشرح لنا أن المسيح مات في الساعة التاسعة (مت27: 45-50، مر15: 33- 37، لو23: 44- 46).
والمعروف أن جسد المسيح اُنزل من على الصليب في الساعة الحادية عشرة . يقول متى الرسول إنه: "وَلَمَّا كَانَ الْمَسَاءُ" (مت27: 57). ويقول القديس مرقس: "وَلَمَّا كَانَ الْمَسَاءُ، إِذْ كَانَ الاسْتِعْدَادُ، أَيْ مَا قَبْلَ السَّبْتِ" (مر15: 42). ويقول القديس لوقا: "وَكَانَ يَوْمُ الاسْتِعْدَادِ وَالسَّبْتُ يَلُوحُ" (لو23: 54). ويقول يوحنا: "إِذْ كَانَ اسْتِعْدَادٌ، فَلِكَيْ لاَ تَبْقَى الأَجْسَادُ عَلَى الصَّلِيبِ فِي السَّبْتِ..." (يو19: 31).
ووقت إنزال جسد المسيح من على الصليب، لم يكن اللصان قد ماتا، فكسر الجند أرجلهما: "وَأَمَّا يَسُوعُ فَلَمَّا جَاءُوا إِلَيْهِ لَمْ يَكْسِرُوا سَاقَيْهِ، لأَنَّهُمْ رَأَوْهُ قَدْ مَاتَ" (يو19: 33).
إذًا اللص مات بعد الحادية عشر، أي بعد ساعتين من موت المسيح. وبهذا يكون قد نال الخلاص وقتذاك، بعد موته. وتكون قد مرت حوالي أربع ساعات بعد الوعد الإلهي بدخوله الفردوس.
إذًا لم يخلص اللص في لحظة. ولم يدخل الفردوس عقب الوعد الإلهي مباشرة، بل بعده بأربع ساعات.
ما دمنا قد أثبتنا أن اللص لم يخلص في لحظة، ولم يخلص بدون معمودية، تبقى إذًا الإجابة على الاعتراض الثالث الخاص بالكهنوت والكنيسة.
لقد نال اللص خلاصه عن طريق المسيح رأس الكنيسة ورئيس الكهنة الأعظم، الذي يمثل الكنيسة تمامًا في ذلك الوقت، الذي لم يكن فيه الكهنوت المسيحي قد تأسس بعد، ولم تكن الكنيسة قد تأسست بعد.
هل هذه الآيات تُثبت الخلاص في لحظة؟!
هل هذه الآيات تُثبت الخلاص في لحظة؟!
"الذين قبلوه" (يو1: 12) .. "التفتوا إليَّ" (إش45: 22)
آيات "اليوم" (أع17: 30 ، عب3: 8). آيات "الآن" (2كو6: 2 ، رو13: 11).
1) مجرد قبول المسيح
الفهم الخاطئ وخطورته
الذين ينادون بالخلاص في لحظة، يجعلون هذا الخلاص متوقفًا على مجرد قبول المسيح! يكفي - في عُرفهم - أن تقبل المسيح فاديًا ومخلصًا، فتنال الخلاص وينتهي الأمر!!
والقبول في نظر هؤلاء - كما يقول كتاب "التلمذة" - هو التصديق: أي تصديق أنك خاطئ، وأنك تستحق الموت، وتصدق أن المسيح مات عنك، وتقبله فاديًا ومخلصًا...
وبهذا القبول - كما يعلّمون - ينال الشخص التبرير، والتجديد، والولادة من فوق، وغفران الخطايا، والانتقال من الموت إلى الحياة!!
ومعنى هذا، أن ينال الإنسان التبرير والتجديد والمغفرة والخلاص، بمجرد القبول! أي بدون معمودية، ولا كنيسة، ولا أسرار، ولا كهنوت!
كل ذلك يتم - وبلا كنيسة - بمجرد القبول! هكذا يقولون! ومن هنا أتت بدعة الخلاص في لحظة...
يقولون في مجلة "الينبوع" (عدد يناير 1978): يكفي أن تنظر إلى المسيح على الصليب، والجندي يطعنه بالحربة، فتتبرر في الحال!!
عجبًا بمجرد النظر، بلا توبة، بلا اعتراف، بلا تحليل، بلا تناول... بمجرد قبولك المسيح! أي إلغاء تام لوجود الكنيسة ولوجود الأسرار المقدسة..!
ويصبح دليل الخلاص هو: هل قبلت المسيح فاديًا ومخلصًا؟!
إنه تعبير معروف مصدره، مستعار من الطوائف غير الأرثوذكسية التي تركز على مجرد هذا القبول وحده. وما تجدر الإشارة إليه أن الأناجيل التي يوزعها الجدعونيون، يوجد في آخرها إقرار بقبول المسيح فاديًا ومخلصًا، ليوقع عليه حامل الإنجيل... كما لو كان مجرد الإقرار كافيًا وحده لنوال الخلاص...!
ويستند المعتقدون بكفاية هذا القبول، على قول الكتاب:
"وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللهِ..." (يو1: 12).
وهكذا يرون أن الولادة الجديدة تتم بمجرد هذا القبول!
الرد على ذلك
ما هو تفسير هذه الآية (يو1: 12)؟ وما علاقتها بالبنوة لله؟ وهل تصلح لإثبات "الخلاص في لحظة"؟
أول ما نلاحظه في هذه الآية، بالنسبة إلى الذين قبلوه:
لم يقل الكتاب: كل الذين قبلوه صاروا أولاد الله... إنما قال: "أَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا..."، أي صار لهم الحق أن يصيروا أولاد الله... أما كيف يصيرون فلا شك أن ذلك بالميلاد من فوق، الميلاد من الماء والروح (يو3: 3، 5).
وهذا الميلاد من الماء والروح، ذكره الرب في حديثه مع نيقوديموس قائلًا: "الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنَ الْمَاءِ وَالرُّوحِ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ مَلَكُوتَ اللهِ" (يو3: 5). ولهذا بدون المعمودية لا تتم هذه الولادة.
والذين يقولون إن الميلاد الثاني يتم بمجرد قبول المسيح (أي الإيمان به)، إنما ينكرون المعمودية، يخرجون من دائرة الأرثوذكسية.
نقطة أخرى نناقشها بالنسبة إلى هذه الآية وهي:
ما معنى عبارة: "الذين قبلوه"؟ مَن هم الذين قبلوه؟
لا شك أن الذين قبلوه، هم الذين قبلوا تعليمه أيضًا...
وتعليمه لا يقول آمن فقط، إنما يقول: "مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ" (مر16: 16). فإن كنت قد آمنت فقط، ولم تعتمد، مكتفيًا بمجرد القبول، فلا تكون قد قبلت تعليم المسيح... فلا تستحق أن تصير من أولاد الله...
إن الذي يقبل المسيح، يقبل إنجيله، وكنيسته، ووكلاءه... وكلاء السرائر الإلهية، ويقبل كل الأسرار المقدسة التي تركها لنا كوسائط للخلاص... فالقبول ليس مجرد شعور...
هل شاول الطرسوسي بمجرد قبوله للمسيح نال الخلاص في لحظة؟! أم سلمه الرب للكنيسة؟ وأمرته الكنيسة أن يعتمد ويغسل خطاياه (أع22: 16)، أي أن خطاياه كانت لا تزال باقية بعد قبوله المسيح، تنتظر المعمودية لتغسله منها...
واليهود الذين آمنوا في يوم الخمسين، هل نالوا الخلاص في اللحظة التي نخسوا فيها في قلوبهم، أم قالت لهم الكنيسة على فم بطرس الرسول: "تُوبُوا وَلْيَعْتَمِدْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عَلَى اسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ لِغُفْرَانِ الْخَطَايَا" (أع2: 38).
وماذا نقول عن قصة خلاص كرنيليوس والخصي الحبشي؟
هل تمت بمجرد قبول المسيح فاديًا ومخلصًا، بعيدًا عن المعمودية والأسرار والكهنوت... في لحظة؟!
إن قبول الإنسان للرب، وإيمانه ومعرفته لله، كل هذه هي الخطوات الأولى في طريق الخلاص. أما الخلاص فهو قصة العمر كله.
إن الخلاص هو قصة الإيمان والتوبة والمعمودية، وهو قصة الطاعة والقداسة وشركة الروح القدس، وفاعلية الأسرار الإلهية، وعمل النعمة مع الإرادة البشرية، والثبات في الحب وحفظ الوصايا، والصمود أمام حروب الشياطين.
إن الذين قبلوه، كان كل منهم يسأل: "يَا رَبُّ، مَاذَا تُرِيدُ أَنْ أَفْعَلَ؟"، فهكذا فعل شاول الطرسوسي (أع9: 6) وهكذا أيضًا فعل اليهود الذين قبلوا الرب في يوم الخمسين، إذ سألوا قائلين: "مَاذَا نَصْنَعُ أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِخْوَةُ؟" (أع2: 37).
وهذا دليل على أن هناك شيئًا ينبغي عمله بعد القبول.
كرنيليوس لما قبل الرب، لم يصر ابنًا بمجرد قبوله. إنما أمره الملاك أن يلجًأ إلى الكنيسة، ويستدعى بطرس ليقول له: "مَاذَا يَنْبَغِي أَنْ تَفْعَلَ؟" (أع10: 6)...
والخصي الحبشي لما قبل الرب، لم يصر ابنًا في الحال، مع أنه كان يؤمن من كل قلبه (أع8: 37). ولكنه لما اعتمد، مضى في طريقه فرحًا. وهنا نسأل عن سرِّ شغفه بطلب العماد...
إن التشديد على قبول المسيح فاديًا، كان دعوة يوجهها الرسل إلى غير المؤمنين، إذ لا يوجد طريق للخلاص غير هذا.
ولكن ما معنى كتابة نبذات تدعو المؤمنين إلى قبول المسيح فاديًا ومخلصًا؟! هل هم حاليًا غير مؤمنين به كمخلص؟!
هل المؤمنون الذين توزع عليهم النبذات، لم يقبلوا المسيح بعد فاديًا لهم؟! أليس من الواضح أن الذين تتخذ كرازتهم هذا الأسلوب لا يفرقون بين المؤمنين وغير المؤمنين!
وإلاَّ فما معنى أن تصدر نبذة عن جماعة تسمى نفسها (شباب الكنيسة القبطية الأرثوذكسية) تدعو فيها إلى مجرد قبول المسيح، للخلاص ونوال الحياة الجديدة! دون أن تذكر شيئًا عن الأسرار، وعن البر الذي في المسيح يسوع...!
***
2) اِلْتَفِتُوا إِلَيَّ وَاخْلُصُوا (إش45: 22)
من الآيات التي يعتمد عليها مَن ينادون بالخلاص اللحظي، قول الرب في سفر إشعياء النبي: "اِلْتَفِتُوا إِلَيَّ وَاخْلُصُوا يَا جَمِيعَ أَقَاصِي الأَرْضِ" (إش45: 22). وهم يشددون على كلمة "التفتوا". ويرون أن الخلاص - حسب هذه الآية - يتم في لفتة، أي في لحظة!! فهل هذه الآية تعني الخلاص في لحظة؟
والجواب هو أن هذه الآية لا علاقة لها مطلقًا بموضوع الخلاص في لحظة، إنما هي خاصة بترك عبادة الأصنام والرجوع إلى عبادة الله وحده ...
ليت الذين يوردون نصوصًا من الكتاب المقدس، يتحققون جيدًا مما يقتبسون، ويعرفون ما هي المناسبة التي قيلت فيها الآية؟ ولمَن قيلت؟ وأيضًا ليتهم لا يوردون النص مبتورًا، أو منفصلًا تمامًا عن باقي الآيات.
فاللاهوتي الحقيقي، أو المؤمن الحقيقي، لا يحاول أن يُخضع الآيات لمفاهيمه الخاصة، إنما يخضع هو لمفهوم الآيات.
وهذه الآيات المقتبسة من إشعياء، سنفهمها في ضوء الحقائق الآتية:
أ) تكملة الآية ذاتها. ولماذا لم يذكر مقتبسها تكملتها؟
بـ) تكملة الإصحاح التي قيلت فيه هذه الآية (إش 45).
جـ) كل مضمون الإصحاحات 43 إلى 48 من سفر إشعياء.
فنقول إن كل هذه الإصحاحات تدعو إلى ترك الآلهة الغربية.
كلها تدعو إلى عبادة الإله الحقيقي وحده، وعدم الالتفات إلى الآلهة الأخرى.
ويتكرر فيها كلها قول الرب: "أنا الله وليس غيري" "أَنَا الرَّبُّ وَلَيْسَ آخَرُ" "قَبْلِي لَمْ يُصَوَّرْ إِلهٌ وَبَعْدِي لاَ يَكُونُ" "أنا هو وليس سواي".
والله في كل تلك الأصحاحات يشير إلى أن الخلاص به هو، فيجب الالتفات إليه وحده، وليس إلى الآلهة الغريبة أو إلى الأصنام. وهكذا يقول.
"اِلْتَفِتُوا إِلَيَّ وَاخْلُصُوا يَا جَمِيعَ أَقَاصِي الأَرْضِ، لأَنِّي أَنَا اللهُ وَلَيْسَ آخَرَ" (إش45: 22) ويسبقها مباشرة قول الرب: "أَلَيْسَ أَنَا الرَّبُّ وَلاَ إِلهَ آخَرَ غَيْرِي؟ إِلهٌ بَارٌّ وَمُخَلِّصٌ. لَيْسَ سِوَايَ" ثم يقول: "التفتوا إليَّ واخلصوا" (إش45: 21، 22).
ومن العجيب أن يؤخذ جزء من الآية، ويُترك الباقي، كما يُترك ما قبلها وما بعدها. وتفُسر تفسيرًا خاصًا يريده الكاتب!
إن رسالة الله هنا هي: التفتوا إليَّ، وليس إلى آلهة أخرى، فتخلصوا، لأني أنا الله وليس آخر، أنا المخلص وليس سواي.
أو المعنى هو أديروا قلوبكم نحوي اتجهوا إليَّ وليس إلى الأصنام. وهذا هو ما تظهره الترجمة الإنجليزية: "Turn to me and be Saved".
والمتتبع قراءة الإصحاح من أوله، يجد الرب يقول:
"لِكَيْ تَعْرِفَ أَنِّي أَنَا الرَّبُّ الَّذِي يَدْعُوكَ بِاسْمِكَ، إِلهُ إِسْرَائِيلَ" (إش45: 3). "وَأَنْتَ لَسْتَ تَعْرِفُنِي أَنَا الرَّبُّ وَلَيْسَ آخَرُ. لاَ إِلهَ سِوَايَ. نَطَّقْتُكَ وَأَنْتَ لَمْ تَعْرِفْنِي" (ع4، 5) "لِكَيْ يَعْلَمُوا مِنْ مَشْرِقِ الشَّمْسِ وَمِنْ مَغْرِبِهَا أَنْ لَيْسَ غَيْرِي. أَنَا الرَّبُّ وَلَيْسَ آخَرُ" (ع 6) "أَنَا الرَّبُّ صَانِعُ كُلِّ هذِهِ" (ع 7) "أَنَا الرَّبَّ قَدْ خَلَقْتُهُ" (ع 8) "أَنَا صَنَعْتُ الأَرْضَ وَخَلَقْتُ الإِنْسَانَ عَلَيْهَا. يَدَايَ أَنَا نَشَرَتَا السَّمَاوَاتِ، وَكُلَّ جُنْدِهَا.." (ع 12) ".. اللهُ وَلَيْسَ آخَرُ" (ع 14).
وبعد أن يتكلم الرب عن أنه هو الله وحده، يتكلم عن الخلاص وأنه به وحده، فيقول:
"أَمَّا إِسْرَائِيلُ فَيَخْلُصُ بِالرَّبِّ خَلاَصًا أَبَدِيًّا" (ع 17) "أَنَا الرَّبُّ وَلَيْسَ آخَرُ" (ع 18) "أَنَا الرَّبُّ" (ع 19) "لاَ يَعْلَمُ الْحَامِلُونَ خَشَبَ صَنَمِهِمْ، وَالْمُصَلُّونَ إِلَى إِلهٍ لاَ يُخَلِّصُ" (ع 20). "أَلَيْسَ أَنَا الرَّبُّ وَلاَ إِلهَ آخَرَ غَيْرِي؟ إِلهٌ بَارٌّ وَمُخَلِّصٌ. لَيْسَ سِوَايَ. اِلْتَفِتُوا إِلَيَّ وَاخْلُصُوا.." (ع21، 22).
إنها دعوة إلى ترك عبادة الأصنام، والإيمان بالله وحده.
وترك إسرائيل لعبادة الأصنام، والتفاتهم إلى الله، لكي يخلصوا، لم يتم في لحظة...
لم يتم ذلك إلاَّ بجهاد كبير من الأنبياء، وبضربات من الله كان من ضمنها السبي وطرحهم إلى أيدي أعدائهم ليذلوهم، ثم طول أناة من الله عليهم، حتى التفتوا إليه أخيرًا، وأداروا ظهورهم للأصنام، واتجهوا نحو الله...
وحتى كل الذين التفتوا إلى الله ليخلصوا، لم ينالوا الخلاص إلاَّ بدم المسيح الذي سفك بعد ذلك بحوالي 800 سنة.
لقد رقدوا على رجاء، كباقي الآباء وانتظروا...
ولم ينالوا الخلاص بمجرد لفتة، أو في لحظة...
وكل الذي نالوه كان وعدًا بالخلاص...
إنهم لم يخلصوا إلاَّ بالإيمان، وبترك الأوثان.
ولم يخلصوا إلاَّ في ملء الزمان.
ليس بمجرد لفتة، إنما بعد أجيال طويلة.
ومن له أذنان للسمع فليسمع، ما يقوله الروح للكنائس.
3) الآيات الخاصة بعبارتيْ (اليوم)، (الآن)
الآيات
الذين ينادون بالخلاص في لحظة، يستخدمون الآيات الآتية:
1- "هُوَذَا الآنَ وَقْتٌ مَقْبُولٌ. هُوَذَا الآنَ يَوْمُ خَلاَصٍ" (2كو6: 2).
2- "أَنَّهَا الآنَ سَاعَةٌ لِنَسْتَيْقِظَ مِنَ النَّوْمِ، فَإِنَّ خَلاَصَنَا الآنَ أَقْرَبُ مِمَّا كَانَ حِينَ آمَنَّا" (رو13: 11).
3- "الْيَوْمَ، إِنْ سَمِعْتُمْ صَوْتَهُ، فَلاَ تُقَسُّوا قُلُوبَكُمْ.." (عب3: 7، 8).
4– "فَاللهُ الآنَ يَأْمُرُ جَمِيعَ النَّاسِ فِي كُلِّ مَكَانٍ أَنْ يَتُوبُوا، مُتَغَاضِيًا عَنْ أَزْمِنَةِ الْجَهْلِ" (أع17: 30).
5- "الْيَوْمَ حَصَلَ خَلاَصٌ لِهذَا الْبَيْتِ" (لو19: 9).
وهنا يبدو التركيز على عبارة "اليوم" وعبارة "الآن".
عبارة "اليوم"
من الواضح جدًا، أن استخدام عبارة "اليوم" ههنا، تحمل تنازلًا عن عبارة "لحظة" فالعبارتان مختلفتان تمامًا في الزمن.
فمهاجمتنا لبدعة الخلاص في لحظة، سببه الأساسي هو أنه من غير الممكن أن تتم في لحظة كل أسرار الكنيسة اللازمة للخلاص... فلا يمكن لإنسان أن يؤمن ويعتمد في لحظة، ولا أن يتوب ويعترف ويأخذ التحليل ويتناول في لحظة... كل هذا مستحيل عمليًا.
ومن هنا كانت عبارة "لحظة" تعني إنكارًا واضحًا لأهمية الأسرار والكهنوت والكنيسة في موضوع الخلاص.
لهذا فالآيات المشتملة على كلمة "اليوم" هي خروج عن الحوار في هذا الموضوع، لأن الإيمان والأسرار يمكن أن تتم في يوم...
يمكن في يوم واحد، أن يتم الإيمان والعماد معًا... ويمكن أن تتم التوبة، ومعها الاعتراف أيضًا والتناول... وهكذا تكون الكنيسة قد أدت دورها، وتمت الأسرار اللازمة للخلاص بخدمة الكهنوت...
في يوم واحد، كرز فيلبس للخصي، فآمن واعتمد (أع 8).
في يوم واحد، أمكن لكرنيليوس، أن يستدعي بطرس الرسول، الذي كرز له فآمن واعتمد هو وجميع الذين سمعوا الكلمة (أع 10).
ومع ذلك، فسنحاول أن نفهم معًا هذه الآيات التي قدموها لإثبات الخلاص في لحظة ونرى ما تقدمه من معنى:
★★★
الآنَ وَقْتٌ مَقْبُولٌ .. الآنَ يَوْمُ خَلاَصٍ (2كو6: 2).
إن عبارة "الآن وقت" وعبارة "الآن يوم" لا تعنيان مطلقًا "الآن لحظة"، فلم يقل الآن لحظة خلاص، ولا الآن لحظة مقبولة... ومع ذلك نقول:
كلمة الآن هنا تعني عدم التأجيل...
ولا تعني أنهم يخلصون في لحظة، لأنه أرسل رسالته هذه "إِلَى كَنِيسَةِ اللهِ الَّتِي فِي كُورِنْثُوسَ، مَعَ الْقِدِّيسِينَ أَجْمَعِينَ الَّذِينَ فِي جَمِيعِ أَخَائِيَةَ" (2كو1: 1). فهو هنا لا يكلّم غير مؤمنين. ولم يتحدث إليهم هنا عن الإيمان أو الفداء أو المعمودية.
إنما كان يحدثهم عن التوبة، وعدم تأجيلها..
والتوبة مقبولة الآن، ومقبولة في كل وقت. لأن الله يقول: "وَمَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ لاَ أُخْرِجْهُ خَارِجًا" (يو6: 37). والقديس بولس كان في الرسالة الماضية قد حدثهم عن الانقسامات التي بينهم (1كو3: 3) ووصفهم بأنهم جسديون (1كو3: 1، 4). ثم وبخهم على الخاطئ الذي أدانه الرسول وحكم عليه (1كو5: 5) وقال لهم: "اعْزِلُوا الْخَبِيثَ مِنْ بَيْنِكُمْ" (1كو5: 13). ووبخهم على الالتجاء إلى المحاكم (1كو6: 1، 5) ووبخهم على خطايا أخرى كثيرة... وفي هذه الرسالة يعفو عن الخاطئ الذي حكم عليه (2كو2: 7). ويقول لهم:
"اَلآنَ أَنَا أَفْرَحُ، لاَ لأَنَّكُمْ حَزِنْتُمْ، بَلْ لأَنَّكُمْ حَزِنْتُمْ لِلتَّوْبَةِ... لأَنَّ الْحُزْنَ الَّذِي بِحَسَبِ مَشِيئَةِ اللهِ يُنْشِئُ تَوْبَةً لِخَلاَصٍ بِلاَ نَدَامَةٍ" (2كو7: 9، 10).
إذًا هنا، هو يحدثهم عن التوبة، والخلاص من الخطايا التي يرتكبونها. والتوبة يحسن بها عدم التأجيل، فوقتها الآن وقت مقبول، والتخلص منها اليوم هو أفضل، لأنه يوم خلاص... ما علاقة كل هذا إذًا بالخلاص في لحظة؟ والرسول لم يستخدم هذا التعبير مطلقًا...
إنه ينادى لهم بخدمة المصالحة، أن "تَصَالَحُوا مَعَ اللهِ" (2كو5: 20). فإن تأثروا وتابوا، فلا يجوز أن يؤجلوا التوبة، لأن الآن وقت مقبول...
ونفس الكلام عن عدم تأجيل التوبة، هو قصد الرسول بقوله:
الآنَ سَاعَةٌ لِنَسْتَيْقِظَ
اليقظة الروحية مطلوبة في كل وقت، وليس من الصالح تأجيلها، فهي لازمة الآن. فما علاقة اليقظة بالخلاص في لحظة.
إن الذي يستيقظ، يبحث كيف يخلص. تمامًا مثلما حدث للابن الضال، الذي لما استيقظ، فكر ماذا يفعل. "أَقُومُ وَأَذْهَبُ إِلَى أَبِي وَأَقُولُ لَهُ: يَا أَبِي، أَخْطَأْتُ.." (لو15: 17، 18).
إذًا فاليقظة تتبعها خطوات... ولذلك شرح لهم الرسول ما يفعلونه في هذه اليقظة الروحية...
فقال لهم: "أَنَّهَا الآنَ سَاعَةٌ لِنَسْتَيْقِظَ... فَلْنَخْلَعْ أَعْمَالَ الظُّلْمَةِ وَنَلْبَسْ أَسْلِحَةَ النُّورِ. لِنَسْلُكْ بِلِيَاقَةٍ كَمَا فِي النَّهَارِ: لاَ بِالْبَطَرِ وَالسُّكْرِ، لاَ بِالْمَضَاجعِ وَالْعَهَرِ، لاَ بِالْخِصَامِ وَالْحَسَدِ، بَلِ الْبَسُوا الرَّبَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ، وَلاَ تَصْنَعُوا تَدْبِيرًا لِلْجَسَدِ لأَجْلِ الشَّهَوَاتِ" (رو13: 11- 14).
هنا يضع أمامهم برنامجًا روحيًا، ربما يحتاج إلى جهاد روحي ووقت. وليس هو كلامًا عن الخلاص في لحظة.
وهو في كل ذلك يكلم أناسًا مؤمنين. ولذلك فإنه يقول لهم في نفس الآية: "أَنَّهَا الآنَ سَاعَةٌ لِنَسْتَيْقِظَ مِنَ النَّوْمِ، فَإِنَّ خَلاَصَنَا الآنَ أَقْرَبُ مِمَّا كَانَ حِينَ آمَنَّا" (رو13: 11). إذًا هم كانوا مؤمنين، وقد قبلوا المسيح من قبل فاديًا ومخلصًا... ولكنهم الآن تتعبهم الخطايا، ويحتاجون إلى توبة. ويجب عدم تأجيل هذه التوبة، بل تكون الآن... فخلاصهم الآن من خطاياهم بالتوبة، أسهل من حالتهم حين قبلوا الإيمان...
إنها نفس الدعوة إلى العبرانيين، بعدم تأجيل التوبة بقوله:
الْيَوْمَ، إِنْ سَمِعْتُمْ صَوْتَهُ، فَلاَ تُقَسُّوا قُلُوبَكُمْ (عب3: 7، 8)
إنه لا يتكلم عن الخلاص في لحظة، إنما يدعوهم أن يفتحوا قلوبهم لله، وأن يتوبوا. والمفروض أن يستجيبوا بسرعة لعمل الله فيهم، لئلا يدركهم غضب الله الذي أدرك آباءهم في القفر (عب3: 8).
والرسول يقول إن عدم الرجوع إلى الله، وعدم الاستجابة لصوته، عبارة عن قساوة قلب. لذلك اليوم لا تقسوا قلوبكم...
ما علاقة هذه الآية بالخلاص في لحظة؟ إنني متعجب.
كذلك ما هي علاقة الخلاص في لحظة بهذه الآية:
اللهُ الآنَ يَأْمُرُ جَمِيعَ النَّاسِ أَنْ يَتُوبُوا
إن "اللهُ الآنَ يَأْمُرُ جَمِيعَ النَّاسِ فِي كُلِّ مَكَانٍ أَنْ يَتُوبُوا، مُتَغَاضِيًا عَنْ أَزْمِنَةِ الْجَهْلِ" (أع17: 30). فهل دعوة الله للناس إلى التوبة الآن، معناها أنهم قد خلصوا في لحظة.. إنه يدعوهم الآن، وربما يستجيبون أو لا يستجيبون. والذين يستجيبون قد يأخذون وقتًا للتخلص من خطاياهم، وقد يتدرجون في ذلك... وربما يتوبون، ويعودون إلى السقوط مرة أخرى... ولكنهم في توبتهم يتغاضى الله عن أزمنة الجهل...
فهل أمر الله للناس الآن بالتوبة، تعنى الخلاص في لحظة؟ لمجرد ورود عبارة الآن؟!
حتى لو كانت..! يقول الرسول الآن الله يأمر. وليس الآن الناس يخلصون.
وحتى عبارة "الآن يخلصون" لا تعنى لحظة...
ومع ذلك لا يخلط أحد بين عبارتي: التوبة، والخلاص. فهناك فروق بينهما نشرحها في فصل عنوانه "مفاهيم".
★★★
اليوم حصل خلاص
أما عن عبارة "الْيَوْمَ حَصَلَ خَلاَصٌ لِهذَا الْبَيْتِ" (لو19: 9). التي قالها الرب زكا وبيته، فقد شرحناها تحت عنوان: "هل خلص زكا في لحظة".
كما أن عبارة "اليوم" كما قلنا، هي خارجة عن موضوعنا.
التوبة والخلاص
نلاحظ أن باقي الآيات كلها خاصة بالتوبة، وليس بالخلاص.
والتوبة هي جزء بسيط من موضوع الخلاص. ولا يمكن أن المنادين بالخلاص في لحظة يقولون إن التوبة معناها الخلاص الآن، حيث لم يرد في هذه الآيات أية إشارة إلى الإيمان أو الدم أو الفداء أو الكفارة أو المعمودية، فهي إذًا ليست آيات خاصة بالخلاص، ولا علاقة لها بموضوعنا.
مفاهيم لاهوتية
مفاهيم لاهوتية
الخلط بين التوبة والخلاص
1- ما أكثر الذين يخلطون بين التوبة والخلاص. فإن تاب إنسان وتغيرت حياته، يقولون عنه إنه قد خلص، وهو نفسه يقول: "أنا قد خلصت" ويسجل تاريخ ذلك في مذكرته، ويدعوه البعض أن يقف على المنبر ليحكي "اختباره"، أو يحكي قصة خلاصه، لينتفع بها الآخرون...!
2- وربما تكون توبة جزئية، أقصد توبة من خطية معينة تتعبه، أو من الخطيئة الرئيسية في حياته!
ربما تكون الخطية البارزة في حياته، أو التي تشعره بأنه خارج دائرة أولاد الله، هي خطية الزنا، أو شرب الخمر، أو لعب القمار، أو السرقة... إلخ. فإن عملت التوبة في قلبه أو تأثر، وأبطل هذه الخطية البشعة، يظن أنه قد خلص، ويقول أمام الناس: "قد خلصت"!
3- ومع (خلاصه) من هذه الخطية، قد تكون له خطايا أخرى!
مثل خطية الغضب مثلًا، أو محبة المديح والمجد الباطل، أو بعض خطايا اللسان أو عدم التدقيق في الحياة، أو غير ذلك... ولكنه يقول قد خلصت، لمجرد خلاصه من الخمر والقمار أو النساء.
4- وتحضرني في هذا المجال قصة قرأتها في كتاب..
كان يتحدث مؤلفه عن إمكانية الخلاص في لحظة، فاستشهد بقصة رواها أحد الآباء الكهنة المعروفين عن إنسان كان مدمنًا على التدخين، ثم خلا إلى نفسه، ورأى أنه يحرق قوته وصحته فيما يدخن، فقرر الامتناع عن ذلك، وألقى بعلبة السجاير بعيدًا، قائلًا لها: "اذهبي، لا أرجعك الله".
وقال ذلك المدمن التائب: "ومنذ تلك اللحظة لم أعد إليها أبدًا". واعتبر المؤلف تلك القصة دليلًا على إمكانية الخلاص في لحظة!! أو دليلًا على الخلاص في لحظة من محبة الخطية!!
والعجيب أن تلك القصة، تكررت في كتاب المؤلف مرتين، كما لو كانت دليلًا قويًا دافعًا! فهل الخلاص في مفهومه، هو مجرد ترك التدخين؟! وهل الخلاص من محبة الخطية، هو مجرد الخلاص من التدخين؟! وربما تكون لهذا المدمن خطايا أخرى كثيرة، لا تزال محتاجة إلى جهاد كبير حتى الدم (عب12: 4). كما تحتاج إلى معونة كبيرة من النعمة...
وكم من أناس تخلصوا من مثل هذه الخطية، وحكوا اختباراتهم، ثم انفجروا في إحدى اللحظات في خطية غضب وسخط، لم يخلصوا منها بعد..
وحتى لو خلصوا من الغضب، هناك خطايا أخرى، وهناك ضعفات في حياتهم وحياة كل إنسان تحتاج إلى إصلاح.
5- وهم أنفسهم يقولون إن (التقديس) يحتاج إلى مسيرة العمر كله...! فهل يؤخذ الإقلاع عن التدخين دليلًا على الخلاص في لحظة؟! وهل ترك التدخين يدخل تحت عنوان التبرير أم التقديس؟! وهل هو داخل في استحقاقات الفداء والدم؟ ومتى وكيف؟
6- إن الخلاص له معنى واسع، التوبة هي جزء منه، أو هي عامل موصل إليه ضمن عوامل أخرى.
لا يجوز إذًا وضع الكلام عن التوبة، سواء كانت كلية أو جزئية، في موضع الكلام عن الخلاص. وإلاَّ فأين الحديث عن الإيمان والمعمودية، والدم والكفارة والفداء، وسائر الأمور الأخرى المتعلقة بالخلاص، مثل عمل النعمة، أو عمل الروح القدس في موضوع الخلاص..؟! إن كان مجرد ترك خطية واحدة يعتبر خلاصًا!
7- ينبغي أن يكون مفهوم الخلاص واضحًا أمامنا بمعناه الواسع..
هذا الخلاص الذي عمل الرب وما زال يعمل من أجله، وهذا الخلاص الذي نجاهد بكل قوانا، وبكل ما أوتينا من نعمة لكي نصل إليه، بعد أن أخذنا جزءًا منه، واضعين أمامنا قول الرسول: "تَمِّمُوا خَلاَصَكُمْ بِخَوْفٍ وَرِعْدَةٍ" (في2: 12)... هذا الخلاص الذي من أجله "فَإِنَّ مُصَارَعَتَنَا لَيْسَتْ مَعَ دَمٍ وَلَحْمٍ.. بَل مَعَ أَجْنَادِ الشَّرِّ الرُّوحِيَّةِ" (أف6: 12) وتحتاج إلى سِلاَحِ اللهِ الْكَامِلَ لكي نقدر أن نقاوم، وأن نثبت، وأن نطفئ جميع سهام الشرير الملتهبة..(أف6: 13، 16).
8 - ليس هو مجرد تخلص من خطية معينة، أو من جملة خطايا، فهذا هو الجانب السلبي. ويبقى جانب إيجابي، ليس الآن مجاله...
إن الخلاص - كما قلنا - موضوع واسع، التوبة جزء منه.
والتوبة أيضًا موضوع واسع، يقظة القلب جزء منه، وانسحاق القلب وندمه جزء آخر، وترك الخطية جزء ثالث، وعدم محبة الخطية جزء رابع، والاعتراف والتناول والتحليل عناصر أخرى في التوبة. تشترك فيها الكنيسة مع التائب بمساعدته على التوبة ونوال الغفران.
وواضح أن كل هذه العناصر، لا تتم في لحظة.
ومن له أذنان للسمع فليسمع.
حديثنا الحالي عن الفارق بين المفهوم الواسع الذي للخلاص، ومفهوم التوبة يجرنا هذا الحديث إلى موضوع مشابه هو:
الخلط بين التغيير والخلاص
1- قرأت في أحد الكتب فقرة يقول فيها قائلها:
"شاول الملك عندما مسحه صموئيل النبي، قال له: "يَحِلُّ عَلَيْكَ رُوحُ الرَّبِّ... وَتَتَحَوَّلُ إِلَى رَجُل آخَرَ" (1صم10: 6). وقد تم هذا القول لشاول في لحظة. إذ يسجل الكتاب قائلًا: "وَكَانَ عِنْدَمَا أَدَارَ كَتِفَهُ لِكَيْ يَذْهَبَ مِنْ عِنْدِ صَمُوئِيلَ أَنَّ اللهَ أَعْطَاهُ قَلْبًا آخَرَ" (1صم10: 9). ولاحظ تعبير الكتاب أنه "عندما أدار كتفه" وإدارة الكتف لا تستغرق وقتًا" (أهـ)
وفي الواقع لست أجد في هذه القصة دليلًا على الخلاص في لحظة، إنما أرى فيها دليلًا على عكس هذا!!
شاول الملك تغير فعلًا، وتغير في لحظة، وأعطاه الله قلبًا آخر، وعمل روح الرب فيه فتنبأ مع الأنبياء، حتى قال الناس في تعجب: "أَشَاوُلُ أَيْضًا بَيْنَ الأَنْبِيَاءِ؟!"
كل هذا حدث حقًا. ولكن ماذا كانت نهاية شاول؟
2- إن شاول الذي تغير في لحظة، وحل عليه روح الرب وتنبأ، لم يخلص أبدًا، بل هلك!
فقد ختمت حياة هذا الإنسان بمأساة، قال فيها الوحي الإلهي: "وَذَهَبَ رُوحُ الرَّبِّ مِنْ عِنْدِ شَاوُلَ، وَبَغَتَهُ رُوحٌ رَدِيءٌ مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ" (1صم16: 14) وكان يحتاج إلى داود، لكي يضرب له على العود فيهدأ. "وَالرَّبُّ نَدِمَ لأَنَّهُ مَلَّكَ شَاوُلَ عَلَى إِسْرَائِيلَ" (1صم15: 35). ولما ناح عليه صموئيل النبي، قال له الرب: "حَتَّى مَتَى تَنُوحُ عَلَى شَاوُلَ، وَأَنَا قَدْ رَفَضْتُهُ؟!" (1صم16: 1).
3- حقًا إن التغير شيء، والخلاص شيء آخر...
ولا يجوز أن نأخذ الكلام عن التغير، كلامًا عن الخلاص.
إن شاول الملك لم ينل الخلاص بتغيره، ولا بحلول روح الله عليه، ولا بموهبة النبوة التي مُنحت له، ولا بالمسحة المقدسة التي نالها من صموئيل النبي!! وكانت نهايته إلى الهلاك. ولهذا فإن الكتاب لا يعطي الأهمية الكبرى، ولا اسم الخلاص للتغيرات التي تحدث حتى للقديسين، وإنما يقول: "انْظُرُوا إِلَى نِهَايَةِ سِيرَتِهِمْ" (عب13: 7).
4- وما أسهل أن التغير إلى أفضل، يعقبه تغير آخر إلى أسوأ. وحياة الإنسان دائمة التغير. والمهم هو كيف تنتهي أيام غربته في العالم.
ومثال شاول الملك هذا، عن التغير اللحظي، لا يخدم بدعة الخلاص في لحظة، بل هو ضدها تمامًا.
ونفس الكلام نقوله أيضًا إن التغير في حياة التوبة، حتى لو تم في لحظة..!
5- وقد يتغير إنسان في لحظة، من خاطئ إلى تائب!
ولكن ذلك لا يعني أنه قد خلص، فقد يفقد توبته.
توبته قد تنقله من الموت إلى الحياة! ثم يعود إلى الموت مرة أخرى، إن لم تستمر معه التوبة، وعاد إلى الخطية، وأجرة الخطية موت (رو6: 23).
وقد تكون التوبة قوية جدًا، وعمل النعمة قويًا جدًا.
6- ويتحول في التوبة من خاطئ إلى قديس، ثم يفقد قداسته ويسقط ولا يكون قد خلص في لحظة!
وبغض النظر عن أن كلمة قديس، أطلقت في الكتاب في أحيان كثيرة على عموم المؤمنين، كما قال بولس الرسول: "سَلِّمُوا عَلَى كُلِّ قِدِّيسٍ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ" (في4: 21) "وَسَاهِرِينَ لِهذَا بِعَيْنِهِ بِكُلِّ مُواظَبَةٍ وَطِلْبَةٍ، لأَجْلِ جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ" (أف6: 18) وأرسل القديس بولس رسائله إلى "جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، الَّذِينَ فِي فِيلِبِّي، مَعَ أَسَاقِفَةٍ وَشَمَامِسَةٍ" (في1: 1). وإلى "الْقِدِّيسِينَ أَجْمَعِينَ الَّذِينَ فِي جَمِيعِ أَخَائِيَةَ" (2كو1: 1) وإلى "الْقِدِّيسِينَ فِي كُولُوسِّي" (كو1: 2) (انظر أيضًا في4: 22، عب13: 24، 1كو1: 2، 2كو13: 13).
بغض النظر عن كل هذا، نقول: كم من قديسين سقطوا، وفقدوا الدفعة الأولى في حياتهم التي حولتهم إلى قديسين، واحتاجوا إلى تكرار التوبة والتغير من جديد...
داود النبي كان قديسًا، وسقط، واحتاج إلى توبة ودموع. وشمشون كان قديسًا، ومن رجال الإيمان (عب11: 32). ومع ذلك سقط، واحتاج إلى توبة لكي يخلص. وسليمان كان قديسًا، وتحدث مع الله أكثر من مرة وتراءى له في جبعون، ومنحه قلبًا حكيمًا مميزًا لم يكن مثله من قبل ولا من بعد (1مل3: 5- 12) وتراءى له ثانية بعد تدشين الهيكل، وأخبره أنه سمع صلاته (1مل9: 2، 3). ومع ذلك سقط سليمان (1مل11: 4) واحتاج إلى توبة.
ويعوزنا الوقت إن تحدثنا عن قديسين في التاريخ سقطوا، واحتاجوا إلى توبة لخلاصهم، ومن أمثلتهم يعقوب المجاهد، وموسى السائح، وبائيسة.. وغيرهم.
إذًا الوصول إلى القداسة شيء، والوصول إلى الخلاص شيء آخر، إذ يمكن فقد القداسة. والإنسان دائم التغير.
7- يمكن أن يتغير الإنسان من خاطئ إلى قديس، ولا يكون قد خلص بعد، لأنه محتاج إلى الثبات في القداسة، وليس إلى مجرد التحول إليها...
وهوذا الرسول يقول: "فَإِذْ لَنَا هذِهِ الْمَوَاعِيدُ أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ لِنُطَهِّرْ ذَوَاتِنَا مِنْ كُلِّ دَنَسِ الْجَسَدِ وَالرُّوحِ، مُكَمِّلِينَ الْقَدَاسَةَ فِي خَوْفِ اللهِ" (2كو7: 1) ويقول: "يُثَبِّتَ قُلُوبَكُمْ بِلاَ لَوْمٍ فِي الْقَدَاسَةِ" (1تس3: 13).
8- لذلك نقول إن الخلاص هو قصة العمر كله، يمر فيها الإنسان على الإيمان والتوبة والمعمودية والقداسة، ويحتاج إلى أن يثبت.
إنه يتغير في سلوكه في حالة إلى أخرى. ولكن عليه أن يثبت في الحالة الفضلى التي يصل إليها. ولا يظن أن مجرد التغير هو الخلاص...
9- وهناك مَن يتغير ويخلص، ولكنه لا يخلص في وقت تغيره.
شاول الطرسوسي مثلًا: تغير قلبه من مضطهد للكنيسة إلى مؤمن بالرب يسوع وصار إناءً مختارًا (أع 9) ولكنه لم يخلص في لحظة لقائه بالرب، وفي لحظة هذا التغير.
بل أرسله الرب إلى حنانيا الذي قال له: "أيها الأخ شاول... لِمَاذَا تَتَوَانَى؟ قُمْ وَاعْتَمِدْ وَاغْسِلْ خَطَايَاكَ" (أع22: 16). إذًا خطاياه لم تكن قد غسلت حتى ذلك الوقت. فلما اعتمد اغتسل منها وخلص (مر16: 16).
إذًا ساعة التغير، ليست هي ساعة الخلاص
كما أن كثيرين يحتاجون إلى مدة طويلة للتغير..
10- ما أكثر نواحى التغير في حياة الإنسان. ولكن ليس كل تغير خلاصًا. إنك قد تتأثر بعظة أو بقراءة معينة، فتغير شيئًا من حياتك، أو تغير حياتك كلها. ولكن هذا التغير ليس هو الخلاص.
ربما مزمور واحد يغير حياتك، أو آية تغير حياتك، أو معجزة تغير حياتك. تغيرها إلى التوبة أو التكريس مثلًا.
11- ولكن تكريس الحياة شيء، والخلاص شيء آخر
إن آية واحدة سمعها الأنبا أنطونيوس، استطاعت أن تغير حياته فذهب وباع كل ماله وأعطاه للفقراء، واتجه إلى حياة الرهبنة. أيجرؤ أحد أن يقول إن الأنبا أنطونيوس نال الخلاص، حينما سمع هذه الآية وتغير؟!
حقًا إنه تغيير. ولكن الرهبنة شيء، والخلاص شيء آخر.
إذًا لا يجوز أن نأخذ كل تغيير على أنه خلاص!
12- حدث أيضًا أن القديس أغسطينوس جلس جلسة روحية مع نفسه، قادته إلى التوبة وتغيير الحياة. وكانت جلسة تاريخية حاسمة، ولكنه لم ينل الخلاص في تلك الجلسة. ولقد قرأ كتاب حياة الأنبا أنطونيوس، وتأثر به جدًا. ولكن هذا التأثر وما تبعه من تغيير لم يكن هو الخلاص، إنما كان خطوة في الطريق.
إن الجلسة مع النفس هامة، وقد تكون نتيجتها تغيرًا أو سعيًا إلى التوبة. ولكنها مجرد خطوات إلى الله.
ليست هذه الخطوات هي الخلاص، إنما تقود إليه.
قد تأخذ من الجلسة قوة من الله ونعمة تعينك في حياتك. وقد تنتهي إلى تصميم داخلي على التوبة. كل هذا حسن ومفيد، ولكن ليس هو الخلاص. إنها مجرد وسائل... هكذا كان القديسون يجلسون إلى أنفسهم، أو يدخلون داخل أنفسهم. ولكنهم لم ينالوا الخلاص في تلك اللحظات، إنما نالوا نعمة وبركة.
بعض من الذين تغيروا، ونالوا خلاصًا بالإيمان والتوبة والمعمودية، تعرضوا لتغيير عكسي أوصلهم إلى الردة.
وقصص هذه الردة كثيرة في الكتاب المقدس: منها قصة ديماس الذي كان أحد مساعدي القديس بولس الرسول في الكرازة (كو4: 14) والذي ذكره في إحدى المرات قبل القديس لوقا (فل 24). هذا تغير وارتد وقال عنه القديس بولس: "دِيمَاسَ قَدْ تَرَكَنِي إِذْ أَحَبَّ الْعَالَمَ الْحَاضِرَ" (2تي4: 10).
ومن أمثلة ديماس، أولئك الذين قال عنهم الرسول: "لأَنَّ كَثِيرِينَ يَسِيرُونَ مِمَّنْ كُنْتُ أَذْكُرُهُمْ لَكُمْ مِرَارًا، وَالآنَ أَذْكُرُهُمْ أَيْضًا بَاكِيًا، وَهُمْ أَعْدَاءُ صَلِيبِ الْمَسِيحِ" (في3: 18).
إن الردة رد على مَن يضعون عبارة (التغير) في موضع كلمة (الخلاص) وما أسهل أن يتغير الإنسان في لحظة، من خاطئ إلى تائب، إلى قديس. وينتقل من ظلمة إلى نور، ومن موت إلى حياة، وينال قوة.
ثم يتغير إلى العكس مرة ثانية، وقد يهلك أخيرًا!
لحظات مباركة.. ليست لحظات خلاص
1- في حياة كل إنسان، لا شك توجد لحظات مباركة:
قد تكون لحظات مباركة أو مقدسة. أو لحظات مصيرية. أو لحظات ممجدة. أو لحظات زهد ونسك. أو لحظات تغيير أو تحول في التفكير والقرارات. أو لحظات اتفاق أو عهد مع الله. أو لحظات توبة، أو مصالحة مع الله. أو لحظات تأمل...
ولكن ولا واحدة من هذه، يمكن تسميتها لحظة خلاص.
وسنحاول أن نضرب أمثلة لكل هذه أو بعضها:
2- اللحظة التي تأمل فيها القديس أنطونيوس جثة أبيه، وقال له: [أين عظمتك وقوتك وسلطانك؟! لقد خرجت من العالم بغير إرادتك. ولكنني سأترك العالم بإرادتي، قبل أن يخرجونني كارهًا].
كانت هي لحظة زهد ونسك، وكانت لحظة مصيرية. ولكنها لم تكن لحظة خلاص. لأننا لا نستطيع أن نقول عن القديس أنطونيوس أنه خلص في تلك اللحظة.
ولكن يمكننا أن نقول إنها لحظة مباركة، لحظة تأمل، شعر فيها القديس أنطونيوس بفناء هذا العالم، في هذا، وخط لنا الطريق الملائكي الجميل...
3- كذلك اللحظات التي جلس فيها الابن الضال إلى نفسه، وهو بين الخنازير في تلك الكورة البعيدة، وأدرك سوء حالته، وعزم على التوبة والرجوع إلى بيت أبيه...
كانت لحظات مصيرية، غيرت حياة الابن الضال، وأرجعته إلى بيت أبيه، ولكنها لم تكن لحظة خلاص، لأن الخلاص لا يمكن أن يتم في الكورة البعيدة!
4- كذلك كانت لحظة مباركة تلك التي جلس فيها القديس أغسطينوس إلى نفسه، وأيضًا تلك الساعات التي تأثر فيها جدًا بقراءة سيرة الأنبا أنطونيوس ولكنها لم تكن مطلقًا لحظة خلاص.
إن القديس لم يخلص وهو يقرأ حياة الأنبا أنطونيوس!
5- كذلك قد تمر على الإنسان لحظات توبة، يشعر فيها بكراهية الخطية، أو يرى فيها أن محبة الخطية قد انتزعت تمامًا من قلبه ولم يعد يشتاق إليها، سواء الخطية عمومًا، أو خطية معينة... ولكن كل لحظة من هذه، ليست لحظة خلاص.
إنها لحظة توبة، وليست لحظة خلاص. وما أسهل أن يعود إلى الخطية مرة أخرى، بعد شعوره أن محبتها قد انتزعت من قلبه.
6- وقد تمر على الإنسان لحظات مقدسة، يتمتع فيها بزيارة من زيارات النعمة، ويسمع بها صوت الله في قلبه، ويكون في حالة روحية يشعر بها تمامًا أنه في الملكوت. ألم يقل الرب: "مَلَكُوتُ اللهِ دَاخِلَكُمْ" (لو17: 21).
زيارة النعمة لحظة مقدسة، ولكنها ليست لحظة خلاص.
إنها متعة بالله، وشعور بوجوده، وشعور بعمل الله داخل الإنسان. ولكنها لا تستمر. هي مجرد مذاقة للملكوت، ثم يعود الإنسان إلى حالته الأولى، أو إلى حالة أفضل قليلًا، ولكنه لا يستمر في هذا الملكوت طول حياته...
7- وقد تمر على الإنسان لحظات توبة أو لحظات تغير، ولكنها ليست لحظات خلاص كما شرحنا.
وقد يشعر الإنسان بضرورة التوبة الآن، وعدم تأجيلها مطلقًا، كما حدث لأغسطينوس، وكما حدث للابن الضال... ولكن التوبة وليست هي الخلاص. هي مجرد فرع منه، وتحتاج إلى خطوات بعدها. كما يمكن أن تحدث ردة أو نكسة للإنسان، فيرجع إلى الخطية مرة أخرى بعد توبته. والشيطان قد يترك الشخص "إِلَى حِينٍ" (لو4: 13) ثم يعود إلى تجاربه مرة أخرى.
مزمور واحد قد يغير حياة الإنسان ويجذبه إلى الله. ثم تجربة بعد ذلك قد تقذف به بعيدًا. وهكذا يجتاز مراحل عديدة من التغير، حتى يستقر في حضن الله، ولكن ليس في لحظة!
8- كذلك قد تمر على الإنسان لحظات اتفاق أو عهد مع الله. يكون في حالة روحية يبرم فيها مع الله عهدًا. ثم يقول: "تعهدات فمي باركها يا رب" (مز 119). لأنه ما أكثر تعهدات الإنسان التي لا يثبت فيها، كما قيل:
كم وعدت الله وعدًا حانثًا |
| ليتني من خوف ضعفي لم أعِدْ |
حقًا إذا اقتنع القلب، تستطيع في لحظة أن تصل إلى اتفاق مع الله إن أردت...
ولكن الاتفاق شيء، وتنفيذ الاتفاق شيء آخر. ربما تتفق مع الله في لحظة، ثم تكسر اتفاقك في لحظات أخرى.
9- هناك أيضًا لحظات مقدسة قد تقود إلى الإيمان. فلا شك أنها مقدسة ومملوءة بركة تلك اللحظة التي جلس فيها مار مرقس إلى إنيانوس الإسكافي ليصلح حذاءه.
ولكن لحظة إصلاح الحذاء، لم تكن هي لحظة الخلاص. إنما كانت بداية لحديث وشرح أدّى إلى الإيمان وإلى المعمودية فيما بعد. ولم يتم كل ذلك في لحظة.
ومع ذلك فقد كانت مقدسة ولحظة مباركة، كبداية لطريق روحي اقتنع فيها ذلك الإسكافي بزيف الوثنية، كما اقتنع بالإيمان المسيحي. ولا يمكن أن يكون هذا الإيمان قد تم في لحظة.
10- وقد تمر على الإنسان لحظات في العمل الروحي الداخلي.
لحظات صلاة، أو مناجاة، أو صراع مع الله. يجلس فيها مع الله ويقول له: "يا رب قد رجعت إليك بعد زمان طويل من الغربة قضيته وأنا بعيد عنك. أنا أريد أن أكون معك دائمًا... أريد أن أجلس إليك أصالحك، وأصالحك بأي شرط".
صلاة جميلة، ورغبة في المصالحة، ولكنها ليست لحظة خلاص.
فقد تقف عوائق كثيرة ضد هذه المصالحة، ويتعرض الإنسان إلى مقاومات عملية، وحروب داخلية وخارجية، حتى يصل إلى هذا الصلح... ويثبت فيه. لأنه ما أسهل أن يصطلح الإنسان مع الله، ويرجع فيغضبه مرة أخرى.
11- ومن اللحظات المقدسة، لحظة المغفرة.
في اللحظة التي أسلم فيها المسيح نفسه على الصليب، قدم مغفرة شاملة. هذا من جهته هو. أما من جهة الناس فلم ينالوا هذه المغفرة في لحظة. إنما نالها كل شخص على حدة، أو كل مجموعة بعد خدمة الكلمة والكرازة، وبعد معجزات وآيات، وبعد شرح وإقناع، وبعد إيمان وتوبة ومعمودية. ولم ينلها أحد في لحظة.
فرق بين عمل الله الذي يتم في لحظة، وعمل الإنسان.
إن الله يقدر أن يغفر لك في لحظة. ولكنك لكي تصل إلى استحقاق هذه المغفرة قد تحتاج إلى جهاد طويل ووقت.
ومع ذلك قد غفر الله أحيانًا، ثم عاقب بعدها.
ولعل من أبرز الأمثلة على ذلك قصة ذلك العبد المديون الذي ترك له السيد عشرة آلاف وزنة. ثم تقابل هذا مع رفيق له مديون بمائة دينار فأمسكه وألقاه في السجن. فما الذي حدث لهذا العبد المديون الذي ترك له سيده كل الدين؟ يقول الكتاب:
"فَدَعَاهُ حِينَئِذٍ سَيِّدُهُ وَقَالَ لَهُ: أَيُّهَا الْعَبْدُ الشِّرِّيرُ، كُلُّ ذلِكَ الدَّيْنِ تَرَكْتُهُ لَكَ لأَنَّكَ طَلَبْتَ إِلَيَّ أَفَمَا كَانَ يَنْبَغِي أَنَّكَ أَنْتَ أَيْضًا تَرْحَمُ الْعَبْدَ رَفِيقَكَ كَمَا رَحِمْتُكَ أَنَا؟ وَغَضِبَ سَيِّدُهُ وَسَلَّمَهُ إِلَى الْمُعَذِّبِينَ حَتَّى يُوفِيَ كُلَّ مَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ. فَهكَذَا أَبِي السَّمَاوِيُّ يَفْعَلُ بِكُمْ إِنْ لَمْ تَتْرُكُوا مِنْ قُلُوبِكُمْ كُلُّ وَاحِدٍ لأَخِيهِ زَّلاَتِهِ" (مت18: 24- 35).
وأخيرًا هناك لحظة مجيدة قد تساوي حياة...
مثل لحظة وقوف موسى وإيليا مع المسيح على جبل التجلي، ومثل لحظات من رؤيا يوحنا الحبيب التي رأى فيها عرش الله والقوات السمائية، ومثل اللحظة التي رأى فيها يعقوب أبو الآباء سلمًا بين السماء والأرض والملائكة صاعدة ونازلة عليه، ومثل لحظة وقوف موسى أمام العليقة، أو أمام البحر المنشق إلى نصفين...
كلها لحظات مجيدة، ولكنها ليست لحظات خلاص.
أخيرًا
لا نأخذ كل جملة وردت فيها عبارة "لحظة" لكي تكون دليلًا على (الخلاص في لحظة)!! إن كل عبارة لها معناها واستخدامها، الذي قد لا يكون له علاقة على الإطلاق بموضوع الخلاص.
كل كلمة في الموضوعات اللاهوتية تحتاج إلى عمق في فهمها، لأن لفظة قد تختلف تمامًا تمامًا عن لفظة أخرى.
ومَن له أذنان للسمع فليسمع (لو14: 35).
المغفرة قبل الصليب
يركز الإخوة البروتستانت - في موضوع الخلاص - على مجموعة من الآيات، يريدون أن يثبتوا بها أن المغفرة قد تمت في لحظة، وأنها تمت بدون تدخل من الكنيسة، وبدون الأسرار، وبدون الكهنوت!... فما هي هذه الآيات لنفهمها معًا؟
آيات يلزمنا فهمها
1- قول الرب للمفلوج: "مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ" (مر2: 5).
2- قول الرب للمرأة الخاطئة: "مَغْفُورَةٌ لَكِ خَطَايَاكِ" (لو7: 48).
3- قوله عن زكا: "الْيَوْمَ حَصَلَ خَلاَصٌ لِهذَا الْبَيْتِ" (لو19: 9).
4- قوله عن العشار: "إِنَّ هذَا نَزَلَ إِلَى بَيْتِهِ مُبَرَّرًا" (لو18: 14).
وقاعدتنا التي نسير عليها، هي أن نفهم النصوص المقدسة في ضوء المفهوم اللاهوتي السليم، خوفًا من أن يحدث تناقض بين النصوص، والمفاهيم اللاهوتية الثابتة. فما هي القواعد اللاهوتية التي نضعها أمامنا، لكي نفهم هذه الآيات وغيرها فهمًا سليمًا؟
القاعدة الأولى هي أنه "وَبِدُونِ سَفْكِ دَمٍ لاَ تَحْصُلُ مَغْفِرَةٌ" (عب9: 22). وهذه القاعدة هي أساس الفداء عند الكل.
وهذه المغفرة تم نوالها، حينما سفك السيد المسيح دمه على الصليب من أجلنا بعد أن "وَضَعَ الرَّبُّ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا" (إش53: 6). وهكذا "حمل خطايا العالم كله" ومات كفارة لخطايا العالم كله (يو1: 29، 1يو2: 2).
استنتاجًا من هذا نضع أمامنا قاعدة لاهوتية أخرى وهي:
لم ينل أحد الخلاص قبل صلب المسيح، حتى الآباء والأنبياء.
بل أن القديس بولس الرسول عن كل أبطال الإيمان من الآباء والأنبياء: "فِي الإِيمَانِ مَاتَ هؤُلاَءِ أَجْمَعُونَ، وَهُمْ لَمْ يَنَالُوا الْمَوَاعِيدَ، بَلْ مِنْ بَعِيدٍ نَظَرُوهَا وَصَدَّقُوهَا" (عب11: 13).
وكل الآباء والأنبياء انتظروا في الجحيم، على رجاء، دون أن ينالوا الخلاص، إلى أن نقلهم المسيح إلى الفردوس بعد صلبه.
لما مات المسيح، ودفع أجرة الخطية التي هي الموت (رو6: 23)، حينئذ "نَزَلَ أَيْضًا أَوَّلًا إِلَى أَقْسَامِ الأَرْضِ السُّفْلَى" "وسَبَى سَبْيًا" (أف4: 9، 8) "ذَهَبَ فَكَرَزَ لِلأَرْوَاحِ الَّتِي فِي السِّجْنِ" (1بط3: 19). وهكذا منح "الْخَلاَصَ الَّذِي فَتَّشَ وَبَحَثَ عَنْهُ أَنْبِيَاءُ" (1بط1: 10). هذا الخلاص الذي لم ينله أحد إلاَّ بدم المسيح، الذي كان "مَعْرُوفًا سَابِقًا قَبْلَ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ، وَلكِنْ قَدْ أُظْهِرَ فِي الأَزْمِنَةِ الأَخِيرَةِ مِنْ أَجْلِكُمْ" (1بط1: 20).
فالذي ينادى بخلاص ومغفرة قبل صلب المسيح، إنما ينكر عقيدة الفداء ويكون المسيح قد تجسد إذًا عبثًا، بلا هدف!
إن كان يمكن للرب أن يمنح الخلاص والمغفرة، بكلمة، بدون الدم والفداء، فلماذا إذًا التجسد والصلب والآلام والجلجثة؟ وأين يكون موضع العدل الإلهي؟!
حقًا إن الله يستطيع كل شيء، ويستطيع أن يمنح المغفرة بكلمة... ولكنه لا يفعل ذلك على حساب عدله!
وعدله يقتضي دفع ثمن الخطية، وثمن الخطية هو الموت. والموت حدث على الصليب. لذلك تأجل منح كل مغفرة، إلى أن يتم الفداء على الصليب. ما دام الأمر هكذا، فكيف نفهم كل مغفرة قبل الصليب؟
كل مغفرة قبل الصليب، هي وعد بالمغفرة، أو صك بالمغفرة. وقد تم نوال هذه المغفرة لما مات المسيح على الصليب.
على الصليب غفر الرب خطايا المفلوج، وخطايا المرأة الخاطئة، وخطايا زكا والعشار. وأيضًا على الصليب، وعليه وحده، تمت المغفرة لكل الذين أخذوا كلمة أو صكًا بالمغفرة في العهد القديم، عن طريق ذبائح الخطية والإثم، وعن طريق المحرقات وتصريحات الكهنة والأنبياء.
وبهذا لا يكون الخلاص من الخطية قد تم في لحظة، بالنسبة إلى المفلوج، والمرأة الخاطئة، والعشار، وزكا، وأمثالهم...
إنما أخذوا صكًا بالمغفرة، ونالوا هذه المغفرة على الصليب.
أنهم استحقوا المغفرة بكلمة المسيح، لأنها تصريح إلهي ونعمة إلهية. ولكن هناك فرقًا بين استحقاق المغفرة ونوال المغفرة.
فلو كان المفلوج أو العشار أو زكا... قد مات قبل الصلب، لكان عليه أن ينتظر في الجحيم، إلى أن ينقله المسيح إلى الفردوس - حسب وعده - بعد الصلب والفداء. نقطة أخرى نضيفها، أو مفهوما لاهوتيًا آخر:
لو عاش كل هؤلاء الذين سمعوا كلمة المغفرة، إلى ما بعد تأسيس الكنيسة وأسرارها، لكان عليهم أن ينالوا نعمة العماد، وباقي نعم الأسرار الكنسية، حسب قول الرب: "مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ" (مر16: 16) وحسب قوله: "إِنْ لَمْ تَأْكُلُوا جَسَدَ ابْنِ الإِنْسَانِ وَتَشْرَبُوا دَمَهُ، فَلَيْسَ لَكُمْ حَيَاةٌ فِيكُمْ" (يو6: 53).
إن مغفرة الرب لهم قبل صلبه، لا تعني أن يخرجوا عن تعليمه الذي أودعه رسله قائلًا لهم: "وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ... وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ" (مت28: 19، 20).
في وقت منح المغفرة لكل هؤلاء، لم تكن الأسرار الكنسية قد تأسست. وما كانوا مطالبين بمعمودية، لأن المعمودية هي موت مع المسيح (رو6: 3، 4) ولم يكن المسيح قد مات بعد...
إن الأسرار الكنسية قد تأسست على استحقاقات دم المسيح. ولم يكن دم المسيح قد سُفك بعد في ذلك الحين، فلا داعي إذًا للحديث عن هذه الأسرار، واشتراطها قبل تأسيسها...
فإن قال أحد إنه في كل أمثلة المغفرة السابقة، لم يرد ذكر للكنيسة والكهنوت والأسرار، فلا لزوم لكل هذا!!.. نقول أيضًا إنه لم يرد في أي منها ذكر للفداء والدم والكفارة والإيمان بالمسيح فاديًا ومخلصًا... فهل على نفس القياس، لا لزوم لكل هذا؟!
الإيمان والخلاص
لا يوجد أحد يجادل في أن الإيمان لازم للخلاص. فالذي لا يؤمن يهلك. والسيد المسيح يقول: "وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ يُدَنْ" (مر16: 16). ويقول الكتاب أيضًا: "اَلَّذِي يُؤْمِنُ بِهِ لاَ يُدَانُ، وَالَّذِي لاَ يُؤْمِنُ قَدْ دِينَ، لأَنَّهُ لَمْ يُؤْمِنْ بِاسْمِ ابْنِ اللهِ الْوَحِيدِ" (يو3: 18). انظر أيضًا (يو3: 36). ولا داعي لأن نورد كل الآيات الخاصة بالإيمان، فلزوم الإيمان قاعدة مسلم بها من الجميع.
إنما الأمر غير المقبول هو التعليم بأن الخلاص يكون بالإيمان وحده، مع تجاهل مسائل إيمانية من تعليم المسيح نفسه!
فالمسيح هو الذي قال: "مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ" (مر16: 16). ولم يقل: "من آمن خلص" بحذف المعمودية. والمسيح هو الذي قال عن التوبة: "إِنْ لَمْ تَتُوبُوا فَجَمِيعُكُمْ كَذلِكَ تَهْلِكُونَ" (لو13: 3، 5). وهو الذي قال عن الأعمال: "لَيْسَ كُلُّ مَنْ يَقُولُ لِي: يَا رَبُّ، يَا رَبُّ! يَدْخُلُ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ" (مت7: 21).
لماذا إذًا التركيز على الإيمان وحده في موضوع الخلاص، وتجاهل المعمودية والتوبة والأعمال، وكلها من تعليم المسيح؟! وكذلك التناول من جسده ودمه (يو6: 53)!
إنه نوع من التطرف أن يتحمس إنسان لشيء، فيدعى أنه كل شيء، وأن ما عداه لا شيء...!
الإيمان له أهميته. والمعمودية أيضًا لها أهميتها. والتوبة لها أهميتها. وباقي الأمور لها أهميتها. فما معنى إنكار كل شيء. والإصرار على عبارة "آمن فقط"، بينما الكتاب يذكر إلى جوار الإيمان أمورًا كثيرة...
إننا نشدد على الإيمان، في الكرازة لغير المؤمنين...
وهكذا كان يفعل الآباء الرسل في التبشير بالإنجيل لغير المؤمنين، على اعتبار أن كل أعمالهم الصالحة بدون إيمان، لا يمكن أن تخلصهم. فلا بد من الإيمان بالفداء، والإيمان بالمسيح فاديًا ومخلصًا.
وإيمانهم هذا هو الخطوة الأولى التي تقودهم إلى باقي النقط التي هي من حقائق الإيمان المسيحي وجزء منه.
إن الرسل ما كانوا يستطيعون أن يحدثوا غير المؤمنين عن المعمودية وأهميتها للخلاص فإن آمنوا، حدثوهم عنها، وعمدوهم. وهم لا يستطيعون أن يبدأوا الحديث مع غير المؤمنين عن التناول من جسد المسيح ودمه، إنما عليهم أولًا أن يؤمنوا بالمسيح، وذبيحة المسيح على الصليب. وبعد ذلك يحدثونهم عن جسد المسيح ودمه... فهذا هو المنطق الطبيعي لخطوات التعليم.
سجان فيلبي، يحدثونه أولًا عن الإيمان بالمسيح لكي يخلص. فإن آمن بالمسيح، يحدثونه عن المعمودية، ويعمدونه هو والذين له أجمعين (أع16: 30- 33).
إن كلام الرسل عن الإيمان، لا يلغي أهمية المعمودية والأسرار الكنسية التي تأتي بعده. بل الإيمان هو خطوة ممهدة لها، لأنه لا ينال من أسرار الكنيسة إلاَّ المؤمنون... المؤمنون بالمسيح والمؤمنون بها. فهي جزء من الإيمان.
وهنا نأخذ الإيمان بمعناه الواسع، أي الإيمان بكل الحقائق الإيمانية، التي ترد في قانون الإيمان، وفي كل عقيدة الكنيسة في كل تعليم المسيح.
هل الإيمان، هو فقط الإيمان بالمسيح فاديًا ومخلصًا؟ أم هو الإيمان أيضًا بلاهوت المسيح وتجسده وصلبه وقيامته وصعوده ومجيئه الثاني... وأيضًا الإيمان بالثالوث القدوس، وبعمل الروح القدس في الكنيسة، والإيمان بالمعمودية والقيامة العامة، وكل حقائق الإنجيل.
والإيمان ليس هو الحقائق النظرية، بل أيضًا حياة الإيمان.
وحياة الإيمان تشمل الإيمان الحي (يع2: 17، 20)، والعامل بالمحبة.
وحياة الإيمان تشمل الإيمان الحي (غلا3: 11، يع2: 17، 20)، والإيمان العامل بالمحبة (غلا5: 6)، الذي يثمر ثمر الروح (غلا5: 22)... حقًا إن كلمة "إيمان" كلمة واسعة للذين يفهمونها، قد تشمل الحياة الروحية كلها (اقرأ الفصل الخاص بالإيمان في كتابنا: الخلاص في المفهوم الأرثوذكسي).
والحديث عن الإيمان، حتى الإيمان وحده، لا يلغي أهمية الكنيسة. لأن الإيمان يناله عن طريق الكنيسة.
كيف وصل الإيمان إلى العالم؟ أليس عن طريق الكنيسة؟ أليس عن طريق معلمي الكنيسة الذين نشروا الإيمان في المسكونة كلها: أولًا الآباء الرسل، ثم تلاميذهم الآباء الأساقفة والقسوس... إلى كل المعلمين في جيلنا.
هوذا بولس الرسول يقول: "لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَدْعُو بِاسْمِ الرَّبِّ يَخْلُصُ.. فَكَيْفَ يَدْعُونَ بِمَنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ؟ وَكَيْفَ يُؤْمِنُونَ بِمَنْ لَمْ يَسْمَعُوا بِهِ؟ وَكَيْفَ يَسْمَعُونَ بِلاَ كَارِزٍ؟ وَكَيْفَ يَكْرِزُونَ إِنْ لَمْ يُرْسَلُوا؟" (رو10: 13- 15).
ماذا نقول إذًا عن الذين نالوا الإيمان عن طريق الكنيسة لكي يخلصوا. ولما آمنوا، أنكروا أهمية الكنيسة في موضوع الخلاص!
تبقى بعد ذلك نقطة خاصة بعلاقة الإيمان بالمعمودية:
فالبعض يمنعون معمودية الأطفال، لأنهم لم يصلوا بعد إلى الإيمان الواعي وينتظرون عليهم بلا معمودية حتى ينضجوا!
فما مصير هؤلاء الأطفال إذًا، بلا معمودية، وبلا إيمان، هل نتركهم ليهلكوا؟!
لقد خصصت بابًا طويلًا عن "معمودية الأطفال" في الجزء الخاص بالمعمودية في كتابنا "اللاهوت المقارن" أنصح بقراءته. أما الآن فأقول إن الأطفال ليست لهم أية عوائق ضد الإيمان. ونحن نعمدهم على إيمان والديهم ليخلصوا، كما خلص الأطفال الأبكار بإيمان والديهم الذين لطخوا الأبواب بدم الفصح (خر 12) وكما خلص الأطفال بإيمان آبائهم وأمهاتهم في عبور البحر الأحمر، وكما خلصوا بإيمان الآباء والأمهات بالختان في اليوم الثامن (تك 17) وكان الختان يرمز إلى المعمودية (كو2: 11، 12).
نعمد الأطفال حرصًا على خلاصهم (يو3: 5، مر16: 16) وبالمعمودية يدخلون الكنيسة ويتلقون فيها الإيمان من نعومة أظفارهم. يعيشون فيه إيمانًا حيًا، وليس مجرد إيمان عقلي. أما إن تركنا الأطفال بدون عماد، وبدون عضوية الكنيسة والاشتراك في حياتها، وفي عمل الروح القدس في أسرارها، فإننا نكون بذلك قد أبعدناهم عن الإيمان العملي الذي يحيونه بالممارسة، ويتشربونه من حياة الكنيسة..!
يقولون: وماذا إن كبر الطفل ولم يؤمن أو فسد؟
نقول إن تعليمه الإيمان هو مسئولية والديه، ومسئولية الكنيسة. فإن رفض الإيمان حينما يكبر، يكون كأي مرتد (عب10: 38). ونكون نحن قد أدينا واجبنا من نحوه، ولم نمنع عنه وسائط الخلاص. وفي نفس الوقت لسنا نرغم حرية إرادته...
هنا ونود أن نقول ملاحظة عن "الإيمان الواعي"
هل كل الكبار لهم النضوج الروحي والذهني، الذي يدخلهم تحت عبارة "الإيمان الواعي"؟ ألاَّ يوجد كبار كثيرون ليس لهم هذا الوعي ولا هذا النضوج، ولا يعرفون من الإيمان إلاَّ أمورًا بسيطة. ولا يستوعبون كثيرًا من أعماق الإيمان وحقائقه... ما هي مقاييس هذا الإيمان الواعي؟ وما مدى انطباقه على طبقات من الشعب تحتاج إلى مدى زمني طويل لكي تصل إلى هذا الوعي، وقد لا تصل إطلاقًا! وعلى الرغم من هذا، قد سمح بعمادهم من جهة السن. أما من جهة المعرفة فلا فرق بينهم وبين الصغار..! هل لا يسمح بعماد هؤلاء أيضًا؟ وإلا لماذا إذًا التركيز على الأطفال، الذين قال عنهم المسيح: "دَعُوا الأَوْلاَدَ يَأْتُونَ إِلَيَّ وَلاَ تَمْنَعُوهُمْ لأَنَّ لِمِثْلِ هؤُلاَءِ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ" (مت19: 14).
التبرير أم التقديس
يقولون: نحن في الكلام عن الخلاص في لحظة، إنما نقصد التبرير وليس التقديس، لأن التقديس يحتاج إلى مسيرة العمر كله!
فنجيبهم. ولكننا هنا نتحدث عن الخلاص. ولسنا نقول التبرير أو التقديس، وإنما الخلاص بوجه عام.
فإن كنتم تقصدون مجرد التبرير، إذًا حددوا كلامكم وقولوا: إنما نقصد التبرير في لحظة، وليس الخلاص في لحظة.
فإن قصدتم بالتبرير، الخلاص من الخطية الأصلية، ومن الخطايا السابقة للمعمودية، وليس البر الذي في المسيح يسوع (غلا3: 27)، حينئذ نقدم السؤال الثاني:
وهل هذا التبرير، هو أيضًا يتم في لحظة؟!
إن كان لا بد من الإيمان والمعمودية حسب قول السيد المسيح: "مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ" (مر16: 16). وإن كان لا بد من التوبة حسب قول القديس بطرس في يوم الخمسين (أع2: 38)... فكيف يمكن أن يجتمع الإيمان والتوبة والمعمودية في لحظة؟!
إذًا هذا التبرير لا يمكن أن يتم في لحظة...
إن قلنا إنه يتم في (لحظة) المعمودية، نكون قد تجاهلنا الإيمان، وتجاهلنا التوبة التي ينبغي أن تسبق المعمودية.
وإن قلنا إنه يتم في (لحظة) الإيمان، نكون قد تجاهلنا المعمودية والتوبة...
ومع ذلك فالإيمان لا يتم في لحظة، ولا المعمودية في لحظة. وقد شرحنا هذا من قبل (انظر صـ223- 224).
الإجابة بآية لا تكفي
درج البعض في كثير من الأمور اللاهوتية، أن يضعوا سؤالًا يجاب عليه بآية. ويحاولون بهذا أن يقنعوا (البسطاء) وغير العارفين، على أساس أن هذا هو تعليم الكتاب!! أو أن هذا هو الحق الإنجيلي..
هكذا فعل السبتيون الأدفنتست في كتابهم "الله يتكلم". وهكذا يفعل كثير من كاتبي النبذات، وواضعي الكتب المخالفة للعقيدة. ونحن نقول لكل هؤلاء:
إن آية واحدة من الكتاب - في الأمور المختلف عليها - لا تكفي، ولا تقدم الحق الكتابي. إنما يقدمه تجميع آيات الكتاب المتعلقة بالموضوع، حتى يتكامل الفهم...
وفي كتابنا "الخلاص في المفهوم الأرثوذكسي" تجدون موضوعًا كاملًا بعنوان
"خطورة الآية الواحدة" يمكن الرجوع إليه. أما في هذا المجال فسوف أقدم لكم بضعة أمثلة، تظهر لنا خطأ الإجابة بآية واحدة:
1- لنفرض أن إنسانًا سألك عن كيفية الولادة من الله؟
أتستطيع أن تجيب عليه، بأن تقدم له هذه الآية: "إِنْ عَلِمْتُمْ أَنَّهُ بَارٌّ هُوَ، فَاعْلَمُوا أَنَّ كُلَّ مَنْ يَصْنَعُ الْبِرَّ مَوْلُودٌ مِنْهُ" (1يو2: 29)!! هل يمكن بهذه الآية وحدها أن تقدم تعليمًا كتابيًا، خلاصته أن الإنسان يولد من الله، عن طريق أعمال البر التي يعملها! دون ذكر إطلاقًا للإيمان والمعمودية!!
وبالمثل هل يمكن للإجابة على نفس السؤال، أن تضع الآية التي تقول: "شَاءَ فَوَلَدَنَا بِكَلِمَةِ الْحَقِّ" (يع1: 18). ويصبح الميلاد الثاني بمجرد الكلمة، دون ذكر لقبول والإيمان والمعمودية والتوبة!
أم إنك في الإجابة على السؤال الخاص بالميلاد الثاني، تضع كل الآيات المتعلقة بالميلاد، هاتين وغيرهما..
مثل قول السيد المسيح: "إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنَ الْمَاءِ وَالرُّوحِ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ مَلَكُوتَ اللهِ" (يو3: 5) وأيضًا قول الكتاب: "بَلْ بِمُقْتَضَى رَحْمَتِهِ خَلَّصَنَا بِغُسْلِ الْمِيلاَدِ الثَّانِي وَتَجْدِيدِ الرُّوحِ الْقُدُسِ" (تي3: 5).
2- ولنفرض أن إنسانًا سألك: ما هي الديانة المقبولة من الله؟
أتستطيع أن تجيبه بآية واحدة هي: "اَلدِّيَانَةُ الطَّاهِرَةُ النَّقِيَّةُ عِنْدَ اللهِ الآبِ هِيَ هذِهِ: افْتِقَادُ الْيَتَامَى وَالأَرَامِلِ فِي ضِيقَتِهِمْ، وَحِفْظُ الإِنْسَانِ نَفْسَهُ بِلاَ دَنَسٍ مِنَ الْعَالَمِ" (يع1: 27). وهل تمثل هذه الآية وحدها، كل الحق الكتابي، دون أي حديث عن الإيمان السليم؟!
يقينًا أنك لن تقبل. فلماذا إذًا تستخدم أسلوب الآية الواحدة في مواضع أخرى، لتخدم أفكارك؟!
3- وإن سألك أحد: كيف ينتقل الخاطئ من الموت إلى الحياة؟
أتستطيع أن توقفه أمام آية واحدة فقط هي قول القديس يوحنا الرسول: "نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّنَا قَدِ انْتَقَلْنَا مِنَ الْمَوْتِ إِلَى الْحَيَاةِ، لأَنَّنَا نُحِبُّ الإِخْوَةَ" (1يو3: 14). هل بهذه الآية وحدها، تكون قد قدمت التعليم الكتابي والحق الإنجيلي في كيفية الانتقال من الموت إلى الحياة، دون أن تقدم أية آية أخرى عن الفداء والكفارة والصلب، والتوبة والإيمان والمعمودية..؟!
لا يوجد أحد يقبل هذا الكلام إنما يجدر بنا أن نضع آيات أخرى مثل: "وَنَحْنُ أَمْوَاتٌ بِالْخَطَايَا أَحْيَانَا مَعَ الْمَسِيحِ.." (أف2: 5) "وَإِذْ كُنْتُمْ أَمْوَاتًا فِي الْخَطَايَا... أَحْيَاكُمْ مَعَهُ، مُسَامِحًا لَكُمْ بِجَمِيعِ الْخَطَايَا، إِذْ مَحَا الصَّكَّ الَّذِي عَلَيْنَا... مُسَمِّرًا إِيَّاهُ بِالصَّلِيبِ" (كو2: 13، 14) "مَدْفُونِينَ مَعَهُ فِي الْمَعْمُودِيَّةِ، الَّتِي فِيهَا أُقِمْتُمْ أَيْضًا مَعَهُ..." (كو2: 12) "فَدُفِنَّا مَعَهُ بِالْمَعْمُودِيَّةِ لِلْمَوْتِ، حَتَّى كَمَا أُقِيمَ الْمَسِيحُ مِنَ الأَمْوَاتِ.. نَسْلُكُ نَحْنُ أَيْضًا فِي جِدَّةِ الْحَيَاةِ؟ لأَنَّهُ إِنْ كُنَّا قَدْ صِرْنَا مُتَّحِدِينَ مَعَهُ بِشِبْهِ مَوْتِهِ، نَصِيرُ أَيْضًا بِقِيَامَتِهِ" (رو6: 4، 5).
4- وبالمثل أيضًا، إن سألك أحد: كيف أخلص؟
أتستطيع أن تضع أمامه آية واحدة هي "لاَحِظْ نَفْسَكَ وَالتَّعْلِيمَ وَدَاوِمْ عَلَى ذلِكَ، لأَنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ هذَا، تُخَلِّصُ نَفْسَكَ وَالَّذِينَ يَسْمَعُونَكَ أَيْضًا" (1تي4: 16).
هل هذه الآية وحدها يمكنها أن تكون إجابة كافية في الخلاص؟! بلا ذكر للدم والإيمان والمعمودية!! أراك تنكر هذا، ولك حق.
وبالمثل أيضًا مَن يجيب بآية أخرى هي: "لأَنَّكَ إِنِ اعْتَرَفْتَ بِفَمِكَ بِالرَّبِّ يَسُوعَ، وَآمَنْتَ بِقَلْبِكَ أَنَّ اللهَ أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ، خَلَصْتَ" (رو10: 9).
إنها آية. ولكنها وحدها لا تكفي. لماذا لا تضع إلى جوارها آية أخرى هي: "مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ" (مر16: 16).
ولماذا لا تضع إلى جوارها أيضًا هذه الآية: "إِذْ كَانَ الْفُلْكُ يُبْنَى، الَّذِي فِيهِ خَلَصَ قَلِيلُونَ، أَيْ ثَمَانِي أَنْفُسٍ بِالْمَاءِ. الَّذِي مِثَالُهُ يُخَلِّصُنَا نَحْنُ الآنَ، أَيِ الْمَعْمُودِيَّةُ" (1بط3: 20، 21).
وبهذا يتكامل الحق الكتابي، ولا تتعبنا ضمائرنا، إذ نتعمد إخفاء الآيات، أي إخفاء أجزاء من الحقِّ الإنجيلي، لكي نقدم مفهومنا الخاص، وليس مفهوم الكتاب!!
إنه سؤال، دائمًا يحيرني، ولا أجد له جوابًا:
هؤلاء الإخوة، الذين ينادون بالتعليم الإنجيلي، ويدافعون عن الحق الكتابي، لماذا لا يعلنون هذه الآيات وأمثالها، إلى جوار الآيات الأخرى؟! لماذا يتعمدون إخفاءها؟! أليست هي أيضًا من الإنجيل ومن الكتاب؟! إني أسأل...
أية اللحظات
الذين يتحدثون عن الخلاص في لحظة، يترددون أحيانًا في تحديد هذه اللحظة ما هي؟ ومتى تكون؟
1- هل هي لحظة الإيمان؟ أو لحظة قبول المسيح فاديًا ومخلصًا؟ علمًا بأن الإيمان لا يتم في لحظة، بل هو ثمر لعمل النعمة وخدمة الكلمة، ربما في مدى زمني..
2- أم هي لحظة المعمودية؟ علمًا بأن المعمودية لها طقس خاص، لا يمكن إتمامه في لحظة!
3- أم هي لحظة التوبة؟ والتوبة لا تهبط على الإنسان في لحظة، وإنما هي اقتناع القلب بالحياة الروحية، وتخلصه من محبة الخطية، وليس كل هذا ابن لحظة!
4- أم هي لحظة انفتاح الذهن بالوعي؟ أو لحظة "إشراق النور في الظلمة". وكل هذا قد يأتي بالتدريج. والبعض لم يدركوه، أو لم يدركوا أعماقه...!
5- أم هي لحظة التحول في التفكير، في القرارات وفي التصرفات، كما يقول البعض. بينما لا يوجد إنسان يتحول فكره في لحظة، وإلاَّ كان تصرفه انفعاليًا أو سطحيًا، ما أسهل أن يتحول إلى عكسه.
6- أم هي لحظة "تفجير مفاعيل المعمودية" حسب تعبير البعض. ولا شك أن هذا التعبير إن صح، يكون بالتدريج، وقد يشمل الحياة كلها...
7- أم هي لحظة الإدراك؟ كما قيل عن إدراك بطرس لوجود المسيح، بينما كان يصيد السمك بعد القيامة (يو21: 7)... أو ما قيل عن معرفة تلميذي عمواس بأن الذي يكلمهم هو المسيح (لو24: 31).. أو اللحظة التي فاق فيها يعقوب من رؤيا السلم السماوي وقال: "حَقًّا إِنَّ الرَّبَّ فِي هذَا الْمَكَانِ وَأَنَا لَمْ أَعْلَمْ!" (تك28: 16).
ومع أن كل قصص الإدراك هذه لا علاقة لها بالخلاص إطلاقًا، فلم يخلص بطرس ولا تلميذا عمواس ولا يعقوب في ذلك الوقت... إلاَّ إن هذا الإدراك لم يأت أيضًا فجأة في لحظة. وكمثال ذلك ما قيل عن تلميذي عمواس في (لو24: 31، 32، 35)
ومع ذلك، فإن كل هذه الافتراضات حول كنه اللحظة، تدل على عدم يقين من جهة الإيمان بها. كما تدل على فرض كلمة اللحظة فرضًا، ثم البحث عن تفسير لها، أو تعليل لها، ولا يدل هذا على وجود قاعدة لاهوتية ثابتة.
لماذا إذًا التشبث بفكرة "اللحظة" هذه، وكدّ الذهن عبثًا للحصول على تفسير لها، ومحاولة تسخير الآيات في غير موضعها، لكي تساند موضوع اللحظة، وتمنعه من الانهيار؟! لماذا؟...
الاختيار
الاختيار
المؤمنون والمختارون
تأتي فكرة (الخلاص في لحظة)، من الاعتقاد بأن المؤمن يخلص لحظة إيمانه. ولا يمكن أن يهلك بعد ذلك: والاعتقاد بأن المؤمن لا يهلك، هو خلط بين كلمة "مؤمنين" وكلمة "مختارين"، كما لو كانتا كلمة واحدة!
ونحن نقول إن كان كل المختارين مؤمنين، ولكن ليس كل المؤمنين مختارين، لأنه لا يجوز أن يرتد المؤمن ويهلك...
وهنا لا يكون المؤمن قد خلص في لحظة إيمانه. وإنما يخلص إذا ثبت في حياة الإيمان طول عمره. فهو ليس في حالة واحدة باستمرار. قد تمر عليه أوقات ضعف أو فتور، أو أوقات سقوط وانهيار. وقد يرتد. وقد قال الكتاب: "أَمَّا الْبَارُّ فَبِالإِيمَانِ يَحْيَا، وَإِنِ ارْتَدَّ لاَ تُسَرُّ بِهِ نَفْسِي" (عب10: 38).
ويُفهم من هذه، احتمال أن يرتد المؤمن...
وقصص الارتداد في الكتاب كثيرة، مثل قصة ديماس (2تي4: 10). وكالذين قال عنهم القديس بولس: "لأَنَّ كَثِيرِينَ يَسِيرُونَ مِمَّنْ كُنْتُ أَذْكُرُهُمْ لَكُمْ مِرَارًا، وَالآنَ أَذْكُرُهُمْ أَيْضًا بَاكِيًا، وَهُمْ أَعْدَاءُ صَلِيبِ الْمَسِيحِ" (في3: 18).
كذلك النبوءات عن الارتداد كثيرة، مثلما ورد في (1تي4: 1، 2تس2: 3) ومثال الارتداد أيضًا الغصن الذي لم يصنع ثمرًا، وقطع وألقى في النار (يو15: 6) وقول الرسول: "وَأَمَّا اللُّطْفُ فَلَكَ، إِنْ ثَبَتَّ فِي اللُّطْفِ، وَإِلاَّ فَأَنْتَ أَيْضًا سَتُقْطَعُ" (رو11: 22)... إلخ.
والسيد المسيح قال لبطرس: "هُوَذَا الشَّيْطَانُ طَلَبَكُمْ لِكَيْ يُغَرْبِلَكُمْ كَالْحِنْطَةِ! وَلكِنِّي طَلَبْتُ مِنْ أَجْلِكَ لِكَيْ لاَ يَفْنَى إِيمَانُكَ" (لو22: 31، 32). إذًا كان إيمانه معرضًا للفناء! إنه ولا شك درس للذين يظنون أنهم نالوا الخلاص في لحظة، وصاروا من المختارين. ولن يرتدوا..!
هنا ونناقش موضوع المختارين في ضوء الفهم اللاهوتي:
هل الله اختار؟
ما معنى (الاختيار) عند المعتقدين به؟ هل معناه أن الله اختار أناسًا ليكونوا أبرارًا ولهم النعيم! وما فضلهم في ذلك؟! واختار أناسًا ليكونوا أشرارًا ولهم الجحيم! وما ذنبهم في ذلك؟! أو ليس من حقنًا أن نقول:
1- الاختيار بهذا المعني، يعني محاباة للأبرار وظلمًا للأشرار.
وحاشا لله أن يكون هكذا. فالله "لَيْسَ عِنْدَهُ مُحَابَاةٌ" (أف6: 9). "بَلْ فِي كُلِّ أُمَّةٍ، الَّذِي يَتَّقِيهِ وَيَصْنَعُ الْبِرَّ مَقْبُولٌ عِنْدَهُ" (أع10: 35). وعن هذا المعنى قيل: "كُلَّ مَنْ يَدْعُو بِاسْمِ الرَّبِّ يَخْلُصُ" (رو10: 13). وهناك قاعدة وضعها الرسول، وهي:
2- الله يحب الجميع وهو: "يُرِيدُ أَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ يَخْلُصُونَ، وَإِلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ يُقْبِلُونَ" (1تي2: 4).
وحينما أرسل ابنه الوحيد إلى العالم، أرسله لأنه أحب العالم كله، فبذل ابنه الوحيد، لكي لا يهلك كل من يؤمن به (يو3: 16). وبذلك كان كفارة "لَيْسَ لِخَطَايَانَا فَقَطْ، بَلْ لِخَطَايَا كُلِّ الْعَالَمِ أَيْضًا" (1يو2: 2).
الله لا يريد أن أحد يهلك. بل قيل عنه إنه: "لا يشاء موت الخاطئ، بل أن يرجع ويحيا"، "إِنِّي لاَ أُسَرُّ بِمَوْتِ الشِّرِّيرِ، بَلْ بِأَنْ يَرْجعَ الشِّرِّيرُ عَنْ طَرِيقِهِ وَيَحْيَا" (حز33: 11).
3- بل حتى إن كان الله قد حكم على خاطئ بالموت، ورجع هذا الخاطئ عن خطيئته وتاب، يرجع الله عن حكمه، فلا يموت الخاطئ بل يحيا.
وهو نفسه يقول في ذلك: "وَإِذَا قُلْتُ لِلشِّرِّيرِ: مَوْتًا تَمُوتُ. فَإِنْ رَجَعَ عَنْ خَطِيَّتِهِ وَعَمِلَ بِالْعَدْلِ وَالْحَقِّ.. فَإِنَّهُ حَيَاةً يَحْيَا. لاَ يَمُوتُ" (حز33: 14، 15). "تَارَةً أَتَكَلَّمُ عَلَى أُمَّةٍ وَعَلَى مَمْلَكَةٍ بِالْقَلْعِ وَالْهَدْمِ وَالإِهْلاَكِ، فَتَرْجعُ تِلْكَ الأُمَّةُ الَّتِي تَكَلَّمْتُ عَلَيْهَا عَنْ شَرِّهَا، فَأَنْدَمُ عَنِ الشَّرِّ الَّذِي قَصَدْتُ أَنْ أَصْنَعَهُ بِهَا" (إر18: 7، 8). وهكذا فعل الله بالنسبة إلى مدينة نينوى (يون 3).
4- وإن كان هناك اختيار، فلماذا إذًا الوصايا؟ ولماذا إذًا الكتب المقدسة، والأنبياء والرسل والإنذارات؟
ولماذا جعل في كنيسته ".. الْبَعْضَ مُبَشِّرِينَ، وَالْبَعْضَ رُعَاةً وَمُعَلِّمِينَ... لِعَمَلِ الْخِدْمَةِ، لِبُنْيَانِ جَسَدِ الْمَسِيحِ" (أف4: 11، 12). ما لزوم وما فائدة كل هؤلاء إن كان المختارون معروفين، والمرذولون معروفين؟... ولماذا أرسل الله أناسًا لخدمة المصالحة كبولس الرسول الذي يقول: "وَأَعْطَانَا خِدْمَةَ الْمُصَالَحَةِ... نَسْعَى كَسُفَرَاءَ عَنِ الْمَسِيحِ، كَأَنَّ اللهَ يَعِظُ بِنَا. نَطْلُبُ عَنِ الْمَسِيحِ: تَصَالَحُوا مَعَ اللهِ" (2كو5: 18- 20).
5- وإن كان هناك اختيار، فلماذا إذًا يتعب الشيطان؟
لماذا يتعب في إغراء الصديق، بينما هو مختار، لن يرتد ولن يهلك، وقد خلص خلاصًا لا رجعة فيه. ما الجدوى إذًا من محاربته؟! ولماذا يتعب الشيطان في إسقاط الذين لم يخترهم الرب، المرذولين الذين هم هالكون هالكون بدون حرب؟!
6- وما جدوى مع ما قاله مع ما قاله الرسول عن الحروب الروحية (أف 6).
ما دام هناك مختارون ومرذولون، فما لزوم القتال إذًا، والمصير معروف؟! ألاّ نستطيع أن نقول في صراحة تامة:
إن عقيدة الاختيار، تعطي يأسًا للخطاة، وتراخيًا للأبرار!!
7- ثم ما موقف النعمة هنا ممَن يهلك؟ وما مسئولياتها؟
ما دام الاختيار محتوم، ومن جانب الله، وهذه إرادته؟ ما الذي تفعله إذًا..؟ وبلا جدوى..!
8- وإن كان هناك اختيار، فما معنى الثواب والعقاب؟ وما علاقة هذا بعدل الله وبمحبته وبصلاحه؟
كيف يختار الله إنسانًا للعقاب، ثم يعاقبه؟ أين العدل في هذا؟ بل أين المحبة أيضًا، إن كان الله يختار أناسًا للعذاب الأبدي؟ ويكون هو الذي اختارهم لهذا!! بل هل يتفق هذا مع صلاح الله: أن يختار أناسًا ليكونوا أشرارًا؟! حاشا...
9- ومبدأ الاختيار هذا، لا يتفق مع حرية الإرادة.
لقد خلق الله الإنسان حرًا هو الذي يختار مصيره. وهكذا قال له: "اُنْظُرْ. قَدْ جَعَلْتُ الْيَوْمَ قُدَّامَكَ الْحَيَاةَ وَالْخَيْرَ، وَالْمَوْتَ وَالشَّرَّ... قَدْ جَعَلْتُ قُدَّامَكَ الْحَيَاةَ وَالْمَوْتَ. الْبَرَكَةَ وَاللَّعْنَةَ. فَاخْتَرِ الْحَيَاةَ لِكَيْ تَحْيَا أَنْتَ وَنَسْلُك" (تث30: 15، 19).
10- إذًا الاختيار قد جعله الله في يد الإنسان
الاختيار في يد الإنسان
بإمكان الإنسان أن يكون من المختارين، أو لا يكون:
فإن صار من غير المختارين، فمعنى هذا أنه بسلوكه لم يرد أن يكون مختارًا...
وهوذا الله يعاتب أورشليم ويقول لها: "يَا أُورُشَلِيمُ، يَا أُورُشَلِيمُ! يَا قَاتِلَةَ الأَنْبِيَاءِ وَرَاجِمَةَ الْمُرْسَلِينَ إِلَيْهَا، كَمْ مَرَّةٍ أَرَدْتُ أَنْ أَجْمَعَ أَوْلاَدَكِ كَمَا تَجْمَعُ الدَّجَاجَةُ فِرَاخَهَا تَحْتَ جَنَاحَيْهَا، وَلَمْ تُرِيدُوا! هُوَذَا بَيْتُكُمْ يُتْرَكُ لَكُمْ خَرَابًا" (مت23: 37، 38).
هنا الله يريد، والبشر لا يريدون. إذًا الخراب ليس سببه إرادة الله، وإنما رفض الإنسان لإرادة الله الخيرة.
هوذا الرب يعاتب اليهود الذين رفضوه ويقول لهم: "لاَ تُرِيدُونَ أَنْ تَأْتُوا إِلَيَّ لِتَكُونَ لَكُمْ حَيَاةٌ" (يو5: 40).
أليس هذا ما قاله عن دينونة المرذولين، ليس لأن الله رذلهم ولم يخترهم. وإنما "وَهذِهِ هِيَ الدَّيْنُونَةُ: إِنَّ النُّورَ قَدْ جَاءَ إِلَى الْعَالَمِ، وَأَحَبَّ النَّاسُ الظُّلْمَةَ أَكْثَرَ مِنَ النُّورِ، لأَنَّ أَعْمَالَهُمْ كَانَتْ شِرِّيرَةً" (يو3: 19).
11- لم يرفضهم النور، إنما هم الذين رفضوه...
وفى هذا قال الإنجيل عن السيد المسيح: "إِلَى خَاصَّتِهِ جَاءَ، وَخَاصَّتُهُ لَمْ تَقْبَلْهُ، وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللهِ، أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ" (يو1: 11، 12). وهنا نرى أن القبول أو الرفض، أتى من جانب الإنسان وليس من جانب الله.
الله واقف على كل باب يقرع. والإنسان يفتح أو لا يفتح.
وهو يقول للكل: "إِنْ سَمِعَ أَحَدٌ صَوْتِي وَفَتَحَ الْبَابَ، أَدْخُلُ إِلَيْهِ وَأَتَعَشَّى مَعَهُ وَهُوَ مَعِي" (رؤ3: 20). إن فتح أحد، أي أحد... الفرصة معروضة على الجميع...
12- إن الله يعرض. ويتوقف الأمر على إرادة الإنسان:
وهكذا يقول الرب: "إِنْ أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَأْتِيَ وَرَائِي فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعْنِي.." (مت16: 24)، "إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَكُونَ كَامِلًا فَاذْهَبْ وَبعْ أَمْلاَكَكَ وَأَعْطِ الْفُقَرَاءَ.." (مت19: 21)، "مَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَلِّصَ نَفْسَهُ يُهْلِكُهَا، وَمَنْ يُهْلِكُ نَفْسَهُ مِنْ أَجْلِي فَهذَا يُخَلِّصُهَا" (لو9: 23، 24).
13- في هذه الآيات، إرادة من الإنسان، وعمل يناسبها..
الله يشرح الطريق المؤدي إلى الاختيار. والإنسان حرّ يختاره أو لا يختار. قد يكون الطريق صعبًا، ولا يسلك فيه الإنسان... كأن يرفض أن ينكر ذاته ويحمل صليبه، أو يرفض أن يعطى أمواله للفقراء، أو يرفض أن يهلك نفسه ليخلصها. أو يرفض أن يدخل من الباب الضيق المؤدى إلى الحياة (مت7: 14). وهنا تقف أمامنا الآية الرهيبة التي تقول:
"الْعُرْسُ فَمُسْتَعَدٌّ، وَأَمَّا الْمَدْعُوُّونَ فَلَمْ يَكُونُوا مُسْتَحِقِّينَ" (مت22: 8).
يخيّل إليَّ أن في هذه الآية التعبير الصادق في موضع الاختيار وعدمه: العرس مستعد. والرب يرسل عبيده للمدعوين. ولكنهم يرفضون، ويقول عنهم الكتاب: "وَلكِنَّهُمْ تَهَاوَنُوا وَمَضَوْا، وَاحِدٌ إِلَى حَقْلِهِ، وَآخَرُ إِلَى تِجَارَتِهِ.." (مت22: 3- 5). بل يقول بالأكثر: "فَلَمْ يُرِيدُوا أَنْ يَأْتُوا" (مت22: 3). هل نقول إذًا أن الله اختار أناسًا للحياة الأبدية، أم نقول:
الله دعا الجميع إلى عرسه. والبعض "لم يريدوا أن يأتوا". حقًا يقول الله للمريض: "أَتُرِيدُ أَنْ تَبْرَأَ؟" (يو5: 6).
14- الإنسان هو الذي يقرر مصيره في الحياة. وعلى أعماله تتوقف أبديته ولذلك يقول الرسول: "لأَنَّ مَنْ يَزْرَعُ لِجَسَدِهِ فَمِنَ الْجَسَدِ يَحْصُدُ فَسَادًا، وَمَنْ يَزْرَعُ لِلرُّوحِ فَمِنَ الرُّوحِ يَحْصُدُ حَيَاةً أَبَدِيَّةً" (غلا6: 8). أتراه يزرع للجسد، ويقول إن الله لم يخترني؟!
اعتراضات والرد عليها
1- يعترضون بأن الله اختار يعقوب دون عيسو، من بطن أمه. وقال لها: "فِي بَطْنِكِ أُمَّتَانِ، .. وَكَبِيرٌ يُسْتَعْبَدُ لِصَغِيرٍ" (تك25: 23) كما هو مكتوب: "أَحْبَبْتُ يَعْقُوبَ وَأَبْغَضْتُ عِيسُوَ" (رو9: 12، 13).
ولا شك أن هذا الاختيار مبني على علم الله السابق. فهو كان يعلم ماذا سيكون عليه يعقوب بكامل إرادته، وكيف سيكون عيسو بكامل إرادته "زَانِيًا أَوْ مُسْتَبِيحًا" (عب12: 16). ولن يبالي بالبكورية بل سيبيعها بأكلة عدس ويحتقرها (تك25: 34). ولكن الله في كل ذلك لم يدفع عيسو إلى طريق الهلاك. ولم يرغم يعقوب على عمل الخير. وهذا الاختيار المبني على سابق علم الله، يوضحه القديس بولس الرسول بقوله: "الَّذِينَ سَبَقَ فَعَرَفَهُمْ سَبَقَ فَعَيَّنَهُمْ" (رو8: 29).
فالله يعرف ما سوف تعمله خلائقه في المستقبل بكامل إرادتها، وكيف ستكون شخصيتها وسلوكها. وبناء على هذا، يختار الشخص المناسب للعمل المناسب. وقد يهبه المواهب التي تساعده على ذلك كما حدث مع يوحنا المعمدان، وإرميا النبي ويعقوب، الذين اختارهم من بطون أمهاتهم، ومنحهم مواهب...
على أن هناك أشخاص آخرون منحهم الله مواهب وهلكوا...
حتى الشيطان نفسه كان من أصحاب المواهب، وبدأ حسنًا كرئيس ملائكة.. ثم أهلك نفسه. ولم يختره الله للشر، بل هو حوّل نفسه إلى شيطان.. ويهوذا اختاره الرب ضمن الاثني عشر، واستأمنه على الصندوق، وكان يجلس قريبًا منه على المائدة... ولكنه خانه وأهلك نفسه! مبدأ الفرص إذا كان متاحًا للكل. والبعض أتيحت لهم الفرصة والاختيار وأهلكوا أنفسهم.
2- يعترضون بقول الكتاب: "ما أَعَدَّهُ اللهُ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ" (1كو2: 9). وحسنًا أن الآية هنا تقول: "للذين يحبونه" وليس "للذين يحبهم". فبناء على ما في قلوب هؤلاء المحبين لله من مشاعر مقدسة، قد أعد الله لهم ذلك النعيم الأبدي...
3- يعترضون بقول الكتاب: "لَيْسَ لِمَنْ يَشَاءُ وَلاَ لِمَنْ يَسْعَى، بَلْ ِللهِ الَّذِي يَرْحَمُ" (رو9: 16).
ولعل هذه الآية تذكرنا بآية أخرى على نسقها تمامًا وهي: "أَنَا غَرَسْتُ وَأَبُلُّوسُ سَقَى، لكِنَّ اللهَ كَانَ يُنْمِي، إِذًا لَيْسَ الْغَارِسُ شَيْئًا وَلاَ السَّاقِي، بَلِ اللهُ الَّذِي يُنْمِي" (1كو3: 6، 7). وطبيعي أن الله لا ينمي الفراغ، إنما ينمي ما قد غرس وسقى... وبنفس الوضع "لَيْسَ لِمَنْ يَشَاءُ وَلاَ لِمَنْ يَسْعَى، بَلْ ِللهِ الَّذِي يَرْحَمُ" (رو9: 16).
والله يرحم مَن؟
يرحم الذي يشاء، الذي يسعى. ولكن مشيئة الإنسان وحدها لا تكفي، وسعيه لا يكفي، بدون رحمة الله. تمامًا كما أن الغرس والسقي وحدهما لا يكفيان بدون الله الذي ينمي..
إذًا ليس معنى الآية أن الله يرفض المشيئة المقدسة والسعي المقدس. ويرحم من لا يشاء ولا يسعى، كلا طبعًا. إنما الأهمية الكبرى تعطى لعمل الله معنا، حتى لا يفتخر أحد بأعماله..
4- يعترضون بعبارة: "أَلَعَلَّ الْجِبْلَةَ تَقُولُ لِجَابِلِهَا: لِمَاذَا صَنَعْتَنِي هكَذَا؟" (رو9: 20).
وطبيعي أن الإنسان لا يقول لخالقه: "لماذا صنعتني هكذا؟"، فليكن كما يكون، صاحب مواهب كثيرة، أو لا مواهب له... ولكن ليس لهذا تأثير على أبديته وخلاصه...
وقد يكون إناء هوان على الأرض، ويكون مصيره الأبدي عكس هذا، كما كان لعازر المسكين. ولكن لا يمكن أن تعني "إناء للهوان" أن يكون إناء للشر، لأن الخزاف العظيم لا يمكن أن يصنع آنية للشر. فالشر ليس الله مصدره.
5- ومع ذلك كثيرًا ما جعل الله بعض الناس آنية كرامة على الأرض، وهم غيروا مصائرهم بصفة دائمة أم مؤقتة:
فشاول البنياميني حلّ عليه روح الرب فتنبأ، وصار رجلًا آخر (1صم 10)، وأخذ المسحة المقدسة من صموئيل النبي، ولكنه حول نفسه إلى إناء هوان بإرادته، لما استقل عن الله وخالفه، ففارق روح الرب شاول (1صم 16).
وبلعام كان آنية للكرامة، وتنبأ نبوءات عن السيد المسيح، وكان موضع إكرام الملوك (عد22- 24) ولكنه حوّل نفسه آنية للهوان، لما وقع في الضلالة، ونصح بلاق أن يلقي معثرة أمام الشعب (رؤ2: 14).
وشمشون جعله الله آنية وحلَّ عليه روح الرب وكان يقوده (قض 13) ولكنه حوّل نفسه إلى آنية هوان في فترة معينة وفقد كرامته وكسر نذره (قض 16) وأخيرًا عاد آنية للكرامة وحُسب مع رجال الإيمان (عب11: 32).
6- أترى البعض كانوا مختارين، فليسمعوا إذًا قول الرسول:
"لِذلِكَ بِالأَكْثَرِ اجْتَهِدُوا أَيُّهَا الإِخْوَةُ أَنْ تَجْعَلُوا دَعْوَتَكُمْ وَاخْتِيَارَكُمْ ثَابِتَيْنِ" (2بط1: 10).
الفصل الرابع اللاهوت المقارن
مقدمات في اللاهوت المقارن
مقدمـة
الإيمان الواحد وصحة التعليم
علم اللاهوت هو العلم الذي يتحدث عن الله تبارك اسمه. ولا يجوز أن يتحدث عن الله، إلا الذي عرفه أو على الأقل من قد تتلمذ على الذين عرفوه.
ويحتاج علم اللاهوت إلى دقة في التعبير، ودقة في التفسير ومعرفة بالمصادر التي يعتمد عليها ويثق الكل بصدق إيمانها. ونحن ككنيسة تقليدية traditional وكنيسة محافظة conservative نحافظ على الإِيمان الرسولي المسلّم لنا من القديسين (يه3)، ولا نبتدع شيئًا في الدين، ولا ننقل التخم القديم الذي وضعه آباؤنا (أم22: 28).
والإِيمان في الكنيسة هو "إِيمَانٌ وَاحِدٌ" (أف4: 5). والكنيسة تذكرنا كل يوم بهذا الإِيمان الواحد، في قطعة نصليها باكر كل يوم من (أف4: 5).
هذا الإِيمان الواحد، هو إيمان كل عضو من أعضاء الكنيسة، ومصدره الأساسي هو الكتاب المقدس، ثم أقوال الآباء القديسين وقوانين المجامع المقدسة المعتمدة، وما تسجل في كتب البيعة، وبخاصة كتب الطقس الكنسي. وكلها موافقة للكتاب المقدس، وتسمى في مجموعها بالتقاليد الكنسية.
والميزان الذي نزن به التقليد السليم، اشتراط هام هو موافقته للكتاب المقدس، وفي ذلك يقول معلمنا بولس الرسول: "إِنْ بَشَّرْنَاكُمْ نَحْنُ أَوْ مَلاَكٌ مِنَ السَّمَاءِ بِغَيْرِ مَا بَشَّرْنَاكُمْ، فَلْيَكُنْ أَنَاثِيمَا" (غلا1: 8، 9).
ولذلك كانت الكنيسة حريصة جدًا في عصورها الأولى، منذ أيام الرسل، على سلامة التعليم، حفظًا لسلامة الإِيمان، وهكذا يقول القديس بولس الرسول لتلميذه القديس تيطس أسقف كريت: "وَأَمَّا أَنْتَ فَتَكَلَّمْ بِمَا يَلِيقُ بِالتَّعليمِ الصَّحِيحِ" (تي2: 1). وهذا التعليم الصحيح كان يتسلمه الآباء الأساقفة الأول من الرسل مباشرة، ليسلموه لأجيال أخرى أمينة على التعليم، فينتقل من جيل إلى جيل، وفي ذلك يقول القديس بولس الرسول لتلميذه تيموثاوس الأسقف: "وَمَا سَمِعْتَهُ مِنِّي بِشُهُودٍ كَثِيرِينَ، أَوْدِعْهُ أُنَاسًا أُمَنَاءَ، يَكُونُونَ أَكْفَاءً أَنْ يُعَلِّمُوا آخَرِينَ أيضًا" (2تي2: 2).
مهمة التعليم هي عمل الإِكليروس
كان التعليم هو مهمة الآباء الرسل، ومن بعده تلاميذهم من الآباء الأساقفة والكهنة، ثم الشمامسة، ولم يكن مطلقًا مهمة العلمانيين.
السيد المسيح سلّم مهمة التعليم للآباء الرسل إذ قال لهم: "فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ... وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ" (مت28: 19، 20). وقال لهم أيضًا: "اذْهَبُوا إِلَى الْعَالَمِ أَجْمَعَ وَاكْرِزُوا بِالإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا" (مر16: 15)، ولم يقل لعامة الناس.
واعتبر الرسل أن مهمة الكرازة، والتعليم، وخدمة الكلمة، وتسليم الإِيمان، هي مهمتهم الأساسية. وقالوا في هذا: "وَأَمَّا نَحْنُ فَنُواظِبُ عَلَى الصَّلاَةِ وَخِدْمَةِ الْكَلِمَةِ" (أع6: 4). وقال القديس بولس الرسول: "بِوَاسِطَةِ الإِنْجِيلِ. الَّذِي جُعِلْتُ أَنَا لَهُ كَارِزًا وَرَسُولًا وَمُعَلِّمًا لِلأُمَمِ" (2تي1: 11)، "كَارِزًا بِمَلَكُوتِ اللهِ، وَمُعَلِّمًا" (أع28: 31).
وقد سلّم الرسول مهمة التعليم والكرازة لتلاميذه الأساقفة، فقال لتلميذه القديس تيموثاوس: "اكْرِزْ بِالْكَلِمَةِ... عِظْ بِكُلِّ أَنَاةٍ وَتَعليمٍ" (2تي4: 2). وقال لتلميذه تيطس الأسقف: "تَكَلَّمْ بِهذِهِ، وَعِظْ، وَوَبِّخْ بِكُلِّ سُلْطَانٍ" (تي2: 15). وانتقل عمل التعليم أيضًا إلى القسوس، ورجال الكهنوت عمومًا، مما سنذكره بالتفصيل في حينه. ذلك لأنه من فمِّ الكاهن تُطلب الشريعة (ملا2: 7). ومن مجموعة الآباء الأساقفة، كانت تتشكل المجامع المقدسة التي لها سلطان التشريع والتقنين في الكنيسة المقدسة، وكثير من الآباء الأساقفة كانت إجاباتهم في شئون الدين تعتبر قوانين مقدسة تعترف بها الكنيسة الجامعة.
أما أمور الإِيمان والعقيدة فكانت مهمة الكنيسة ممثلة في مجامعها وأساقفتها ويشرحها الآباء الكهنة ويفسّرونها للناس.
أما العلمانيون فكانوا باستمرار في موقف المتعلمين.
ولم يصر رجال الكهنوت معلمين فقط من فوق منابر الكنائس، وإنما أيضًا في موقف الإِرشاد الروحي في الاعترافات وما إليها.
وأمور الإِيمان والعقيدة، لا يجوز فيها للمعلمين أن يعلموا آراءهم وأفكارهم الخاصة، وإنما يعلمون الثابت في عقيدة الكنيسة كما هي مسلّمة لهم. لأنه لو أعطيت الحرية لكل إنسان أن ينشر أفكاره الخاصة، لتعددت مذاهب التعليم، ولا يمكن أن نسمي هذه عقيدة الكنيسة.
كل إنسان حر في عقيدته، وقد تنحرف حرية الاعتقاد، ولكن هذه كلها تكون خارج إيمان الكنيسة الواحد. والكنيسة المحافظة على الإِيمان الساهرة عليه لا تسمح بهذا، ولا تعطي سلطة التعليم لكل أحد. وتراجع أقوال المعلمين على الإِيمان المسلّم للقديسين، ويبقى قول بولس الرسول (غلا1: 9) ميزانًا ثابتًا...
وأحيانًا يكون سبب الخطأ في الإِيمان أو في التعليم، هو الخلطة مع مذاهب أخرى والتأثر بها وبمعلميها، أو التتلمذ على أولئك أو على كتبهم.
وأحيانًا يكون السبب في ذلك هو الاعتداد بالفكر الخاص، وعدم قبول تغييره، وعدم طاعة الكنيسة في ذلك. وربما يكون السبب وجود كبرياء في القلب تقنع شخصًا بأنه على حق وكل ما يعارضه مخطئ، وأنه يفهم ما لا يفهمه غيره...
وقد كانت الكنيسة طوال تاريخها في ملء الحرص على سلامة التعليم. يكفي أن قسًا في الإِسكندرية - هو أريوس - بسبب تعليمه الخاطئ تدخل البابا القديس بطرس خاتم الشهداء والبابا ألكسندروس الذي عقد مجمعًا لذلك في الإِسكندرية حضره مائة أسقف من أساقفة الإِسكندرية وليبيا، ثم عقد المجمع المسكوني في نيقية سنة 325م. الذي حضره 318 أسقفًا من كافة أنحاء العالم المسيحي. وكل ذلك من أجل قس أخطأ في التعليم، وصارت هناك خطورة من انتشار تعليمه. ولم يقل أحد: نترك الأمر لحرية الاعتقاد!
من أجل بحث الخلافات العقائدية، وُجد علم اللاهوت المقارن، ومن أجل الوصول إلى وحدة في الإيمان، وُجد الحوار اللاهوتي.
وفي ظل الحوار اللاهوتي نقدم هذا الكتاب، بكل حب، وبطريقة موضوعية بحتة، دون أن نجرح شعور أحد.
فنحن نؤمن بروحانية الحوار اللاهوتي، وموضوعيته.
ملاحظة هامة...
ليس الكل تعليمًا واحدًا
نحن في هذا الكتاب نتكلم عن الإطار العام للبروتستانتية.
ولكن داخل هذا الإِطار توجد بعض التفاصيل التي يختلفون فيها.
فمثلًا في المعمودية: الإِطار العام عند البروتستانت هو عدم إعطاء المعمودية أهمية في موضوع الخلاص. فالخلاص عندهم بالإيمان.
ولكن من جهة التفاصيل: البعض يؤمن أن المعمودية بالرش، والبعض يراها بالتغطيس، والبعض يوافق على الأمرين... وكذلك البعض يوافق على معمودية الأطفال، والبعض لا يوافق.
ولكننا نبحث الأمر من الناحية الموضوعية، دون أن نقصد طائفة بروتستانتية معينة...
وهكذا مع باقي الخلافات...
الخلافات بيننا وبين البروتستانت حول المعمودية
الخلافات بيننا وبين البروتستانت
حول المعمودية
تتركز الخلافات في المعمودية حول خمس نقاط هامة هي:
1- ما هي أهمية المعمودية وفاعليتها فينا؟
هل حسب إيماننا الأرثوذكسي ننال بها الخلاص والتطهير والتبرير والتجديد والميلاد الثاني والعضوية في جسد المسيح؟ أم أن كل ذلك يُنال بالإيمان حسب المعتقد البروتستانتي؟ وعندئذ ماذا تكون فائدة المعمودية؟ هل هي مجرد علامة على المسيحية؟ أم هي مجرد طاعة للسيد المسيح الذي أمر بها؟ (مت28: 19).
2- بواسطة من تتم المعمودية؟
نحن في الأرثوذكسية نشترط أن الذي يجريها للمؤمن لا بد أن يكون كاهنًا شرعيًا. أما البروتستانت فلا يؤمنون بالكهنوت البشري إطلاقًا. وعندهم تتم المعمودية بواسطة خادم ليس كاهنًا. من الجائز أن يكون شيخًا أو قسيسًا، أو شيخة أو قسيسة عند الطوائف التي تسمح للمرأة بهذه الوظيفة. وعلى أية الحالات فإن الشيخ أو القسيس ليس من الكهنوت حسب المعتقد البروتستانتي.
3- نحن نؤمن أن المعمودية سر من أسرار الكنيسة، والبروتستانت لا يرونها كذلك.
4- نحن نجري المعمودية بالتغطيس. وهي عندهم بالرش.
5- نحن نعمد الأطفال على إيمان الوالدين. أما البروتستانت فلا يؤمنون بمعمودية الأطفال، لأنهم يشترطون إيمان المعمّد ذاته. ولكن بعض البروتستانت يوافقون على معمودية الأطفال على إيمان والديهم. وهكذا اتفق معنا الإنجيليون في مصر.
وتبقى بعد هذا اعتراضات يقدمونها وتحتاج إلى إجابة، مثل:
ما مدى كفاية الإيمان؟ ألاَّ يكفي بدون معمودية؟
كيف خلص اللص اليمين بدون معمودية؟
جـ- هل الماء له مثل هذه القيمة التي تلد وتجدد...؟
د- لماذا يلزم وجود كاهن؟ وماذا إذا كان الكاهن الذي يعمّد المؤمن هو نفسه سيئ السيرة.
ه- إن كانت المعمودية تجديدًا، فلماذا نخطئ بعدها؟
و- كيف يرث الطفل خطية والديه اللذين سبق لهما العماد وغفرت خطاياهما؟
ز- هل الماء في المعمودية يرمز إلى الكلمة، يقول بولس الرسول عن علاقة المسيح بالكنيسة: "مُطَهِّرًا إِيَّاهَا بِغَسْلِ الْمَاءِ بِالْكَلِمَةِ" (أف5: 26).
وسنحاول أن نتناول هذه النقاط واحدة فواحدة...
فاعلية المعمودية
المعمودية يتم بها الخلاص
حسب قول السيد المسيح: "مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ" (مر16: 16). ولم يقل: "من آمن خلص"، وإنما اشترط المعمودية إلى جوار الإيمان.
وقال القديس بولس الرسول: "بِمُقْتَضَى رَحْمَتِهِ خَلَّصَنَا بِغُسْلِ الْمِيلاَدِ الثَّانِي وَتَجْدِيدِ الرُّوحِ الْقُدُسِ" (تي3: 5). وقال القديس بطرس الرسول عن الفُلك: "الَّذِي فِيهِ خَلَصَ قَلِيلُونَ، أَيْ ثَمَانِي أَنْفُسٍ بِالْمَاءِ، الَّذِي مِثَالُهُ يُخَلِّصُنَا نَحْنُ الآنَ، أَيِ الْمَعْمُودِيَّةُ" (1بط 3: 20، 21).
بالمعمودية ننال الميلاد الثاني، من الماء والروح
أ- وذلك حسب قول السيد المسيح لنيقوديموس: "إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنْ فَوْقُ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَرَى مَلَكُوتَ اللهِ" (يو3: 3) ثم فسّرها له بقوله: "إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنَ الْمَاءِ وَالرُّوحِ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ مَلَكُوتَ اللهِ" (يو3: 5).. وأضاف: "الْمَوْلُودُ مِنَ الرُّوحِ هُوَ رُوحٌ.. هكَذَا كُلُّ مَنْ وُلِدَ مِنَ الرُّوحِ" وهكذا اعتبر كل من وُلد من الماء والروح يكون قد وُلد من فوق، أو يكون قد وُلد من الروح هذا هو الميلاد الثاني.
والعجيب أن بعض البروتستانت يريد الهروب من هذه الآية بقوله: لم يقل الرب كل مَن يعتمد من الماء والروح، بل قال كل مَن يولد..!
ولا شك طبعًا أنهما تعبير واحد، لأنه ما معنى "يولد من الماء" سوى أنه "يعمّد" لأن المعمّد يخرج من بطن المعمودية. كما أن كلام القديس بولس الرسول يؤكد نفس المعنى...
ب- يقول القديس بولس: "بِمُقْتَضَى رَحْمَتِهِ خَلَّصَنَا بِغُسْلِ الْمِيلاَدِ الثَّانِي" (تي3: 5) وقال عن الكنيسة: "مُطَهِّرًا إِيَّاهَا بِغَسْلِ الْمَاءِ بِالْكَلِمَةِ" (أف5: 26). واعتبر الرسول أن غسل الماء (بالمعمودية) هو غسل الميلاد الثاني. وهو غسل من الخطايا.
المعمودية هي غسل من الخطايا
حسب الآيتين السابقتين.
وأيضًا حسب قول حنانيا الدمشقي لشاول الطرسوسي بعد أن دعاه الرب: "أَيُّهَا الأَخُ شَاوُلُ.. لِمَاذَا تَتَوَانَى؟ قُمْ وَاعْتَمِدْ وَاغْسِلْ خَطَايَاكَ" (أع22: 16).
وهنا نرى أنه من نتائج المعمودية غسل الإنسان من خطاياه. وفي مثال شاول الطرسوسي هذا نرى عجبًا. لقد دعاه السيد المسيح بنفسه، ليكون رسولًا للأمم، وإناءً مختارًا يحمل اسمه، ويتألم من أجل اسمه (أع9: 15، 16). ومع ذلك لم تغفر خطاياه بهذا اللقاء مع الرب، ولا بإيمانه ولا بصيرورته رسولًا، إنما ظل محتاجًا إلى المعمودية لكي يغسل خطاياه.
ولعل بولس الرسول كان يتذكر باستمرار هذا الغسل من الخطية بالمعمودية، فقال لأهل كورنثوس: "لكِنِ اغْتَسَلْتُمْ، بَلْ تَقَدَّسْتُمْ، بَلْ تَبَرَّرْتُمْ بِاسْمِ الرَّبِّ يَسُوعَ وَبِرُوحِ إِلهِنَا" (1كو6: 11)، ذلك لأنهم اعتمدوا باسم يسوع المسيح، فنالوا المغفرة، كما قال القديس بطرس لليهود.
المعمودية بها مغفرة الخطايا
وذلك أنه لما آمن اليهود يوم الخمسين ونخسوا في قلوبهم، قالوا ماذا نصنع أيها الرجال الإخوة؟ أجابهم القديس بطرس الرسول قائلًا: "تُوبُوا وَلْيَعْتَمِدْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عَلَى اسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ لِغُفْرَانِ الْخَطَايَا" (أع2: 38).
ولو كان إيمان اليهود في ذلك اليوم كافيًا لمغفرة خطاياهم، ما كان الرسول العظيم يطلب منهم أن يعتمدوا لغفران الخطايا! وبخاصة في ذلك اليوم التاريخي يوم تأسيس الكنيسة وهو يوم تُرسى فيه مبادئ هامة للخلاص. ولعل البعض يسأل: كيف تغفر الخطايا في المعمودية؟ فنجيب:
المعمودية هي موت مع المسيح وقيامة معه
يقول الكتاب: "أُجْرَةَ الْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ" (رو6: 23) وقد بدأ طريق الخلاص بالموت، إذ مات المسيح عنّا، وكان لا بد أن نموت مع المسيح أو على الأقل نتشبه بموته حسب قول الرسول: "لأَعْرِفَهُ، وَقُوَّةَ قِيَامَتِهِ، وَشَرِكَةَ آلاَمِهِ، مُتَشَبِّهًا بِمَوْتِهِ" (في3: 10). ونحن نفعل ذلك في المعمودية.. وكيف؟
يقول الرسول: "أَمْ تَجْهَلُونَ أَنَّنَا كُلَّ مَنِ اعْتَمَدَ لِيَسُوعَ الْمَسِيحِ اعْتَمَدْنَا لِمَوْتِهِ، فَدُفِنَّا مَعَهُ بِالْمَعْمُودِيَّةِ لِلْمَوْتِ" (رو6: 3، 4). ويستمر في تأكيد هذا التعبير فيقول: "مُتْنَا مَعَ الْمَسِيحِ.. فَدُفِنَّا مَعَهُ، قَدْ صِرْنَا مُتَّحِدِينَ مَعَهُ بِشِبْهِ مَوْتِهِ، إِنْسَانَنَا الْعَتِيقَ قَدْ صُلِبَ مَعَهُ". ويقول الرسول أيضًا في (كو2: 12): "مَدْفُونِينَ مَعَهُ فِي الْمَعْمُودِيَّةِ" مؤكدًا نفس المعنى...
ولماذا كل هذا؟ يقول الرسول: "فَإِنْ كُنَّا قَدْ مُتْنَا مَعَ الْمَسِيحِ، نُؤْمِنُ أَنَّنَا سَنَحْيَا أيضًا مَعَهُ" (رو6: 3- 8).
المعمودية إذًا لازمة للخلاص، لأنها شركة في موت المسيح، لأنها إيمان بالموت كوسيلة للحياة، واعتراف بأن أجرة الخطية هي موت.
وفي هذا الفصل من (رو6) تبدو لنا ملاحظتان هامتان:
عبارة: "دفنا في المعمودية" تعني التغطيس، كوضع الإنسان داخل القبر.
يبدو من نتائج المعمودية أيضًا "صلب إنساننا العتيق".
وفي هذا الفصل أيضًا نتيجة أخرى للمعمودية وهي:
في المعمودية عملية تجديد
يقول الرسول: "فَدُفِنَّا مَعَهُ بِالْمَعْمُودِيَّةِ لِلْمَوْتِ، حَتَّى كَمَا أُقِيمَ الْمَسِيحُ... هكَذَا نَسْلُكُ نَحْنُ أيضًا فِي جِدَّةِ الْحَيَاةِ" (رو6: 4) أي في الحياة الجديدة.. هذه التي تُمنح لنا بالمعمودية. طبيعتنا إذًا تتجدد في المعمودية. وكيف ذلك؟
في المعمودية نلبس المسيح
يقول الرسول: "لأَنَّ كُلَّكُمُ الَّذِينَ اعْتَمَدْتُمْ بِالْمَسِيحِ قَدْ لَبِسْتُمُ الْمَسِيحَ" (غلا3: 27) هل توجد عبارة أقوى من هذه تدل على عظم فاعلية المعمودية؟
تلبس المسيح.. تلبس ما فيه من برِّ، يهبه لك كنتيجة للمعمودية، تلبس الخلاص الذي وهبه لك في المعمودية بدمه.. تلبس الصورة الإلهية (تك1: 26) التي فقدناها بالخطية الأولى.
ورموز إلى المعمودية في العهد القديم تعطي نفس المعنى
أ- فمن ضمن هذه الرموز كان الفلك، وفيه يقول القديس بطرس الرسول: "إِذْ كَانَ الْفُلْكُ يُبْنَى، الَّذِي فِيهِ خَلَصَ قَلِيلُونَ، أَيْ ثَمَانِي أَنْفُسٍ بِالْمَاءِ. الَّذِي مِثَالُهُ يُخَلِّصُنَا نَحْنُ الآنَ، أَيِ الْمَعْمُودِيَّةُ" (1بط 3: 20، 21).
نشرح أن المعمودية فيها الخلاص، بالماء، كما حدث في الفلك مع الذين خلصوا من موت الطوفان بفلك نوح، مثال المعمودية.
وهذا يؤيد ما سبق أن قلناه عن الخلاص بالمعمودية حسب قول الرب (مر16: 16).
ب- ومن الرموز إلى المعمودية الختان.
جـ- ومن الرموز للمعمودية في العهد القديم أيضًا، عبور البحر الأحمر. وعن هذا الرمز يقول القديس بولس الرسول: "فَإِنِّي لَسْتُ أُرِيدُ أَيُّهَا الإِخْوَةُ أَنْ تَجْهَلُوا أَنَّ آبَاءَنَا جَمِيعَهُمْ كَانُوا تَحْتَ السَّحَابَةِ، وَجَمِيعَهُمُ اجْتَازُوا فِي الْبَحْرِ، وَجَمِيعَهُمُ اعْتَمَدُوا لِمُوسَى فِي السَّحَابَةِ وَفِي الْبَحْرِ" (1كو10: 1، 2).
والمعروف أن عبور البحر الأحمر كان خلاصًا للشعب من عبودية فرعون. وهو هنا يرمز إلى الخلاص الذي نناله في المعمودية من عبودية الخطية والموت. وعنصر الماء واضح في المثالين. وموسى يمثل هنا الكهنوت. كما كان نوح في مثال الفلك يمثل الكهنوت في عهد الآباء البطاركة (رؤساء الآباء).
د- ومن رموز العهد القديم إلى المعمودية أيضًا ما ورد في (حز16: 8، 9) حيث يقول الرب لأورشليم الخاطئة التي ترمز هنا إلى النفس البشرية في سقوطها: "وَدَخَلْتُ مَعَكِ فِي عَهْدٍ، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ، فَصِرْتِ لِي. فَحَمَّمْتُكِ بِالْمَاءِ، وَغَسَلْتُ عَنْكِ دِمَاءَكِ، وَمَسَحْتُكِ بِالزَّيْتِ"، وهذا الماء والغسيل رمز للمعمودية، والزيت رمز لمسحة الروح القدس وعبارة "صرتِ لي" تعني انضمامها بهذا إلى جسد المسيح (عضوية الكنيسة).
المعمودية إذًا خلاص ومغفرة للخطايا، ليس حسب تعليم العهد الجديد فقط، إنما حسب رموزها في العهد القديم أيضًا في الختان، والفلك والبحر الأحمر.
والمغفرة التي ننالها في المعمودية يعبر عنها قانون الإيمان تعبيرًا واضحًا جدًا في قوله: "نؤمن بمعمودية واحدة لمغفرة الخطايا".
- في المعمودية انضمام لعضوية الكنيسة
لا شك أن المعمودية كان يرمز إليها الختان في العهد القديم، وفي ذلك يقول الرسول عن السيد المسيح: "وَبِهِ أيضًا خُتِنْتُمْ خِتَانًا غَيْرَ مَصْنُوعٍ بِيَدٍ، بِخَلْعِ جِسْمِ خَطَايَا الْبَشَرِيَّةِ، بِخِتَانِ الْمَسِيحِ، مَدْفُونِينَ مَعَهُ فِي الْمَعْمُودِيَّةِ، الَّتِي فِيهَا أُقِمْتُمْ أيضًا مَعَهُ بِإِيمَانِ عَمَلِ اللهِ الَّذِي أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ" (كو2: 11، 12).
المعروف أنه في الختان يقطع جزء من الجسد، فيموت، إشارة في المعمودية إلى الموت الكامل. وكما أن الختان علامة لا تمحى هكذا أيضًا المعمودية.
وكما أن في الختان يسيل دم، كذلك الحياة الجديدة التي أتت بالمعمودية، كانت باستحقاق الدم الذي سُفك عنا.
وكما أن المختون كان يعتبر بختانه عضوًا في شعب الله وفي جماعة المؤمنين (تك17: 7) هكذا أيضًا المعمّد يصير عضوًا في الكنيسة في شعب الله، عضوًا في جسد المسيح. وكما أن غير المختون كان يهلك (تك17: 14) هكذا أيضًا كل من لا يولد من الماء والروح (يو3: 3، 5) لا يدخل ملكوت الله، لأنه لم يدخل في المعمودية ولم يدفن مع المسيح ولم يقم معه.
وكما أن الختان كان لازمًا وضروريًا وبأمر إلهي، هكذا أيضًا المعمودية لازمة للمغفرة ولعضوية جسد المسيح.
وكما أن الإنسان يموت مرة واحدة ويقوم، ويختتن مرة واحدة، هكذا أيضًا المعمودية واحدة لا تتكرر لأن المعمد لا يموت مع المسيح أكثر من مرة. أما علاقة الختان والمعمودية بمغفرة الخطايا، فيعبّر عنها الرسول في حديثه عن الختان الروحي، ختان المسيح، غير المصنوع بيد الذي فيه خلع جسم الخطايا، ويرمز للمعمودية، فيقول بعدها: "وَإِذْ كُنْتُمْ أَمْوَاتًا فِي الْخَطَايَا وَغَلَفِ جَسَدِكُمْ، أَحْيَاكُمْ مَعَهُ، مُسَامِحًا لَكُمْ بِجَمِيعِ الْخَطَايَا" (كو2: 11- 13).
المعمودية هي من عمل الكهنوت
المعمودية لا بد أن يقوم بها كاهن شرعي.
والكتاب المقدس يرينا أن السيد المسيح لم يترك مسألة المعمودية إلى عامة الناس، إنما تركها لرسله القديسين، كما ورد في قوله لتلاميذه قبل صعوده: "اذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآب وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ" (مت 28: 19).
ويؤيد هذا أيضًا ما ورد في (مر16: 15، 16).
وواضح أن الرسل هم الذين قاموا بعمل التعميد كما يروي لنا سفر أعمال الرسل في كل انتشار الكنيسة الأولى. ثم تركوا العمل لتلاميذهم من الأساقفة. ومنهم للكهنة.
ولهذا كله، نحن لا نقبل أية معمودية لا يقوم بها كاهن.
ويشترط في الكاهن أيضًا أن يكون كاهنًا شرعيًا، أي وضعت عليه يد لها سلطان السيامة، ولا يكون هذا الكاهن محرومًا أو مشلوحًا، بل له السلطة الكهنوتية التي يمارس بها الأسرار.
ولعلنا بعد أن تكلمنا عن كل مفاعيل المعمودية فينا، وهذه التي لا يؤمن بها إخوتنا البروتستانت، ناسبين كل ذلك إلى الإيمان وحده.. وبعد أن تحدثنا أيضًا عن أن المعمودية هي عمل الكهنة... لعل البعض يسأل.
لمذا تعيدون معمودية البروتستانتي الذي ينضم إلى الكنيسة الأرثوذكسية؟ نقول إننا نعطيه كل هذه الكنوز الروحية التي لم ينلها حينما تعمّد في البروتستانتية نسأله: هل نلت في المعمودية الخلاص؟ هل نلت فيها التبرير والتجديد ومغفرة الخطايا؟ هل اغتسلت فيها من خطاياك؟ هل لبست فيها المسيح؟ هل ولدت فيها ولادة جديدة؟
فإن كنت لم تنل شيئًا من كل هذه النعم في المعمودية التي أخدتها في البروتستانتية إذ لم تكن تؤمن بشيء منها ينال بالمعمودية، فنحن نعطيك هذه كلها بالمعمودية التي لها كل هذه المفاعيل.
وسبب آخر هام. وهو أننا لا نعترف بمعمودية إلا التي تكون بواسطة كاهن شرعي كما قلنا. والبروتستانتية لا تؤمن بكهنوت للبشر يمارس الأسرار كما أنها لا تؤمن بالمعمودية كسرّ.
لذلك لا نقبل هذه المعمودية ولا نقول أننا نعيدها، إنما نعمّد المنضم إلينا بمعمودية على يد كاهن، تحمل فاعلية روحية لازمة للخلاص، وبدونها لا يخلص.. مهما كانت المعمودية الأولى على اسم الثالوث القدوس، ما دام تنقصها ثلاثة أمور هامة، إذ أنها:
أ- ليست على يد كاهن.
ب- ليست سرًا.
جـ- ليست لها فاعلية روحية.
لزوم المعمودية
نلاحظ منذ بدء المسيحية أن المعمودية كانت لازمة جدًا تتبع الإيمان مباشرة، ولم يستغني عنها أحد. كانت كذلك في تعليم الرب، وكانت كذلك في الممارسة العملية.
فمن جهة تعليم الرب قال لرسله: "تَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ.." (مت28: 19) وقال أيضًا: "مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ" (مر16: 16). ولو كانت المعمودية مجرد علامة، ما أعطاها الرب كل هذه الأهمية.
وفي الممارسة العملية لمّا آمن اليهود في يوم الخمسين، دعاهم القديس بطرس إلى المعمودية مباشرة، فقال لهم: "تُوبُوا وَلْيَعْتَمِدْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عَلَى اسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ لِغُفْرَانِ الْخَطَايَا" (أع2: 38) واعتمد في ذلك اليوم ثلاثة آلاف نفس. ولا شك أنها كانت عملية صعبة ومنهكة وتأخذ وقتًا. ولولا أهميتها ما قام بها الآباء الرسل.
ولو كان الإيمان وحده يخلّص، ماذا كانت الحاجة إلى معمودية كل هذه الآلاف؟ ما كان أسهل أن يقول لهم الرسول: "ما دمتم قد آمنتم أيها الإخوة. اذهبوا على بركة الله فقد نلتم الخلاص، وهذا يكفي".
ونفس الوضع نجده في عماد الخصي الحباشي، الذي طلب بنفسه هذه المعمودية بعد إيمانه مباشرة وعمده فيلبس، فمضى فرحًا (أع8: 36).
وشاول الطرسوسي اعتمد بعد إيمانه ودعوته لكي يغتسل من خطاياه (أع22: 16)، وسجان فيلبي لما آمن، "اعْتَمَدَ فِي الْحَالِ هُوَ وَالَّذِينَ لَهُ أَجْمَعُونَ" (أع16: 33) وليديا بائعة الأرجوان لما آمنت اعْتَمَدَتْ هِيَ وَأَهْلُ بَيْتِهَا (أع16: 15). ولما آمن كرنيليوس، عمّده بطرس هو وكل الذين كانوا يسمعون الكلمة قائلًا: "أَتُرَى يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَمْنَعَ الْمَاءَ حَتَّى لاَ يَعْتَمِدَ هؤُلاَءِ الَّذِينَ قَبِلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ كَمَا نَحْنُ" (أع10: 44- 47). فلو كان الخلاص بالإيمان فقط، لماذا اعتمد كل الذين آمنوا؟
المعمودية بالتغطيس
1- واضح من الكتاب المقدس أن المعمودية كانت بالتغطيس وليس بالرش، حتى في أيام يوحنا المعمدان نفسه. فالسيد المسيح اعتمد بالتغطيس. ولذلك يقول الإنجيل: "فَلَمَّا اعْتَمَدَ يَسُوعُ صَعِدَ لِلْوَقْتِ مِنَ الْمَاءِ" (مت3: 16؛ مر1: 10). ولعله من الجميل ههنا أن كنيستنا تسمي عيد معمودية السيد المسيح بعيد الغطاس، ليتأكد هذا المعنى في أذهاننا.
2- نفس تعبير الصعود من الماء، نقرأ عنه أيضًا في قصة الخصي الحبشي لما عمده فيلبس. يقول الكتاب: "فَنَزَلاَ كِلاَهُمَا إِلَى الْمَاءِ فِيلُبُّسُ وَالْخَصِيُّ، فَعَمَّدَهُ وَلَمَّا صَعِدَا مِنَ الْمَاءِ، خَطِفَ رُوحُ الرَّبِّ فِيلُبُّسَ" (أع 8: 38، 39) وهذا دليل على أن المعمودية كانت بالتغطيس، ولو أنها كانت بالرش لاِكتفى فيلبس بأن يرش الماء على الخصي حتى وهو في المركبة، ودون الحاجة إلى أن "ينزلا كلاهما إلى الماء".
3- كلمة معمودية Baptisma معناها صبغة. ولا يمكن أن تتم الصبغة إلا بالتغطيس.
4- المعمودية هي عملية موت مع المسيح ودفن مع المسيح كما يقول الرسول: "فَدُفِنَّا مَعَهُ بِالْمَعْمُودِيَّةِ لِلْمَوْتِ" (رو6: 4)، "مَدْفُونِينَ مَعَهُ فِي الْمَعْمُودِيَّةِ" (كو2: 12) وعملية الدفن لا يمكن أن تتم إلا بالتغطيس. والخروج من جرن المعمودية يشير إلى القيامة مع المسيح بعد الموت معه والدفن معه. أما الرش فلا يمكن أن يعبّر عن عملية الموت والقيامة.
5- والمعمودية ولادة ثانية. والولادة هي خروج جسم من جسم، وتظهر في المعمودية واضحة بخروج جسم الإنسان من جرن المعمودية. ولا يعبّر الرش مطلقًا عن عملية الولادة.
6- المعمودية هي غسل من الخطايا، كما قيل للقديس بولس الرسول (أع22: 16) وكما يقول في رسالته إلى تيطس: "خَلَّصَنَا بِغُسْلِ الْمِيلاَدِ الثَّانِي" (تي3: 5). وعملية الغسل تحتاج إلى غمر بالماء، ويمثله التغطيس ولا يمثله الرش.
7- وكل من ينظر إلى أبنية الكنائس القديمة يجد فيها جرنًا للمعمودية. وهذا دليل على أنها كانت تتم بالتغطيس. لأن عملية الرش لا تحتاج إلى جرن.
بقيت النقطة الأخيرة من خلافاتنا في المعمودية عن البروتستانت وهي:
معمودية الأطفال
البروتستانت لا يعمدون الأطفال، إصرارًا على لزوم الإيمان قبل المعمودية واعتمادًا على قول الرب: "مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ" (مر16: 16) وأيضًا اعتمادًا على أن الطفل لا يدرك ماذا يحدث له في المعمودية. فكيف تتم المعمودية بدون إيمان وبدون إدراك؟!
هذا رأيهم:
أما نحن فنصرّ على معمودية الأطفال للأسباب الآتية:
1- حرصًا منّا على أبدية هؤلاء الأطفال، لأن الرب يقول: "إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنَ الْمَاءِ وَالرُّوحِ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ مَلَكُوتَ اللهِ" (يو3: 5) فكيف يمكن أن نمنع عنهم العماد فنعرّضهم لهذا الحكم الإلهي الذي لم يحدث أن الرب استثنى منه الأطفال حينما قال هذا...
2- بالمعمودية نعطي الأطفال فرصة لممارسة الحياة داخل الكنيسة والتمتع بكل أسرارها الإلهية وبكل تأثيرها، وكل عمل النعمة فيها وفاعليتها في حياتهم. وبهذا نعدّهم إعدادًا عمليًّا لحياة الإيمان. وإن تركناهم خارجًا، نكون قد حرمناهم من وسائط النعمة والإيمان.
3- أما قول الرب: "مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ"، فالمقصود به هو الكبار الذين
في سن يسمح بإدراك معاني الإيمان. ولهذا لا يمكن أن نعمّد الكبار إلا إذا آمنوا عملًا بقول الرب (مر16: 16). أما من جهة الأطفال فنطبق عليهم قول الرب أيضًا: "دَعُوا الأَوْلاَدَ يَأْتُونَ إِلَيَّ وَلاَ تَمْنَعُوهُمْ لأَنَّ لِمِثْلِ هؤُلاَءِ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ" (مت19: 14).
4- ومن جهة الإيمان، ليس عند الأطفال ما يمنع الإيمان مطلقًا، لأنهم لم يدخلوا في مرحلة الشك والفحص والتفكير التي عند الكبار. وهم في إيمان يصدّق كل شيء ويقبله فلا عندهم رفض الإيمان، ولا مقاومة الإيمان، ولا سلبيات تمنع ملكوت الله. وعمادهم يتفق مع نظرية (الخلاص المجاني) التي يؤمن بها البروتستانت ويعلنونها بكل قوتهم.
5- ولو دققنا تمامًا على شرط الإيمان، لكان من الممكن أن نمنع من المعمودية أيضًا كل الكبار الذين ليس لهم النضوج العقلي أو الفكري الكافي لإدراك حقائق الإيمان وعمقها مثل كثير من الريفيين ومن العمال ومن الأميين وأشباه المتعلمين، والذين ليس لهم قدر من الذكاء يدخل في عمق الحقائق اللاهوتية ما نصيب كل أولئك من الإيمان؟ فهل نمنعهم كما نمنع الأطفال أيضًا؟
6- يقول البعض: وماذا يحدث إن كبر الطفل ورفض الإيمان؟
يكون مثل المرتد.. النعمة التي أخذها في المعمودية قد يرفضها بحرية إرادته. نحن نكون قد أدينا واجبنا من نحوه. ونتركه مثل أي إنسان بدأ بالروح وكمل بالجسد (غلا3: 3) ولكن الاحتمال الأكبر هو أن الطفل الذي نعمّده في صغره، ويحيا في الكنيسة، ويذوق كل وسائط النعمة فيها، لا يكون عرضة للانحراف وترك الإيمان مثل الذي نتركه بلا عماد حتى كبره.
***
7- إن الذين ينكرون معمودية الأطفال، إنما ينكرون لزوم المعمودية للخلاص (مر16: 16). لأنهم لو آمنوا بلزوم المعمودية، لكان من الخطورة أن يحرموا الطفل من الخلاص.
وما داموا يشترطون الإيمان للخلاص، ويرون الأطفال بلا إيمان. فما مصير الأطفال في نظرهم، وهم بلا معمودية، وبلا إيمان؟ هل يخلصون بدونها؟ ويبقي السؤال بلا جواب...
8- ونحن نعمّد الأطفال، لأن في الكتاب ما يشير ضمنًا إلى هذا، فيما ذكره الكتاب من عماد أسرة بأكملها، أو شخص وكل بيته، وليس من المعقول أن كل هؤلاء الذين آمنوا، لم تكن في عائلاتهم أطفال. والأمثلة على هذا كثيرة في الكتاب، نذكر من بينها:
أ- عماد سجان فيلبي. قال له القديسان بولس وسيلا: "آمِنْ بِالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ فَتَخْلُصَ أَنْتَ وَأَهْلُ بَيْتِكَ" (أع16: 31). والمقصود هو أن إيمانه سيكون الخطوة الأولى التي تقود أهل بيته إلى الخلاص ولذلك قيل بعدها: "وَكَلَّمَاهُ وَجَمِيعَ مَنْ فِي بَيْتِهِ بِكَلِمَةِ الرَّبِّ" ثم يقول الكتاب: "وَاعْتَمَدَ فِي الْحَالِ هُوَ وَالَّذِينَ لَهُ أَجْمَعُونَ وَتَهَلَّلَ مَعَ جَمِيعِ بَيْتِهِ" (أع16: 32- 34). ولم يستثن الكتاب الأطفال من كل أهل بيت سجان فيلبي، بل قال عن عماده: "هُوَ وَالَّذِينَ لَهُ أَجْمَعُونَ" بما فيهم طبعًا من أطفال...
ب- في قصة عماد ليديا بائعة الأرجوان قيل إنها "اعْتَمَدَتْ هِيَ وَأَهْلُ بَيْتِهَا" (أع16: 15).
جـ- قال بولس الرسول: "وَعَمَّدْتُ أيضًا بَيْتَ اسْتِفَانُوسَ" (1كو1: 16). فهل كل هذه البيوت لم يكن فيها أطفال...
د- الذين اعتمدوا في يوم الخمسين، لم يذكر الكتاب أنه لم يكن بينهم أطفال.
9- وممارسة معمودية الأطفال قديمة في التاريخ. نذكر من بينها خلاف كان بين القديس أغسطينوس والقديس ﭽيروم حول أصل النفس وهل هي مولودة أم مخلوقة؟! وكان القديس أغسطينوس يقول: إنها تولد مع الإنسان، والقديس ﭽيروم : يقول إنها مخلوقة. فقال القديس أغسطينوس: "إن كانت مخلوقة فهي لم ترث خطية آدم. وإذًا فلماذا نعمد الأطفال؟". ولم يجد ﭽيروم إجابة على هذا السؤال.
10- والكتاب المقدس لا توجد فيه آية واحدة تنص على عدم معمودية الأطفال.
11- أما من جهة الإيمان، فنحن نعمّد الطفل على إيمان والديه. وهذا الأمر في جوهره – له أمثلة كثيرة جدًا في الكتاب المقدس:
كان الختان يرمز إلى المعمودية كما سبق أن ذكرنا، وبه كان ينضم المختون إلى عضوية شعب الله. حسب العهد الذي أبرمه الله مع أبينا إبراهيم (تك17: 11). والمعروف أن الختان كان يتم في اليوم الثامن حسب أمر الرب (تك17: 12). فالطفل في اليوم الثامن من عمره، ماذا كان يدري عن العهد الذي بين الله وأبينا إبراهيم؟ وماذا كان يدري عن عضوية شعب الله؟ لا شيء بلا شك. لكنه كان يختتن بإيمان والديه بهذا العهد، ويصير عضوًا في شعب الله ومستحق للوعود التي منحها الرب لأبينا إبراهيم، كل ذلك بإيمان والديه.
كان عبور البحر يرمز إلى المعمودية، أو كان معمودية في حد ذاته كما شرح القديس بولس الرسول (1كو2:10). وكان يمثل الخلاص من عبودية فرعون، رمزًا للخلاص من عبودية الخطية والشيطان والموت. وقد عبر البحر أشخاص كبار يعرفون وعد الله لموسى النبي، ويعرفون ماذا كانت عبوديتهم لفرعون، وما معنى خلاصهم منها بيد الله الحصينة. وبعبورهم البحر (أي بالعماد) خلصوا. ولكن ماذا عن الأطفال الذين حملتهم أمهاتهم أو آباؤهم عابرين البحر بهم. لقد نالوا الخلاص بلا شك من العبودية، وتعمدوا، ولكن على إيمان الوالدين. لأن أولئك الأطفال ما كانوا يدرون عن هذه الأمور شيئًا.
مثال ثالث قوي جدًا وهو خلاص الأطفال من سيف الملاك المهلك بدم خروف الفصح، حسب قول الرب لموسى عن ذبح الخروف ورش الدم على عتبات البيوت وقوائمها "فَأَرَى الدَّمَ وَأَعْبُرُ عَنْكُمْ" (خر12: 13).
وكان دم خروف الفصح يرمز إلى دم السيد المسيح الذي به نلنا الخلاص، وكما قال القديس بولس الرسول: "لأَنَّ فِصْحَنَا أيضًا الْمَسِيحَ قَدْ ذُبحَ لأَجْلِنَا" (1كو5: 7).
والسؤال الآن هو هذا: الأطفال الذين خلصوا بدم خروف الفصح: ماذا كان إيمانهم؟ ما الذي يعرفونه عن العهد بين الله وموسى حول الفصح والنجاة بدمه من الهلاك؟ لا شيء بلا شك ولكنهم خلصوا بإيمان آبائهم، الآباء الذين آمنوا بالدم وفاعليته وأهمية دم الفصح للنجاة من الهلاك.
ولكن هؤلاء الأطفال الذين خلصوا بالختان وبدم خروف الفصح، وبعبور البحر الأحمر فهموا معاني هذه الأمور فيما بعد عندما كبروا. ولكنهم تقبلوا هذا الخلاص مجانًا في طفولتهم، بإيمان الوالدين بعهود الله واتفاقاته مع البشر. ولما كبروا دخلوا في هذا الإيمان عمليًا...
بعد هذا نجيب على الأسئلة التي يقدمونها حول المعمودية...
أسئلة حول المعمودية
السؤال الأول: إن كانت المعمودية تجديدًا، فلماذا نخطئ بعد المعمودية؟
المعمودية تجديد حسب تعليم الكتاب (رو6: 4) ولكنها ليست عصمة، نأخذ في المعمودية ولادة جديدة، وحياة جديدة، ونعمًا جديدة. أو نأخذ طبيعة جديدة، كما قال الرسول: "بِمُقْتَضَى رَحْمَتِهِ خَلَّصَنَا بِغُسْلِ الْمِيلاَدِ الثَّانِي وَتَجْدِيدِ الرُّوحِ الْقُدُسِ" (تي3: 5) هذه الطبيعة لها قوة وقدرة على الحياة الروحية.
ولكن لا عصمة لنا طالما نحن في الجسد. هنا نحن في اختبار. وما زلنا في حريتنا، نعمل الخير أو الشر. لأن نعمة التجديد التي أخذناها في المعمودية لا تلغي الحرية التي لنا، والتي نحن بها على صورة الله ومثاله ولذلك فالصديق يسقط سبع مرات ويقوم. أما العصمة أو إكليل البر، فنناله في الحياة الأخرى. وفي ذلك يقول معلمنا بولس الرسول وهو ينسكب سكيبًا ووقت انحلاله قد حضر "وَأَخِيرًا قَدْ وُضِعَ لِي إِكْلِيلُ الْبِرِّ، الَّذِي يَهَبُهُ لِي فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، الرَّبُّ الدَّيَّانُ الْعَادِلُ" (2تي4: 8).
السؤال الثاني: هل تسري مفاعيل المعمودية إذا كان الكاهن الذي يجريها سيئ السيرة؟
إن النعم التي نأخذها في المعمودية هي من الله، وليست من الكاهن الذي هو مجرد خادم لله مانحها. تتوقف على صدق مواعيد الله ومواهبه، ولا تتوقف على سيرة الكاهن.
إن الكاهن مثل ساعي البريد، يحمل لك خطابًا مفرحًا. وسواء كان هذا الساعي جميل الخلقة أو دميمها، فالخطاب المفرح هو هو لا يتغير.
أو هو كالزارع الذي يلقي البذار في الأرض فتثمر سواء كان هذا الزارع بارًا أو مخطئًا المهم في البذرة وقوة الحياة التي فيها وليس في يد الزارع التي تلقيها.
وأنت قد تشرب الماء في كوب من ذهب أو كوب من نحاس. والماء هو هو بنفس طبيعته لم يتغير بنوع الكأس الذي يقدم لك الماء فيه.
وهنا نحن نتكلم عن المعمودية وفاعليتها. ولا يجوز أن نخرج العقيدة من ناحيتها الموضوعية إلى نواحي شخصية تتعرض لإدانة الآخرين، دون النظر إلى ما منحه الرب للبشر في المعمودية حسب كلمته الصادقة في الإنجيل.
السؤال الثالث: كيف خلص اللص دون معمودية؟
وفي إجابتنا عن هذا السؤال نقول إن اللص قد نال معمودية هي أفضل معمودية، وكلنا نحاول أن نعتمد على مثالها. لأنه ما هي المعمودية سوى موت مع المسيح كما شرح معلمنا بولس (رو6) واللص اليمين قد مات مع المسيح فعلًا، وصار موته بهذا الوضع معمودية، ومثال ذلك معمودية الدم التي نقولها عن الشهداء الذين آمنوا بالمسيح، فقتلوهم في عصور الاضطهاد قبل أن ينالوا نعمة المعمودية بالماء. فصار موتهم هذا معمودية. ماتوا مع المسيح كاللص. وقد شرحنا هذا الموضوع في كتاب الخلاص.
السؤال الرابع: إن كانت المعمودية لازمة هكذا فلماذا قال الرسولان بولس وسيلا لسجان فيلبي:"آمِنْ بِالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ فَتَخْلُصَ" (أع16: 31) ولم يقولا له آمن واعتمد. وهذا دليل على كفاية الإيمان؟؟
أما الجواب هو أن الرسولين كانا يكلمان إنسانًا غير مؤمن، مهما فعل لا يمكن أن يخلص بدون إيمان. لذلك كان عليهما أن يوجهاه إلى هذا الإيمان أولًا لكي يخلص فإن قبل الإيمان، يشرحان له باقي الأمور اللازمة. ولذلك فإنه بعد قول الرسول هذا حدث أمران هما:
"كَلَّمَاهُ وَجَمِيعَ مَنْ فِي بَيْتِهِ بِكَلِمَةِ الرَّبِّ" (أع16: 32).
"اعْتَمَدَ فِي الْحَالِ هُوَ وَالَّذِينَ لَهُ أَجْمَعُونَ" (أع16: 33).
هكذا لا يجوز أن نضع أمامنا آية واحدة، وننسى باقي الآيات المتعلقة بالموضوع فإلى جوار إيمان سجان فيلبي، نضع عماد سجان فيلبي. وإلى جوار قول الرسولين: "آمن فتخلص" نضع أمامنا أيضًا قول الرب نفسه: "مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ" (مر16: 16) ونضع باقي الآيات التي تتعلق عن الخلاص بالمعمودية مثل (1بط21:3؛ تي3: 5)[1].
السؤال الخامس: إن كانت المعمودية ضرورية، فهل كل أنبياء العهد القديم اعتمدوا؟
والإجابة هي: لو كانت وصية المعمودية موجودة في أيامهم لكان يلزمهم العماد. ولكن هذه الوصية وضعت في المسيحية فلماذا؟ لأن المعمودية هي موت مع المسيح والمسيح لم يكن قد مات في العهد القديم. ولكن أنبياء العهد القديم مارسوا من رموز المعمودية ما أمكنهم ممارسته في أيامهم، كالختان وعبور البحر. ومارسوا الاحتفال بخروف الفصح الذي يرمز إلى دم المسيح. ولا يجوز أن نطالب أشخاصًا بشريعة لم تكن موجودة في أيامهم.
السؤال السادس: هل الخلاص هو بالكلمة وليس بالماء؟
وهل قول الرسول عن الكنيسة: "مُطَهِّرًا إِيَّاهَا بِغَسْلِ الْمَاءِ بِالْكَلِمَةِ" (أف5: 26) تعني أن هذا الغسل كان بالكلمة؟ أي الخلاص بالكلمة.
وماذا عن باقي الآيات التي تدل على لزوم الكلمة للخلاص مثل "مَوْلُودِينَ ثَانِيَةً، لاَ مِنْ زَرْعٍ يَفْنَى، بَلْ مِمَّا لاَ يَفْنَى، بِكَلِمَةِ اللهِ الْحَيَّةِ الْبَاقِيَةِ إِلَى الأَبَدِ" (1بط1: 23) وأيضًا "شَاءَ فَوَلَدَنَا بِكَلِمَةِ الْحَقِّ" (يع1: 18) ولم يقل ولدنا بالمعمودية – أو خلصنا بالمعمودية!!
وما أهمية الماء للخلاص؟
ما دام الرب قد قال: "مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ" إذًا الخلاص يكون هكذا... ولكن عبارة من آمن، لا بد أن يسبقها شيء آخر هو التعليم أو الكرازة لأن الرسول يقول: "وَكَيْفَ يُؤْمِنُونَ بِمَنْ لَمْ يَسْمَعُوا بِهِ؟ وَكَيْفَ يَسْمَعُونَ بِلاَ كَارِزٍ؟" (رو10: 14) من هنا جاءت أهمية الكلمة...
الكلمة أولًا، نتيجة لها يحدث الإيمان. ونتيجة للإيمان تتم المعمودية ونتيجة للمعمودية الخلاص والولادة الجديدة. ومع أن الخلاص والميلاد الثاني كلاهما بالمعمودية، إلا أنه لا بد من الكلمة أولًا، لأنها هي التي تقود إلى الإيمان، وبالإيمان المعمودية. لذلك قال الرسول: "ولدنا بكلمة الحق"، "مولودين بكلمة الله".. على اعتبار أن الكلمة هي الأصل الذي قاد إلى كل هذا..
أما قول الرسول عن الكنيسة: "مُطَهِّرًا إِيَّاهَا بِغَسْلِ الْمَاءِ بِالْكَلِمَةِ" (أف5: 26). فمعناه أن هذا التطهير تم بالمعمودية (غسل الماء). بالكلمة أي بالتبشير والكرازة وخدمة الكلمة التي من نتيجتها كان الإيمان ثم المعمودية.
نلاحظ هنا قوله "بغسل الماء بالكلمة" ولم يقل بغسل الماء الذي هو الكلمة. ولو كان غسل الماء يعني الكلمة، ما كان هناك داع لهذا التكرار. إنما غسل الماء بالكلمة معناه غسل الماء الذي تم نتيجة لعمل الكلمة، فلولا الكلمة ومفعولها ما أقبل الناس إلى غسل الماء أي المعمودية. أما من جهة عبارة "مولودين بكلمة الله" (1بط1: 23) وعبارة "شَاءَ فَوَلَدَنَا بِكَلِمَةِ الْحَقِّ" (يع1: 18)، فنلاحظ فيهما أنه لم يذكر الإيمان. فهل الكلمة وحدها كانت للميلاد الثاني بدون إيمان؟ إن هذا مستحيل. ولكنه لم يذكر الإيمان هنا لأنه مفهوم ضمنًا.
الأشياء المفهومة ضمنًا، لا داعي لتكرارها في كل مناسبة. لا نستطيع في كل مناسبة أن نكرر عبارات: الكلمة – الإيمان – المعمودية – الميلاد الثاني. إن الكرازة لها أهميتها. ولا ينكر أحد أهمية خدمة الكلمة. ولكن لا نستطيع مطلقًا أن نقول أنه يمكن لأناس أن يكونوا "مولودين بكلمة الحق" سواء آمنوا أم لم يؤمنوا. هكذا أيضًا في المعمودية.
أما عبارة "غسل الماء بالكلمة"، فتعني الأمرين معًا: الكلمة والمعمودية ونلاحظ فيهما أيضًا أنه لم يذكر (الإيمان الذي هو مفهوم ضمنًا).
البروتستانت يركزون باستمرار على الإيمان. فهل عدم ذكر عبارة الإيمان في (أف5: 26؛ يع1: 18؛1بط1: 23) يعني عدم أهمية الإيمان ولزومه؟ طبعًا لا. ففي بعض الأحيان عدم ذكر شيء لا يعني بالضرورة عدم لزومه، إنما قد يعني أنه مفهوم ضمنًا، هكذا في المعمودية.
السؤال السابع: إذًا ما هو مركز الماء في الخلاص والميلاد الثاني؟
أ- إن كان الماء لم يُذكر في عبارة "ولدنا بكلمة الحق" وعبارة "مولودين بكلمة الله" إلا أنه قد ذكر صراحة في قول الرب: "إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنَ الْمَاءِ وَالرُّوحِ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ مَلَكُوتَ اللهِ" (يو3: 5) هنا ولادة صريحة من الماء.
والمقصود بالماء أن يكون ماءً حقيقيًا وليس رمزًا...
ب- وهذا واضح في قبول إيمان كرنيليوس وأصحابه الأمميين وضمهم إلى عضوية الكنيسة. هنا أشخاص أبرار. كان إيمانهم بدعوة من الله، وظهور ملاك لكرنيليوس ورؤيا لبطرس، وأمر إلهي. وقد بشرهم بطرس بالكلمة، وحلَّ الروح القدس على جميع الذين كانوا يسمعون الكلمة (أع10: 44) وتكلموا بألسنة. أكان كل هذا يكفي لميلادهم الثاني؟ أكان يمكن لبطرس أن يقول لهم: مبارك لكم جميعًا هذا الميلاد الجديد؟ كلا بل إن القديس بطرس قال بعد كل هذا: "أَتُرَى يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَمْنَعَ الْمَاءَ حَتَّى لاَ يَعْتَمِدَ هؤُلاَءِ" (أع10: 47، 48).
ويعلق كاتب سفر أعمال الرسل على هذا بقوله مباشرة: "أَنَّ الأُمَمَ أيضًا قَبِلُوا كَلِمَةَ اللهِ" (أع11: 1).
هنا إذًا مكان الماء إلى جوار الكلمة. وهنا الماء لا يعني الكلمة، كما ظن البعض في (أف5: 26)..
جـ- وهناك مثال آخر واضح للماء في معمودية الخصي الحبشي: لما آمن الخصي. يقول الكتاب: "وَفِيمَا هُمَا سَائِرَانِ فِي الطَّرِيقِ أَقْبَلاَ عَلَى مَاءٍ، فَقَالَ الْخَصِيُّ: هُوَذَا مَاءٌ مَاذَا يَمْنَعُ أَنْ أَعْتَمِدَ؟ فَقَالَ فِيلُبُّسُ: إِنْ كُنْتَ تُؤْمِنُ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ يَجُوزُ. فَأَجَابَ وَقَالَ: أَنَا أُومِنُ أَنَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ هُوَ ابْنُ اللهِ فَنَزَلاَ كِلاَهُمَا إِلَى الْمَاءِ، فِيلُبُّسُ وَالْخَصِيُّ، فَعَمَّدَهُ" (أع8: 36- 38).
هنا معمودية ماء، تمامًا مثل معمودية كرنيليوس والذي معه، معمودية ماء حقيقي، كانت لازمة بعد الكلمة مباشرة، ولم يكن الماء فيها هو الكلمة، فإن كان الخصي قد ولد بالكلمة، وغسل بالكلمة، ماذا كانت الحاجة إلى الماء؟!
وفي هذا المجال أود أن أتحدث عن موضوع هام هو:
أهمية الماء ورموزه
وذلك لنفهم لماذا اُختير الماء للغسل والولادة الجديدة في سر المعمودية المقدس... منذ البداية، في قصة الخليقة والماء له علاقة بالحياة. يقول الكتاب: "وَرُوحُ اللهِ يَرِفُّ عَلَى وَجْهِ الْمِيَاهِ" (تك1: 2) ويذكر أيضًا أن الله قال: "لِتَفِضِ الْمِيَاهُ زَحَّافَاتٍ ذَاتَ نَفْسٍ حَيَّةٍ، وَلْيَطِرْ طَيْرٌ" (تك1: 20). وهكذا خرجت الحياة في الماء. ونرى ربطًا ما بين الماء والحياة وروح االله. ونقرأ أيضًا أن الله يشبه ذاته بالماء. فيقول في تبكيته للشعب: "تَرَكُونِي أَنَا يَنْبُوعَ الْمِيَاهِ الْحَيَّةِ، لِيَنْقُرُوا لأَنْفُسِهِمْ أَبْآرًا، أَبْآرًا مُشَقَّقَةً.." (إر2: 13). وكما ذكر هذا في العهد القديم ذكر نفس المعني في العهد الجديد في قول السيد المسيح له المجد: "مَنْ آمَنَ بِي، كَمَا قَالَ الْكِتَابُ، تَجْرِي مِنْ بَطْنِهِ أَنْهَارُ مَاءٍ حَيٍّ قَالَ هذَا عَنِ الرُّوحِ الَّذِي كَانَ الْمُؤْمِنُونَ بِهِ مُزْمِعِينَ أَنْ يَقْبَلُوهُ" (يو7: 38، 39).
ويشبه هذا قول السيد المسيح عن نفسه أنه معطي الماء الحي في حديثه مع المرأة السامرية عن الماء الحي، إذ يقول: "... بَلِ الْمَاءُ الَّذِي أُعْطِيهِ يَصِيرُ فِيهِ يَنْبُوعَ مَاءٍ يَنْبَعُ إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ" (يو4: 10- 14).
الماء إذًا يرمز إلى الحياة، وأحيانًا إلى الروح القدس نفسه. وما أجمل قول الوحي الإلهي في المزمور الأول عن الرجل البار أنه "يَكُونُ كَشَجَرَةٍ مَغْرُوسَةٍ عِنْدَ مَجَارِي الْمِيَاهِ، الَّتِي تُعْطِي ثَمَرَهَا فِي أَوَانِهِ" (مز1: 3) أي ثمر الروح. ويعوزنا الوقت أن نربط بين الماء والحياة والروح القدس في الكتاب المقدس. الذي يستمر من أول سفر التكوين (تك1: 3) إلى آخر سفر الرؤيا "أَنَا أُعْطِي الْعَطْشَانَ مِنْ يَنْبُوعِ مَاءِ الْحَيَاةِ مَجَّانًا" (رؤ21: 6) "وَأَرَانِي نَهْرًا صَافِيًا مِنْ مَاءِ حَيَاةٍ لاَمِعًا كَبَلُّورٍ، خَارِجًا مِنْ عَرْشِ اللهِ وَالْخَرُوفِ" (رؤ22: 1) "مَنْ يَعْطَشْ فَلْيَأْتِ. وَمَنْ يُرِدْ فَلْيَأْخُذْ مَاءَ حَيَاةٍ مَجَّانًا" (رؤ22: 17).
وفي عبور البحر الأحمر كان الماء يرمز للحياة والموت معًا. موت الإنسان العبد، وحياة الإنسان الحر، الخارج من الماء.
وفي لقان خميس العهد، كان الماء يرمز إلى التطهير. ولذلك قال الرب بعد غسل أرجل تلاميذه قال لهم: "أَنْتُمْ طَاهِرُونَ" (يو13: 10). ويقول المرتل في المزمور: "أغسل يدي بالنقاوة". لعل هذا هو غسل الميلاد بالكلمة، التطهير الذي نناله في حميم الميلاد الجديد. وينطبق عليه في المعمودية قول الرسول للعبرانيين: "مُغْتَسِلَةً أَجْسَادُنَا بِمَاءٍ نَقِيٍّ" (عب10: 22).
ولا أريد أن أترك الحديث عن الماء، دون أن أذكر معجزة عظيمة حدثت وقت صلب المسيح خاصة بالماء والدم.
الماء والدم
لما طعن الجندي جنب المسيح وهو على الصليب، خرج من جنبه "دم وماء" (يو19: 34). فما الحكمة اللاهوتية من هذا؟ خرج من جنبه الدم الذي يعطي معنى الفداء. ولكن كيف ننال نحن هذا الفداء؟ ننال بالماء (بالمعمودية). لذلك حسن أن اجتمع على الصليب الدم والماء، ليعطي الوسيلة للفداء.
إن دم المسيح الذي يطهرنا من الخطية نناله بالماء. ما أجمل – في سر الإفخارستيا – أن نمزج الدم بالماء. ولعل موضوع الدم والماء يظهر واضحًا في قول القديس يوحنا الحبيب الذي شهد هذا الحادث (خروج الدم والماء) وهو إلى جوار الصليب: "وَالَّذِينَ يَشْهَدُونَ فِي الأَرْضِ هُمْ ثَلاَثَةٌ: الرُّوحُ، وَالْمَاءُ، وَالدَّمُ. وَالثَّلاَثَةُ هُمْ فِي الْوَاحِدِ" (1يو5: 8).
إن الفداء الذي نناله توضحه هذه الآية.
الفداء قدمه لنا الدم (دم المسيح). ونحن ننال استحقاقات هذا الدم بالميلاد من الماء والروح. إذًا في المعمودية تجتمع هذه الثلاثة في الشخص الواحد المعمّد: أعني الدم والروح والماء.
السؤال الثامن: ولعل أحد يسأل: هل الماء له كل هذه الفاعلية؟
أ- إن هذا السؤال يذكرني بالاحتجاج الذي احتج به نعمان السرياني حينما طلب إليه أليشع أن يغتسل في الأردن لكي يطهر. فاستكثر هذا أن يكون الأمر مجرد غسل في الماء، وعندهم أنهار في دمشق أفضل من أنهار إسرائيل (2مل5: 10- 12) ولكنه لما أطاع واغتسل، نال الطهارة بهذا الإيمان. وملاحظة بسيطة هنا. إن النبي أمره بالاغتسال في الأردن الذي صار فيما بعد نهر المعمودية أيام يوحنا المعمدان (مت3: 6) فهل نستكثر على الماء مفعوله، كما حدث مع نعمان السرياني؟!
إن الله يعطي النعمة بالطريقة التي يريدها. وهنا لم تكن النعمة في مجرد ماء الأردن، إنما السر في القوة التي وضعها الله في هذا الماء للتطهير... ونفس الأمر نقوله إلى حد ما عن المعمودية كما سنشرح.
ب- مثال آخر: حينما شفى الرب الرجل المولود أعمي. وضع طينًا في عينيه وقال له: "اذْهَبِ اغْتَسِلْ فِي بِرْكَةِ سِلْوَامَ. فَمَضَى وَاغْتَسَلَ وَأَتَى بَصِيرًا" (يو9: 6، 7) كان يمكن بمجرد الإيمان أن ينال هذا الأعمي بصرًا. ولكن الله أراد أن يمنحه النور – والمعمودية استنارة – عن طريق الماء. فلتكن مشيئة الرب فيما يريد. إننا لا نرسم له خططًا ينفذها تبارك اسمه...
جـ - ومع كل ذلك نقول في الإجابة على هذا السؤال إن ماء المعمودية ليس مجرد ماء بسيط عادي. والإنسان المعمّد لا يولد من الماء فقط، وإنما من الماء والروح... الروح القدس يقدس هذا الماء لكي تصبح له طبيعة خاصة يمكن بها لمن يغطس فيه أن يولد من الماء والروح. وبهذا يأخذ استحقاقات دم المسيح في الفداء، حينما – في هذا الماء – يدفن المعمّد مع المسيح، ويشترك مع المسيح في موته، لكي يستحق أن يشترك معه في قيامته. ولذلك فنحن أثناء تقديس ماء المعمودية، نسكب عليه من زيت الميرون المقدس الخاص بالمسحة المقدسة، مسحة الروح القدس، لكي يتقدس الماء بالروح. ومن يولد منه يولد من الماء والروح. وفي تقديس هذا الماء يصلي الكاهن صلوات معينة خاصة بتقديس الماء وحلول الروح لتقديسه. وأيضًا يتلو تلاوات من كلمة الله. وهكذا فإن ماء المعمودية الذي نغتسل به يكون قد تقدس بالكلمة.
السؤال التاسع: أليس من الأفضل أن نقول إن المعمودية قيامة مع المسيح وليس موتًا، لأن الموت لا يفيدنا بل يضرنا، وإنما القيامة هي التي تفيد؟
المعمودية هي موت مع المسيح وقيامة معه، كما شرح الرسول في رسالته إلى أهل رومية: "إِنْ كُنَّا قَدْ صِرْنَا مُتَّحِدِينَ مَعَهُ بِشِبْهِ مَوْتِهِ، نَصِيرُ أيضًا بِقِيَامَتِهِ، فَإِنْ كُنَّا قَدْ مُتْنَا مَعَ الْمَسِيحِ، نُؤْمِنُ أَنَّنَا سَنَحْيَا أيضًا مَعَهُ" (رو6: 5، 8).
وفي هذا الأمر لا يجوز لإنسان أن يعتمد على فكره، ويخرج عن تعليم الكتاب، قائلًا إن الموت لا يفيدنا بل القيامة. وهوذا الكتاب يقول عن المعمودية: "أَمْ تَجْهَلُونَ أَنَّنَا كُلَّ مَنِ اعْتَمَدَ لِيَسُوعَ الْمَسِيحِ اعْتَمَدْنَا لِمَوْتِهِ، فَدُفِنَّا مَعَهُ بِالْمَعْمُودِيَّةِ لِلْمَوْتِ" (رو6: 3، 4). ويكرر هذا المعنى في رسالته إلى كولوسي فيقول: "مَدْفُونِينَ مَعَهُ فِي الْمَعْمُودِيَّةِ، الَّتِي فِيهَا أُقِمْتُمْ أيضًا مَعَهُ" (كو2: 12). وفي هذا النص نرى المعمودية موتًا وقيامة معًا... حقًا، إن الذين يحتقرون الموت مع المسيح، لا ينالون بركة قيامته.
وهنا نسأل: لماذا الموت في المعمودية؟ وما أهميته؟
أ- ليكون لنا شركة مع السيد المسيح. فالرسول لم يقل فقط أنه يدخل في قوة قيامته وإنما قال: "لأَعْرِفَهُ، وَقُوَّةَ قِيَامَتِهِ، وَشَرِكَةَ آلاَمِهِ، مُتَشَبِّهًا بِمَوْتِهِ" (في3: 10). وقال في هذا أيضًا: "مَعَ الْمَسِيحِ صُلِبْتُ" (غلا2: 20). وعبارة الموت مع المسيح تتكرر كثيرًا في (رو6).
ب- لا بد للإنسان في المعمودية أن تموت طبيعته الفاسدة، لكي يأخذ طبيعة أخرى جديدة. وهذا ما يعبر عنه الرسول بصلب الإنسان العتيق في المعمودية فيقول في نفس الفصل من الرسالة إلى رومية: "عَالِمِينَ هذَا: أَنَّ إِنْسَانَنَا الْعَتِيقَ قَدْ صُلِبَ مَعَهُ لِيُبْطَلَ جَسَدُ الْخَطِيَّةِ، كَيْ لاَ نَعُودَ نُسْتَعْبَدُ أيضًا لِلْخَطِيَّةِ. لأَنَّ الَّذِي مَاتَ قَدْ تَبَرَّأَ مِنَ الْخَطِيَّةِ" (رو6: 6، 7) هنا فائدة الموت. وليس الموت ضررًا كما يظن البعض فإن طبيعتنا الفاسدة من الخير لها ولنا أن تموت كي نقوم بطبيعة أخرى على صورة الله. أما الطبيعة الفاسدة فليست لها قوة القيامة مع المسيح. فمن الضرورة أن تموت لتحيا.
جـ - لأننا في شركة الموت، نعترف ضمنًا أننا كنا تحت حكم الموت "أمواتًا بالخطية" وأن المسيح قد مات عنا ودفن، ولذلك فنحن نعتمد لموته، ما دامت أجرة خيطتنا هي الموت، مدفونين معه بالمعمودية. وبذلك نستحق بركة القيامة مع المسيح.
د- بديهي أن القيامة معناها القيامة من الموت. فالذي يقوم مع المسيح في المعمودية هو بالضرورة الذي مات ليقوم لأنه إن لم يمت فكيف يقوم إذًا؟
السؤال العاشر: كيف يعتمد إنسان ليخلص من الخطية الأصلية (الجدية) إن كان قد ولد من والدين قد تعمّدا وتخلّصا من تلك الخطية؟
إن حكم الموت لم نرثه من الوالدين المباشرين، حتى نخلص منه بمعموديتهما. إنما حكم الموت قد ورثناه من آدم وحواء مباشرة، من الإنسان الأول. وذلك لأننا كنا في صلب آدم حينما فسدت طبيعته وحُكم عليه بالموت، فأصبح كل ما في صلبه مائتًا، ونحن خرجنا من صُلب آدم تحت حكم الموت.
ولذلك أصبح الموت هو على كل ذرية آدم، وليس فقط على قايين وهابيل وشيث. وفي ذلك يقول الكتاب: "كَأَنَّمَا بِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ دَخَلَتِ الْخَطِيَّةُ إِلَى الْعَالَمِ، وَبِالْخَطِيَّةِ الْمَوْتُ، وَهكَذَا اجْتَازَ الْمَوْتُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ، إِذْ أَخْطَأَ الْجَمِيعُ" (رو5: 12) ويقول أيضًا: "لأَنَّهُ كَمَا فِي آدَمَ يَمُوتُ الْجَمِيعُ، هكَذَا فِي الْمَسِيحِ سَيُحْيَا الْجَمِيعُ" (1كو15: 22).
إذًا الموت كان حكمًا على كل البشرية، لأنها ذرية آدم. يولد كل إنسان محكومًا عليه بالموت، إذ كان في صلب آدم حينما حكم عليه بالموت.
والخلاص من الموت هو خلاص شخصي، لكل فرد على حدة، أيًا كان والداه قد نالا الخلاص أم لم ينالاه وهذا الخلاص يحتاج إلى التوبة والإيمان بدم المسيح والمعمودية وباقي وسائط النعمة ومع ذلك لا يوجد والدان بدون خطية.
وصدق المرتل في المزمور حينما قال: "لأني هأنذا بالإثم ولدت، وفي الخطية حبلت بي أمي" (مز50).
إننا في الفساد نولد إلى أن نعتق من عبودية الفساد (رو8: 21). ومتى سنعتق من هذا الفساد؟ يقول الرسول عن جسدنا "يُزْرَعُ فِي فَسَادٍ وَيُقَامُ فِي عَدَمِ فَسَادٍ. لأَنَّ هذَا الْفَاسِدَ لاَ بُدَّ أَنْ يَلْبَسَ عَدَمَ فَسَادٍ، وَهذَا الْمَائِتَ يَلْبَسُ عَدَمَ مَوْتٍ" (1كو15: 42، 53) ومتى؟ حينما يبوق فيقام الأموات.
سؤال: هل المعمودية تعاد؟
هل المعمودية تعاد؟ ألسنا نقول في قانون الإيمان "نؤمن بمعمودية واحدة لمغفرة الخطايا"؟ ألم يقل الكتاب المقدس "مَعْمُودِيَّةٌ وَاحِدَةٌ" (أف4: 5)؟
الجواب: نعم، قد قال الكتاب: "مَعْمُودِيَّةٌ وَاحِدَةٌ". ولكن ليتنا نقرأ الآية كاملة، حيث تقول "إيمان واحد، معمودية واحدة" (أف4: 5).
فحيثما يوجد الإيمان الواحد، توجد معه المعمودية الواحدة.
ولذلك نحن لا يمكن مطلقًا أن نعيد معمودية إنسان تعمد في كنيسة لها نفس إيماننا الأرثوذكسي. كذلك المعمودية، ينبغي أن يقوم بها كاهن شرعي له كل سلطانه الكهنوتي الذي يسمح له بإجراء سر المعمودية المقدس، مؤمنًا بكل فاعلية هذا السر..
فمثلًا الكنائس التي لا تؤمن بسر الكهنوت، وليس لها كهنة، كما لا تؤمن بأن المعمودية سر، ولا تؤمن بفاعلية المعمودية كما نؤمن، فكيف نقبل معموديتها.
ونفس الوضع مع الكنائس التي تؤمن بسر المعمودية وفاعليته، وبسر الكهنوت. ولكنها مغلقة علينا بحروم الآباء.
ينبغي أن تُزال الحروم أولًا، ثم نقبل أسرارها الكنسية.
[1] انظر تفسيرًا مفصّلا لهذه النقطة في كتابنا "الخلاص في المفهوم الأرثوذكسي" (المعمودية – أهمية المعمودية للخلاص).
التقليد
التقليد
أقدمية التقليد
التقليد هو كل تعليم وصل إلينا عن طريق التسليم الرسولي والآبائي، غير الكلام الذي تُرك لنا كتابة في الكتاب المقدس، في موضوعات ربما لم تذكر في الكتاب، ولكنها لا تتعارض معه في شيء ما.
والبروتستانت لا يؤمنون بالتقليد. ولا يلتزمون إلا بالكتاب المقدس وبهذا الوضع يتركون كل التراث الذي تركته الأجيال السابقة للكنيسة: كل ما تركه الآباء الرسل، وآباء الكنيسة الأول، والمجامع المقدسة، والقوانين والنظم الكنسية، وما في الكنيسة من طقوس ومن نظم، وما أخذناه من تعليم شفاهي عبر هذه الأجيال الطويلة كلها. وسنبحث هنا موضوع التقليد.
والتقليد هو أقدم من الكتاب، يرجع إلى أيام أبينا آدم...
لعل أقدم ما وصل إلينا من الشريعة المكتوبة، كان على يد موسى النبي، الذي عاش في القرنين الخامس عشر والرابع عشر قبل الميلاد. ولكن التقليد أقدم بكثير... آلاف السنين مرت على البشرية بدون شريعة مكتوبة. فمن الذي كان يقود تفكيرها: الضمير من جهة (ويسمى الشريعة الأدبية). والتقليد من جهة أخرى وهو تسليم جيل لجيل آخر.
وسنحاول أن نضرب بعض الأمثلة السابقة للشريعة المكتوبة...
1- ورد في سفر التكوين أن هابيل الصديق قدم قربانًا لله من أبكار غنمه ومن سمانها (تك4: 4). وشرح القديس بولس الرسول هذا الأمر بقوله: "بِالإِيمَانِ قَدَّمَ هَابِيلُ ِللهِ ذَبِيحَةً أَفْضَلَ مِنْ قَايِينَ" (عب11: 4). وهنا نسأل:
ومن أين عرف هابيل فكرة الذبيحة التي تقدم قربانًا لله؟ ومن أين أتاه هذا الإيمان، ولم تكن في زمنه شريعة مكتوبة؟
لا شك أنه تسلمها بالتقليد من أبيه آدم، وأبونا آدم تسلمها من الله نفسه، كل ذلك قبل أن يكتب موسى النبي عن الذبائح والمحرقات بأربعة عشر قرنًا من الزمان.
2- ونفس الوضع يمكن أن نقوله عن كل المحرقات التي قدمها آباؤنا نوح وإبراهيم وإسحاق ويعقوب، وأيوب أيضًا...
كلهم عرفوا الذبيحة وتسلموها عن طريق التقليد. وأيضًا تسلموا بناء المذابح، كما فعل أبونا نوح بعد الطوفان حينما "بَنَى نُوحٌ مَذْبَحًا لِلرَّبِّ" (تك8: 20)، وأبونا إبراهيم حينما بنى مذبحًا عند بلوطة مورة (تك12: 7)، وتتابع معه بناء المذابح. ولم يكن هناك كتاب يأمر ببناء المذابح.
3- يذكر الكتاب أن أبانا نوح بعد الطوفان "أَخَذَ مِنْ كُلِّ الْبَهَائِمِ الطَّاهِرَةِ وَمِنْ كُلِّ الطُّيُورِ الطَّاهِرَةِ وَأَصْعَدَ مُحْرَقَاتٍ عَلَى الْمَذْبَحِ فَتَنَسَّمَ الرَّبُّ رَائِحَةَ الرِّضَا" (تك8: 20، 21).
فمن أين عرف نوح فكرة تقديم الذبائح من الحيوانات الطاهرة؟
لعله أخذها عن الله مباشرة، ثم سلمها للأجيال من بعده، قبل أن يشرح موسى فكرة ووصف الحيوانات الطاهرة، في التوراة.
4- وفي قصة مقابلة أبينا إبراهيم لملكي صادق، قيل عنه إنه "كَاهِنًا ِللهِ الْعَلِيِّ" (تك14: 18).
فمن أين عرف هذا الكهنوت، الذي أتاح لملكي صادق أن يبارك أبانا إبراهيم والذي جعل أبرام يقدم العشور لملكي صادق؟ (تك14: 20) ويعتبر بهذا أكبر منه (عب7: 6، 7).
وفي ذلك الحين لم تكن هناك شريعة مكتوبة تشرح الكهنوت وعمله وكرامته ومباركته للآخرين. وفي كل الإصحاحات السابقة من سفر التكوين لم ترد مطلقًا كلمة (كاهن) ولا كلمة (كهنوت)...
من أين معرفة الكهنوت إلا عن طريق التقليد...
5- وفي نفس قصة مقابلة أبرام لملكي صادق، نسمع أن أبرام، أعطاه عُشرًا من كل شيء (تك14: 20).
فمن أين عرف تقديم العشور للكهنة وقت أبينا إبراهيم، إلا عن طريق التقليد... إن شريعة العشور لم تكن قد وردت بعد في شريعة مكتوبة.
وبنفس الوضع كيف عرف أبونا يعقوب فكرة العشور حينما قال للرب: "وَكُلُّ مَا تُعْطِينِي فَإِنِّي أُعَشِّرُهُ لَكَ" (تك28: 22)
قطعًا أبونا يعقوب تسلم شريعة العشور بالتقليد، إذ تسلمها عن جدّه إبراهيم الذي قدم العشور لملكي صادق، ولم يأخذها إطلاقًا من شريعة مكتوبة...
واضح أن التقليد كان معلّمًا للبشرية قبل الشريعة المكتوبة... وبقى بعدها...
6- في قصة هروب أبينا يعقوب من وجه أخيه عيسو، حينما رأى سلّمًا منصوبة على الأرض ورأسها يمسّ السماء، والملائكة صاعدة ونازلة عليها. وكلّمه الرب وأعطاه وعدًا. يقول الكتاب أن يعقوب قال: "مَا هذَا إِلاَّ بَيْتُ اللهِ، وَهذَا بَابُ السَّمَاءِ، وَدَعَا اسْمَ ذلِكَ الْمَكَانِ بَيْتَ إِيلَ"، "وَأَخَذَ الْحَجَرَ الَّذِي وَضَعَهُ تَحْتَ رَأْسِهِ وَأَقَامَهُ عَمُودًا، وَصَبَّ زَيْتًا عَلَى رَأْسِهِ" (تك28).
فمن أين عرف أبونا يعقوب عبارة "بيت الله"؟
ومن أين عرف فكرة تدشين بيوت الله بصب زيت عليها؟ ولا شيء من هذا كله ورد له ذكر في شريعة مكتوبة... وليس له تفسير سوى التقليد...
7- ولما أعطى الرب الشريعة المكتوبة، أبقى التقليد أيضًا.
وأوصى الآباء في مناسبات عديدة – أن يوصوا أولادهم، ليسلموهم التعليم. فقد أمرهم أن يخبروا أولادهم بقصة ومناسبة تكريس كل بكر فاتح رحم للرب (خر13: 14- 16). وقال للشعب أيضًا: "إِنَّمَا احْتَرِزْ وَاحفَظْ نَفْسَكَ جِدًّا لِئَلاَّ تَنْسَى الأُمُورَ الَّتِي أَبْصَرَتْ عَيْنَاكَ، وَلِئَلاَّ تَزُولَ مِنْ قَلْبِكَ كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكَ. وَعَلِّمْهَا أَوْلاَدَكَ وَأَوْلاَدَ أَوْلاَدِكَ" (تث4: 9).
8- وحتى في المسيحية نرى أن بعض كتبة العهد الجديد كتبوا بعض معلومات عن العهد القديم أخذوها بالتقليد.
مثال ذلك بولس الرسول ذكر اسمي الساحرين اللذين قاوما موسى النبي فقال: "وَكَمَا قَاوَمَ يَنِّيسُ وَيَمْبِرِيسُ مُوسَى، كَذلِكَ هؤُلاَءِ أيضًا يُقَاوِمُونَ الْحَقَّ" (2تي3: 8).
ونحن لا نجد هذين الاسمين في أسفار موسى النبي ولا في كل أسفار العهد القديم. ولكن لعل بولس الرسول عرف ذلك عن طريق التقليد.
9- والذي حدث في العهد الجديد هو نفس الذي حدث في العهد القديم. ولكن بنسبة أقل.
إذ مضت مدة طويلة لم تكن هناك فيها أناجيل مكتوبة ولا رسائل مكتوبة.
وكل الناس يتلقون الإيمان كله، وقصة المسيح كلها، وتعاليمه وعمله الفدائي كل ذلك عن طريق التقليد، ما يقرب من عشرين سنة...
10- إن السيد المسيح لم يكتب إنجيلًا، ولم يترك إنجيلًا مكتوبًا. ولكنه كان يعظ ويعلم، ويترك للناس كلامه روحًا وحياة (يو6: 63). وهذا يتناقله الناس. وحينما بدأ تعليمه وعمله الكرازي قال للناس: "قَدْ كَمَلَ الزَّمَانُ وَاقْتَرَبَ مَلَكُوتُ اللهِ، فَتُوبُوا وَآمِنُوا بِالإِنْجِيلِ" (مر1: 15). ولم يكن هناك إنجيل مكتوب، إنما كانت هناك كرازة وبشارة مفرحة، تلك التي تمثل الإنجيل الشفاهي، أو التعليم الإلهي الذي يتناقلونه بالتسليم.
ونفس المعنى يطلق على قول الرب لتلاميذه: "اذْهَبُوا إِلَى الْعَالَمِ أَجْمَعَ وَاكْرِزُوا بِالإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا" (مر16: 15) كل ذلك خارج النطاق المكتوب.
11- وهنا أقول حقيقة هامة وهي:
الكتاب لم يذكر كل شيء
أ- لم يذكر كل ما فعله السيد المسيح، ولا كل ما قاله... إنما الذي حدث هو أن الإنجيليين اختاروا بعضًا من أقوال السيد المسيح ومن أعماله وسجلوها في وقت ما للناس، وتركوا الباقي. وهذا واضح في آخر إنجيل قد كُتب، إذ يقول القديس يوحنا الرسول: "وَأَشْيَاءُ أُخَرُ كَثِيرَةٌ صَنَعَهَا يَسُوعُ، إِنْ كُتِبَتْ وَاحِدَةً وَاحِدَةً، فَلَسْتُ أَظُنُّ أَنَّ الْعَالَمَ نَفْسَهُ يَسَعُ الْكُتُبَ الْمَكْتُوبَةَ" (يو21: 25) كما يقول أيضًا: "وَآيَاتٍ أُخَرَ كَثِيرَةً صَنَعَ يَسُوعُ قُدَّامَ تَلاَمِيذِهِ لَمْ تُكْتَبْ فِي هذَا الْكِتَابِ. وَأَمَّا هذِهِ فَقَدْ كُتِبَتْ لِتُؤْمِنُوا أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ، وَلِكَيْ تَكُونَ لَكُمْ إِذَا آمَنْتُمْ حَيَاةٌ بِاسْمِهِ " (يو20: 30، 31).
لا تظنوا أن معجزات المسيح هي فقط التي وردت في الإنجيل فآلاف المعجزات لم تكتب. يكفي لإثبات هذا قول لوقا البشير: "وَعِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، جَمِيعُ الَّذِينَ كَانَ عِنْدَهُمْ سُقَمَاءُ بِأَمْرَاضٍ مُخْتَلِفَةٍ قَدَّمُوهُمْ إِلَيْهِ، فَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَشَفَاهُمْ" (لو4: 40).
ما عدد هؤلاء المرضى؟ كثير جدًا. ولم تسجل كل حوادث الشفاء ويقول معلمنا متى البشير: "وَكَانَ يَسُوعُ يَطُوفُ كُلَّ الْجَلِيلِ يُعَلِّمُ فِي مَجَامِعِهِمْ، وَيَكْرِزُ بِبِشَارَةِ الْمَلَكُوتِ، وَيَشْفِي كُلَّ مَرَضٍ وَكُلَّ ضَعْفٍ فِي الشَّعْب" (مت4: 23).
ما هي حوادث شفاء كل مريض؟ لم تذكر.
وماذا كان تعليم الرب في المجامع وكرازته؟ لم يذكر أيضًا.
يقول معلمنا مرقس الإنجيلي أن المسيح لما دخل كفر ناحوم، دخل المجمع: "وَصَارَ يُعَلِّمُ. فَبُهِتُوا مِنْ تَعْلِيمِهِ لأَنَّهُ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ كَمَنْ لَهُ سُلْطَانٌ وَلَيْسَ كَالْكَتَبَةِ" (مر1: 21).
ما هو هذا التعليم الذي بهتوا منه؟ لم يكتب.
وفي معجزة الخمس خبزات والسمكتين، كان يعلم الناس من الصباح حتى بدأ النهار يميل. فماذا كان تعليمه لهم؟ لم يذكر شيء عنه في الأناجيل.
وما هو التعليم الذي قال المسيح على شاطئ البحيرة؟ وعلى شاطئ النهر؟ وفي السفينة؟ وفي الطرقات؟ لا نعرف، ولم يذكر في الإنجيل.
ب- وبعد قيامته، حدث نفس الوضع... قيل إن السيد المسيح قابل تلميذي عمواس "ثُمَّ ابْتَدَأَ مِنْ مُوسَى وَمِنْ جَمِيعِ الأَنْبِيَاءِ يُفَسِّرُ لَهُمَا الأُمُورَ الْمُخْتَصَّةَ بِهِ فِي جَمِيعِ الْكُتُبِ" (لو24: 27). كل هذا وغيره لم يكتب في الأناجيل. ولكنه ولا شك وصل إلينا عن طريق التقليد، أو وصل بعضه على الأقل.
جـ - ثم ماذا عن فترة الأربعين يومًا التي قضاها الرب مع تلاميذه بعد القيامة يتكلم معهم فيها عن الأمور المختصة بملكوت الله (أع1: 3).
ماذا قال الرب عن الأمور المختصة بملكوت الله؟
لا شك أنها أشياء هامة جدًا، استحقت من الرب لقاءات له مع تلاميذه بعد القيامة ولكنها مع كل هذا لم تذكر في الكتاب المقدس. لعلها أمور كانت لقادة الكنيسة، يفهمونها، ثم يعلمونها للشعب، حسب قوله لهم: "وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ" (مت28: 20). دون أن يذكر ما هو هذا الذي أوصاهم به.
فهل تعاليم المسيح هذه ووصاياه قد فقدت، أم وصلت إلينا؟
إننا نستبعد جدًا أن تكون فقد فقدت ولها كل تلك الأهمية. فكيف إذًا وصلت إلينا.
فإذا استثنينا بولس الرسول الذي لم يكن واحدًا من الأحد عشر، ولم يحضر لقاءات المسيح مع تلاميذه بعد القيامة، فإن ما كتبه الأحد عشر الذين قضى معهم الرب 40 يومًا، كان قليلًا ولا يشمل كل التعليم المسيحي.
بقيت إجابة واحدة، وهي أن تعليم المسيح لتلاميذه وصل إلينا عن طريق التقليد أي التسليم الرسولي.
مارسته الكنيسة كحياة، حسب قول الرب: "اَلْكَلاَمُ الَّذِي أُكَلِّمُكُمْ بِهِ هُوَ رُوحٌ وَحَيَاةٌ" (يو6: 63). لقد فهموا روح الكلام، وحوّلوه إلى حياة ووصل إلينا في حياة الكنيسة.
يمكن أن نقول إذًا أن التقليد هو حياة الكنيسة، أو هو الكنيسة الحية.
وهذه الحياة أودعها الرسل القديسون في الكنيسة بكل ما تعلموه من الرب وكل ما أخذوه منه، ولكنهم لم يكتبوه في أناجيل أو رسائل، إنما تركوه حيًا في حياة الكنيسة. ولعل من بين هذا نظم الكنيسة وطقوسها وأسرارها.
هل تظنون أن عظة السيد المسيح على الجبل (مت5: 7)، هي كل عظاته على مدى أكثر من ثلاث سنوات؟! هذا غير معقول طبعًا. ولكن كلام الرب لم يضع، حفظه التلاميذ في قلوبهم، وفي آذانهم وأذهانهم ومن كنز قلبهم الصالح، ومن ذاكرتهم المقدسة، أخرجوا أقوال الرب وسلموها للكنيسة، وأودعت فيها بعنوان (التقليد) أو التسليم الرسولي، والروح القدس الذي حلَّ عليهم، ذكّرهم بما قاله الرب حسب وعده الصادق (يو14: 26) هذا عن كلام السيد المسيح نفسه.
التقليد من تعليم الرسل
إن رسلًا كثيرين لم يكتبوا رسائل، فأين تعليمهم؟ وأين عمل الوحي الإلهي فيهم، وعمل الروح القدس الناطق في الأنبياء؟
وبعض الرسل لا يمكن أن يكون كل تعليمهم هو فقط ما وصل إلينا منهم. لا يمكن أن يكون كل تعليم يعقوب الرسول، هو تلك الرسالة الواحدة. ولا يمكن أن يكون كل تعليم يهوذا الرسول هو إصحاح واحد. وماذا عن باقي الاثني عشر الذين لم يصل لنا من تعليمهم حرف واحد؟ ماذا كانت كرازتهم؟ وماذا تركوا للكنيسة؟
لعل كل هذا أو بعضًا منه، وصل إلينا عن طريق التقليد.
كان الرسل يدخلون إلى المجامع، ويعلمون ويحاججون المعارضين ولم يصل إلينا شيء من هذا. بشروا في أورشليم واليهودية والسامرة، حتى آمن الكل. ولم تصل إلينا إلا كلمات قليلة من تبشيرهم. وبولس الرسول استأجر بيتًا في رومة، وأقام فيه سنتين كارزًا بملكوت الرب ومعلّمًا بكل مجاهرة (أع28: 30، 31). ولم يصل إلينا شيء من هذا، فأين ذهب؟
ولا شك أن الرسل قد وضعوا أنظمة للكنيسة. فما هي؟
هل نعقل أن رسل المسيح، بكل ما أودعه الرب فيهم من علم، تركوا الكنيسة بلا نظم، ولا قوانين تدبر شئونها. يقينًا إنهم فعلوا ذلك ولكنهم لم يكتبوها في رسائلهم: إما لأنها ليست لعامة الناس، وإما لأنها ستكون معروفة للكل عن طريق الممارسة.
وهذه كلها بلا شك، وصلت عن طريق التسليم والتقليد.
هوذا يوحنا الرسول يقول في آخر رسالته الثانية: "إِذْ كَانَ لِي كَثِيرٌ لأَكْتُبَ إِلَيْكُمْ، لَمْ أُرِدْ أَنْ يَكُونَ بِوَرَق وَحِبْرٍ، لأَنِّي أَرْجُو أَنْ آتِيَ إِلَيْكُمْ وَأَتَكَلَّمَ فَمًا لِفَمٍ" (2يو12). وكرر نفس الكلام في آخر رسالته الثالثة (3يو13، 14) فما هو هذا الكلام الذي قاله فمًا لفم، ولم يكتبه؟ فكيف وصل إلينا؟
نلاحظ – فيما اقتبسناه هنا من هاتين الرسالتين، أن الآباء الرسل كانوا في بعض الأحيان يفضلون الكلام على الكتابة حيثما توفر لهم ذلك. وتعليمهم الشفاهي، كان يسلّمه جيل إلى جيل، حتى وصل إلى أيامنا.
أو أنهم ركزوا في رسائلهم بقدر الإمكان على الأمور العامة الخاصة بالقواعد الأساسية للإيمان، أما عن تفاصيل النظم الكنسية والطقوس، فتركوها للترتيب عمليًا في الكنائس. وكان الناس يتعلموها ليس عن طريق الكتابة، إنما عن طريق الحياة والممارسة.
وبولس الرسول يقول في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس: "وَأَمَّا الأُمُورُ الْبَاقِيَةُ فَعِنْدَمَا أَجِيءُ أُرَتِّبُهَا" (1كو11: 34). فما هو هذا الترتيب الرسولي الذي لم يصل إلينا؟ ألعله وصل إلينا بالتقليد؟
وقال القديس بولس الرسول لتلميذه تيطس أسقف كريت: "مِنْ أَجْلِ هذَا تَرَكْتُكَ فِي كِرِيتَ لِكَيْ تُكَمِّلَ تَرْتِيبَ الأُمُورِ النَّاقِصَةِ، وَتُقِيمَ فِي كُلِّ مَدِينَةٍ قسوسًا كَمَا أَوْصَيْتُكَ" (تي1: 5). ولم يشرح في رسالته هذه طريقة إقامة القسوس هذه:
سواء من جهة الصلوات أو الطقس، أو الشروط اللازمة. فمن أين عرف تيطس هذا الأمر إلا بالتسليم الشفاهي. لهذا قال له: "كَمَا أَوْصَيْتُكَ". وهذه الوصية لم تذكر تفاصيلها في الرسالة، إنما عرفها الأسقف تيطس فمًا لفم، ووصلت إلينا نحن عن طريق التقليد.
ونفس الوضع يفهم مما قاله القديس بولس الرسول لتلميذه تيموثاوس أسقف أفسس: "وَمَا سَمِعْتَهُ مِنِّي بِشُهُودٍ كَثِيرِينَ، أَوْدِعْهُ أُنَاسًا أُمَنَاءَ، يَكُونُونَ أَكْفَاءً أَنْ يُعَلِّمُوا آخَرِينَ أيضًا" (2تي2: 2).
هنا سماع وليس كتابة. ولم يذكر ما هذا الذي سمعه منه. ولكن لا شك أن هذا التعليم انتقل من القديس بولس، إلى القديس تيموثاوس، إلى الأشخاص الأمناء الأكفاء، الذي أوصلوه إلى آخرين أيضًا. وظل التسليم يتتابع حتى وصل إلينا.
إن الذين يصرون على إثبات كل شيء بآية من الكتاب، ينسون ما قاله الرسل فمًا لفم (2يو) وما رتبوه في الكنائس دون أن يكتبوه (1كو11: 34) وما أوصوا به تلاميذهم (تي1: 5). ينسون التعليم الرسولي الذي تحول إلى حياة وممارسة في الكنيسة دون أن يكون نصًا من رسالة أو إنجيل...
ونذكر مثالًا لذلك تقديس يوم الأحد كيوم للرب.
إن كل المسيحيين الذي يؤمنون بالكتاب المقدس وحده، ويهاجمون التقليد الكنسي، كلهم يقدسون يوم الأحد بدلًا من يوم السبت، ولا يتمسكون إطلاقًا بحرفية الآية التي تقول: "اُذْكُرْ يَوْمَ السَّبْتِ لِتُقَدِّسَهُ" (خر20: 8) (تث5: 12).
فمن أين استقوا التعليم بتقديس الأحد بدلًا من السبت؟
هل من الإنجيل أم من التقليد؟ لا شك أنه من التقليد. ذلك لأنهم لا يجدون آية واحدة تقول "قدس يوم الأحد" أو "اذكر يوم الأحد لتقدسه، عملًا من الأعمال لا تعمل فيه".
ولكن تقديس الأحد تقليدًا كنسيًا مارسه الآباء الرسل، آخذين إياه من تعليم السيد المسيح الذي لم يُذكر صراحة في الإنجيل. إنما ذُكرت في سفر أعمال الرسل ممارسات توحي بهذا التسليم الإلهي.
بحيث تحول الأمر إلى ممارسة كنسية معترف بها، دون الحاجة إلى وصية مكتوبة، وهذا الإجماع على تقديس الأحد في كل الكنائس، دليل على الاعتراف بالتقليد.
في رسائل بولس الرسول ما يشير إلى أنه كان يتسلم من الرب.
فهو يقول عن سر الإفخارستيا: "لأَنَّنِي تَسَلَّمْتُ مِنَ الرَّبِّ مَا سَلَّمْتُكُمْ أيضًا: إِنَّ الرَّبَّ يَسُوعَ فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي أُسْلِمَ فِيهَا، أَخَذَ خُبْزًا.." (1كو11: 23).
فهو هنا يتكلم عن تسليم، أخذه من الرب، وسُلّم إلى الكنيسة في كورنثوس ولم يذكر لنا الكتاب كيف ومتى أخذ بولس الرسول هذا التسليم من الرب. ولكنه يعطي فكرة عن العقائد الكنسية، وكيف دخلت إلى الكنيسة بالتسليم.
لقد عرفنا من قبل في الأناجيل كيف أن الرب سلم للرسل هذا السر، ولكنهم لم يذكروا أنهم سلموه للكنيسة. ليس من المهم أن يكتبوا هذا إنما أن تحياه الكنيسة وتمارسه. ولكن بولس الرسول ذكر هذا التسليم.
هناك أشياء أخرى أخذها الرسل عن طريق التقليد وسجلوها في رسائلهم:
أ- وقد ذُكر بعضًا منها قبلًا، ونضيف عليها ما ورد في رسالة يهوذا، من الخصومة مع الشيطان على جسد موسى، إذ يقول: "وَأَمَّا مِيخَائِيلُ رَئِيسُ الْمَلاَئِكَةِ، فَلَمَّا خَاصَمَ إِبْلِيسَ مُحَاجًّا عَنْ جَسَدِ مُوسَى، لَمْ يَجْسُرْ أَنْ يُورِدَ حُكْمَ افْتِرَاءٍ، بَلْ قَالَ: لِيَنْتَهِرْكَ الرَّبُّ" (يه 9). ولم يرد شيء من هذا كله في العهد القديم. ولعل يهوذا عرفه عن طريق التقليد.
ب- وكذلك في وصف تلقّي الشعب للشريعة من جبل مضطرم، يقول القديس بولس الرسول: "وَكَانَ الْمَنْظَرُ هكَذَا مُخِيفًا حَتَّى قَالَ مُوسَى: أَنَا مُرْتَعِبٌ وَمُرْتَعِدٌ" (عب12: 21). وهذه العبارة المنسوبة إلى موسى النبي لم ترد في سفر الخروج ولا في سفر التثنية. ولعل بولس الرسول عرفها عن طريق التقليد.
جـ - كذلك نضيف ما ورد في سفر الرؤيا عن ضلالة بلعام، هذه التي لم يشرح سفر العدد تفاصيلها (عدد24: 25).
ولكن ورد في سفر الرؤيا "أَنَّ عِنْدَكَ هُنَاكَ قَوْمًا مُتَمَسِّكِينَ بِتَعْلِيمِ بَلْعَامَ، الَّذِي كَانَ يُعَلِّمُ بَالاَقَ أَنْ يُلْقِيَ مَعْثَرَةً أَمَامَ بَنِي إِسْرَائِيلَ: أَنْ يَأْكُلُوا مَا ذُبِحَ لِلأَوْثَانِ، وَيَزْنُوا" (رؤ2: 14). وقد ذكر سفر العدد أنهم فعلوا ذلك (عد 25). ولكن لم يذكر أن ذلك كان من تعليم بلعام. ولعل القديس يوحنا الرائي عرف هذا عن طريق التقليد.
كذلك يدخل في هذا الموضوع ما ذكره بطرس الرسول أيضًا عن بلعام (2بط2: 15). وما ذكره يهوذا (يه 11) من حيث أنه "أَحَبَّ أُجْرَةَ الإِثْمِ".
د– وبنفس الوضع تحدث يهوذا الرسول عن نبوءة لأخنوخ لم ترد في العهد القديم، فقال: "وَتَنَبَّأَ عَنْ هؤُلاَءِ أيضًا أَخْنُوخُ السَّابعُ مِنْ آدَمَ قائلًا: هُوَذَا قَدْ جَاءَ الرَّبُّ فِي رَبَوَاتِ قِدِّيسِيهِ لِيَصْنَعَ دَيْنُونَةً عَلَى الْجَمِيعِ، وَيُعَاقِبَ جَمِيعَ فُجَّارِهِمْ" (يه14، 15). وهذه النبوءة لعل مصدرها التقليد أيضًا.
هـ - نلاحظ أن وصية الختان استلمها أبونا إبراهيم من الله (تك 17) وانتشرت بين الناس عن طريق التسليم قبل أن توجد شريعة مكتوبة تدعو إليها.
من فوائد التقليد
1- بالتقليد عرفنا الكتاب المقدس نفسه، فبالتسليم وصلت إلينا كتب الله، وما كنا لنعرفها ونميزها بغير هذا الطريق. والمجامع المقدسة هي التي حددت لنا كتب العهد الجديد.
2- بالتقليد وصل إلينا كل تراث الكنيسة وكل نظمها وكل طقوسها.
3- التقليد هو الذي حفظ لنا الإيمان السليم. سلّمه جيل إلى جيل. ولو ترك كل شخص لنفسه يرى ما الذي يفهمه من آيات الكتاب، لوجدت شيع ومذاهب متعددة لا تربطها وحدة في الإيمان. لأن الكتاب المقدس شيء. وطريقة تفسيره شيء آخر.
4- حفظ لنا بعض عقائد وتعاليم، مثل تقديس يوم الأحد، ورشم الصليب وشريعة الزوجة الواحدة، والصلاة على الراقدين، وحفظ لنا عمل كل رتب الكهنوت.
التقليد الصحيح والتقاليد الباطلة
إن الذين يرفضون التقليد، يحتجون على ذلك بأن السيد المسيح قد رفضه في توبيخ الرب للكتبة والفريسيين "وَأَنْتُمْ أيضًا، لِمَاذَا تَتَعَدَّوْنَ وَصِيَّةَ اللهِ بِسَبَب تَقْلِيدِكُمْ" (مت15: 3) وإدانة في نفس المناسبة لبعض التقاليد الخاطئة (مت15: 4- 6).
وكذلك يحتجون بقول الرسول: "اُنْظُرُوا أَنْ لاَ يَكُونَ أَحَدٌ يَسْبِيكُمْ بِالْفَلْسَفَةِ وَبِغُرُورٍ بَاطِل، حَسَبَ تَقْلِيدِ النَّاسِ، وَلَيْسَ حَسَبَ الْمَسِيحِ" (كو2: 8).
ونحن لا نقصد في حديثنا عن التقليد تلك التقاليد الباطلة التي هي من صنع الناس، أو التي هي ضد تعليم الكتاب أو ضد روحه، أو كالتقاليد التي أظهر السيد المسيح زيفها...
إنما نقصد التقليد السليم الذي هو على أنواع:
- تعليم الرب نفسه الذي وصل عن طريق التقليد.
- التقليد الرسولي الذي هو تعليم الآباء الرسل وقد وصل إلينا عن طريق التسليم، جيل يسلم جيلًا.
- التقليد الكنسي، الذي قررته مجامع الكنيسة المقدسة في قوانينها ونظمها أو ما وصل إلينا عن طريق الآباء الكبار معلمي البيعة أو أبطال الإيمان. وهذا ينقلنا إلى نقطة هامة وهي:
سلطة الكنيسة في التشريع
هذا السلطان الذي سلمه السيد الرب للآباء الرسل في قوله: "كُلُّ مَا تَرْبِطُونَهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَرْبُوطًا فِي السَّمَاءِ، وَكُلُّ مَا تَحُلُّونَهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَحْلُولًا فِي السَّمَاءِ" (مت18: 18). وقد بدأت الكنيسة عملها هذا بعقد أول مجمع كنسي في أورشليم سنة 45م. وهذا المجمع ناقش موضوع "قبول الأمم في الإيمان". وقرر فيه الآباء الرسل قبول الأمم مع التخفيف عليهم فقالوا: "رَأَى الرُّوحُ الْقُدُسُ وَنَحْنُ، أَنْ لاَ نَضَعَ عَلَيْكُمْ ثِقْلًا أَكْثَرَ، غَيْرَ هذِهِ الأَشْيَاءِ الْوَاجِبَةِ: أَنْ تَمْتَنِعُوا عَمَّا ذُبحَ لِلأَصْنَامِ، وَعَنِ الدَّمِ، وَالْمَخْنُوقِ، وَالزِّنَا" (أع15: 28، 29).
ثم توالى عقد المجامع المقدسة، المكانية والمسكونية، من خلال سلطة التعليم والتشريع والتقنين التي منحها الرب لسطان الكهنوت. وأصدرت هذه المجامع تعليمًا ونظمًا للكنيسة دخلت ضمن التقليد الكنسي.
ويشترط في التقليد السليم
1- أنه لا يعارض الكتاب المقدس (غلا1: 8).
2- أن يكون غير متعارض مع التقاليد الكنسية الأخرى.
3- أن يكون مقبولًا من الكنائس. والمعروف أنه في كل جيل تظهر أمور جديدة لم تكن معروفة من قبل تحتاج إلى إبداء رأي الدين فيها، حتى لا يتبلبل الناس وتتشتت آراؤهم ولا يعرفون أين الحق من الباطل. لأنه ليس جميع الناس علماء بالكتاب وبقواعد الدين.
لذلك تقوم الكنيسة بسلطانها التعليمي والتشريعي، بإبداء رأي الدين في هذه الأمور، لأنه من فم الكاهن تطلب الشريعة كما يقول الكتاب. وبتوالى الأجيال يتحول تعليم الكنيسة في جيل معين إلى تقليد تتوارثه الأجيال.
وقد أمر الآباء الرسل بحفظ التقاليد
فقال الرسول: "فَاثْبُتُوا إِذًا أَيُّهَا الإِخْوَةُ وَتَمَسَّكُوا بالتقليدات الَّتِي تَعَلَّمْتُمُوهَا، سَوَاءٌ كَانَ بِالْكَلاَمِ أَمْ بِرِسَالَتِنَا" (2تس2: 2- 15)، وقال أيضًا: "تَجَنَّبُوا كُلَّ أَخٍ يَسْلُكُ بِلاَ تَرْتِيبٍ، وَلَيْسَ حَسَبَ التقليد الَّذِي أَخَذَهُ مِنَّا" (2تس3: 6). قال لأهل كورنثوس: "أَمْدَحُكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ عَلَى أَنَّكُمْ تَذْكُرُونَنِي فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَتَحْفَظُونَ التقليدات كَمَا سَلَّمْتُهَا إِلَيْكُمْ" (1كو11: 2).
وللأسف فإن إخوتنا البروتستانت في الترجمة البيروتية للكتاب وضعوا كلمة (تعاليم) بدلًا من كلمة (تقاليد) في الأمور التي تؤيد فكرة التقاليد. واستبقوا كلمة تقاليد في كل ما يدل على التقاليد الباطلة وترفضه الكنيسة المقدسة.
البروتستانت لهم تقاليد
وهذه التقاليد، عبارة عن أنظمة توحد حياة الطائفة في العبادة، ويمكن أن نراها في كتاب الصلوات الخاص بهم مثلًا... وفي إقامة القسوس، والشيوخ، وما أشبه...
لا يحدث أن كل أحد يقول ما يخطر بباله. أو يفعل حسبما يشاء، وإنما هناك قواعد متبعة يراعونها.
هذه بلا شك تقاليد، مهما وضعت لها أسماء أخرى.
وعلى أية الحالات، فإن البروتستانت، على الرغم من إنكارهم للتقاليد، لهم أيضًا تقاليد يحفظونها، ويلتزمون بها. ولهم طقوس مع إنكارهم للطقوس. ولهم صلوات محفوظة وقراءات ثابتة في الرسامات وفي أمور الزواج والمعمودية وفي مناسبات الموت، على الرغم من إنكارهم للصلوات المحفوظة.
لهم إذًا تقاليد... ولكنهم ينكرون التقاليد التي يرونها مخالفة لعقائدهم الخاصة. على أن التقاليد تراث ثمين، من الخسارة لأي كنيسة أن تفقده، وتصبح بلا ماض، وبلا ضابط يضبط حرية كل إنسان في الفهم والتفسير.
كذلك إخوتنا البروتستانت يراعون أقوال الآباء عندهم
فبينما نحن نضع في أقوال الآباء (في الباترولوجي) كتابات القديس يوحنا ذهبي الفم مثلًا في التفسير. ونضع في اللاهوت والعقيدة، كتابات القديس أثناسيوس والقديس كيرلس الكبير والقديس غريغوريوس الناطق بالإلهيات. يعطون هم أهمية خاصة لكتابات لوثر وكلفن وزوينجل ومودي، ومن إليهم من مشاهير الأشخاص الذين لا يسمونهم آباء. ولكن من الناحية العملية توضع كتاباتهم في علم الباترولوجي...
وإن كانوا يحترمونهم، ولكنهم لا يلتزمون بهم...
كتاباتهم لها أهمية، ولكن يمكن معارضتها وتجاوزها... كمجرد آراء، لها أهمية، ولكنها غير مُلزمة...
الشفاعة
الشفاعة
شفاعتان
البروتستانت ينكرون الشفاعة كلية سواء بالعذراء أو الملائكة أو القديسين، ويعتمدون في ذلك على قول يوحنا الرسول: ".. لَنَا شَفِيعٌ عِنْدَ الآبِ، يَسُوعُ الْمَسِيحُ الْبَارُّ" (1يو2: 1). وأيضًا قول بولس الرسول: "لأَنَّهُ يُوجَدُ إِلهٌ وَاحِدٌ وَوَسِيطٌ وَاحِدٌ بَيْنَ اللهِ وَالنَّاسِ: الإِنْسَانُ يَسُوعُ الْمَسِيحُ" (1تي2: 5).
1- والحقيقة أن هناك فارقًا أساسيًا كبيرًا بين شفاعة المسيح وشفاعة القديسين، فشفاعة المسيح شفاعة كفارية...
أي أن السيد المسيح يشفع في مغفرة خطايانا باعتباره الكفارة التي نابت عنا في دفع ثمن الخطية. فكأن شفاعته معناها أن يقول للآب "اترك لهم حساب خطاياهم لأني حملت عنهم هذه الخطايا" (إش53: 6). وهكذا يقف وسيطًا بين الله والناس. بل إنه الوسيط الواحد الذي وقف بين الله والناس: أعطى الآب حقه في العدل الإلهي، وأعطى الناس المغفرة، بأن مات عنهم كفارة عن خطاياهم.
وهذا هو المعنى الذي يقصده القديس يوحنا الرسول. فهو يقول: "إِنْ أَخْطَأَ أَحَدٌ فَلَنَا شَفِيعٌ عِنْدَ الآبِ، يَسُوعُ الْمَسِيحُ الْبَارُّ. وَهُوَ كَفَّارَةٌ لِخَطَايَانَا. لَيْسَ لِخَطَايَانَا فَقَطْ، بَلْ لِخَطَايَا كُلِّ الْعَالَمِ أيضًا" (1يو2: 1، 2). هنا تبدو الشفاعة الكفارية واضحة. فهي شفاعة في الإنسان الخاطئ "إِنْ أَخْطَأَ أَحَدٌ" وهذا الخاطئ يحتاج إلى كفارة. والوحيد الذي قدم هذه الكفارة هو يسوع المسيح البار. لذلك يستطيع أن يشفع فينا، بدمه المسفوك عنا.
ونفس المعنى أيضًا يحمله قول بولس الرسول عن السيد المسيح باعتباره الوسيط الوحيد بين الله والناس. فيقول في ذلك: "وَسِيطٌ وَاحِدٌ بَيْنَ اللهِ وَالنَّاسِ: الإِنْسَانُ يَسُوعُ الْمَسِيحُ، الَّذِي بَذَلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً لأَجْلِ الْجَمِيعِ" (1تي2: 5). فهو هنا يشفع باعتباره الفادي الذي بذل نفسه ودفع ثمن خطايانا.
هذا اللون من الشفاعة لا نقاش فيه مطلقًا. إنه خاص بالمسيح وحده أما شفاعة القديسين في البشر، فلا علاقة لها بالكفارة ولا بالفداء. وهي شفاعة فينا عند السيد المسيح نفسه.
2- شفاعة القديسين فينا هي مجرد صلاة من أجلنا ولذلك فهي شفاعة توسلية غير شفاعة المسيح الكفارية.
والكتاب يوافق عليها، إذ يقول: "صَلُّوا بَعْضُكُمْ لأَجْلِ بَعْضٍ.." (يع5: 16)، والقديسون أنفسهم كانوا يطلبون صلوات الناس عنهم. فالقديس بولس يقول لأهل تسالونيكي: "صَلُّوا لأَجْلِنَا" (2تس3: 1). ويطلب نفس الطلبة من العبرانيين (عب13: 18). ويقول لأهل أفسس: "مُصَلِّينَ بِكُلِّ صَلاَةٍ وَطِلْبَةٍ... لأَجْلِ جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ، وَلأَجْلِي، لِكَيْ يُعْطَى لِي كَلاَمٌ عِنْدَ افْتِتَاحِ فَمِي" (أف6: 18)، وطلب الصلاة لا حصر له في الكتاب المقدس.
فإن كان القديسون يطلبون صلواتنا، أفلا نطلب نحن صلواتهم؟
وإن كنا نطلب الصلاة لأجلنا من البشر الأحياء، الذين لا يزالون في فترة الجهاد "تحت الآلام مثلنا" أفلا نطلبها من القديسين الذين أكملوا جهادهم، وانتقلوا إلى الفردوس، يحيون فيها مع المسيح..!
وهل هؤلاء قلت مكانتهم بعد انتقالهم من الأرض إلى الفردوس. بحيث كان يجوز لنا أن نطلب صلواتهم وهم على الأرض. وأصبحت صلواتهم محرمة وهم قريبون من الله في الفردوس.
وإن كنا نطلب صلوات البشر، هل كثير أن نطلب صلوات الملائكة؟!
أمثلة للشفاعة
3- إن الله يطلب من الناس شفاعة الأبرار فيهم:
يطلب ذلك بنفسه، ويقبله ويفسح له مجالًا لكي يحدث. وسأضرب بعض أمثلة لهذه الشفاعات التي قبلها الله:
أ- قصة أبينا إبراهيم، وأبيمالك الملك
لقد أخطأ أبيمالك وأخذ سارة زوجة إبراهيم، وضمّها إلى قصره وفعل ذلك بسلامة قلب، لأن إبراهيم كان قد قال عنها أنها أخته. فظهر الرب لأبيمالك في حلم، وأنذره بالموت. ثم قال له: "فَالآنَ رُدَّ امْرَأَةَ الرَّجُلِ، فَإِنَّهُ نَبِيٌّ، فَيُصَلِّيَ لأَجْلِكَ فَتَحْيَا" (تك20: 1- 7).
كان يستطيع أن يغفر للرجل، بمجرد ردّه للمرأة إلى زوجها، ولكنه اشترط للمغفرة، أن يصلي إبراهيم لأجله، فيحيا. وهكذا نرى أن الله اشترط وطلب شفاعة إبراهيم في أبيمالك.
بـ- قصة أيوب الصديق، وأصحابة الثلاثة (أي 42):
بنفس الطريقة اشترط الرب شفاعة أيوب الصديق في أصحابه الثلاثة وصلاته من أجلهم لكي يغفر الرب لهم. وفي هذا يقول الكتاب: "أَنَّ الرَّبَّ قَالَ لأَلِيفَازَ التَّيْمَانِيِّ: قَدِ احْتَمَى غَضَبِي عَلَيْكَ وَعَلَى كِلاَ صَاحِبَيْكَ... وَالآنَ فَخُذُوا لأَنْفُسِكُمْ سَبْعَةَ ثِيرَانٍ وَسَبْعَةَ كِبَاشٍ وَاذْهَبُوا إِلَى عَبْدِي أَيُّوبَ، وَأَصْعِدُوا مُحْرَقَةً لأَجْلِ أَنْفُسِكُمْ، وَعَبْدِي أَيُّوبُ يُصَلِّي مِنْ أَجْلِكُمْ، لأَنِّي أَرْفَعُ وَجْهَهُ لِئَلاَّ أَصْنَعَ مَعَكُمْ حَسَبَ حَمَاقَتِكُمْ" (أي42: 7، 8).
في كلا الحادثين، الله يكلم الشخص بنفسه، ولكنه لا يعطيه غفرانًا مباشرًا، وإنما يشترط صلاة القديس من أجله، لكي ينال المخطئ هذا الغفران، ولكي يرفع الله وجه هذا القديس ويعطيه كرامة أمام الناس. ويقبل الله هذه الوساطة، بل يطلبها.
جـ - شفاعة إبراهيم في سَدوم
كان يمكن لله أن يعاقب سَدوم، دون تدخل أبينا إبراهيم في الموضوع. وإبراهيم لم يتدخل من نفسه، وإنما الرب هو الذي عرض عليه الأمر وأدخله فيه، وأعطاه فرصة للتشفع في هؤلاء الناس، وقَبل شفاعته. وسمح أن تسجل لنا هذه الحادثة، لكي يرفع وجه إبراهيم أمام العالم كله، ويرينا الله كيف يكرم قديسيه... وفي هذا قال الكتاب: "هَلْ أُخْفِي عَنْ إِبْرَاهِيمَ مَا أَنَا فَاعِلُهُ" (تك 18: 17).
وعرض الرب موضوع سَدوم على إبراهيم، وأعطاه فرصة أن يشفع فيها عسى أن يوجد في المدينة خمسون، أو45 أو40 أو30 أو20 أو10 فلا يُهلك الرب المدينة من أجل هؤلاء.
ومجرد أن الرب لا يهلك المدينة من أجل هؤلاء الأبرار الذين في المدينة لا يعطينا فقط مجرد فكرة عن كرامة إبراهيم أمام الرب. إنما أيضًا كرامة هؤلاء الأبرار أمام الله.
"فَقَالَ الرَّبُّ: إِنْ وَجَدْتُ فِي سَدُومَ خَمْسِينَ بَارًّا فِي الْمَدِينَةِ، فَإِنِّي أَصْفَحُ عَنِ الْمَكَانِ كُلِّهِ مِنْ أَجْلِهِمْ "... "لاَ أَفْعَلُ مِنْ أَجْلِ الأَرْبَعِينَ، لاَ أُهْلِكُ مِنْ أَجْلِ الْعِشْرِينَ، لاَ أُهْلِكُ مِنْ أَجْلِ الْعَشَرَةِ" (تك 18: 26- 32).
إن عبارة "من أجل..." لها قيمتها اللاهوتية الدالة على إنقاذ الله لأشخاص، من أجل آخرين وتعطي دلالة واضحة على وساطة الأبرار من أجل الخطاة، وقبول الله هذه الوساطة، حتى دون أن يطلب هؤلاء وأولئك...
د- شفاعة موسى في الشعب
أراد الله أن يهلك الشعب لعبادة العجل الذهبي. ولكنه لم يفعل مباشرة، وإنما عرض الأمر على موسي النبي، وأعطاه فرصة للشفاعة فيهم وقَبِل شفاعته.
وكما قال له إبراهيم: "حاشاك يا رب"، قال له موسي: "اِرْجِعْ عَنْ حُمُوِّ غَضَبِكَ، وَانْدَمْ عَلَى الشَّرِّ بِشَعْبِكَ اُذْكُرْ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَإِسْرَائِيلَ عَبِيدَكَ الَّذِينَ حَلَفْتَ لَهُمْ" ويقول الكتاب بعد هذا: "فَنَدِمَ الرَّبُّ عَلَى الشَّرِّ الَّذِي قَالَ إِنَّهُ يَفْعَلُهُ بِشَعْبِهِ" (خر32: 7- 14).
هـ - هذه أمثلة صلوات أحياء من أجل أحياء. أما الذين انتقلوا فلهم مكانة أكبر لدرجة أن الله كان يرحم الناس من أجلهم حتى دون أن يصلوا. فكم بالأولى إن صلّوا لأجل أحد.
ومن أمثلة ذلك ما فعله الرب من أعمال الإشفاق والرحمة من أجل داود عبده بسبب خطية سليمان. قرر الله أن يمزق مملكته. ولكنه يقول له عن تقسيم المملكة: "إِلاَّ إِنِّي لاَ أَفْعَلُ ذلِكَ فِي أَيَّامِكَ، مِنْ أَجْلِ دَاوُدَ أَبِيكَ، بَلْ مِنْ يَدِ ابْنِكَ أُمَزِّقُهَا. عَلَى أَنِّي لاَ أُمَزِّقُ مِنْكَ الْمَمْلَكَةَ كُلَّهَا، بَلْ أُعْطِي سِبْطًا وَاحِدًا لابْنِكَ، لأَجْلِ دَاوُدَ عَبْدِي، وَلأَجْلِ أُورُشَلِيمَ الَّتِي اخْتَرْتُهَا" (1مل11: 12، 13).
ويكرر الرب نفس الكلام في حديثه مع يربعام "هأَنَذَا أُمَزِّقُ الْمَمْلَكَةَ مِنْ يَدِ سُلَيْمَانَ وَأُعْطِيكَ عَشَرَةَ أَسْبَاطٍ. وَيَكُونُ لَهُ سِبْطٌ وَاحِدٌ مِنْ أَجْلِ عَبْدِي دَاوُدَ وَمِنْ أَجْلِ أُورُشَلِيمَ الْمَدِينَةِ الَّتِي اخْتَرْتُهَا"(1مل11: 31، 32).
"وَلاَ آخُذُ كُلَّ الْمَمْلَكَةِ مِنْ يَدِهِ، بَلْ أُصَيِّرُهُ رَئِيسًا كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِهِ لأَجْلِ دَاوُدَ عَبْدِي الَّذِي اخْتَرْتُهُ الَّذِي حَفِظَ وَصَايَايَ وَفَرَائِضِي" (1مل11: 34).
الله يكرر نفس العبارة ثلاث مرات في إصحاح واحد "مِنْ أَجْلِ عَبْدِي دَاوُدَ" لهذا قال المرتل: "مِنْ أَجْلِ دَاوُدَ عَبْدِكَ لاَ تَرُدَّ وَجْهَ مَسِيحِكَ" (مز132: 10).
إن كانت هكذا مكانة داود عند الرب، فكم بالأكثر تكون مكانة العذراء، والملائكة ومكانة يوحنا المعمدان أعظم من ولدته النساء. وكم تكون مكانة الشهداء الذين تعذبوا وذاقوا الموت من أجل الرب.
لذلك، ما دمنا نطلب صلوات رفقائنا على الأرض، فلماذا لا نطلب صلوات أولئك الذين "يَضِيئُونَ. كَالْكَوَاكِبِ إِلَى أَبَدِ الدُّهُورِ" (دا12: 3)؟ ولماذا لا نطلب صلوات أولئك الذين جاهدوا الجهاد الحسن، وأكملوا السعي وحفظوا الإيمان (2تي4: 7).
وإن كانت الشفاعة - وهي صلاة. تعتبر وساطة، وإن كانت كل وساطة غير مقبولة، تكون إذًا كل صلاة إنسان من أجل إنسان آخر هي أيضًا وساطة مرفوضة إذ لنا وسيط واحد!!
وبرفض وساطات الصلاة، يكون الرسول إذًا قد أخطأ (حاشا) حينما قال: "صَلُّوا بَعْضُكُمْ لأَجْلِ بَعْضٍ" (يع5: 16)، على اعتبار أن العلاقة بين الإنسان والله علاقة مباشرة وهي في ظل الحب الإلهي لا تحتاج إلى صلاة من أحد..!
وبالتالي تكون كل الصلوات من أجل الآخرين التي وردت في الكتاب لا معنى لها وضد الحب الإلهي!!
لأن الله يحب الناس، وهو غير محتاج إلى آخرين يصلون عن أولاده ويذكرونه برعايته الأبوية لهم وبحبه الأبوي!
ويكون هؤلاء أيضًا قد أساءوا فهم القصد الإلهي، حينما طلب الله من أبيمالك أن يصلي عنه إبراهيم (تك20: 7)، وحينما طلب من أصحاب أيوب أن يصلي عنهم أيوب (أي42: 8).
إن صلوات البشر بعضهم لأجل بعض (منتقلين ومجاهدين) دليل على المحبة المتبادلة بين البشر، ودليل على إيمان البشر الأحياء بأن الذين انتقلوا ما يزالون أحياء يقبل الله صلواتهم، دليل على إكرام الله لقديسيه.
من أجل هذا سمح الله بهذه الشفاعات، لفائدة البشر. وهذه الشفاعة أقامت جسرًا ممتدًا بين سكان السماء وسكان الأرض. ولم تعد السماء شيئًا مجهولًا مخيفًا في نظر الناس. وأصبح للناس إيمان بالأرواح وعملها ومحبتها.
هناك سؤال هام كثير ما يقدمة منكرو الشفاعة وهو:
هل يعرف الملائكة والقديسون حالتنا على الأرض؟
وهل أرواح القديسين تعرف حالتنا؟ وهل تصلهم صلواتنا؟
ونجيب على هذا السؤال بنعم. أما الأدلة فهي:
أ– لا شك أن معرفة السماء أكثر من معرفة الأرض. لذلك من المذهل أن يسأل أحد: هل القديسون في السماء يعرفون أخبارنا وصلواتنا على الأرض؟
هوذا بولس الرسول يجيب ويقول: "فَإِنَّنَا نَنْظُرُ الآنَ فِي مِرْآةٍ، فِي لُغْزٍ، لكِنْ حِينَئِذٍ وَجْهًا لِوَجْهٍ. الآنَ أَعْرِفُ بَعْضَ الْمَعْرِفَةِ، لكِنْ حِينَئِذٍ سَأَعْرِفُ كَمَا عُرِفْتُ" (1كو13: 12).
إذًا معرفتنا في العالم الآخر ستزيد، وستنكشف لنا أسرار كثيرة عندما نخلع هذا الجسد المادي الذي يقيد الروح. حينئذ، هناك، ستتسع معرفة الروح، وستخرج من نطاق (بعض المعرفة) إلى مجال أوسع.
يضاف إلى هذه المعرفة، ما يعلنه الرب للأرواح، أي ما يدخل في نطاق الكشف الإلهي.
ب. معرفة الملائكة واضحة من قول الرب أنه "يَكُونُ فَرَحٌ فِي السَّمَاءِ بِخَاطِئٍ وَاحِدٍ يَتُوبُ أَكْثَرَ مِنْ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ بَارًّا لاَ يَحْتَاجُونَ إِلَى تَوْبَةٍ" (لو15: 7).
ومعنى هذا أن أخبار الأرض تصل إلى سكان السماء، سواء كانوا ملائكة أو أرواح قديسين. فيعرفون من يتوب، ومن لا يحتاجون إلى توبة، ويسرون لتوبة الخاطئ لأنهم إن كانوا لا يعرفون فكيف سيفرحون؟
جـ- الملائكة تعرف صلواتنا لأنها تحمل صلواتنا إلى عرش الله.
والشهادات كثيرة على هذا في سفر الرؤيا.
ورد في سفر الرؤيا (8: 3- 5): "وَجَاءَ مَلاَكٌ آخَرُ وَوَقَفَ عِنْدَ الْمَذْبَحِ، وَمَعَهُ مِبْخَرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ، وَأُعْطِيَ بَخُورًا كَثِيرًا لِكَيْ يُقَدِّمَهُ مَعَ صَلَوَاتِ الْقِدِّيسِينَ جَمِيعِهِمْ عَلَى مَذْبَحِ الذَّهَبِ الَّذِي أَمَامَ الْعَرْشِ، فَصَعِدَ دُخَانُ الْبَخُورِ مَعَ صَلَوَاتِ الْقِدِّيسِينَ مِنْ يَدِ الْمَلاَكِ أَمَامَ اللهِ".
وهنا ترى صلوات القديسين تصعد أمام الله، من يد الملاك ومبخرته. فكيف لا يعرفها؟
وكما يعرف الملائكة صلواتنا ويرفعونها، كذلك الحال أيضًا بالنسبة إلى الأربعة والعشرين قسيسًا:
ورد في (رؤ5: 8) عن الأربعة والعشرين قسيسًا: "وَلَهُمْ كُلِّ وَاحِدٍ قِيثَارَاتٌ وَجَامَاتٌ مِنْ ذَهَبٍ مَمْلُوَّةٌ بَخُورًا هِيَ صَلَوَاتُ الْقِدِّيسِينَ"، داخل مجامرهم يرفعونها إلى الله. وهذا دليل على معرفتهم لهذه الصلوات التي يرفعونها إلى الله.
ولا شك أنه مما يمكن أن يقال أيضًا ذكر "ملائكة الأطفال" حيث قال الرب: "اُنْظُرُوا، لاَ تَحْتَقِرُوا أَحَدَ هؤُلاَءِ الصِّغَارِ، لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَلاَئِكَتَهُمْ فِي السَّمَاوَاتِ كُلَّ حِينٍ يَنْظُرُونَ وَجْهَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ" (مت18: 10).
د – مثال آخر هو قصة إبراهيم والغني ولعازر (لو 16):
قال أبونا إبراهيم للغني: "اذْكُرْ أَنَّكَ اسْتَوْفَيْتَ خَيْرَاتِكَ فِي حَيَاتِكَ، وَكَذلِكَ لِعَازَرُ الْبَلاَيَا.." (لو16: 25). فمن أين عرف أبونا إبراهيم البلايا التي احتملها لعازر المسكين، ومن أين عرف تنعمات الرجل الغني؟ وكيف قال عن أهل الغني أنه: "عِنْدَهُمْ مُوسَى وَالأَنْبِيَاءُ"، بينما أبونا إبراهيم انتقل من الأرض قبل موسى بمئات السنين، وقبل باقي الأنبياء، ولكنه عرف هذا كله.
وكيف لا يعرف إبراهيم، وهو الذي قال عنه الرب رأى يومي ففرح (يو8: 56).
هـ- شهادة من أنفس الذين استشهدوا
يقول القديس يوحنا في سفر الرؤيا (6: 9- 11) إنه لما فتح الختم الخامس، رأى نفوس الذين استشهدوا تحت المذبح، يصرخون بصوت عظيم قائلين: "حَتَّى مَتَى أَيُّهَا السَّيِّدُ الْقُدُّوسُ وَالْحَقُّ، لاَ تَقْضِي وَتَنْتَقِمُ لِدِمَائِنَا مِنَ السَّاكِنِينَ عَلَى الأَرْضِ؟"، فأعطى كل واحد ثيابًا بيضًا، قيل لهم أن يستريحوا زمانًا قليلًا حتى يكمل العبيد رفقاؤهم سلسلة الشهداء...
إذًا فهؤلاء قد عرفوا – بعد وفاتهم – أن الرب لم ينتقم لهم بعد. وهم يصرخون إلى الله: إلى متى تترك الشر ينتصر في الأرض؟ وإلى متى تترك الأقوياء بالجسد يحطمون أولادك؟ وإلى متى سيسفكون هذه الدماء؟
فمن أين لهؤلاء أن يعرفوا كل هذا؟
إنهم يعرفون. وعندما سيكمل العبيد رفقاؤهم، سيعرفون.
قصة عجيبة عن إيليا النبي (2أي21):
تروي القصة أن يهورام الملك قتل جميع إخوته، وسلك في الفساد في طريق آخاب الردية وأقام مرتفعات للأصنام، وعمل الشر في عيني الرب... وإذ بكتابة من إيليا النبي تصل إليه... كان إيليا قد ترك الأرض، وصعد إلى السماء منذ سنوات خلت.
"وَأَتَتْ إِلَيْهِ كِتَابَةٌ مِنْ إِيلِيَّا النَّبِيِّ تَقُولُ: هكَذَا قَالَ الرَّبُّ إِلهُ دَاوُدَ أَبِيكَ: مِنْ أَجْلِ أَنَّكَ لَمْ تَسْلُكْ فِي طُرُقِ يَهُوشَافَاطَ أَبِيكَ وَطُرُقِ آسَا مَلِكِ يَهُوذَا، بَلْ سَلَكْتَ فِي طُرُقِ مُلُوكِ إِسْرَائِيلَ... وَقَتَلْتَ أيضًا إِخْوَتَكَ مِنْ بَيْتِ أَبِيكَ الَّذِينَ هُمْ أَفْضَلُ مِنْكَ، هُوَذَا يَضْرِبُ الرَّبُّ شَعْبَكَ وَبَنِيكَ وَنِسَاءَكَ وَكُلَّ مَالِكَ ضَرْبَةً عَظِيمَةً" (2أي21: 12- 14).
كيف حدث كل هذا؟ وكيف عرف إيليا كل هذه الأخبار بعد انتقاله من الأرض؟ وكيف أرسل كتابه إلى يهورام ينذره فيها بأن الرب سيضربه وأهله وشعبه ضربة عظيمة بسبب خطاياه؟ هل بعد هذا نتكلم عن معرفة القديسين؟
5- أمور تشرح عظمة القديسين ومعرفتهم ورسالتهم
أ) صموئيل النبي في حياته اُستشير في موضوع الأتن الضائعة (1صم 9). وقيل: "هُوَذَا رَجُلُ اللهِ فِي هذِهِ الْمَدِينَةِ، وَالرَّجُلُ مُكَرَّمٌ، كُلُّ مَا يَقُولُهُ يَصِيرُ. لِنَذْهَبِ الآنَ إِلَى هُنَاكَ لَعَلَّهُ يُخْبِرُنَا عَنْ طَرِيقِنَا الَّتِي نَسْلُكُ فِيهَا" (1صم9: 6).
فإن كان رجل الله – وهو على الأرض – يكشف له الله الخفيات. فكم بالأولى حينما يكون بالروح طليقًا في السماء، مع الله؟
بـ) لقد عرف أليشع – وهو على الأرض – بما فعله جيحزي في الخفاء، حين أخذ هدايا من نعمان السرياني (2مل5: 15- 27).
جـ) وقال عنه واحد من عبيد ملك آرام لسيده الملك "أَلِيشَعَ النَّبِيَّ الَّذِي فِي إِسْرَائِيلَ، يُخْبِرُ مَلِكَ إِسْرَائِيلَ بِالأُمُورِ الَّتِي تَتَكَلَّمُ بِهَا فِي مُخْدَعِ مِضْطَجَعِكَ" (2مل6: 12).
د) وقد عرف أليشع في الخفاء أيضًا – في وقت المجاعة – أن ملك إسرائيل قد أرسل رسولًا يقتله (2مل6: 32).
فإن كان أليشع – وهو في الجسد – له هذه الموهبة التي يعرف بها أشياء في الخفاء، فكم بالأولى تكون معرفته بعد خلع الجسد، وهو في السماء.
هـ) بنفس الوضع عرف القديس بطرس الرسول بما فعله حنانيا وسفيرة في الخفاء، وأعلن ذلك لهما وعاقبهما (أع5: 3، 9)
و) كذلك عرف القديس بولس الرسول بأنه بعد ذهابه ستدخل بين أهل أفسس ذئاب خاطفة لا تشفق على الرعيّة (أع20: 29).
فإن كان الرسل يعرفون هذه المعرفة وهم على الأرض، فكم بالأولى سيكشف الله لهم في السماء؟!
إن هؤلاء القديسين لهم معرفة ولهم رسالة من أجل الناس. كما أن حياتهم التي كانت على الأرض، لم تنته بذهابهم إلى السماء. ونحن نطلب تدخلهم أكثر مما نطلب من الذين يجاهدون مثلنا على الأرض ولم يصلوا بعد...
6- أمثلة أخرى عن عظمة هؤلاء القديسين
إن كانت عظام أليشع النبي. قد استطاعت أن تعمل عملًا، وتكون بركة لقيام ميت، بمجرد الملامسة، بدون صلاة وهي عظام لا روح فيها (2مل13: 21). فكم بالأكثر إذًا تكون روح أليشع، ولا شك أنها أقوى من عظامه قدرة، ومعرفة وحياة، ودالة عند الله! وكم تكون إذًا أرواح أمثال أليشع من القديسين.
إذا كانت المناديل والعصائب التي على جسد بولس الرسول لها بركة لشفاء المرضى وإخراج الأرواح الشريرة (أع19: 13) فكم بالأولى روح بولس الرسول وأرواح أمثاله من القديسين.
7- القديسون الذين انتقلوا، ما زالوا أحياء
وقد شرح الرب ذلك بقوله للصدوقيين: "أَمَا قَرَأْتُمْ مَا قِيلَ لَكُمْ مِنْ قِبَلِ اللهِ الْقَائِلِ أَنَا إِلهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِلهُ إِسْحَاقَ وَإِلهُ يَعْقُوبَ؟ لَيْسَ اللهُ إِلهَ أَمْوَاتٍ بَلْ إِلهُ أَحْيَاءٍ" (مت22: 31، 32).
إذًا هؤلاء القديسون لا يزالون أحياء. لماذا نعتبرهم موتى فلا نطلب صلواتهم؟
لا ننسى أيضًا ظهور موسى وإيليا مع الرب على جبل التجلي – موسى هذا الذي كان قد مات بالجسد منذ حوالي أربعة عشر قرنًا، هو ما يزال حيًا مع الرب تمامًا مثل إيليا الذي صعد إلى السماء. إن أرواحهم لم تمت بل هي في الفردوس وهي ترى أكثر مما نرى نحن.
8- أمثلة من شفاعة الملائكة
نرى في سفر زكريا النبي مثالين لشفاعة الملائكة هما:
أ) شفاعة ملاك الرب في أورشليم، إذ صلى وقال: "يَا رَبَّ الْجُنُودِ، إِلَى مَتَى أَنْتَ لاَ تَرْحَمُ أُورُشَلِيمَ وَمُدُنَ يَهُوذَا الَّتِي غَضِبْتَ عَلَيْهَا هذِهِ السَّبْعِينَ سَنَةً؟" (زك1: 12).
فإن كان ملاك الرب بالأكثر يشفع هكذا في أورشليم حتى دون أن تطلب هذا منه، فكم بالأكثر إن طلبت صلواته؟
بـ) شفاعة ملاك الرب في يهوشع الكاهن، ووقوفه ضد الشيطان الذي يقاومه وقوله له: "لِيَنْتَهِرْكَ الرَّبُّ يَا شَيْطَانُ! لِيَنْتَهِرْكَ الرَّبُّ... أَفَلَيْسَ هذَا شُعْلَةً مُنْتَشَلَةً مِنَ النَّارِ؟" (زك3: 1، 2)
جـ) مثال آخر من سفر التكوين هو: حراسة الملاك لأبينا يعقوب وتخليصه له. وقد تحدث عن هذا فقال عند مباركة أفرايم ومنسى: "الْمَلاَكُ الَّذِي خَلَّصَنِي مِنْ كُلِّ شَرّ، يُبَارِكُ الْغُلاَمَيْنِ.." (تك48: 16).
د) لا ننسى أيضًا قول الكتاب عن الملائكة أنهم: "أَرْوَاحًا خَادِمَةً مُرْسَلَةً لِلْخِدْمَةِ لأَجْلِ الْعَتِيدِينَ أَنْ يَرِثُوا الْخَلاَصَ" (عب1: 14). فإن كان لهم عمل من أجل البشر على الأرض، ألاَّ يكون لهم نفس العمل في السماء؟!
دالة القديسين عند الله
إننا نطلب شفاعة القديسين من أجل الدالة العظيمة التي لهم عند الله. ومن أجل إمكانياتهم الواسعة بعد خروجهم من الجسد، وطاقاتهم الروحية الأكثر قدرة. ومن أجل محبة الله لهم وتكليفه لهم بأعمال رحمة وخدمة للبشر، ومن أجل معرفتهم وهم خارج الجسد بشكل أوسع بكثير من معرفتهم وهم في الجسد.
ونحن نذكر في هذه الدالة للقديسين كيف أن الله كان أحيانًا يتسمّى بأسمائهم، فيقول: "أَنَا إِلهُ أَبِيكَ، إِلهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِلهُ إِسْحَاقَ وَإِلهُ يَعْقُوبَ.." (خر3: 6).
ولهذا فإن الآباء والأنبياء كانوا يذكرون الرب بقديسيه، حتى يحنّ قلبه ويشفق، بمجرد سماع أسمائهم وتذكر عهوده لهم. وهكذا فإن موسى النبي حينما شفع في الشعب حتى لا يفنى، قال للرب: "اُذْكُرْ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَإِسْرَائِيلَ عَبِيدَكَ الَّذِينَ حَلَفْتَ لَهُمْ بِنَفْسِكَ وَقُلْتَ لَهُمْ: أُكَثِّرُ نَسْلَكُمْ كَنُجُومِ السَّمَاءِ.." (خر32: 13).
ونحن نتذكر أنه لما حدث أن حزائيل ملك آرام ضايق إسرائيل يقول الكتاب: "فَحَنَّ الرَّبُّ عَلَيْهِمْ وَرَحِمَهُمْ وَالْتَفَتَ إِلَيْهِمْ لأَجْلِ عَهْدِهِ مَعَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ، وَلَمْ يَشَأْ أَنْ يَسْتَأْصِلَهُمْ، وَلَمْ يَطْرَحْهُمْ عَنْ وَجْهِهِ" (2مل13: 22، 23).
وفي دالة القديسين عند الله، نضرب مثلًا لذلك بتوبيخ الله لهارون ومريم لما تكلما على موسى النبي. فنزل الرب في عمود السحاب، وقال لهارون ومريم أمام موسى: "إِنْ كَانَ مِنْكُمْ نَبِيٌّ لِلرَّبِّ، فَبِالرُّؤْيَا أَسْتَعْلِنُ لَهُ. فِي الْحُلْمِ أُكَلِّمُهُ. وَأَمَّا عَبْدِي مُوسَى فَلَيْسَ هكَذَا، بَلْ هُوَ أَمِينٌ فِي كُلِّ بَيْتِي. فَمًا إِلَى فَمٍ وَعَيَانًا أَتَكَلَّمُ مَعَهُ، لاَ بِالأَلْغَازِ. وَشِبْهَ الرَّبِّ يُعَايِنُ. فَلِمَاذَا لاَ تَخْشَيَانِ أَنْ تَتَكَلَّمَا عَلَى عَبْدِي مُوسَى؟" (عد12: 5- 8).
ومن أمثلة هذه الدالة، قول الرب لرسله: "اَلَّذِي يَسْمَعُ مِنْكُمْ يَسْمَعُ مِنِّي، وَالَّذِي يُرْذِلُكُمْ يُرْذِلُنِي" (لو10: 16) وقوله أيضًا: "وَإِنْ كَانَ أَحَدٌ يَخْدِمُنِي يُكْرِمُهُ الآبُ" (يو12: 26).
10- اعتراضات - والإجابة عليها
أ) يقول إننا في التشفع بالقديسين نتوجه إليهم بالصلاة:
ونحن نقول إننا لا نصلي للقديسين، وإنما نطلب صلواتهم، ونطلب معونتهم لنا، حديثنا إلى العذراء ليس هو صلوات موجهة إليها، إنما هي مخاطبة بنين لأمهم، نوع من المناجاة وليس من الصلاة، راجين منها أن تشفع فينا، وهي الملكة القائمة عن يمين الملك.
ب) يقولون إن الشفاعة هي نوع من الوساطة
فنقول: وماذا في ذلك ما دام الله نفسه قد قبل هذه الوساطة بل وطلبها بنفسه، حينما طلب من أبيمالك أن يصلي إبراهيم لأجله لئلا يهلك (تك20: 7)، وحينما طلب من أصحاب أيوب أن يصلي أيوب لأجلهم لئلا يصنع معهم حسب حماقتهم (أي42: 8). وكذلك حينما سمح لإبراهيم أن يشفع في سدوم (تك 18)، وسمح لموسى أن يشفع في الشعب (خر 32)، وسمع لكليهما وقبل شفاعتهما.
روحانية التشفع بالقديسين
أ) الشفاعة بالقديسين تحمل معنى الإيمان بالحياة الأخرى، الإيمان بأن الذين انتقلوا ما زالوا أحياء ولهم عمل. إنه إيمان بالصلة الدائمة بين السماء والأرض. وإيمان أيضًا بإكرام القديسين، ما دام الله نفسه يكرمهم.
ب) الشفاعة هي شركة حب بين أعضاء الجسد الواحد...
الكنيسة هي جسد واحد، المسيح رأسه وكلنا أعضاؤه سواء في السماء أو على الأرض. والحب والصلوات والشركة، أمور متبادلة بين أعضاء الجسد الواحد: نحن نشفع فيهم بصلواتنا عن الراقدين. وهم يشفعون فينا بصلواتهم أيضًا. إنها رابطة لا تنفصم. لماذا يريد منكرو الشفاعة تحطيم هذه الشركة؟ فلا صلاة منا لأجل الراقدين، ولا شفاعة من الراقدين فينا؟
هل المحبة القائمة بين كل مؤمن والله الآب، تمنع وجود المحبة والصلة بين الأبناء وبعضهم البعض؟
أليس السيد المسيح قد طلب من الآب قائلًا: "لِيَكُونُوا وَاحِدًا كَمَا نَحْنُ"، "لِيَكُونُوا هُمْ أيضًا وَاحِدًا فِينَا"، "أَنَا فِيهِمْ وَأَنْتَ فِيَّ لِيَكُونُوا مُكَمَّلِينَ إِلَى وَاحِدٍ" (يو 17).
جـ) الشفاعة فائدة، مَن ينكرها يخسرها... بلا مقابل:
الذين يؤمنون بالشفاعة ينتفعون برابطة الحب التي بينهم وبين القديسين، وينتفعون بمجرد الصلة التي بينهم وبين أرواح المنتقلين. ويضيفون إلى صلواتهم الخاصة صلوات أقوى وأعمق، صادرة لأجلهم، من العالم الآخر... وفي كل ذلك لا يخسرون شيئًا.
أما منكرو الشفاعة فإنهم يخسرون هذه الصلة وهذه الصلوات بلا مقابل... بل يخسرون إيمانًا بسيطًا غير معقد، نلاحظه في كل من يحتفلون بأعياد القديسين، ومن يزورون كنائسهم، ومن يطلبون صلواتهم...
بأي وجه سيقابلون القديسين في العالم الآخر، وقد رفضوا إكرامهم ورفضوا صلواتهم وشفاعتهم؟
د) والشفاعة تحمل في طياتها تواضع القلب...
فالذي يطلب الشفاعة، هو إنسان متضع، غير مغرور بصلته الشخصية بالله، يأخذ موقف الخاطئ الضعيف الذي يطلب شفاعة غيره فيه.
وعلى العكس فمنكر الشفاعة، قد يسأل في انتفاخ:
وما الفرق بيني وبين هؤلاء القديسين؟ إن الصلة بيني وبين الله أقوى من أن تحتاج إلى وساطتهم!! (واضعًا نفسه في مصاف القديسين والشهداء والملائكة).
يُخجِل هؤلاء قول بولس الرسول: "صَلُّوا لأَجْلِنَا" (عب13: 18) "لأَجْلِ جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ" (أف6: 18).
هـ) الشفاعة دليل على عدل الله في مبدأ تكافؤ الفرص...
إن كان الله قد سمح للشيطان أن يحارب أولاد الله، ويجربهم ويظهر لهم في رؤى وفي أحلام كاذبة، ويضايقهم. فبالأولى يقتضي العدل ومبدأ تكافؤ الفرص أن يسمح للملائكة وللأرواح الخيرة أن يساعدوا أولاده على الأرض، كما سمح للأرواح الشريرة أن تضايقهم. وبهذا يظهر العدل من جهة تدخل العالم الآخر (الأرواح) في حياة البشر.
وإن كان الله قد سمح للشيطان أن يضرب أيوب، فليسمح أيضًا للملائكة أن تعصب ضربات البشر، وأن تخدم أولاده، حتى بدون طلبهم، فكم بالأولى إن طلبوا... "أَلَيْسَ جَمِيعُهُمْ أَرْوَاحًا خَادِمَةً مُرْسَلَةً لِلْخِدْمَةِ لأَجْلِ الْعَتِيدِينَ أَنْ يَرِثُوا الْخَلاَصَ"! (عب1: 14).
فما دام هؤلاء مرسلين لهذا الغرض فلا مانع إذًا من أن نطلب تدخلهم لمساعدتنا، وهم قريبون منا.
12- الشفاعة واقع نعيش فيه
شفاعة القديسين – بالنسبة إلينا – ليست مجرد بحث لاهوتي تثبته آيات من الكتاب المقدس، إنما هو واقع عملي نعيشه.
إنه تاريخ حي على مدى الأجيال، يُري الرابطة العجيبة التي بين المنتقلين ومن يحيون على الأرض. إنه صلة حية بالقديسين الذي يشفقون على أوضاعنا أكثر منا وبإشفاق حقيقي. حتى أن كثير من مشاكلنا تحل أحيانًا دون أن نصلي، من أجل تشفعات القديسين فينا، دون أن نطلب ذلك. إنهم أكثر منا فهمًا لتلك الآية التي تقول: "فَرَحًا مَعَ الْفَرِحِينَ وَبُكَاءً مَعَ الْبَاكِينَ" (رو12: 15). إن الشفاعة دليل على الرابطة بين أعضاء الكنيسة الذين على الأرض والذين في السماء – إنها كنيسة واحدة – جزء منها على الأرض (نسميه الكنيسة المجاهدة) وجزء منها في السماء (نسميه الكنيسة المنتصرة). وهما يتبادلان الصلاة.
والذين يرفضون شفاعة القديسين، كأنما هم يتجاهلون المعجزات العجيبة التي يشهد الناس بحدوثها لهم، بصلوات القديسين، أو في أعيادهم، أو في كنائسهم وأديرتهم.
إنها محاولة لإلغاء الواقع والتاريخ، وليست مجرد انحرافات في التفكير النظري اللاهوتي. يكفي أن نذكر هنا المعجزات التي حدثت في ظهور العذراء في الزيتون، سواء للمسيحيين أو للمسلمين، وسجلت بأصوات الناس أو بكتاباتهم... وكذلك المعجزات التي تحدث باسم مار جرجس والملاك ميخائيل وباقي القديسين. كل هذا لا يكفي عند البروتستانتية التي ترفض صلوات القديسين وترفض شفاعاتهم، وترفض معجزاتهم لغير ما سبب...
اقرأوا أيضًا سير القديسين لكي تروا تدخلات الملائكة والقديسين في حياة الناس:
ظهوراتهم، وتنبؤاتهم، ووعودهم، وتبشيراتهم، سواء بميلاد قديس من أم عاقر، أو باختيار قديس لخدمة الله، أو لإرشاده في طريق ما... والموضوع بالنسبة إلى الشعب وصلتهم بالقديسين، ليس هو معرفة يوم وليلة، إنما هي عشرة زمن طويل، وعلاقة لا نستطيع أن نفصلها أبدًا، إنها صداقة بين الشعب عامة، والملائكة والقديسين. ولذلك فإن إدعاءات البروتستانت ضد القديسين، لا تجد لها مجالًا إطلاقًا. لأنها تتحدى اعتقادات ومشاعر تجري في دم الناس.
الصورة الطقسية التي تعطي معاني عقيدية هامة منها
1- العذراء مع المسيح. فأهميتها العقيدية أنها والدة الإله.
2- تلبس تاجًا كملكة، كما يلبس المسيح تاجًا كملك الملوك.
3- هي عن يمين المسيح. كما قيل في المزمور: "قامَت الملِكةُ عَنْ يَمينِكَ أيها الملك" (مز 45).
4- النجوم والملائكة في الصورة، باعتبار العذراء السماء الثانية.
5- هالة النور على رأسها كقديسة (مت5: 14). وكذلك فوق رأس المسيح.
إكرام العذراء ودوام بتوليتها
إكرام العذراء ودوام بتوليتها
1 -البروتستانت لا يكرمون السيدة العذراء، ولا يطلبون شفاعتها وربما كرد فعل لمبالغة الكاثوليك في إكرامها، يبالغون هم أيضًا في عدم إكرامها، حتى ليقول بعضهم أنها مثل قشرة البيضة لا قيمة لها بعد خروج الكائن الحي منها. وهم طبعًا لا يحتفلون بأي عيد من أعيادها.
2- وتجرأ البعض فقال إنها أختنا...
3- وبالإضافة إلى هذا يقولون إنها بعد ميلاد السيد المسيح عاشت مع يوسف النجار كزوجة وأنجبت منه أولادًا تسموا "إخوة يسوع" أو "إخوة الرب".
4- وهم أيضًا يهاجمون بعض ألقاب تلقبها بها الكنيسة.
5- ومن مظاهر عدم إكرامهم لها، أنهم بدلًا من تلقيبها بالممتلئة نعمة كما بشرها الملاك، يغيرون الترجمة إلى "المنعم عليها".
6- كذلك كثيرًا ما يستخدمون لقب "أم يسوع" بدلًا من لقب والدة الإله "ثيئوطوكوس".
إكـرام السيدة العـذراء
يكفي قولها الذي سجله الإنجيل: "هُوَذَا مُنْذُ الآنَ جَمِيعُ الأَجْيَالِ تُطَوِّبُنِي"(لو1: 48). وعبارة "جَمِيعُ الأَجْيَالِ" تعني أن تطويب العذراء هو عقيدة هامة استمرت من الميلاد وستبقى إلى آخر الزمان.
ولعل من عبارات إكرام العذراء التي سجلها الكتاب أيضًا قول القديسة أليصابات لها وهي شيخة في عمر أمها تقريبًا: "مِنْ أَيْنَ لِي هذَا أَنْ تَأْتِيَ أُمُّ رَبِّي إِلَيَّ؟ فَهُوَذَا حِينَ صَارَ صَوْتُ سَلاَمِكِ فِي أُذُنَيَّ ارْتَكَضَ الْجَنِينُ بِابْتِهَاجٍ فِي بَطْنِي" (لو1: 44). والعجيب هنا في عظمة العذراء، أنه لما سمعت أليصابات سلام مريم امتلأت أليصابات من الروح القدس (لو1: 41). مجرد سماعها صوت القديسة العذراء، جعلها تمتلئ من الروح القدس.
والعذراء لم تنل الكرامة فقط من البشر، وإنما أيضًا من الملائكة. وهذا واضح في تحية الملاك جبرائيل لها بقوله: "سَلاَمٌ لَكِ أَيَّتُهَا الممْتَلئَة نِعْمَة. اَلرَّبُّ مَعَكِ. مُبَارَكَةٌ أَنْتِ فِي النِّسَاءِ"(لو1: 28). وعبارة "مُبَارَكَةٌ أَنْتِ فِي النِّسَاءِ" تكررت أيضًا في تحية القديسة أليصابات لها (لو1: 42).
ونلاحظ أن أسلوب مخاطبة الملاك للعذراء فيه تبجيل أكثر من أسلوبه في مخاطبة زكريا الكاهن (لو1: 13).
وهنا نبوءات كثيرة في الكتاب تنطبق على السيدة العذراء، ومنها "قامَت الملِكةُ عَنْ يَمينِكَ أيها الملك" (مز45: 9). وفي نفس المزمور يقول عنها الوحي الإلهي "كلُّ مَجدِ ابنة الملكِ مِن داخل" (مز45: 13). فهي إذًا ملكة وابنة الملك. ولذلك فإن الكنيسة القبطية في أيقوناتها الخاصة بالعذراء، تصوّرها كملكة متوّجة، وتجعل مكانها باستمرار عن يمين السيد المسيح له المجد.
والكنيسة تمدح العذراء في ألحانها قائلة: "نساء كثيرات نلن كرامات. ولم تنل مثلك واحدة منهن". وهذه العبارة مأخوذة من الكتاب (أم31: 29).
والسيدة العذراء هي شهوة الأجيال كلها، فهي التي استطاع نسلها أن يسحق رأس الحية، محققًا أول وعد لله بالخلاص (تك3: 15).
والعذراء من حيث هي أم المسيح، يمكن أن أمومتها تنطبق على كل ألقاب السيد المسيح.
فالمسيح هو النور الحقيقي (يو1: 9). وهو الذي قال عن نفسه: "أَنَا هُوَ نُورُ الْعَالَمِ" (يو8: 12). إذًا تكون أمه العذراء هي أم النور. أو هي أم النور الحقيقي. وما دام المسيح قدوسًا (لو1: 35) تكون هي أُم القدوس وما دام هو المخلص، حسبما قيل للرعاة "وُلِدَ لَكُمُ الْيَوْمَ فِي مَدِينَةِ دَاوُدَ مُخَلِّصٌ هُوَ الْمَسِيحُ الرَّبُّ" (لو2: 11). وحسب اسمه "يسوع" أي مخلص، لأنه يخلص شعبه من خطاياهم (مت1: 21). إذًا تكون العذراء هي أم المخلص.
وما دام المسيح هو الله (يو1: 1)، (رو9: 5)، (يو20: 28). إذًا تكون العذراء هي والدة الإله.
وما دام هو الرب، حسب قول أليصابات عن العذراء "أُمُّ رَبِّي" (لو1: 43). إذًا تكون العذراء هي أم الرب. وبنفس القياس هي أم عمانوئيل (مت1: 23) وهي أم الكلمة المتجسد (يو1: 14).
***
وإن كانت العذراء هي أم المسيح، فمن باب أولى تكون أمًا روحية لجميع المسيحيين. ويكفي أن السيد المسيح وهو على الصليب، قال عن العذراء للقديس يوحنا الرسول الحبيب: "هُوَذَا أُمُّكَ" (يو19: 27). فإن كانت أمًا لهذا الرسول الذي يخاطبنا بقوله: "يَا أَوْلاَدِي.." (1يو2: 1). فبالتالي تكون العذراء هي أم لنا جميعًا. وتكون عبارة "أختنا" لا تستحق الرد. فمن غير المعقول ولا المقبول أن تكون أمًا للمسيح وأختًا لأحد أبنائه المؤمنين باسمه!
***
إن من يكرم أم المسيح، إنما يكرم المسيح نفسه. وإن كان إكرام الأم هو أول وصية بوعد (أف6: 2)، (خر20: 12)، (تث5: 16). أفلا نكرم العذراء أمنا وأم المسيح وأم آبائنا الرسل؟! هذه التي قال لها الملاك: "اَلرُّوحُ الْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ، وَقُوَّةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ، فَلِذلِكَ أيضًا الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللهِ" (لو1: 35). هذه التي طوبتها القديسة أليصابات بقولها: "طُوبَى لِلَّتِي آمَنَتْ أَنْ يَتِمَّ مَا قِيلَ لَهَا مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ" (لو1: 45). والتي جميع الأجيال تطوبها...
وعبارة "مُبَارَكَةٌ أَنْتِ فِي النِّسَاءِ" التي قيلت لها من الملاك جبرائيل ومن القديسة أليصابات، تعني أنها إذا قورنت بكل نساء العالم، تكون هي المباركة فيهم، لأنه لم تنل واحدة منهن مجدًا مثل الذي نالته العذراء في التجسد الإلهي.
ولا شك أن الله قد اختارها من بين كل نساء العالم، لصفات فيها لم تكن تتوافر في واحدة منهن.
ومن هنا يظهر علو مكانتها وارتفاعها. لذلك لقبها إشعياء النبي بلقب: "سَحَابَةٍ" أثناء مجيئها إلى مصر (إش19: 1).
***
ألقـابـها
ومن حيث سكنى الله في العذراء، في التجسد، تسميها الكنيسة بالسماء الثانية وتشبهها بخيمة الاجتماع "القبة" أو قبة موسى.
ومن حيث سكنى الله فيها، تسميها الكنيسة "مدينة الله" أو صهيون كما قيل في المزمور: "صِهْيون الأمّ فتَقولُ: إنَّ إنْسانًا وإنْسانًا وُلِدَ فيها، والعَلي هُوَ الَّذي أسَّسَها إلَى الأبَد"، "أعْمالٌ مَجيدةٌ قَدْ قيلَتْ عَنْكِ يا مدينَةَ الله" (مز87).
ولما كان السيد المسيح قد شبه نفسه بالمنِّ باعتباره الخبز الحيّ النازل من السماء (يو6: 58). لذلك فالكنيسة تلقبها بقسط المنِّ.
وكذلك من حيث بتوليتها تلقبها بعصا هارون التي أفرخت (عدد 17).
وقد شبهت العذراء بالمنارة الذهبية (خر25: 31- 46). لأنها تحمل المسيح الذي هو النور الحقيقي.
وشبهت أيضًا بتابوت العهد (خر25: 10- 22)، الذي هو مغشى بالذهب من الداخل والخارج، رمزًا لنقاوة العذراء وعلو قيمتها. ولأنه من خشب السنط الذي لا يسوّس رمزًا أيضًا لطهارة العذراء. ولأن هذا التابوت يحوي قسط المن الذي يرمز للمسيح باعتباره الخبز الحي النازل من السماء (يو6: 58)، ولوحا الشريعة اللذان يرمزان إليه باعتباره كلمة الله (يو1: 1).
شُبهت العذراء أيضًا بسلّمِ يعقوب التي كانت منصوبة على الأرض، وواصلة إلى السماء. والعذراء أيضًا كانت تمثل هذه الصلة بين السماء والأرض، في ميلاد المسيح. فكانت هي الأرض التي حلت فيها السماء، أو كانت وهي على الأرض تحمل السماء داخلها. (انظر تك28: 12). عن سلم يعقوب.
والعليقة التي رآها موسى، والنار تشتعل فيها دون أن تحترق (خر 3). ترمز إلى السيدة العذراء التي حل فيها الروح القدس بنار اللاهوت، دون أن تحترق.
وإن كان اتحاد اللاهوت بالناسوت في السيد المسيح، يشبه باتحاد الفحم بالنار فإن مريم التي كانت تحوي داخلها هذا الاتحاد، تشبه بالمجمرة. ويدعونها المجمرة الذهب لعلو مكانتها، أو يدعونها مجمرة هارون أو الشورية.
والكنيسة تلقب العذراء أيضًا بالحمامة الحسنة، إذ تشبه بالحمامة في بساطتها، وفي حلول الروح القدوس فيها. والروح ظهر بشكل حمامة (مت3: 16). كما تشبه بحمامة نوح التي حملت إليه بشرى الخلاص ورجوع الحياة إلى الأرض (تك8: 10، 11).
وما أكثر التشبيهات والرموز التي تشير إلى العذراء في الكتاب المقدس وفي طقوس الكنيسة، يعوزنا الوقت أن نسردها جميعًا. وكلها تعتمد على نص كتابي. بل أنها تشبه بالكنيسة. وبعض النبوءات تطبق على العذراء وعلى الكنيسة في نفس الوقت.
المهم أن الكنيسة تكرم العذراء لحلول الروح القدس عليها ولأنها والدة الإله ولأنها بتول دائمة البتولية، ولقداستها وشهادة الكتاب عنها، ولأن الرب نفسه قد أكرمها، كما تكرمها الكنيسة كذلك من أجل معجزاتها وظهوراتها المقدسة.
وهذا التكريم يظهر في طقس الكنيسة وتسابيحها وألحانها، وفي التشفع بالعذراء وذكرها في صلواتنا.
كما يظهر في الاحتفال بأعياد كثيرة لها. وفي تقديس أحد أصوامنا على اسمها.
أعيادها
1- عيد نياحتها (21طوبة). ويوم 21 من كل شهر قبطي.
2- عيد ميلادها (أول بشنس).
3- البشارة بميلادها (7 مسرى).
4- دخولها الهيكل (3 كيهك).
5- دخولها أرض مصر (24 بشنس).
6- صعود جسدها (16 مسرى).
7- بناء كنيسة فيلبي باسمها (21بؤونة).
8- عيد ظهورها في الزيتون (2 أبريل) وقد أضافت الكنيسة هذا العيد أخيرًا.
سؤال
كيف يمكن أن ندعو العذراء بالكرمة في صلاة الساعة الثالثة، ونقول: "يا والدة الإله، أنت هي الكرمة الحقانية الحاملة عنقود الحياة"، بينما السيد المسيح هو الكرمة. وقد قال بوضوح: "أَنَا الْكَرْمَةُ الْحَقِيقِيَّةُ وَأَبِي الْكَرَّامُ... أَنَا الْكَرْمَةُ وَأَنْتُمُ الأَغْصَانُ" (يو15: 1، 5).
كيف ندعو العذراء في صلاة نصف الليل (الهجعة الثالثة) قائلين لها: "يا باب الحياة العقلي" بينما الباب هو المسيح. وهو الذي قال عن نفسه: "أَنَا بَابُ الْخِرَافِ" (يو10: 7).
الجواب
العذراء هي الكـرمـة
تلقيب العذراء بالكرمة لا يتعارض مع لقب السيد المسيح إطلاقًا.
فهو الكرمة بمعنى، وهي الكرمة بمعنى آخر. هو الكرمة حينما نكون نحن الأغصان، أي أنه الأصل، ونحن كلنا منه. هو الرأس ونحن الأعضاء. أما العذراء فهي – حسب مدائح الكنيسة – التي "وجد فيها عنقود الحياة، ابن الله بالحقيقة" هي الكرمة التي لم تشخ ولم يفلحها أحد ما".
ونحب أن نسجل ملاحظة هامة وهي:
السيد المسيح كثيرًا ما يمنحنا بعض ألقابه:
1- فهو يقول أنه هو الراعي (يو10: 11، 12). وهذا اللقب يطلقه داود في مزاميره على الرب: "الرَّبُّ رَاعِيَّ" (مز23: 1). ويلقب به الرب في سفر حزقيال (حز34: 15).
ومع ذلك فإن الرب يقيم بعض أولاده رعاة مع اهتمامه بأن تكون الكنيسة كلها "رَعِيَّةٌ وَاحِدَةٌ وَرَاعٍ وَاحِدٌ" (يو10: 16). فيقول لبطرس الرسول: "ارْعَ غَنَمِي... ارْعَ خِرَافِي" (يو21: 15، 16) وفي العهد القديم يقول الرب: "وَأُعْطِيكُمْ رُعَاةً حَسَبَ قَلْبِي" (إر3: 15). وقد أصبح لقب الراعي خاصًا بالأساقفة خلفاء الرسل: "لِتَرْعَوْا كَنِيسَةَ اللهِ الَّتِي اقْتَنَاهَا بِدَمِهِ" (أع20: 28).
ويقول القديس بطرس: "ارْعَوْا رَعِيَّةَ اللهِ الَّتِي بَيْنَكُمْ" (1بط5: 2).
2- السيد المسيح لقب نفسه بالنور، وقال: "أَنَا هُوَ نُورُ الْعَالَمِ" (يو8: 12) (يو9: 5). ومع ذلك يقول لتلاميذه: "أَنْتُمْ نُورُ الْعَالَمِ" (مت5: 14). "فَلْيُضِئْ نُورُكُمْ هكَذَا قُدَّامَ النَّاسِ" (مت5: 16).
لا شك أنه نور بالمعنى المطلق. وهو نور، لأنهم يستمدون النور منه وبنوره يضيئون للآخرين. كذلك هو الراعي بالمعنى الكامل للكلمة. أما هم فرعاة باعتبارهم وكلاء لله، مفوّضين منه لعمل الرعاية.
3- قيل عن السيد المسيح أنه هو الأسقف "رَاعِي نُفُوسِكُمْ وَأُسْقُفِهَا" (1بط2: 25) ومع ذلك فإن خلفاء الرسل أقيموا من الروح القدس أساقفة (أع20: 28) (1تي3: 2) (في1: 1) (تي1: 7).
4- قيل عن السيد المسيح أنه الكاهن: "كَاهِنٌ إِلَى الأَبَدِ عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادَقَ" (مز110: 4) (عب5: 6). وما أكثر الآيات التي في الكتاب المقدس عن الكاهن العظيم ورئيس الكهنة، وعن الكهنة الذين أعطاهم الرب كهنوتًا أبديًا في أجيالهم (خر40: 15).
"كَهَنَتُكَ يَلْبَسُونَ الْبِرَّ" (مز132: 9، 16). وقد قدس الرب الكهنة (لا8: 12). ألبسهم ثيابًا مقدسة للمجد والبهاء (خر28: 2)، وفي العهد الجديد نرى القديس بولس يدعو نفسه كاهنًا (رو15: 16).
إن السيد المسيح كاهن بمعنى أنه قدم ذاته ذبيحة عنا. أما الكهنة من البشر فهم خدام ووكلاء السرائر الإلهية، يقدمون ذبيحة السيد المسيح وما كان يرمز إليها قبلًا.
5- قيل عن السيد المسيح أنه ابن الله (1يو4: 14). وقيل عنا أيضًا أننا أبناء الله (1يو3: 1). ولكنه ابن من جوهر الله وطبيعته ولاهوته. أما نحن فأبناء بالمحبة، بالتبني. لذلك دعيّ السيد المسيح بالابن الوحيد (يو3: 16).
كذلك في معنى الكرمة
السيد المسيح هو الكرمة. وقد أطلق الكتاب على الكنيسة كلها لقب الكرمة فقد أنشد الرب عنها في سفر إشعياء نشيد الكرمة (إش5: 1- 7). حيث يقول الرب: "احْكُمُوا بَيْنِي وَبَيْنَ كَرْمِي مَاذَا يُصْنَعُ أيضًا لِكَرْمِي وَأَنَا لَمْ أَصْنَعْهُ لَهُ؟" ويقول: "كَرْمَ رَبِّ الْجُنُودِ هُوَ بَيْتُ إِسْرَائِيلَ" (إش5: 7).
ونفس المعنى ينطبق على مثل (الكرم والكرّامين)، الذي قال الرب (مت21: 33- 41). وفي هذا المثل: الكرم هو الكنيسة، والكرامون هم الرعاة، وأما الله فهو صاحب الكرم.
ونحن نلقب الكنيسة بالكرمة، مقتبسين نصًا من الوحي الإلهي في المزامير فنقول للرب: "ارْجِعَنَّ اطَّلِعْ مِنَ السَّمَاءِ وَانْظُرْ وَتَعَهَّدْ هذِهِ الْكَرْمَةَ، وَالْغَرْسَ الَّذِي غَرَسَتْهُ يَمِينُكَ" (مز80: 14، 15).
فهل وصف الكنيسة بالكرمة، تسلب فيه مجد الله، بينما هذا هو اللقب الذي منحه لها المسيح. وهل تلقيب الشعب بالكرمة سلب لمجد الله؟ بينما هو تعليم الكتاب نفسه؟ أم هي مجرد رغبة في مهاجمة الكنيسة التي يقول عنها الكتاب: "غَنُّوا لِلْكَرْمَةِ الْمُشَتَهَاةِ. أَنَا الرَّبُّ حَارِسُهَا. أَسْقِيهَا كُلَّ لَحْظَةٍ" (إش27: 2، 3).
بل إن لقب الكرمة يطلق على كل أم مباركة كما يقول المزمور: "امْرَأَتُكَ مِثْلُ كَرْمَةٍ مُثْمِرَةٍ فِي جَوَانِبِ بَيْتِكَ" (مز128: 3). ليس غريبًا أن تلقب العذراء القديسة بالكرمة.
العذراء باب الحياة
السيدة العذراء لقبها الكتاب المقدس بالباب. فقال عنها سفر حزقيال النبي أنها باب في المشرق دخل منه رب المجد وخرج (حز44: 2).
فإن كان الرب هو الحياة، تكون هي باب الحياة.
والرب قد أعلن أنه الحياة في قوله: "أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ" (يو14: 6). "أَنَا هُوَ الْقِيَامَةُ وَالْحَيَاةُ" (يو11: 25) فما دامت العذراء هي الباب الذي خرج منه المسيح، إذًا تكون هي باب الحياة.
وبنفس الطريقة تكون هي باب الخلاص، لأن الرب هو الخلاص. إذ قد جاء خلاصًا للعالم، "يُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَكَ" (لو19: 10).
وليس غريبًا أن نلقب العذراء بالباب. فالكنيسة أيضًا لقبت بالباب منذ أقدم العصور. إذ قال أبونا يعقوب أبو الآباء عن المكان المقدس الذي دشنه كنيسة وعرف باسم بيت إيل، أي بيت الله قال عنه: "مَا أَرْهَبَ هذَا الْمَكَانَ! مَا هذَا إِلاَّ بَيْتُ اللهِ، وَهذَا بَابُ السَّمَاءِ" (تك28: 17).
سؤال
هل نصلي للعذراء؟
الجواب
نحن لا نصلي للعذراء. ولكننا نكلمها أثناء صلاتنا، نتوسل إليها أن تتشفع فينا، ونحن لا نخاطب العذراء فقط إنما نخاطب الملائكة ونخاطب الطبيعة، ونخاطب الناس ونخاطب أنفسنا، ونخاطب حتى الشياطين.
وكل هذا يعتمد على نصوص كتابية من الوحي الإلهي نفسه. وهذه المخاطبة لا تعتبر صلاة. فلماذا أمنا العذراء بالذات لا نخاطبها؟
1- إننا نخاطب الملائكة في صلواتنا فنقول: "بَارِكُوا الرَّبَّ يَا مَلاَئِكَتَهُ الْمُقْتَدِرِينَ قُوَّةً، الْفَاعِلِينَ أَمْرَهُ عِنْدَ سَمَاعِ صَوْتِ كَلاَمِهِ" (مز103: 20، 21) "سَبِّحُوا الرَّبَّ مِنَ السَّمَاوَاتِ. سَبِّحُوهُ فِي الأَعَالِي. سَبِّحُوهُ يَا جَمِيعَ مَلاَئِكَتِهِ. سَبِّحُوهُ يَا كُلَّ جُنُودِهِ" (مز148: 1، 2).
2- ونحن نخاطب الطبيعة في صلواتنا فنقول: "سَبِّحِيهِ يَا أَيَّتُهَا الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ. سَبِّحِيهِ يَا جَمِيعَ كَوَاكِبِ النُّورِ، سَبِّحِيهِ يَا سَمَاءَ السَّمَاوَاتِ، وَيَا أَيَّتُهَا الْمِيَاهُ الَّتِي فَوْقَ السَّمَاوَاتِ. سَبِّحِي الرَّبَّ مِنَ الأَرْضِ، يَا أَيَّتُهَا التَّنَانِينُ وَكُلَّ اللُّجَجِ النَّارُ وَالْبَرَدُ، الثَّلْجُ وَالضَّبَابُ، الرِّيحُ الْعَاصِفَةُ الصَّانِعَةُ كَلِمَتَهُ الْجِبَالُ وَكُلُّ الآكَامِ" (مز148: 3- 9).
3- ونحن ننادي مدينة الله المقدسة أن تسبح الله. فنقول: "سَبِّحِي يَا أُورُشَلِيمُ الرَّبَّ، سَبِّحِي إِلهَكِ يَا صِهْيَوْنُ. لأَنَّهُ قَدْ شَدَّدَ عَوَارِضَ أَبْوَابِكِ. بَارَكَ أَبْنَاءَكِ دَاخِلَكِ" (مز147: 12، 13).
ونحن في مزمور آخر "أعمالٌ مجيدة قد قيلت عنكِ يا مدينة الله" (مز87: 3). والبعض يفسر هذا الكلام أنه موجه للعذراء...
4- ونحن في صلواتنا نخاطب الناس فنقول: "يَا جَمِيعَ الأُمَمِ صَفِّقُوا بِالأَيَادِي. اهْتِفُوا ِللهِ بِصَوْتِ الابْتِهَاجِ" (مز47: 1). "هَلُمُّوا انْظُرُوا أَعْمَالَ اللهِ، كَيْفَ جَعَلَها آيات فِي الأَرْضِ" (مز46: 8). "لاَ تَتَّكِلُوا عَلَى الرُّؤَسَاءِ، وَلاَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَيْثُ لاَ خَلاَصَ عِنْدَهُ" (مز146: 3) "بَارِكُوا الرَّبَّ يَا جَمِيعَ أَعْمَالِهِ، فِي كُلِّ مَوَاضِعِ سُلْطَانِهِ" (مز103: 22). ونقول في مزمور آخر: "سبحوا الرب أيها الفتيان. سبحوا اسم الرب" (مز113: 1). ونقول أيضًا: "قَدِّمُوا لِلرَّبِّ يَا أَبْنَاءَ اللهِ، قدموا للرب أبناء الكباش. قدموا للرب مجدًا وكرامة. قَدِّمُوا لِلرَّبِّ مَجْدَ اسْمِهِ. اسْجُدُوا لِلرَّبِّ فِي دار قدسه" (مز29: 1- 3).
5- والإنسان في صلواته أيضًا يخاطب نفسه فيقول: "بَارِكِي يَا نَفْسِي الرَّبَّ، وَكُلُّ مَا فِي بَاطِنِي لِيُبَارِكِ اسْمَهُ الْقُدُّوسَ، بَارِكِي يَا نَفْسِي الرَّبَّ، وَلاَ تَنْسَيْ كُلَّ حَسَنَاتِهِ. الَّذِي يَغْفِرُ جَمِيعَ ذُنُوبِكِ. الَّذِي يَشْفِي كُلَّ أَمْرَاضِكِ. الَّذِي يَفْدِي مِنَ الْحُفْرَةِ حَيَاتَكِ" (مز103: 1- 4). ونقول في مزمور آخر: "لماذا أنت حزينة يا نفسي؟ ولماذا تزعجينني. توكلي على الله" (مز42: 5).
وفي قطع صلاة النوم، يخاطب المصلي نفسه ويقول: "توبي يا نفسي ما دمتِ في الأرض ساكنة".
6- بل نحن في صلواتنا نلتفت إلى الشياطين وكل قواتهم ونخاطبهم. فيقول المصلي: "اُبْعُدُوا عَنِّي يَا جَمِيعَ فَاعِلِي الإِثْمِ، لأَنَّ الرَّبَّ قَدْ سَمِعَ صَوْتَ بُكَائِي... فليخز وليضطرب جدًا جميع أعدائي. وليرتدوا إلى ورائهم بالخزي سريعًا – هلليلويا" (مز6).
فهل نحن نصلي لكل هؤلاء؟ هل نحن نصلي للملائكة وللطبيعة وللناس ولأنفسنا وللشياطين. حاشا... إنما نحن نخاطبهم أثناء صلاتنا. وهذا أمر مقبول، وتعليم كتابي. ومن روح المزامير التي قال عنها بولس الرسول: "مَتَى اجْتَمَعْتُمْ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ لَهُ مَزْمُورٌ" (1كو14: 26)، "مُكَلِّمِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا بِمَزَامِيرَ وَتَسَابِيحَ وَأَغَانِيَّ رُوحِيَّةٍ، مُتَرَنِّمِينَ وَمُرَتِّلِينَ فِي قُلُوبِكُمْ لِلرَّبِّ" (أف5: 19) "مُعَلِّمُونَ وَمُنْذِرُونَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، بِمَزَامِيرَ وَتَسَابِيحَ وَأَغَانِيَّ رُوحِيَّةٍ" ( كو3: 16).
ما دمنا نخاطب كل هؤلاء في صلواتنا – حسب تعليم الوحي الإلهي، فليس خطأ إذًا أن نخاطب أمنا العذراء أثناء الصلاة، ولا تعتبر هذه المخاطبة صلاة...
دوام بتولية العذراء
موضوع دوام بتولية العذراء موضوع قديم جدًا. تحدث عنه آباء الكنيسة منذ القرنين الثاني والثالث للميلاد، وكذلك تحدث عنه آباء القرنين الرابع والخامس. وقد سبق في 1962م أن ترجمنا مقالًا للقديس إيرونيموس (ﭽيروم) دافع فيه عن دوام بتولية العذراء ضد رجل يسمى هلفيديوس سنة 383م. وكل الآراء التي يعتمد عليها البروتستانت حاليًا لا تخرج عن آراء هلفيديوس هذا.
ملخص آراء مهاجمي دوام بتولية العذراء
1- عبارة "ابْنَهَا الْبِكْرَ" (لو2: 7) (مت1: 25) معتمدين أن البكر معناه الأول وسط إخوته.
2- عبارة (امْرَأَتَكَ) التي قيلت ليوسف عن العذراء (مت1: 20). وكلمة امرأة عمومًا متى أطلقت على العذراء؟ (مت1: 24).
3- عبارة "وَلَمْ يَعْرِفْهَا حَتَّى وَلَدَتِ" وكذلك "قَبْلَ أَنْ يَجْتَمِعَا، وُجِدَتْ حُبْلَى مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ" (مت1: 18).
4- الآيات التي وردت فيها عبارة "إخوته" عن السيد المسيح مثل (مت12: 46) (يو2: 12) و(مت13: 54- 56) (مر6: 1- 3) (أع1: 14) (غلا1: 18، 19).
وبمعونه الله سنرد في الصفحات المقبلة على كل هذه الاعتراضات.
ابنها البكر
الابن البكر، هو الابن المولود أولًا، حسب ترجمة هذه الكلمة بالإنجليزية First born والكتاب المقدس أوضح في تعريف معنى البكر، إذ يقول الوحي الإلهي، قبل تأسيس الكهنوت الهاروني "قَدِّسْ لِي كُلَّ بِكْرٍ، كُلَّ فَاتِحِ رَحِمٍ مِنَ النَّاسِ وَمِنَ الْبَهَائِمِ. إِنَّهُ لِي" (خر13: 2).
فكان كل فاتح رحم، يصير مقدسًا للرب، مخصصًا للرب، سواء ولد بعده ابن آخر أو لم يولد. ولا ينتظر أبواه إن كان إنسانًا أو مالِكوه إن كان من البهائم حتى يولد له إخوة (يصير بهم بكرًا!!) ثم يخصصونه للرب.
إنما من مولده يصير قدسًا للرب، لا لأنه كبير إخوته، إنما لأنه فاتح رحم. وهكذا يمكن جدًا أن يكون الابن البكر هو الابن الوحيد.
وهكذا كان السيد المسيح: هو الابن البكر، وهو الابن الوحيد وقد صدق القديس ﭽيروم حينما قال: "كل ابن وحيد هو ابن بكر. ولكن ليس كل ابن بكر هو ابن وحيد. إن تعبير البكر لا يشير إلى شخص ولد بعده آخرون. ولكن إلى واحد ليس له مَن يسبقه...
***
ولذلك فإن بكر الحيوانات النجسة كان يقبل فداؤه، مِنِ ابْنِ شَهْرٍ (عدد18: 16، 17). وبكر الحيوانات الطاهرة كان يقدم ذبيحة للرب. وما كانوا ينتظرون حتى يولد أبناء بعده. إنه بكر حتى لو لم يولد بعده، لأنه فاتح رحم.
وهكذا فإن السيد المسيح – كابن بكر للعذراء – قدموا عنه ذبيحة للرب في يوم الأربعين (يوم تطهير العذراء بعد ولادتها) وفي هذا يقول الكتاب عن السيدة العذراء: "وَلَمَّا تَمَّتْ أَيَّامُ تَطْهِيرِهَا حَسَبَ شَرِيعَةِ مُوسَى، صَعِدُوا بِهِ إِلَى أُورُشَلِيمَ لِيُقَدِّمُوهُ لِلرَّبِّ، كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي نَامُوسِ الرَّبِّ: أَنَّ كُلَّ ذَكَرٍ فَاتِحَ رَحِمٍ يُدْعَى قُدُّوسًا لِلرَّبِّ، وَلِكَيْ يُقَدِّمُوا ذَبِيحَةً كَمَا قِيلَ فِي نَامُوسِ الرَّبِّ: زَوْجَ يَمَامٍ أَوْ فَرْخَيْ حَمَامٍ" (لو22:2-24).
واضح أن السيد المسيح طبقت عليه شريعة البكر في يوم الأربعين من مولده، وطبعًا لا علاقة هنا بين البكر وميلاد إخوة آخرين...
وهنا يسأل القديس ﭽيروم : "هل حينما ضرب الرب أبكار المصريين، ضرب فقط الأبكار الذين لهم إخوة، أم كل فاتحي رحم سواء كان لهم أو لم يكن؟!".
عبارة امرأتك
عبارة "امْرَأَتَكَ" تعني زوجتك. وكانت تطلق على المرأة منذ خطوبتها. وفي تفسير قول الملاك ليوسف النجار: "لاَ تَخَفْ أَنْ تَأْخُذَ مَرْيَمَ امْرَأَتَكَ. لأَنَّ الَّذِي حُبِلَ بِهِ فِيهَا هُوَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ" (مت1: 20) يقول القديس يوحنا ذهبي الفم: "هنا يدعو الخطيبة زوجة، كما تعود الكتاب أن يدعو المخطوبين أزواجًا حتى قبل الزواج. ويقول أيضًا: "ماذا تعني عبارة "تأخذ إليك"؟ معناها أن تحفظها في بيتك. كمن قد عهد بها إليك من الله وليس من أبويها؟ لأنه قد عهد بها إليك ليس للزواج، وإنما لتعيش معك، كما عهد بها المسيح نفسه فيما بعد إلى تلميذه يوحنا (تفسير متى: مقالة 4: 11).
والقديس ﭽيروم يقول أيضًا أن لقب (امرأة) أو زوجة كان يمنح أيضًا للمخطوبات. ويستدل على ذلك بقول الكتاب: "إِذَا كَانَتْ فَتَاةٌ عَذْرَاءُ مَخْطُوبَةً لِرَجُلٍ، فَوَجَدَهَا رَجُلٌ فِي الْمَدِينَةِ وَاضْطَجَعَ مَعَهَا. وَارْجُمُوهُمَا بِالْحِجَارَةِ حَتَّى يَمُوتَا. الْفَتَاةُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهَا لَمْ تَصْرُخْ فِي الْمَدِينَةِ، وَالرَّجُلُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ أَذَلَّ امْرَأَةَ صَاحِبِهِ" (تث22: 23، 24) (تث20: 7).
وهنا استخدم الكتاب كلمة امرأة عن العذراء المخطوبة وكلمة امرأة تدل على الأنوثة وليس على الزواج.
والواقع أن حواء سميت أولًا "امْرَأَةً لأَنَّهَا مِنِ امْرِءٍ أُخِذَتْ" (تك2: 23) وسميت "حَوَّاءَ لأَنَّهَا أُمُّ كُلِّ حَيٍّ" (تك3: 20).
فكلمة امرأة تدل على خلقها وأنوثتها. وكلمة حواء تدل على أمومتها.
ودليل أن كلمة امرأة بالنسبة إلى العذراء كانت تدل على خطوبتها وليس زواجها، قول القديس لوقا الإنجيلي "فَصَعِدَ يُوسُفُ أيضًا مِنَ الْجَلِيلِ، لِيُكْتَتَبَ مَعَ مَرْيَمَ امْرَأَتِهِ الْمَخْطُوبَةِ وَهِيَ حُبْلَى" (لو2: 4، 5). إذًا عبارة "لا تخف أن تأخذ مريم امرأتك" معناها خطيبتك...
فمريم دُعيت امرأة ليس لأنها فقدت بتوليتها، حاشا. فالكتاب يشهد أنه لم يعرفها. ولكن دُعيت هكذا، لأن هذا هو التعبير المألوف عند اليهود، أن تدعى الخطيبة امرأة. بل الأنثى كانت تدعى امرأة. بدليل أن حواء عقب خلقها مباشرة دعيت امرأة، قبل الخطية والطرد من الجنة والإنجاب...
ونلاحظ أن الملاك لم يستخدم مع يوسف عبارة امرأتك بعد ميلاد المسيح. وإنما قال له: "قُمْ وَخُذِ الصَّبِيَّ وَأُمَّهُ" (مت2: 13). وفي عودته من مصر قال له: "قُمْ وَخُذِ الصَّبِيَّ وَأُمَّهُ" (مت2: 20). وفعل يوسف هكذا في السفر إلى مصر وفي الرجوع "قَامَ وَأَخَذَ الصَّبِيَّ وَأُمَّهُ" (مت2: 14). ولم يستخدم عبارة امرأته.
عبارة امرأته استخدمت قبل الحمل وأثناءه لكي تحفظ مريم فلا يرجمها اليهود إذ أنها قد حبلت وهي ليست امرأة لرجل. أما بعد ولادة المسيح، فلم يستخدم الوحي الإلهي هذه العبارة، لا بالنسبة إلى كلام الملاك مع يوسف، ولا بالنسبة إلى ما فعله يوسف ولا بالنسبة إلى المجوس الذين "رَأَوْا الصَّبِيَّ مَعَ مَرْيَمَ أُمِّهِ" (مت2: 11) ولا بالنسبة إلى الرعاة الذين "وَجَدُوا مَرْيَمَ وَيُوسُفَ وَالطِّفْلَ مُضْجَعًا" (لو2: 16).
قبل أن يجتمعا
هدف الإنجيلي هو إثبات أن المسيح قد حُبل به من عذراء لم تعرف رجلًا لسببين:
1- لإثبات أن المولود، لم يولد ولادة طبيعية من أبوين كباقي الناس، إنما ولادته من عذراء دليل على لاهوته، إذ يكون قد ولد من الروح القدس. وهذا ما عبر عنه الملاك بقوله: "لأَنَّ الَّذِي حُبِلَ بِهِ فِيهَا هُوَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ" (مت1: 20).
لأن ولادته من عذراء من غير زرع بشر، تجعلنا نؤمن أنه لم يرث الخطية الجدية. وبهذا يكون قادرًا على خلاصنا، لأنه إذ هو بلا خطية يمكن أن يموت عن الخطاة.
لذلك كان تركيز الرسول هو على أن العذراء لم تجتمع برجل قبل ميلاد المسيح لإثبات ميلاده العذراوي. أما كونها بعد ميلاده لم تجتمع برجل فهذا أمر بديهي لا يحتاج إلى إثبات.
لم يعرفها حتى...
عبارة حتى، أو (إلى أن) Until تنسحب على ما قبلها، ولا تعني عكسها فيما بعد.
ومثال ذلك قول الكتاب عن ميكال ابنه شاول الملك: "وَلَمْ يَكُنْ لِمِيكَالَ بِنْتِ شَاوُلَ وَلَدٌ حتى ماتت" (2صم6: 23)، وطبعًا بعد أن ماتت لم يكن لها ولد... وقول السيد المسيح: "هَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ" (مت28: 20). وطبعًا بعد انقضاء الدهر (متى سيظل معنا)، وكذلك قول الرب للمسيح: "اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ" (مز110). وطبعًا بعد هذا سيظل عن يمينه...
والأمثلة من هذا النوع كثيرة جدًا...
إذًا كلمة حتى لا تعني بالضرورة عكس ما بعدها.
فيوسف لم يعرف مريم حتى ولدت ابنها البكر. ولا بعد أن ولدته عرفها أيضًا. لأنه إن كان قد احتشم عن أن يمسها قبل ميلاد المسيح، فكم بالأولى بعد ولادته، وبعد أن رأى المعجزات والملائكة والمجوس وتحقق النبوءات وعلم يقينًا أنه مولود من الروح القدس، وأنه ابن العلي يدعى، وأنه القدوس وعمانوئيل والمخلص.
وأنه هو الذي تحققت فيه نبوءة إشعياء النبي القائل: "هَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا وَتَدْعُو اسْمَهُ عِمَّانُوئِيلَ" (إش7: 14). وأيضًا "لأَنَّهُ يُولَدُ لَنَا وَلَدٌ وَنُعْطَى ابْنًا، وَتَكُونُ الرِّيَاسَةُ عَلَى كَتِفِهِ، وَيُدْعَى اسْمُهُ عَجِيبًا، مُشِيرًا، إِلهًا قَدِيرًا، أَبًا أَبَدِيًّا، رَئِيسَ السَّلاَمِ. لِنُمُوِّ رِيَاسَتِهِ، وَلِلسَّلاَمِ لاَ نِهَايَةَ عَلَى كُرْسِيِّ دَاوُدَ وَعَلَى مَمْلَكَتِهِ" (إش9: 6، 7). ولعل هذا الجزء الأخير هو الذي اقتبسه الملاك في بشارته للعذراء (لو1: 31- 33).
عبارة "إخوته"
عبارة أخ في التعبير اليهودي قد تدل على القرابة الشديدة كما تدل على الأخ ابن الأب أو الأم أو كليهما. والأمثلة على ذلك كثيرة منها:
1- ما قيل عن إخوة بين يعقوب وخاله لابان
يقول الكتاب عن مقابلة يعقوب وراحيل: "فَكَانَ لَمَّا أَبْصَرَ يَعْقُوبُ رَاحِيلَ بِنْتَ لاَبَانَ خَالِهِ، وَغَنَمَ لاَبَانَ خَالِهِ، أَنَّ يَعْقُوبَ تَقَدَّمَ وَدَحْرَجَ الْحَجَرَ عَنْ فَمِ الْبِئْرِ وَسَقَى غَنَمَ لاَبَانَ خَالِهِ. وَقَبَّلَ يَعْقُوبُ رَاحِيلَ وَرَفَعَ صَوْتَهُ وَبَكَى. وَأَخْبَرَ يَعْقُوبُ رَاحِيلَ أَنَّهُ أَخُو أَبِيهَا" (تك29: 10- 12). مع أن أباها هو خاله، وقد تكررت عبارة خاله في هذا النص مرات كثيرة.
وهنا استعملت كلمة أخ للدلالة على القرابة الشديدة.
وبنفس الأسلوب تكلم لابان مع يعقوب لما سأله عن أجرته، إذ قال له: "أَلأَنَّكَ أَخِي تَخْدِمُنِي مَجَّانًا؟ أَخْبِرْنِي مَا أُجْرَتُكَ" (تك29: 15) وهكذا قال لابان عن يعقوب أنه أخوه مع أنه ابن أخته.
2- مثال أبرام ولوط
كان لوط ابن أخي أبرام (ابن هاران أخيه) (تك11: 31). ومع ذلك يقول الكتاب عن سبي لوط مع أهل سَدوم "فَلَمَّا سَمِعَ أَبْرَامُ، أَنَّ أَخَاهُ سُبِيَ جَرَّ غِلْمَانَهُ الْمُتَمَرِّنِينَ" (تك14: 14). فاعتبر أن لوط أخوه مع أنه ابن أخيه. ولكنها القرابة الشديدة.
وبنفس الأسلوب قيل "إخوة يسوع" عن أولاد خالته كما سنبيّن الآن:
مَن هم إخوة الرب؟
لما ذهب السيد إلى وطنه تعجبوا قائلين: "أَلَيْسَ هذَا ابْنَ النَّجَّارِ؟ أَلَيْسَتْ أُمُّهُ تُدْعَى مَرْيَمَ، وَإِخْوَتُهُ يَعْقُوبَ وَيُوسِي وَسِمْعَانَ وَيَهُوذَا؟ أَوَلَيْسَتْ أَخَوَاتُهُ جَمِيعُهُنَّ عِنْدَنَا؟" (مت13: 54- 56) (مر6: 1- 3). والقديس بولس الرسول يذكر أنه رأى "يَعْقُوبَ أَخَا الرَّبِّ" (غلا1: 19). ويعقوب هذا يسمونه يعقوب الصغير (مر15: 40) لتمييزه عن يعقوب بن زبدي. ويدعى أيضًا يعقوب ابن حلفى (مت10: 3) وكان من الرسل كما ورد في (غلا1: 19).
والقديس متى الرسول يذكر أنه عند صليب الرب "نِسَاءٌ كَثِيرَاتٌ يَنْظُرْنَ مِنْ بَعِيدٍ، وَبَيْنَهُنَّ مَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ، وَمَرْيَمُ أُمُّ يَعْقُوبَ وَيُوسِي، وَأُمُّ ابْنَيْ زَبْدِي" (مت27: 55، 56). فمن هي مريم أم يعقوب ويوسي هذه؟ هل هي مريم العذراء؟ وهل يعقل أن العذراء أنجبت كل هذه المجموعة الكبيرة من الأبناء؟
إنها مريم زوجة حلفى أو كلوبا، التي قال عنها الرسول: "وَكَانَتْ وَاقِفَاتٍ عِنْدَ صَلِيبِ يَسُوعَ، أُمُّهُ، وَأُخْتُ أُمِّهِ مَرْيَمُ زَوْجَةُ كِلُوبَا، وَمَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ" (يو19: 25) قارن مع (مت27: 5، 56). مريم أم يعقوب ويوسي كانت مع مريم المجدلية عند صليب المسيح (مت27: 55- 56). وهما نفسهما: مريم المجدلية ومريم أم يعقوب ويوسي كانتا واقفتين وقت الدفن "تَنْظُرَانِ أَيْنَ وُضِعَ" (مر15: 47). وهما أيضًا أحضرتا حنوطًا بعدما مضى السبت (مر16: 1). وهما أيضًا كانتا واقفتين عند الصليب مع مريم أمه. وهما اللتان قصدهما يوحنا الإنجيلي بقوله: "وَكَانَتْ وَاقِفَاتٍ عِنْدَ صَلِيبِ يَسُوعَ، أُمُّهُ، وَأُخْتُ أُمِّهِ مَرْيَمُ زَوْجَةُ كِلُوبَا، وَمَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ" (يو19: 25).
إذًا إخوة الرب يسوع هم أولاد خالته مريم زوجة كلوبا أو حلفى أم يعقوب ويوسي وباقي الإخوة.
أما عن الخلاف بين اسم حلفى واسم كلوبا، فإما أن يكون خلافًا في النطق أو كما قال القديس ﭽيروم : "من عادة الكتاب أن يحمل الشخص الواحد أكثر من اسم فرعوئيل حمو موسى (خر2: 18). يدعى أيضًا يثرون (خر4: 18)، وجدعون يدعى يربعل (قض6: 32). وبطرس دعي أيضًا سمعان وصفا، ويهوذا الغيور دعيّ تداوس (مت10: 3). واضح إذًا أن مريم أم يعقوب ويوسي ليست هي مريم العذراء ولم يحدث مطلقًا أن الكتاب دعاها بهذا الاسم.
ملاحظات
1- من غير المعقول أن يكون لمريم أم المسيح كل هؤلاء الأبناء، ويعهد بها الرب على الصليب إلى يوحنا تلميذه. لا شك أن أولادها كانوا أولى بها لو كان لها أولاد...
2- نلاحظ في أسفار يوسف ومريم في الذهاب إلى مصر والرجوع منها، لم يذكر اسم أي ابن لمريم غير"يسوع" (مت2: 14، 20، 21). وكذلك في الرحلة إلى أورشليم وعمره 12 سنة (لو2: 43).
3- وليس صحيحًا ما يقوله البعض أن (إخوة يسوع) هم أبناء ليوسف من امرأة أخرى ترمل بموتها. فالكتاب يذكر أن مريم أم يعقوب ويوسي كانت حاضرة صلب المسيح ودفنه كما ذكرنا (مر15: 47).
4- وهناك نص كتابي واضح في نبوءة حزقيال يؤيد دوام بتولية العذراء. لقد رأى حزقيال النبي بابًا مغلقًا في المشرق. وقيل له: "هذَا الْبَابُ يَكُونُ مُغْلَقًا، لاَ يُفْتَحُ وَلاَ يَدْخُلُ مِنْهُ إِنْسَانٌ، لأَنَّ الرَّبَّ إِلهَ إِسْرَائِيلَ دَخَلَ مِنْهُ فَيَكُونُ مُغْلَقًا" (حز44: 2).
إنه رحم العذراء الذي دخل منه الرب، فظل مغلقًا لم يدخله ابن آخر لها.
الصوم
الصوم
واضح أن الصوم لم يكن رمزًا، إنما هو وصية قائمة في العهد القديم، كما هي قائمة في العهد الجديد. والبروتستانت لا ينكرونه بصفة مطلقة، إنما يلغونه تقريبًا من الناحية العملية.
وهنا سوف لا أتكلم عن الصوم بصفة عامة، وأهميته وفائدته، وروحانياته فهذا كله يمكن قراءته في كتابنا "روحانية الصوم". إنما أريد أن أركز على نقط الخلاف بيننا وبين البروتستانت في موضوع الصوم.
نقطة الخلاف مع البروتستانت
1- يقول البروتستانت أن الصوم ينبغي أن يكون في الخفاء، بين الإنسان والله، عملًا بوصية الرب في العظة على الجبل (مت6: 17، 18).
2- ليست للبروتستانت أصوام ثابتة يصومها جميع المؤمنين، في مواعيد محددة لها، وفي مناسبات خاصة بها. إنما الصوم عندهم – في غالبيته – عمل فردي، يصوم الفرد منهم متى شاء، وكيف شاء، ولا سلطان للكنيسة عليه في هذا، ولا تدخل لها في صومه.
3- يعتمدون على فهم خاطئ للآية التي تقول: "فَلاَ يَحْكُمْ عَلَيْكُمْ أَحَدٌ فِي أَكْل أَوْ شُرْبٍ، أَوْ مِنْ جِهَةِ عِيدٍ أَوْ هِلاَل أَوْ سَبْتٍ، الَّتِي هِيَ ظِلُّ الأُمُورِ الْعَتِيدَةِ، وَأَمَّا الْجَسَدُ فَلِلْمَسِيحِ" (كو2: 16، 17).
4- لا يوافقون في الصوم على الطعام النباتي، والامتناع عن الأطعمة الحيوانية ويتهموننا بأننا في ذلك ينطبق علينا على الأقل الجزء الأخير من الآية التي تقول: "فِي الأَزْمِنَةِ الأَخِيرَةِ يَرْتَدُّ قَوْمٌ عَنِ الإِيمَانِ، مَانِعِينَ عَنِ الزِّوَاجِ، وَآمِرِينَ أَنْ يُمْتَنَعَ عَنْ أَطْعِمَةٍ قَدْ خَلَقَهَا اللهُ لِتُتَنَاوَلَ بِالشُّكْرِ" (1تي4: 1- 3).
اعتراض الصوم في الخفاء
الصوم في الخفاء بالعبادة الفردية وليس بالعبادة الجماعية. لأنه يوجد هذان النوعان من العبادة...
أ) ففي الصلاة مثلًا: توجد الصلاة الفردية، التي تصليها في مخدعك، ولأبيك الذي يرى في الخفاء. هذا لا يمنع وجود الصلاة الجماعية التي تصليها معًا كل جماعة المؤمنين بروح واحدة ونفس واحدة وصوت واحد. وأمثلتها كثيرة في العهد الجديد. منها صلاة المؤمنين بعد إطلاق الرسولين بطرس ويوحنا من السجن: "فَلَمَّا سَمِعُوا، رَفَعُوا بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ صَوْتًا إِلَى اللهِ وَقَالُوا.." (أع4: 24).
طبعًا مثل هذه الصلاة لا تنطبق عليها وصية الرب الخاصة بالصلاة في الخفاء (مت6: 6)
بـ) كذلك في الصدقة: يوجد عطاء في الخفاء كعمل فردي، لا تجعل فيه شمالك تعرف ما تفعله يمينك (مت6: 3). ولكن هذا لا يمنع العطاء العام الذي يجمع من الكل، كما جمع داود النبي من أجل بناء الهيكل وذكر ما قدمه هو بالتفصيل، وما قدمه رؤساء الآباء، ورؤساء الأسباط، ورؤساء الألوف والمئات، ورؤساء أشغال الملك (1أي29: 3- 9). ومثل هذا العطاء ما كان الناس يضعونه في الخزانة، كالتي وضعت فلسين في الصندوق (لو21: 1، 2).
جـ) كذلك في الصوم: يوجد الصوم الفردي في الخفاء. وهذا لا يمنع الصوم العام، لكي يشترك كل المؤمنين معًا في صومهم. فهل الصوم الجماعي تعليم كتابي أم لا؟
اعتراض الصوم الجماعي
هناك أمثلة كثيرة في الكتاب عن الصوم الجماعي: ومنها:
أ) صوم الشعب أيام أستير: الشعب كله صام معًا، في وقت واحد، من أجل غرض واحد، وبصلاة وطلبة واحدة إلى الله. وقَبل الرب صومهم، واستجاب لهم (أس 4).
بـ) صوم أهل نينوي: الكل صاموا معًا، وليس في الخفاء. وقبل الرب صومهم فغفر لهم خطاياهم (يون 3).
جـ) صوم الشعب أيام عزرا، ونحميا: يقول نحميا: "وَفِي الْيَوْمِ الرَّابعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ هذَا الشَّهْرِ اجْتَمَعَ بَنُو إِسْرَائِيلَ بِالصَّوْمِ، وَعَلَيْهِمْ مُسُوحٌ وَتُرَابٌ" (نح9: 1).
ويقول عزرا: "وَنَادَيْتُ هُنَاكَ بِصَوْمٍ عَلَى نَهْرِ أَهْوَا لِكَيْ نَتَذَلَّلَ أَمَامَ إِلهِنَا لِنَطْلُبَ مِنْهُ طَرِيقًا مُسْتَقِيمَةً لَنَا وَلأَطْفَالِنَا وَلِكُلِّ مَالِنَا" (عز8: 21).
د) الصوم أيام يوئيل: ورد فيه "الآنَ، يَقُولُ الرَّبُّ، ارْجِعُوا إِلَيَّ بِكُلِّ قُلُوبِكُمْ، وَبِالصَّوْمِ وَالْبُكَاءِ وَالنَّوْحِ"... قَدِّسُوا صَوْمًا. نَادُوا بِاعْتِكَافٍ. اِجْمَعُوا الشَّعْبَ. قَدِّسُوا الْجَمَاعَةَ لِيَخْرُجِ الْعَرِيسُ مِنْ مِخْدَعِهِ وَالْعَرُوسُ مِنْ حَجَلَتِهَا" (يوئيل2: 12- 17).
ه) وفي العهد الجديد: صوم الرسل: لما سئل السيد المسيح لماذا لا يصوم تلاميذه؟ أجاب بأنه "حِينَ يُرْفَعُ الْعَرِيسُ عَنْهُمْ، فَحِينَئِذٍ يَصُومُونَ" (مت9: 15). وقد صاموا فعلًا، معًا وليس في الخفاء. وقبل الله صومهم ومن أمثلة صوم الآباء الرسل، قول الكتاب: "وَبَيْنَمَا هُمْ يَخْدِمُونَ الرَّبَّ وَيَصُومُونَ، قَالَ الرُّوحُ الْقُدُسُ: أَفْرِزُوا لِي بَرْنَابَا وَشَاوُلَ لِلْعَمَلِ الَّذِي دَعَوْتُهُمَا إِلَيْهِ. فَصَامُوا حِينَئِذٍ وَصَلُّوا وَوَضَعُوا عَلَيْهِمَا الأَيَادِيَ" (أع13: 2، 3).
و) والقديس بولس الرسول صام صومًا كثيرًا وكل أهل السفينة (أع27: 21).
الصوم الجماعي مقبول إذًا، وهو تعليم كتابي، ويدل على وحدانية الروح في العبادة وفي التقرب إلى الله، وبخاصة إذا كان غرض الصوم أمرًا يهم الجماعة كلها أو إذا كانت تشترك في الصوم، كما في الصلاة بروح واحد.
وليس في الصوم الجماعي رياء: لأنه ليس أحد مميزًا على غيره فيه. أما درجة الصوم وأعماقه بالنسبة إلى كل فرد، فهذه تكون في الخفاء.
وفي العهد الجديد لا يوجد نص واحد يمنع الصوم الجماعي.
اعتراض على مواعيد الصوم
إن الصوم في مواعيد محددة هو أيضًا تعليم كتابي، كما حدد الرب – في سفر زكريا النبي – "صَوْمَ الشَّهْرِ الرَّابِعِ وَصَوْمَ الْخَامِسِ وَصَوْمَ السَّابعِ وَصَوْمَ الْعَاشِرِ" (زك8: 19). ولعل الحكمة في تحديد مواعيد الصوم هو تنظيم العبادة الجماعية.
وفي المسيحية أخذت مناسبات الصوم طابعًا مسيحيًا، لكل منه حكمته وتأثيره وهدفه الروحي.
"لا يحكم عليكم أحد"
لم يقل الرسول: "لا يحكم أحد عليكم في صوم" إنما قال: "لاَ يَحْكُمْ عَلَيْكُمْ أَحَدٌ فِي أَكْل أَوْ شُرْبٍ". وكان المقصود بذلك المحرمات في الأطعمة بالنسبة إلى اليهود، كأصناف الطعام التي كانوا ينجسونها.
وهذا يذكرنا بالرؤيا التي رآها القديس بطرس الرسول في قصة هداية كرنيليوس، لما رأى ملاءة عظيمة وعليها كل أنواع الأطعمة، وسمع صوتًا يقول له اذبح وكل. فقال بطرس: "كَلاَّ يَا رَبُّ! لأَنِّي لَمْ آكُلْ قَطُّ شيئًا دَنِسًا أَوْ نَجِسًا، فَصَارَ إِلَيْهِ أيضًا صَوْتٌ ثَانِيَةً: مَا طَهَّرَهُ اللهُ لاَ تُدَنِّسْهُ أَنْتَ" (أع10: 11- 15).
عن هذه الأطعمة المعتبرة نجسة ودنسة، قال بولس الرسول: "لاَ يَحْكُمْ عَلَيْكُمْ أَحَدٌ فِي أَكْل أَوْ شُرْبٍ". وذلك لأنه في مبدأ الإيمان بالمسيحية، كان أول من دخل المسيحية هم اليهود، فأرادوا تهويد المسيحية، أي أن تدخل في المسيحية كل العادات اليهودية مثل النجاسات والتطهير. وكذلك ما يخص اليهودية من حفظ السبت، والاحتفال بالهلال وأوائل الشهور، والأعياد اليهودية كما هي (مثل الفصح، والفطير، والأبواق، والمظال، ويوم الكفارة). فأراد بولس مقاومة تهويد المسيحية. ولذلك قال: "فَلاَ يَحْكُمْ عَلَيْكُمْ أَحَدٌ فِي أَكْل أَوْ شُرْبٍ، أَوْ مِنْ جِهَةِ عِيدٍ أَوْ هِلاَل أَوْ سَبْتٍ الَّتِي هِيَ ظِلُّ الأُمُورِ الْعَتِيدَةِ" (كو2: 16، 17).
إذًا لم تكن مناسبة حديث عن الصوم، إنما عن العادات اليهودية التي يريدون إدخالها إلى المسيحية.
اعتراض الطعام النباتي
أ) نحب أن نقول أولًا أن الصوم في كنيستنا ليس هو مجرد طعام نباتي، إنما هو انقطاع عن الطعام فترة معينة يعقبها أكل نباتي (خال من الدسم الحيواني).
بـ) الطعام النباتي كان الطعام الذي قدمه الرب لآدم وحواء في الفردوس (تك1: 29) وبعد الخطية أيضًا (تك3: 18). وكانت الحيوانات كلها تأكل طعامًا نباتيًا هو العشب (تك1: 30).
جـ) لم يسمح الكتاب بأكل اللحم إلا بعد فلك نوح (تك9: 2، 3) وكان العالم قد هبط مستواه جدًا للدرجة التي ألجأت الرب إلى الطوفان.
د) لما قاد الرب شعبه في برية سيناء، قدم لهم طعامًا نباتيًا هو المن (عد11: 7، 8) ولم يسمح بأكل اللحم (السلوى) إلا بعد تذمرهم وبكائهم وهبوط مستواهم. ومع عطية اللحم ضربهم ضربة شديدة. فمات منهم كثيرون (عد11: 33) وسميّ ذلك المكان قَبَرُوتَ هَتَّأَوَةَ (أي قبور الشهوة) لأنهم هناك اشتهوا أكل اللحم.
ه) ونلاحظ أن الطعام النباتي هو الطعام الذي أكله دانيال النبي والثلاثة فتية وبارك الرب طعامهم، وصارت صحتهم أفضل من كل غلمان الملك (دا1: 12- 15).
ولعل الحكمة في استخدام الطعام النباتي هو أمران: استخدام الأطعمة الخفيفة البعيدة عن الشهوة والتي لا تثير الجسد، كما أن الطعام النباتي كان النظام الأصلي الذي وضعه الله للإنسان.
اعتراض "مانعين عن أطعمة"
الكتاب في النص الذي اعتمد عليه البروتستانت، لا يتحدث عن نظام في الكنيسة، إنما يقول: "يَرْتَدُّ قَوْمٌ عَنِ الإِيمَانِ، تَابِعِينَ أَرْوَاحًا مُضِلَّةً وَتَعَالِيمَ شَيَاطِينَ، مَانِعِينَ عَنِ الزِّوَاجِ، وَآمِرِينَ أَنْ يُمْتَنَعَ عَنْ أَطْعِمَةٍ قَدْ خَلَقَهَا اللهُ لِتُتَنَاوَلَ بِالشُّكْرِ" (1تي4: 1- 3).
ولعل المقصود بهذا المانيين والمونتانيين الذين حَرَموا الزواج، وحرموا اللحم، وحرموا الخمر، وقد حرمتهم الكنيسة وشجبت كل ما نشروه من بدع.
والكنيسة لا تحرم اللحوم وما ينتمي إليها إنما تمتنع عنها في الصوم نسكًا وليس لأنها نجسة. بدليل أن الصائمين يأكلون هذه الأطعمة حينما يفطرون.
إن دانيال أكل القطاني فقط وامتنع عن باقي الأطعمة، ولم يقع تحت حكم هذه الآيات. وكذلك يوحنا المعمدان في كل ما امتنع عنه من أطعمة وكذلك النساك في كل زمان ومكان.
إن النُسك – ولوقت محدد – شيء، وتحريم الأطعمة شيء آخر...
بقي أن نقول نقطة أخيرة هامة وهي:
تنظيم الصوم وسلطة الكنيسة
إن الكنيسة نظمت الصوم، ووضعت له أسسه الروحية، ومواعيده الثابتة المبنية على قواعد روحية ليس الآن مجالها. وهكذا احتفظت بالصوم، وبقي كعمل روحي لا يستغني عنه أحد.
والكنيسة من حقها أن تنظم، بل من واجبها أن تنظم، من أجل صالح جماعة المؤمنين لكي يعبدوا الله جميعًا بروح واحدة. وهي تعتمد في ذلك على قول الرب لقادتها: "كُلُّ مَا تَرْبِطُونَهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَرْبُوطًا فِي السَّمَاءِ، وَكُلُّ مَا تَحُلُّونَهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَحْلُولًا فِي السَّمَاءِ" (مت18: 18).
وهكذا يستند التنظيم الكنسي على نص كتابي.
أما الإخوة البروتستانت، فمن أجل حرية الفرد، أضاعوا فائدة الجماعة كلها واختفى الصوم تقريبًا عندهم. وهو واسطة روحية لا يناقش أحد في مدى نفعها.
والنظام عمومًا نافع للفرد، ولا يعتبر مانعًا لحريته، بل هو منظم لاستخدامها.
الحكم الألفي
الحكم الألفي
الرأي البروتستانتي
يعتقد إخوتنا البروتستانت أن السيد المسيح سوف يأتي ويحكم ألف سنة على الأرض.
ويعتمدون على ما ورد في سفر الرؤيا: "وَرَأَيْتُ مَلاَكًا نَازِلًا مِنَ السَّمَاءِ مَعَهُ مِفْتَاحُ الْهَاوِيَةِ، وَسِلْسِلَةٌ عَظِيمَةٌ عَلَى يَدِهِ. فَقَبَضَ عَلَى التِّنِّينِ، الْحَيَّةِ الْقَدِيمَةِ، الَّذِي هُوَ إِبْلِيسُ وَالشَّيْطَانُ، وَقَيَّدَهُ أَلْفَ سَنَةٍ، وَطَرَحَهُ فِي الْهَاوِيَةِ وَأَغْلَقَ عَلَيْهِ، وَخَتَمَ عَلَيْهِ لِكَيْ لاَ يُضِلَّ الأُمَمَ فِي مَا بَعْدُ، حَتَّى تَتِمَّ الأَلْفُ السَّنَةِ. وَبَعْدَ ذلِكَ لاَ بُدَّ أَنْ يُحَلَّ زَمَانًا يَسِيرًا" (رؤ20: 1- 3)، "ثُمَّ مَتَى تَمَّتِ الأَلْفُ السَّنَةِ يُحَلُّ الشَّيْطَانُ مِنْ سِجْنِهِ، وَيَخْرُجُ لِيُضِلَّ الأُمَمَ الَّذِينَ... وَإِبْلِيسُ الَّذِي كَانَ يُضِلُّهُمْ طُرِحَ فِي بُحَيْرَةِ النَّارِ وَالْكِبْرِيتِ" (رؤ20: 7- 10).
ويرون أن الألف سنة ستكون أزمنة سلام.
ويعتمدون على ما ورد في سفر إشعياء النبي: "يَسْكُنُ الذِّئْبُ مَعَ الْخَرُوفِ، وَيَرْبُضُ النَّمِرُ مَعَ الْجَدْيِ. وَيَلْعَبُ الرَّضِيعُ عَلَى سَرَبِ الصِّلِّ، وَيَمُدُّ الْفَطِيمُ يَدَهُ عَلَى جُحْرِ الأُفْعُوَانِ... لاَ يَسُوؤُونَ وَلاَ يُفْسِدُونَ فِي كُلِّ جَبَلِ قُدْسِي، لأَنَّ الأَرْضَ تَمْتَلِئُ مِنْ مَعْرِفَةِ الرَّبِّ" (إش11: 6- 9). وأيضًا "فَيَطْبَعُونَ سُيُوفَهُمْ سِكَكًا وَرِمَاحَهُمْ مَنَاجِلَ. لاَ تَرْفَعُ أُمَّةٌ عَلَى أُمَّةٍ سَيْفًا، وَلاَ يَتَعَلَّمُونَ الْحَرْبَ فِي مَا بَعْدُ" (إش2: 4).
الـردود
الرد الأول: أن مجيء المسيح سيكون للدينونة
وهذا ما نقوله في قانون الإيمان "يأتي في مجده ليدين الأحياء والأموات، الذي ليس لملكه انقضاء".
ويبنى هذا على تعليم الكتاب المقدس إذ قيل في الإنجيل: "فَإِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ سَوْفَ يَأْتِي فِي مَجْدِ أَبِيهِ مَعَ مَلاَئِكَتِهِ، وَحِينَئِذٍ يُجَازِي كُلَّ وَاحِدٍ حَسَبَ عَمَلِهِ" (مت16: 27) "وَيُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ آتِيًا عَلَى سَحَاب السَّمَاءِ بِقُوَّةٍ وَمَجْدٍ كَثِيرٍ فَيُرْسِلُ مَلاَئِكَتَهُ بِبُوق عَظِيمِ الصَّوْتِ، فَيَجْمَعُونَ مُخْتَارِيهِ مِنَ الأَرْبَعِ الرِّيَاحِ، مِنْ أَقْصَاءِ السَّمَاوَاتِ إِلَى أَقْصَائِهَا" (مت24: 30، 31).
وأيضًا "وَمَتَى جَاءَ ابْنُ الإِنْسَانِ فِي مَجْدِهِ وَجَمِيعُ الْمَلاَئِكَةِ الْقِدِّيسِينَ مَعَهُ، فَحِينَئِذٍ يَجْلِسُ عَلَى كُرْسِيِّ مَجْدِهِ. وَيَجْتَمِعُ أَمَامَهُ جَمِيعُ الشُّعُوبِ، فَيُمَيِّزُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ كَمَا يُمَيِّزُ الرَّاعِي الْخِرَافَ مِنَ الْجِدَاءِ. فَيُقِيمُ الْخِرَافَ عَنْ يَمِينِهِ وَالْجِدَاءَ عَنِ الْيَسَارِ فَيَمْضِي هؤُلاَءِ إِلَى عَذَاب أَبَدِيٍّ وَالأَبْرَارُ إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ" (مت25: 31- 46).
وأيضًا "هكَذَا يَكُونُ فِي انْقِضَاءِ هذَا الْعَالَمِ يُرْسِلُ ابْنُ الإِنْسَانِ مَلاَئِكَتَهُ فَيَجْمَعُونَ مِنْ مَلَكُوتِهِ جَمِيعَ الْمَعَاثِرِ وَفَاعِلِي الإِثْمِ، وَيَطْرَحُونَهُمْ فِي أَتُونِ النَّارِ. هُنَاكَ يَكُونُ الْبُكَاءُ وَصَرِيرُ الأَسْنَانِ. حِينَئِذٍ يُضِيءُ الأَبْرَارُ كَالشَّمْسِ فِي مَلَكُوتِ أَبِيهِمْ" (مت13: 40- 42).
ونفس الوضع نجده في مثل العشر العذارى، وفي مثل أصحاب الوزنات. الرب يجيء للدينونة.
فيقول لصاحب الخمس وزنات مثلًا: "نِعِمَّا أَيُّهَا الْعَبْدُ الصَّالِحُ وَالأَمِينُ! كُنْتَ أَمِينًا فِي الْقَلِيلِ فَأُقِيمُكَ عَلَى الْكَثِيرِ. اُدْخُلْ إِلَى فَرَحِ سَيِّدِكَ" (مت25: 21). أما عن العبد البطال، فيقول: "اطْرَحُوهُ إِلَى الظُّلْمَةِ الْخَارِجِيَّةِ، هُنَاكَ يَكُونُ الْبُكَاءُ وَصَرِيرُ الأَسْنَانِ" (مت25: 30). وبنفس أسلوب الدينونة حكم على العذارى الجاهلات بينما دخلت معه الحكيمات (مت25: 10، 11).
وعن مجيء الرب للدينونة يقول الكتاب: "يَسْمَعُ جَمِيعُ الَّذِينَ فِي الْقُبُورِ صَوْتَهُ. فَيَخْرُجُ الَّذِينَ فَعَلُوا الصَّالِحَاتِ إِلَى قِيَامَةِ الْحَيَاةِ، وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَى قِيَامَةِ الدَّيْنُونَةِ" (يو5: 28، 29).
والسيد المسيح يؤيد هذه الحقيقة فيقول: "هَا أَنَا آتِي سَرِيعًا وَأُجْرَتِي مَعِي لأُجَازِيَ كُلَّ وَاحِدٍ كَمَا يَكُونُ عَمَلُهُ" (رؤ22: 12)
فإن كان المسيح يأتي للدينونة، فما معنى مجيئه للحكم الألفي؟
في هذه الحالة، سيكون للرب ثلاثة مجيئات!!
مجيء للتجسد والفداء، ومجيء للحكم الألفي، ومجيء للدينونة. والمناداة بثلاثة مجيئات أمر لا يقبله أحد، وضد التعليم المسيحي، الذي ينتظر المجيء الثاني ومعه الدينونة وانقضاء الدهر (مت13: 40) أي نهاية العالم...
ثم ما معنى أن يملك على الأرض ألف سنة يسودها السلام، ثم يعقب ذلك خراب؟
ما معنى أن يأتي الرب إلى العالم، ويحكم ألف سنة على الأرض، كلها سلام بين الناس، بل أيضًا سلام بين الإنسان والحيوان، ثم يكون نهايتها خراب هذا العالم كله: "تَزُولَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ" (مت5: 18) وكما يقول القديس يوحنا الرائي: "ثُمَّ رَأَيْتُ سَمَاءً جَدِيدَةً وَأَرْضًا جَدِيدَةً، لأَنَّ السَّمَاءَ الأُولَى وَالأَرْضَ الأُولَى مَضَتَا، وَالْبَحْرُ لاَ يُوجَدُ فِي مَا بَعْدُ" (رؤ21: 1). وكما قال القديس بطرس الرسول عن مجيء الرب: "وَلكِنْ سَيَأْتِي كَلِصٍّ فِي اللَّيْلِ، يَوْمُ الرَّبِّ، الَّذِي فِيهِ تَزُولُ السَّمَاوَاتُ بِضَجِيجٍ، وَتَنْحَلُّ الْعَنَاصِرُ مُحْتَرِقَةً، وَتَحْتَرِقُ الأَرْضُ وَالْمَصْنُوعَاتُ الَّتِي فِيهَا" (2بط3: 10).
وما معنى أن الألف سنة، سنوات السلام، يعقبها خراب روحي؟
فيخرج الشيطان من سجنه ليضلِّ الأمم (رؤ20: 7، 8). ثم يأتي الارتداد العام، "وَيُسْتَعْلَنْ إِنْسَانُ الْخَطِيَّةِ الْمُقَاوِمُ وَالْمُرْتَفِعُ عَلَى كُلِّ مَا يُدْعَى إِلهًا... الَّذِي مَجِيئُهُ بِعَمَلِ الشَّيْطَانِ، بِكُلِّ قُوَّةٍ، وَبِآيَاتٍ وَعَجَائِبَ كَاذِبَةٍ" (2تس2: 3- 9). "سَيَقُومُ مُسَحَاءُ كَذَبَةٌ وَأَنْبِيَاءُ كَذَبَةٌ وَيُعْطُونَ آيَاتٍ عَظِيمَةً وَعَجَائِبَ، حَتَّى يُضِلُّوا لَوْ أَمْكَنَ الْمُخْتَارِينَ أيضًا" (مت24: 24). حتى أن الرب يقول: "وَلَوْ لَمْ تُقَصَّرْ تِلْكَ الأَيَّامُ لَمْ يَخْلُصْ جَسَدٌ. وَلكِنْ لأَجْلِ الْمُخْتَارِينَ تُقَصَّرُ تِلْكَ الأَيَّامُ" (مت24: 22).
ما فائدة ملك ألفي، يعقبه كل هذا الخراب المادي والروحي؟
وهل يعقل أن سنوات من السلام في ملك المسيح، ألف سنة، تكون نتيجتها هذا الضلال المريع، الذي لو لم تقصر أيامه لا يخلص أحد؟
وما الذي تكون الأرض قد استفادته من ملك المسيح ألف سنة؟
هل معقول أن بشرًا يملكهم المسيح ألف سنة بكل تأثيره الروحي، يستطيع الشيطان بعد ذلك أن يضلهم، ويوصلهم إلى الارتداد العام، ويهلك كل ملك المسيح فيهم. من يعقل هذا الكلام؟
نحن نعرف أيضًا أن المسيح قد رفض الملك الأرضي:
فلما دخل أورشليم في يوم أحد الشعانين، ونادوا به كملك قائلين: "أُوصَنَّا لابْنِ دَاوُدَ! مُبَارَكٌ الآتِي بِاسْمِ الرَّبِّ" (مت21: 9) "مُبَارَكَةٌ مَمْلَكَةُ أَبِينَا دَاوُدَ الآتِيَةُ بِاسْمِ الرَّبِّ" (مر11: 10).
وبعد معجزة الخمس خبزات يقول الكتاب: "قَالُوا: إِنَّ هذَا هُوَ بِالْحَقِيقَةِ النَّبِيُّ الآتِي إِلَى الْعَالَمِ. وَأَمَّا يَسُوعُ فَإِذْ عَلِمَ أَنَّهُمْ مُزْمِعُونَ أَنْ يَأْتُوا وَيَخْتَطِفُوهُ لِيَجْعَلُوهُ مَلِكًا، انْصَرَفَ أيضًا إِلَى الْجَبَلِ وَحْدَهُ" (يو6: 14، 15).
لقد رفض المسيح تجربة الملك. رفض جميع ممالك العالم ومجدها. كانت تجربة من الشيطان (مت4: 8، 9).
لقد أراد مُلكًا روحيًا على قلوب الناس، لا سلطانًا عالميًا...
ولعل رفض هذا المُلك العالمي يذكرنا بقصة يوثام في سفر القضاة:
"وَأَخْبَرُوا يُوثَامَ فَذَهَبَ وَوَقَفَ عَلَى رَأْسِ جَبَلِ جِرِزِّيمَ، وَرَفَعَ صَوْتَهُ وَنَادَى وَقَالَ لَهُمْ: اِسْمَعُوا لِي يَا أَهْلَ شَكِيمَ، يَسْمَعْ لَكُمُ اللهُ. مَرَّةً ذَهَبَتِ الأَشْجَارُ لِتَمْسَحَ عَلَيْهَا مَلِكًا. فَقَالَتْ لِلزَّيْتُونَةِ: امْلِكِي عَلَيْنَا. فَقَالَتْ لَهَا الزَّيْتُونَةُ: أَأَتْرُكُ دُهْنِي الَّذِي بِهِ يُكَرِّمُونَ بِيَ اللهَ وَالنَّاسَ، وَأَذْهَبُ لِكَيْ أَمْلِكَ عَلَى الأَشْجَارِ؟! ثُمَّ قَالَتِ الأَشْجَارُ لِلتِّينَةِ: تَعَالَيْ أَنْتِ وَامْلِكِي عَلَيْنَا. فَقَالَتْ لَهَا التِّينَةُ: أَأَتْرُكُ حَلاَوَتِي وَثَمَرِي الطَّيِّبَ وَأَذْهَبُ لِكَيْ أَمْلِكَ عَلَى الأَشْجَارِ؟! فَقَالَتِ الأَشْجَارُ لِلْكَرْمَةِ: تَعَالَيْ أَنْتِ وَامْلِكِي عَلَيْنَا فَقَالَتْ لَهَا الْكَرْمَةُ: أَأَتْرُكُ مِسْطَارِي الَّذِي يُفَرِّحُ اللهَ وَالنَّاسَ وَأَذْهَبُ لِكَيْ أَمْلِكَ عَلَى الأَشْجَارِ"؟! (قض9: 7- 15). وأخيرًا عرضت الأشجار المُلك على العوسج، فقبل....
إن المُلكَ الأرضي لا يغري الزيتونة ولا الكرمة... قد يغري العوسج (الشوك).
هل من المعقول إذًا أن يقبله السيد المسيح، الذي جاء لملكوت روحي، وجاء يحدث الناس عن ملكوت السموات (مت 5). والذي قيل في بدء كرازته أنه جاء "يَكْرِزُ بِبِشَارَةِ مَلَكُوتِ اللهِ. وَيَقُولُ: قَدْ كَمَلَ الزَّمَانُ وَاقْتَرَبَ مَلَكُوتُ اللهِ، فَتُوبُوا وَآمِنُوا بِالإِنْجِيلِ" (مر1: 14، 15)، واقتراب الملكوت كان يعني اقتراب عملية الفداء، التي بها يملك الله على المفديين، الذين كانوا من قبل يملك عليهم الموت...
وحينما نقول "ليأت ملكوتك" إنما نقصد الملكوت الروحي.
أي أن يملك الله على كل قلب وفكر وإرادة، ملكوتًا روحيًا.
فلا يصبحون ملكًا للشيطان، بل ملكًا للذي فداهم واشتراهم بدمه...
ويكفي للرد على الحكم الألفي، قول السيد المسيح: "مَمْلَكَتِي لَيْسَتْ مِنْ هذَا الْعَالَمِ" (يو18: 36).
نقطة أخرى في الرد على ملك المسيح الألفي على الأرض وهي:
"لاَ يَكُونُ لِمُلْكِهِ نِهَايَةٌ"...
أي أن ملك السيد لا يكون ملكًا محددًا بزمن معين ينتهي فيه، ألف سنة وتنتهي!! (رؤ20: 7). فنحن نقول في قانون الإيمان "يأتي في مجده ليدين الأحياء والأموات، الذي ليس لملكه انقضاء"...
وهذه العبارة وردت في بشارة الملاك بميلاده "وَيَمْلِكُ عَلَى بَيْتِ يَعْقُوبَ إِلَى الأَبَدِ، وَلاَ يَكُونُ لِمُلْكِهِ نِهَايَةٌ" (لو1: 33). وهذا أيضًا ما ورد في نبوءة دانيال النبي "فَأُعْطِيَ سُلْطَانًا وَمَجْدًا وَمَلَكُوتًا لِتَتَعَبَّدَ لَهُ كُلُّ الشُّعُوبِ وَالأُمَمِ وَالأَلْسِنَةِ. سُلْطَانُهُ سُلْطَانٌ أَبَدِيٌّ مَا لَنْ يَزُولَ، وَمَلَكُوتُهُ مَا لاَ يَنْقَرِضُ" (دا7: 14).
إذًا ملكوته لا يحد بألف سنة، ولا بأي رقم من السنين، بل هو ملكوت أبدي.
ما هذا المُلك الأبدي؟ وكيف ومتى بدأ؟
هذا المُلك بدأ على الصليب، حينما اشترانا الرب بدمه. بعد سقوط آدم، دخلت الخطية إلى العالم، وبها دخل الموت "مَلَكَ الْمَوْتُ" (رو5: 14، 17). وأصبح لقب الشيطان "رَئِيسُ هذَا الْعَالَمِ" (يو12: 31). وكنا جميعًا مبيعين تحت الخطية، تحت حكم الموت. فجاء المسيح بفدائه، دفع ثمن خطايانا، واشترانا بدمه. وهكذا قيل:
"الرب ملك على خشبة" (مز95).
وهكذا قال القديس بولس الرسول: "اشْتُرِيتُمْ بِثَمَنٍ.." (1كو6: 20). وهذا الثمن هو الدم. ولذلك قال القديس بطرس الرسول: "عَالِمِينَ أَنَّكُمُ افْتُدِيتُمْ. بِدَمٍ كَرِيمٍ كَمَا مِنْ حَمَل بِلاَ عَيْبٍ وَلاَ دَنَسٍ دَمِ الْمَسِيحِ" (1بط1: 18، 19). ومن ذلك الحين، من وقت الفداء، أصبحنا وكل المفديين ملكًا للرب. وبدأ مُلك المسيح وبدأت تتحقق نبوءات المزامير، التي تبدأ بعبارة "اَلرَّبُّ قَدْ مَلَكَ" (مز93، 96، 97...). وتضعها الكنيسة في صلاة الساعة السادسة، والساعة التاسعة، منذ صلب المسيح حتى موته... وبدأ المسيح مُلكه الألفي من على الصليب.
كلمة (ألف سنة) هي تعبير رمزي.
لا تؤخذ بالمعنى الحرفي إطلاقًا. فرقم 10 يرمز إلى الكمال (انظر كتابنا: الوصايا العشر). ورقم ألف هو 10×10×10 أي مضاعفات هذا الرقم. والقديس بطرس الرسول يقول: "لاَ يَخْفَ عَلَيْكُمْ هذَا الشَّيْءُ الْوَاحِدُ أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ: أَنَّ يَوْمًا وَاحِدًا عِنْدَ الرَّبِّ كَأَلْفِ سَنَةٍ، وَأَلْفَ سَنَةٍ كَيَوْمٍ وَاحِدٍ" (2بط3: 8). فالألف سنة هي فترة غير محدودة، مثلها مثل أيام الخليقة الستة، والقياس مع الفارق. وهي الفترة من الصليب حتى يُحل الشيطان من سجنه (رؤ20: 7).
وهنا نتعرض لنقطة هامة في فترة الألف سنة وهي تقييد الشيطان:
تقييد الشيطان
قيل أن الملاك قيد الشيطان ألف سنة (رؤ20: 2). وهنا يسأل البعض: كيف يكون الشيطان مقيدًا، بينما الشيطان يُسقط عددًا لا يحصى من الناس، في خطايا لا تحصى، فهل يتفق هذا مع تقييد الشيطان؟! ونحن نقول:
تقييد الشيطان لا تعني إبادة أو إلغاء عمله، إنما تعني أنه ليس في حريته الأولى: مثلًا نقول إن موظفًا مقيد في وظيفته، فهذا يعني أنه يعمل، ولكنه ليس في حرية، إنما عليه قيود في عمله. وعدم حرية الشيطان عبر عنها بعبارة سجنه، فهو بلا شك ليس في الحرية التي كانت له قبل فداء المسيح للبشرية، أعني الفترة التي قيل عنه فيها إنه "رَئِيسَ هذَا الْعَالَمِ" (يو16: 11).
وما الدليل على ذلك: الدليل هو على الأقل أمران:
1- حينما كان في حريته، أوقع العالم كله في الفساد وعبادة الأصنام.
في حريته أضلّ العالم كله، حتى أغرقه الله بالطوفان "فَحَزِنَ الرَّبُّ أَنَّهُ عَمِلَ الإِنْسَانَ فِي الأَرْضِ" (تك6: 6). واختار الله أسرة نوح. ثم فسد أفراد هذه الأسرة، فاختار إبراهيم، ثم يعقوب وبنيه. وانتشرت عبادة الأصنام في الأرض كلها، حتى منع الله بني إسرائيل الذين يعبدونه من التزاوج من شعوب الأرض.
ومر وقت لم يكن يعبد الله سوى اثنين أو ثلاثة فقط.
كل العالم كان يعبد الأصنام ما عدا بنو إسرائيل. ولما صعد موسى إلى الجبل ليأخذ الشريعة من الله، وتأخر، ضغط بنو إسرائيل على هارون رئيس الكهنة، فجمع ذهبهم وصنع لهم به عجلًا عبدوه. وقالوا: "هذِهِ آلِهَتُكَ يَا إِسْرَائِيلُ الَّتِي أَصْعَدَتْكَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ" (خر32: 4). ربما استثنى من كل هذا الشعب يشوع بن نون، وكالب بن يفنة...
بل مر وقت لم يجد فيه الله إنسانًا بارًا واحدًا.
فقال في أيام إرميا النبي: "طُوفُوا فِي شَوَارِعِ أُورُشَلِيمَ وَانْظُرُوا، وَاعْرِفُوا وَفَتِّشُوا فِي سَاحَاتِهَا، هَلْ تَجِدُونَ إِنْسَانًا أَوْ يُوجَدُ عَامِلٌ بِالْعَدْلِ طَالِبُ الْحَقِّ، فَأَصْفَحَ عَنْهَا؟" (إر5: 1) نعم لأن "الْجَمِيعُ زَاغُوا وَفَسَدُوا مَعًا. لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحًا لَيْسَ وَلاَ وَاحِدٌ" (رو3: 12)، (مز14: 3).
حتى سليمان الحكيم، أحكم أهل الأرض.
نسمع عن خطيته العظيمة في (1مل11)، حيث بنى مرتفعات لآلهة الأمم. وكانت زوجاته يذبحن ويبخرن للأصنام. ولم يكن قلبه من نحو الرب... وعاقبه الله، وقسم مملكته.
حتى تلاميذ المسيح، قبل الصلب.
فقال السيد المسيح لبطرس الرسول: "هُوَذَا الشَّيْطَانُ طَلَبَكُمْ لِكَيْ يُغَرْبِلَكُمْ كَالْحِنْطَةِ. وَلكِنِّي طَلَبْتُ مِنْ أَجْلِكَ لِكَيْ لاَ يَفْنَى إِيمَانُكَ" (لو22: 31، 32). وفعلًا حدث أن بطرس أنكر المسيح ثلاث مرات. وباقي الرسل هربوا وقت القبض عليه. ولم يتبعه إلى الصليب سوى يوحنا. ويهوذا دخله الشيطان وسلم المسيح.
2- أن الشيطان حينما يُحل من سجنه، سيضل الأمم، ويسبب الارتداد العام.
ويحاول لو أمكن أن يضل المختارين أيضًا. "وَلَوْ لَمْ تُقَصَّرْ تِلْكَ الأَيَّامُ لَمْ يَخْلُصْ جَسَدٌ" (مت24: 22، 23). كذلك يصنع آيات عظيمة وعجائب (مت24: 24) ويؤيد إنسان الخطية المسبب للارتداد "بِكُلِّ قُوَّةٍ، وَبِآيَاتٍ وَعَجَائِبَ كَاذِبَةٍ وَبِكُلِّ خَدِيعَةِ الإِثْمِ، فِي الْهَالِكِينَ" (2تس2: 9، 10).
نشكر الله أنه الآن مقيد.
مجرد أن الكنائس ممتلئة بالمصلين، والملايين يتناولون كل أحد، دليل على أن الشيطان مقيد.
وفي أيامنا هذه، عودة كثير من البلاد الشيوعية الملحدة إلى الله وإلى الإيمان، بمئات الملايين دليل على أن الشيطان مقيد.
في حريته يجعل المؤمنين يرتدون. أما الآن فملايين المرتدين يعودون إلى الإيمان. لا ننكر أن هناك خطايا عديدة بإغراء الشيطان. ولهذا نقول إنه لا يزال يعمل، ولكن ليس في حرية.
ليس في حريته التي كانت له قبل الفداء.
ولا في الحرية التي تكون له بعد الألف سنة.
المواهب والألسنة
المواهب والألسنة
المواهب
كثير من الإخوة البروتستانت، يتمسكون بالمواهب، ويسعون إليها، ويعتبرونها من حقوقهم كأبناء وورثة. ويضعون أمامهم الآيات التي تقول: "جِدُّوا لِلْمَوَاهِبِ الْحُسْنَى" ولا يكملون باقيها "وَأيضًا أُرِيكُمْ طَرِيقًا أَفْضَلَ" (1كو12: 31).
وهم يهتمون بالألسنة. وينسون أن الرسول قال مباشرة بعد هذه الآية السابقة: "إِنْ كُنْتُ أَتَكَلَّمُ بِأَلْسِنَةِ النَّاسِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَلكِنْ لَيْسَ لِي مَحَبَّةٌ، فَقَدْ صِرْتُ نُحَاسًا يَطِنُّ أَوْ صَنْجًا يَرِنُّ" (1كو13: 1).
ويشرح كيف أن المحبة أفضل من جميع المواهب.
ثمار الروح أهم لخلاصكم من مواهب الروح
تحدث القديس بولس عن ثمار الروح في (غلا5: 22) فقال إنها: "مَحَبَّةٌ فَرَحٌ سَلاَمٌ طُولُ أَنَاةٍ لُطْفٌ صَلاَحٌ إِيمَانٌ وَدَاعَةٌ تَعَفُّفٌ".
والثمرة الأولى (المحبة) قال عنها الرسول إنها أعظم من الإيمان والرجاء (1كو13: 2، 13) بل أعظم من الإيمان الذي ينقل الجبال. وقال الرب عن المحبة، أنه يتعلق بها الناموس كله والأنبياء (مت22: 40). إن التلاميذ الذين فرحوا بالمواهب، قال لهم الرب: "لاَ تَفْرَحُوا بِهذَا. بَلِ افْرَحُوا بِالْحَرِيِّ أَنَّ أَسْمَاءَكُمْ كُتِبَتْ فِي السَّمَاوَاتِ" (لو10: 20).
كثيرون كانت لهم مواهب، وفقدوا الخلاص وهلكوا: لم تنفعهم المواهب، ولم تخلصهم. وفي ذلك يقول الرب: "كَثِيرُونَ سَيَقُولُونَ لِي فِي ذلِكَ الْيَوْمِ: يَا رَبُّ، يَا رَبُّ! أَلَيْسَ بِاسْمِكَ تَنَبَّأْنَا، وَبِاسْمِكَ أَخْرَجْنَا شَيَاطِينَ، وَبِاسْمِكَ صَنَعْنَا قُوَّاتٍ كَثِيرَةً؟ فَحِينَئِذٍ أُصَرِّحُ لَهُمْ: إِنِّي لَمْ أَعْرِفْكُمْ قَطُّ! اذْهَبُوا عَنِّي يَا فَاعِلِي الإِثْمِ" (مت7: 22، 23).
المواهب لا فضل لك فيها، ولذلك لا مكافأة لك عليها. أنت لا تخلص بها. لماذا إذًا الصراع لأجل المواهب. المواهب تحارب الذين يريدون أن تظهر ذواتهم وتتمجد. أما القديسون الكبار، المحبون للاتضاع، فكانوا يهربون من المواهب.
وعلى رأي أحد الآباء: "إذا أعطاك الله موهبة، فاطلب منه أن يعطيك اتضاعًا لكي يحمي هذه الموهبة. أو اطلب من الرب أن ينزع هذه الموهبة منك".
وبولس الرسول نال من الرب مواهب كثيرة. وقال بعدها: "وَلِئَلاَّ أَرْتَفِعَ بِفَرْطِ الإِعْلاَنَاتِ، أُعْطِيتُ شَوْكَةً فِي الْجَسَدِ، مَلاَكَ الشَّيْطَانِ لِيَلْطِمَنِي، لِئَلاَّ أَرْتَفِعَ" (2كو12: 7). هذا الرسول العظيم رجل النعمة الذي صعد إلى السماء الثالثة (2كو12: 2) كان في خطر من جهة المواهب! فإن كان هناك خوف على القديس العظيم بولس الرسول من المواهب، أفلا يخاف الشبان المساكين في هذه الأيام وهم يطلبون المواهب ويقولون إنها من حقهم؟! ويصلي قادتهم من أجلهم، ويضعون عليهم الأيادي لينالوا المواهب!
يعقوب أبو الآباء نال مواهب: أخذ البركة، ورأى سلّمًا بين السماء والأرض وملائكة الله. ورأى الله نفسه وتكلم معه. وصارع مع الله والناس وغلب (تك32: 28). وخوفًا على يعقوب من المواهب، ضربه الله على حُقِّ فخذه، فصار يخمع عليه. أعطاه نوعًا من الضعف في الجسد، يحميه من فكر الكبرياء بسبب المواهب.
أما عبارة "جِدُّوا لِلْمَوَاهِبِ الرُّوحِيَّةِ" فإنها لا تعني أن نطلبها. إنما إعداد القلب بالنقاوة والاتضاع، كي يقبل هذه المواهب التي ليست كلها من نطاق القوات والعجائب، وإنما منها أيضًا الحكمة والعلم والإيمان. حسب تعليم الرسول (1كو12: 8، 9).
إن أردتم أن تطلبوا من الله عطية صالحة، فإن الرب يعلمنا ماذا نطلب. الله يقول في عظته على الجبل "اطْلُبُوا أَوَّلًا مَلَكُوتَ اللهِ وَبِرَّهُ، وَهذِهِ كُلُّهَا تُزَادُ لَكُمْ" (مت6: 33).
إن الصلاة الربية التي علمنا الرب إياها، وهي صلاة نموذجية نلاحظ أنه ليس فيها طلب مواهب.
أصعب من المواهب في هذه الأيام، أن يقول الشخص لآخر: (أسلمك الموهبة) أو تعال أسلمك الاختبار. ويضع يده عليه، ويصلي عليه، ليمنحه الروح القدس، أو ليمنحه الملء. والعجيب أنه حتى النساء، يضعن أيديهن على الناس لمنحهم الروح القدس! المرأة قد يمنحها الله موهبة الشفاء.
ولكن منح الروح القدس هو عمل كهنوتي كان يمارسه الرسل أولًا بوضع اليد، ثم صار يمارسه الكهنة في سر الميرون.
ونحن ننال الروح القدس في سرِّ المسحة المقدسة بعد المعمودية. قد تحدّث الكتاب عن هذه المسحة (1يو2: 20، 27). كما تحدث عن وضع اليد بواسطة الرسل (أع8: 14- 17).
هذا السلطان الذي كان للرسل، ثم لخلفائهم. يدعيه الآن الشبان والناس ويسلمون الناس الروح القدس، لكي يمتلئوا ويتكلموا بألسنة! في لاهوتنا الأرثوذكسي، كان الذي يحصل على موهبة يحاول إخفائها، كما حدث مع القديس الأنبا صرابامون أبي طرحة في الشفاء ومع غيره من القديسين.
نقطة أخرى وهي: هل المواهب تُطلب أم تمنح؟
إن الله يمنح الموهبة التي يشاء، لمن يشاء، في الوقت الذي تحدده حكمته الإلهية. "لاَ يَأْتِي مَلَكُوتُ اللهِ بِمُرَاقَبَةٍ" (لو17: 20). إنه كالريح التي تهب حيث تشاء "كَمَا قَسَمَ اللهُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِقْدَارًا مِنَ الإِيمَانِ" (رو12: 3). فماذا إذًا طلب المواهب؟ ولماذا الألسنة بالذات.
المواهب لا يسلمها أحد لآخر، بل هي مشيئة الله وعمل روحه القدوس.
ولكن موهبة الألسنة لمن يطلبها قد ترضي كبرياء الذين يحبون المظاهر. إنها موهبة مغرية للإنسان العتيق، وليس مغرية للإنسان الروحي. وأسوأ من هذا أن يحتقر هؤلاء غيرهم ممن لا يملكون الموهبة ويعلنون أن مستواهم ضعيف، بينما الكتاب يعلن أن الألسنة ليست للكل (1كو14).
أليست هذه الكبرياء مدعاة للشك فيمن يدعون هذه الموهبة؟
إن قال لك شخص: "تعال أسلمك هذا الاختبار" قل له: "أنا لا أستحق هذه المواهب. وليس لي التواضع الذي يحتملها. أما إن أراد الله أن يعطيني موهبة، فسيعطيني دون أن أطلب. وحينئذ سأطلب منه أن يمنحني تواضعًا ليحميني من الكبرياء. وإن أعطاني الله موهبة، فلن أتحدث عنها، ولن أعلنها للناس، حتى لا أعرض نفسي لحروب روحية أنا أقل من مستواها".
***
الحركة الخمسينية والتكلم بألسنة
لعل أبرز ما يميز هذه الحركة، اعتقاد الخمسينيين بمعمودية الروح القدس (غير معمودية الماء والروح). هكذا ينادي الخمسينيون في مصر – كما هو واضح من كتبهم – وهكذا تنادي جماعة الكرزماتك، والذين يتبعون الخمسينيين دون أن يعلنوا ذلك، يسمّون هذا الأمر حلولًا أو امتلاءً.
ويرون أن أهم ما يميز معمودية الروح، أو أهم ما يميز هذا الحلول أو الامتلاء أو الملء، هو التكلم بألسنة. فالألسنة في نظرهم هي العلامة الأولى على أن الشخص قد حلَّ عليه الروح. لذلك في ضمِّ أي إنسان إليهم يجاهدون أن يجعلوه يتكلم بألسنة لكي يشابه الرسل في يوم الخمسين. ويهتمون بالألسنة كأنها كل شيء – كما علمهم أساتذتهم – أيًا كانت هذه الألسنة كلامًا مفهومًا أو غير مفهوم، وفي غالبية الحالات إن لم يكن في كلها، تكون هذه الألسنة أصواتًا لا تعبر عن شيء. فما هو تعليم الكتاب عن التكلم بألسنة؟
التكلم بألسنة
نلاحظ النقاط الآتية من دراسة الكتاب وبخاصة (1كو 14) الذي يمكن أن نسميه إصحاح الألسنة.
1- الألسنة هي الأخيرة في ترتيب المواهب.
عندما ذكر بولس الرسول مواهب الروح في رسالته الأولى إلى كورنثوس، جعل التكلم بألسنة وترجمة الألسنة في آخر المواهب، فقال:
"فَأَنْوَاعُ مَوَاهِبَ مَوْجُودَةٌ، وَلكِنَّ الرُّوحَ وَاحِدٌ فَإِنَّهُ لِوَاحِدٍ يُعْطَى بِالرُّوحِ كَلاَمُ حِكْمَةٍ، وَلآخَرَ كَلاَمُ عِلْمٍ بِحَسَبِ الرُّوحِ الْوَاحِدِ وَلآخَرَ إِيمَانٌ بِالرُّوحِ الْوَاحِدِ، وَلآخَرَ مَوَاهِبُ شِفَاءٍ بِالرُّوحِ الْوَاحِدِ. وَلآخَرَ عَمَلُ قُوَّاتٍ، وَلآخَرَ نُبُوَّةٌ، وَلآخَرَ تَمْيِيزُ الأَرْوَاحِ، وَلآخَرَ أَنْوَاعُ أَلْسِنَةٍ، وَلآخَرَ تَرْجَمَةُ أَلْسِنَةٍ وَلكِنَّ هذِهِ كُلَّهَا يَعْمَلُهَا الرُّوحُ الْوَاحِدُ بِعَيْنِهِ، قَاسِمًا لِكُلِّ وَاحِدٍ بِمُفْرَدِهِ، كَمَا يَشَاءُ" (1كو12: 4- 11).
وهكذا جعل التكلم بألسنة، وترجمة الألسنة، في آخر قائمة المواهب، ويسبق الألسنة: الحكمة والعلم والإيمان، ومواهب الشفاء وأعمال القوات والنبوءة وتمييز الأرواح.
وقال الرسول أيضًا: "فَوَضَعَ اللهُ أُنَاسًا فِي الْكَنِيسَةِ: أَوَّلًا رُسُلًا، ثَانِيًا أَنْبِيَاءَ، ثَالِثًا مُعَلِّمِينَ، ثُمَّ قُوَّاتٍ، وَبَعْدَ ذلِكَ مَوَاهِبَ شِفَاءٍ، أَعْوَانًا، تَدَابِيرَ، وَأَنْوَاعَ أَلْسِنَةٍ" (1كو12: 28).
وهكذا وضع التكلم بألسنة في آخر المواهب...
وقال: "جِدُّوا لِلْمَوَاهِبِ الْحُسْنَى. وَأيضًا أُرِيكُمْ طَرِيقًا أَفْضَلَ" (1كو12: 31). وشرح أن هذا الطريق الأفضل هو المحبة (1كو 13) وشرح كيف أن هذه المحبة أهم وأعظم من النبوءة وكل علم، ومن كل الإيمان الذي ينقل الجبال ومن العطاء والنسك.
وشرح أن المحبة أهم من التكلم بألسنة الناس والملائكة. وليس ألسنة الناس فقط. فقال: "إِنْ كُنْتُ أَتَكَلَّمُ بِأَلْسِنَةِ النَّاسِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَلكِنْ لَيْسَ لِي مَحَبَّةٌ، فَقَدْ صِرْتُ نُحَاسًا يَطِنُّ أَوْ صَنْجًا يَرِنُّ" (1كو13: 1).
2- التكلم بألسنة ليس للكل
رأينا فيما تقدم أن الله "قَاسِمًا لِكُلِّ وَاحِدٍ بِمُفْرَدِهِ، كَمَا يَشَاءُ" (1كو12: 11) "لَنَا مَوَاهِبُ مُخْتَلِفَةٌ بِحَسَبِ النِّعْمَةِ الْمُعْطَاةِ لَنَا" (رو12: 6). "كَمَا قَسَمَ اللهُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِقْدَارًا مِنَ الإِيمَانِ" (رو 12: 3). ومن جهة التكلم بألسنة؟ قال بصراحة:
"أَلَعَلَّ الْجَمِيعَ رُسُلٌ؟ أَلَعَلَّ الْجَمِيعَ أَنْبِيَاءُ؟ أَلَعَلَّ الْجَمِيعَ مُعَلِّمُونَ؟ أَلَعَلَّ الْجَمِيعَ أَصْحَابُ قُوَّاتٍ؟ أَلَعَلَّ لِلْجَمِيعِ مَوَاهِبَ شِفَاءٍ؟ أَلَعَلَّ الْجَمِيعَ يَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَةٍ؟ أَلَعَلَّ الْجَمِيعَ يُتَرْجِمُونَ؟" (1كو12: 29، 30).
وواضح من هذا أن الموهبة ليست للجميع.
إذًا فحتى في العصر الرسولي لم يكن من الضروري أن ينال كل مؤمن موهبة التكلم بألسنة التي لم تكن علامة ضرورية لإثبات حلول الروح في الإنسان. فقد يكون الإنسان قديسًا ولا يتكلم بلسان.
إن الله يعرف متى يعطي المواهب، ولماذا يعطيها وقد منح التكلم بألسنة في عهد الرسل بوفرة شديدة، في بداية الكرازة، من أجل البنيان، إذ كانت لازمة جدًا في ذلك الزمان.
ولكن الألسنة ليست لازمة لكل زمان، وفي ذلك يقول الكتاب: "..وَأَمَّا النُّبُوَّاتُ فَسَتُبْطَلُ، وَالأَلْسِنَةُ فَسَتَنْتَهِي" (1كو13: 8).
وحتى في زمن الرسل ماذا كانت شروط التكلم بألسنة؟ إننا بقراءة (1كو 14) نرى شروطًا منها:
3- يجب أن تكون الألسنة لبنيان الكنيسة
إن أهم عبارة تميز إصحاح الألسنة (1كو 14)، هي كلمة "لِلْبُنْيَانِ" ذكرها الرسول مرات عديدة، وأصرّ عليها جدًا.
وقال في صراحة: "فَلْيَكُنْ كُلُّ شَيْءٍ لِلْبُنْيَانِ" (1كو14: 26). وقال أيضًا: "هكَذَا أَنْتُمْ أيضًا، إِذْ إِنَّكُمْ غَيُورُونَ لِلْمَوَاهِبِ الرُّوحِيَّةِ، اطْلُبُوا لأَجْلِ بُنْيَانِ الْكَنِيسَةِ أَنْ تَزْدَادُوا" (ع 12).
ومن أجل بنيان الكنيسة، ذكر أن: "مَنْ يَتَنَبَّأُ أَعْظَمُ مِمَّنْ يَتَكَلَّمُ بِأَلْسِنَةٍ" (ع 5). لأن "مَنْ يَتَكَلَّمُ بِلِسَانٍ يَبْنِي نَفْسَهُ، وَأَمَّا مَنْ يَتَنَبَّأُ فَيَبْنِي الْكَنِيسَةَ" (ع 4). وكانت كلمة التنبؤ تعني قديمًا التعليم أيضًا. وقد فضل الرسول هذا التنبؤ "وَأَمَّا مَنْ يَتَنَبَّأُ، فَيُكَلِّمُ النَّاسَ بِبُنْيَانٍ وَوَعْظٍ وَتَسْلِيَةٍ" (ع 3).
4- شرط أساسي للألسنة هو ترجمتها
قال الرسول: "مَنْ يَتَكَلَّمُ بِلِسَانٍ فَلْيُصَلِّ لِكَيْ يُتَرْجِمَ" (ع 13) وأضاف: "وَلكِنْ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَرْجِمٌ فَلْيَصْمُتْ فِي الْكَنِيسَةِ" (ع 28).
والسبب عند الرسول واضح، وهو بنيان الكنيسة. وفي ذلك يقول: "إِلاَّ إِذَا تَرْجَمَ، حَتَّى تَنَالَ الْكَنِيسَةُ بُنْيَانًا" (ع 5) فإن لم يحصل هذا البنيان فليصمت. وعبارة (يصمت) هي أمر رسولي.
إذًا: إما بنيان الكنيسة بالترجمة، وإما الصمت.
إن وجود المترجم شهادة على صحة التكلم بلسان. وهكذا تكون موهبة الألسنة لشخصين في وقت واحد: أحدهما هو المتكلم والثاني هو المترجم وينطبق قول الكتاب: "عَلَى فَمِ شَاهِدَيْنِ وَثَلاَثَةٍ تَقُومُ كُلُّ كَلِمَةٍ" (2كو13: 1). إن كانت الألسنة بلا ترجمة فما لزومها؟ وكذلك ما لزومها إن كان كل الحاضرين يفهمون اللغة؟
5- ما معنى "يَبْنِي نَفْسَهُ"؟
يَبْنِي نَفْسَهُ؛ أي يكون في حالة روحية خاصة، حالة حلول الروح، وهي نافعة لبنيانه الشخصي. هذه الحالة عليها ملاحظتان ذكرهما القديس بولس وهما:
أ) يصمت، كأي عمل روحي خاص، بينه وبين الله.
وفي ذلك قال: "فَلْيَصْمُتْ فِي الْكَنِيسَةِ وَلْيُكَلِّمْ نَفْسَهُ وَاللهَ" (ع 28) أمر بينه وبين الله، يليق به المخدع المغلوق، وليس الكنيسة أمام الناس. حينئذ يكون التكلم بلسان، كنوع من الصلاة وحتى على هذا يوجد تعليق:
بـ) يكون الذهن بلا ثمر، مجرد عمل للروح.
وفي هذا يقول الرسول: "لأَنَّهُ إِنْ كُنْتُ أُصَلِّي بِلِسَانٍ، فَرُوحِي تُصَلِّي، وَأَمَّا ذِهْنِي فَهُوَ بِلاَ ثَمَرٍ" (ع 14)
ووجد الرسول أن هذه الحالة يلزمها أن تكمل بالفهم، فيصلي الإنسان بروحه، ويصلي بذهنه أيضًا. يرتل بروحه، ويرتل بذهنه أيضًا (ع 15) لكي يكون بنيانه الروحي أثبت وأقوى.
على الرغم من عبارة: "يَبْنِي نَفْسَهُ" هذه التي ذكرها الرسول في حرص وبملاحظات، وأظهر أنها بنيان ناقص، فإن الرسول، لأجل البنيان أيضًا قال:
"أَشْكُرُ إِلهِي أَنِّي أَتَكَلَّمُ بِأَلْسِنَةٍ أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِكُمْ. وَلكِنْ، فِي كَنِيسَةٍ، أُرِيدُ أَنْ أَتَكَلَّمَ خَمْسَ كَلِمَاتٍ بِذِهْنِي لِكَيْ أُعَلِّمَ آخَرِينَ أيضًا، أَكْثَرَ مِنْ عَشْرَةِ آلاَفِ كَلِمَةٍ بِلِسَانٍ" (ع 18، 19).
إذًا لا داعي لأن يسعى الناس بكل قواهم للتكلم بألسنة ويظنوها نصرًا عظيمًا.
هذا إذا كانت الألسنة موهبة حقيقية من الروح القدس، فماذا نقول إذًا إن كان البعض يدّعون أنهم يتكلمون بألسنة، ولا نضمن صحة هذا الإدعاء...
6- الألسنة آية لغير المؤمنين
يقول الرسول عن التكلم بألسنة: "إِذًا الأَلْسِنَةُ آيَةٌ، لاَ لِلْمُؤْمِنِينَ، بَلْ لِغَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ" (1كو14: 22).
ولأجل هذا السبب منح الله هذه الآية للكنيسة في بدء العصر الرسولي، لأجل انتشار الكرازة، ولكي يصل الإيمان إلى شعوب وأمم لا تعرف لغة الآباء الرسل (الآرامية – أو العبرية). فيبشرونهم بالألسنة، كما حدث في يوم الخمسين "فَبُهِتَ الْجَمِيعُ وَتَعَجَّبُوا" "وَتَحَيَّرُوا، لأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ كَانَ يَسْمَعُهُمْ يَتَكَلَّمُونَ بِلُغَتِهِ" (أع2: 7، 6).
ولكن ما معنى أن يقف شخص وسط أناس يتكلمون بنفس لغته، لكي يكلمهم بلغة غريبة. لهذا اشترط الرسول وجوب الترجمة "وَلكِنْ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَرْجِمٌ فَلْيَصْمُتْ" (1كو14: 28).
7- الرسول اعتبر التكلم بألسنة تشويشًا، إن لم يكن للبنيان
فقال: "كَانَ الْجَمِيعُ يَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَةٍ، فَدَخَلَ عَامِّيُّونَ أَوْ غَيْرُ مُؤْمِنِينَ، أَفَلاَ يَقُولُونَ إِنَّكُمْ تَهْذُونَ؟" (1كو14: 23) "هكَذَا أَنْتُمْ أيضًا إِنْ لَمْ تُعْطُوا بِاللِّسَانِ كَلاَمًا يُفْهَمُ، فَإِنَّكُمْ تَكُونُونَ تَتَكَلَّمُونَ فِي الْهَوَاءِ" (1كو14: 9) "فَإِنْ كُنْتُ لاَ أَعْرِفُ قُوَّةَ اللُّغَةِ أَكُونُ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِ أَعْجَمِيًّا، وَالْمُتَكَلِّمُ أَعْجَمِيًّا عِنْدِي" (1كو14: 11).
اقرأ الإصحاح لتتثبت من نفس المعني...
التوبة
التوبة
الكل ينادي بالتوبة. لا يجادل في أهميتها أحد.
ولكن التوبة عند الأرثوذكس شيء، وعند الطوائف الأخرى شيء مختلف تمامًا، من جهة ماهيتها، ومفعولها، وإتمامها، ولزومها للخلاص، وما يتعلق بها من أمور أخرى. وسنتناول الآن هذه الخلافات واحدًا فواحدًا:
1- التوبة "سر"
التوبة في المفهوم الأرثوذكسي هي سر من أسرار الكنيسة السبعة اسمه "سر التوبة" أما الطوائف البروتستانتية – وهي لا تؤمن بأسرار الكنيسة – فلا تنظر إلى التوبة كسرّ مقدس. هناك إذًا فرق بين التوبة وسرّ التوبة.
ولهذا الفارق دلالاته ونتائجه اللاهوتية. فما هي؟
2- التوبة والاعتراف
في المفهوم الأرثوذكسي، يمثل الاعتراف بالخطية جزءًا أساسيًا من سر التوبة. ونقصد به الاعتراف على الأب الكاهن "مَنْ يَكْتُمُ خَطَايَاهُ لاَ يَنْجَحُ، وَمَنْ يُقِرُّ بِهَا وَيَتْرُكُهَا يُرْحَمُ" (أم28: 13).
وقد مارس الناس الإقرار بالخطية (الاعتراف بها) في العهد القديم "فَإِنْ كَانَ يُذْنِبُ فِي شَيْءٍ مِنْ هذِهِ، يُقِرُّ بِمَا قَدْ أَخْطَأَ بِهِ وَيَأْتِي إِلَى الرَّبِّ بِذَبِيحَةٍ لإِثْمِهِ" (لا5: 5)، والكتاب مملوء بأمثلة من الاعتراف واستمر الأمر إلى آخر نبي في العهد القديم، أو فترة ما بين العهدين، يوحنا المعمدان، والذي أتاه الناس من كل موضع "وَاعْتَمَدُوا مِنْهُ فِي الأُرْدُنِّ، مُعْتَرِفِينَ بِخَطَايَاهُمْ" (مت3: 6).
وفي العهد الجديد، مارسوا الاعتراف بالخطية أيضًا. "وَكَانَ كَثِيرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَأْتُونَ مُقِرِّينَ وَمُخْبِرِينَ بِأَفْعَالِهِمْ" (أع19: 18) "اِعْتَرِفُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ بِالزَّلاَتِ" (يع5: 16).
أما الطوائف البروتستانتية فلا تعتقد بالاعتراف، ولا تدخله ضمن نطاق التوبة.
3- التوبة والكنيسة
حقًا إن التوبة عمل داخل القلب، يشمل الندم وتبكيت الضمير والعزم على ترك الخطية، وتركها بالفعل، قلبًا وعملًا. ولكن التوبة تتم داخل الكنيسة بالاعتراف والتحليل. من جهة الخاطئ، الاعتراف بالخطية ومن جهة الكاهن، قراءة التحليل ومنح المغفرة. "اقْبَلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ، مَنْ غَفَرْتُمْ خَطَايَاهُ تُغْفَرُ لَهُ، وَمَنْ أَمْسَكْتُمْ خَطَايَاهُ أُمْسِكَتْ" (يو20: 22، 23).
ويتبع هذا أيضًا الإرشاد الذي يتلقاه التائب من أبيه الروحي، لكيما يثبت في توبته.
أما الطوائف البروتستانتية، فتقدم توبة منفصلة تمامًا عن الكنيسة، مجرد عمل فردي لا علاقة له بالكهنوت. لأن البروتستانتية لا تؤمن بالكهنوت إنما تؤمن بعلاقة مباشرة مع الله. والطوائف البروتستانتية في هذا الأمر على نوعين:
نوع يهاجم الاعتراف والكهنوت علنًا. وهو النوع الأضعف لأنه مكشوف، يحترس منه الثابتون في العقيدة، كما أن آراءه ظاهرة يمكن الرد عليها.
النوع الثاني لا يهاجم الاعتراف ولا الكهنوت ولا التناول، لكنه يريد أن يُنَسي الناس هذه الأسرار، بعدم الحديث عنها، وبتقديم بديل لها، كأن يقول: أنت محتاج إلى التوبة، والرجوع إلى الله. اذهب إليه اطرح نفسك عند قدميه، اترك خطاياك عنده ليمحوها بدمه، وتخرج في الحال مبررًا. كأن لم تخطئ من قبل. يغسلك فتبيض أكثر من الثلج. وفي كل هذا، لا يتحدث عن أهمية الاعتراف والتحليل والتناول، يتركها لينساها الناس. وفي نفس الوقت يرون أمامهم كلامًا روحيًا، فيُخدعون به، وما أكثر البسطاء. إنه طريق غير مكشوف، وواجبنا أن نكشفه للناس.
4- التوبة والخلاص
كثير من البروتستانت يحاولون أن يبعدوا التوبة عن موضوع الخلاص، في تركيزهم على دم المسيح، قائلين للناس، أنتم تخلصون بدم المسيح، وليس بالتوبة. فالتوبة عمل من الأعمال وأنتم لا تخلصون بالأعمال.
ونحن لا ننكر أن الخلاص يتم بدم المسيح، ولكن المسيح نفسه يعلمنا أنه لا خلاص بلا توبة. ويقول في ذلك: "إِنْ لَمْ تَتُوبُوا فَجَمِيعُكُمْ كَذلِكَ تَهْلِكُونَ" (لو13: 3، 5). إن التوبة لازمة للخلاص، لأنه لا يوجد أحد لا يخطئ وما دامت هناك خطية، فللخطية عقوبة، وأجرة الخطية موت ولا خلاص من هذا الموت إلا بالتوبة. التوبة تجعلنا مستحقين لدم المسيح. وإن لم تتوبوا فجميعكم كذلك تهلكون.
5- التوبة وعمل النعمة
ترى كثير من الطوائف البروتستانتية أن التوبة هي عمل من أعمال النعمة، وأن كل مجهودات الإنسان لا قيمة لها. يكفي أن يلقي الإنسان نفسه تحت قدمي المسيح فيخلّصه من خطاياه.
والتعليم الأرثوذكسي يرى أن كل حياة الإنسان الروحية، هي شركة بين الإنسان والروح القدس. الروح القدس يُعين، ولكن الإنسان لا بد أن يجاهد. وإن لم يجاهد يبكته الرسول بقوله: "لَمْ تُقَاوِمُوا بَعْدُ حَتَّى الدَّمِ مُجَاهِدِينَ ضِدَّ الْخَطِيَّةِ" (عب12: 4).
والكتاب يصور الحياة الروحية حربًا، تحتاج إلى سلاح الله الكامل إنها مصارعة "لَيْسَتْ مَعَ دَمٍ وَلَحْمٍ، بَلْ مَعَ أَجْنَادِ الشَّرِّ الرُّوحِيَّةِ" (أف 6: 12)، وهذه الحرب تحتاج بلا شك أن يقاتل الإنسان وينتصر. هذا القتال، هو ما عناه السيد المسيح في رسائله إلى ملائكة الكنائس السبع، بقوله "مَنْ يَغْلِبُ فَسَأُعْطِيهِ" (رؤ2: 3). إن النعمة لا تعمل كل شيء، وإلا ما كان يقول: "ارْجِعُوا إِلَيَّ أَرْجعْ إِلَيْكُمْ" (ملا3: 7).
6- التوبة والاختبارات
الفكر البروتستانتي يعتبر التوبة اختبارًا، ويشجع التائبين أن يحكوا للناس عن اختباراتهم، فتسمع منهم عبارة "أنا كنت (كذا) وصرت الآن (كذا) ويظل يحكي عن خطاياه القديمة أمام الكل بلا خجل، مغطيًا إياها بما وصل إليه من نعمة! وإن صمت يقولون له: "احكي اختباراتك". أما الأرثوذكسية فتمنع هذه القصص لأنها غالبًا ما تحمل افتخارًا بالتغيير الذي وصل إليه التائب...
7- التوبة بين الفرح والانسحاق
تميل الأرثوذكسية إلى انسحاق نفس التائب متذكرًا ما أساء به إلى الله، مبللًا فراشه بدموعه كما فعل داود النبي... أما البروتستانتية فتدعوا الناس إلى الفرح الذي لا انسحاق فيه. بل كثيرًا ما يتحول التائب حديثًا إلى خادم، بطريقة مباشرة، لا تعطيه فرصة للحزن الداخلي على خطاياه. ويعللون ذلك بأنه يجب أن يفرح بالخلاص.
وردنا على ذلك، أنه – في تناول خروف الفصح – وسط فرح الشعب بنجاته من سيف الملاك المهلك، كان يأكل الفصح على أعشاب مُرّة، حسب أمر الرب (خر12: 8).
والأعشاب المُرة كانت تذكرهم بخطاياهم، التي بسببها وقعوا في عبودية فرعون. حقًا إن أكل الفصح يذكرهم بالخلاص وبهجته، ولكن الفصح يجب أن يؤكل على أعشاب مُرة.
ما مركز (الأعشاب المُرة) في التوبة بالمفهوم البروتستانتي؟
إن أحد الكتب البروتستانتية هاجم حتى مجرد عبارة (يا رب ارحم) التي نقولها في صلواتنا، كما هاجم كل عبارات الانسحاق، واتهمها بأنها ضد (بهجة الخلاص)!
8- التوبة والتجديد
إن ما نسميه في الأرثوذكسية (توبة) كثيرًا ما يسميه البروتستانت تجديدًا، أو ولادة جديدة، أو خلاص... فيسألون بعضهم بعضًا "هل تجددت؟ هل خلصت؟ هل اختبرت الولادة الجديدة!".
ويكون كل ما يقصدونه هو عملية توبة، لا أكثر ولا أقل. مر بها هذا الشخص.
في المفهوم الأرثوذكسي، كل هذه التعبيرات: التجديد، الولادة الجديدة، الخلاص، تتم في سر المعمودية. أما التوبة فهي عملية تغيير في سلوك الإنسان.
9- التوبة تسبق جميع الأسرار
إنها تسبق سر المعمودية كما قال بطرس الرسول: "تُوبُوا وَلْيَعْتَمِدْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ" (أع2: 38). وهي تسبق سر التناول كما قال معلمنا بولس الرسول (1كو11: 27- 29). وهي تسبق أيضًا سر مسحة المرضى (يع5: 14، 15). وهكذا باقي الأسرار ما دامت الأسرار نعمة من الروح القدس، ينبغي إذًا التمهيد لها بنقاوة القلب بالتوبة. أما البروتستانت، فإذ لا يؤمنون بأسرار، ولا بالتوبة كسرّ، فهذا الكلام كله خارج عن مفاهيمهم.
10- التوبة – السلوك، والأعمال
البروتستانت لا يرون الحياة المسيحية حياة سلوك وعمل، بل هي حياة نعمة وإيمان، والأرثوذكسية يهمها الإيمان والنعمة، ولكنها تنادي مع الرسول "فَاصْنَعُوا أَثْمَارًا تَلِيقُ بِالتَّوْبَةِ" (مت3: 8). وترى أن السلوك المسيحي أمر واجب ولازم للخلاص.
فإن كان البروتستانت يصرون على أهمية الدم لتطهير الإنسان، فإننا نضع أمامهم قول يوحنا الرسول (في علاقة السلوك بالدم) "وَلكِنْ إِنْ سَلَكْنَا فِي النُّورِ كَمَا هُوَ فِي النُّورِ، فَلَنَا شَرِكَةٌ بَعْضِنَا مَعَ بَعْضٍ، وَدَمُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِهِ يُطَهِّرُنَا مِنْ كُلِّ خَطِيَّةٍ" (1يو1: 7). وهذا وضع السلوك كشرط. لا تطهير بالدم بدون التوبة. التوبة شرط أساسي.
وساطة الكنيسة
وساطة الكنيسة
قال القديس بولس عن عمل السيد المسيح الكفاري في الفداء:
"يُوجَدُ. وَسِيطٌ وَاحِدٌ بَيْنَ اللهِ وَالنَّاسِ: الإِنْسَانُ يَسُوعُ الْمَسِيحُ الَّذِي بَذَلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً لأَجْلِ الْجَمِيعِ" (1تي2: 5). وواضح هنا أن الكلام عن الفداء.
وبنفس المعنى قال القديس يوحنا الرسول: "إِنْ أَخْطَأَ أَحَدٌ فَلَنَا شَفِيعٌ عِنْدَ الآبِ، يَسُوعُ الْمَسِيحُ الْبَارُّ. وَهُوَ كَفَّارَةٌ لِخَطَايَانَا. لَيْسَ لِخَطَايَانَا فَقَطْ، بَلْ لِخَطَايَا كُلِّ الْعَالَمِ أيضًا" (1يو2: 1، 2). وواضح أن الكلام عن الكفارة والشفاعة الكفارية.
إذًا الوساطة التي تحدث عنها بولس الرسول خاصة بالفداء.
والشفاعة التي تحدث عنها يوحنا الرسول خاصة بالكفارة...
ولكن إخوتنا البروتستانت يستخدمون هاتين الآيتين استخدامًا واسعًا جدًا يخرجهما عن موضوع الكفارة والفداء، إلى إنكار كل ما يعتقدونه وساطة بين الله والناس.
فيعتقدون بعلاقة مباشرة بين الله والناس.
تجعلهم في غير حاجة إلى الكهنوت ووساطة الكنيسة!
هم يعتبرون الكهنوت وساطة، فلا يؤمنون به!!
وكذلك شفاعة القديسين وساطة! فلا يعتقدون بها!
وأيضًا الاعتراف، والتحليل هما من عمل الكهنوت، فلا حاجة لهم بها. إنما في علاقة مباشرة يعترفون على الله، ويأخذون المغفرة منه مباشرة...
وحتى بعد الوفاة، لا أهمية في نظرهم للصلاة على الموتى، لأنها شفاعة من الكنيسة فيهم! ولون من الوساطة!
ولنضرب مثلا آخر بالمعمودية
الولادة الجديدة التي ننالها في المعمودية (يو3: 5، تي3: 5)، وكذلك التبرير وغفران الخطايا بالمعمودية (أع2: 38، 22: 16).
يعتقد الإنسان البروتستانتي أنه ينال كل هذا بمجرد إيمانه. ويدخل الأمر إذًا في علاقته المباشرة مع الله، ولا حاجة إلى الكهنوت والكنيسة...
ويعتقد أنه ينال الخلاص بمجرد إيمانه.
كأن المعمودية لا قيمة لها، ولا علاقة لها بموضوع الخلاص!! وكأن السيد المسيح لم يقل "مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ" (مر16: 16)، مع باقي الآيات التي تربط بين المعمودية والخلاص، مثل (1بط3: 20، 21)، (تي3: 5). وهكذا يصل إلى الخلاص اللحظي، أو الخلاص في لحظة!
ولأن المعمودية تتم عن طريق الكهنوت والكنيسة، إذًا لا دخل لها في موضوع خلاصه، الذي يتوقف في اعتقاده على مجرد العلاقة المباشرة بينه وبين الله، دون وساطة الكنيسة! أي بإيمانه الشخصي...
الإيمان
وهنا أحب أن أسأل سؤالًا بخصوص هذا الإيمان: الإيمان الذي يرى المسيحي البروتستانتي، أنه ينال به التبرير والتجديد والتبني ومغفرة الخطايا، والخلاص عمومًا. حتى يقول البعض "كله بالإيمان". كيف ينال الإنسان الإيمان؟ أليس عن طريق الكنيسة؟
يقول القديس بولس الرسول في شرح عبارة: "كُلَّ مَنْ يَدْعُو بِاسْمِ الرَّبِّ يَخْلُصُ" (رو10: 13) "فَكَيْفَ يَدْعُونَ بِمَنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ؟ وَكَيْفَ يُؤْمِنُونَ بِمَنْ لَمْ يَسْمَعُوا بِهِ؟ وَكَيْفَ يَسْمَعُونَ بِلاَ كَارِزٍ؟ وَكَيْفَ يَكْرِزُونَ إِنْ لَمْ يُرْسَلُوا؟" (رو10: 14، 15). إذًا لا بد من كارز يكون واسطة للإيمان. وهذا الكارز لا بد أن ترسله الكنيسة... إذًا الكنيسة هي الوسيط الذي يوصل الإيمان إلى الناس، الإيمان بالله. هوذا بولس الرسول يقول لأهل كورنثوس عن وساطته هو وزميله أبلوس:
"فَمَنْ هُوَ بُولُسُ؟ وَمَنْ هُوَ أَبُلُّوسُ؟ بَلْ خَادِمَانِ آمَنْتُمْ بِوَاسِطَتِهِمَا" (1كو3: 5).
إذًا كان بولس وأبلوس وسيطين، عن طريقهما وصل الإيمان إلى أهل كورنثوس. ونفس الوضع قيل في الإنجيل عن يوحنا المعمدان الكاهن "هذَا جَاءَ لِلشَّهَادَةِ لِيَشْهَدَ لِلنُّورِ، لِكَيْ يُؤْمِنَ الْكُلُّ بِوَاسِطَتِهِ" (يو1: 7). هذه إذًا هي أول وساطة بين الله والناس: توصيل الناس إلى الإيمان بالله...
وإن لم يكن هناك وسطاء بين الله والناس، فماذا كانت إذًا وظيفة الأنبياء والرسل والمعلمين؟
هوذا الكتاب يقول عن الرب: "وَهُوَ أَعْطَى الْبَعْضَ أَنْ يَكُونُوا رُسُلًا، وَالْبَعْضَ أَنْبِيَاءَ، وَالْبَعْضَ مُبَشِّرِينَ، وَالْبَعْضَ رُعَاةً وَمُعَلِّمِينَ" (أف4: 11). لماذا؟ ما هو عمل كل هؤلاء، إلا أن يكونوا وسطاء بين الله والناس. ولذلك قال عن عملهم: "لأَجْلِ تَكْمِيلِ الْقِدِّيسِينَ لِعَمَلِ الْخِدْمَةِ، لِبُنْيَانِ جَسَدِ الْمَسِيحِ" (أف4: 12). إنهم ينقلون الإيمان إلى الناس.
فهل إن آمنوا يتركونهم؟! كلا، بل يعمدونهم.
وهكذا قال السيد المسيح لرسله القديسين: "اذْهَبُوا إِلَى الْعَالَمِ أَجْمَعَ وَاكْرِزُوا بِالإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا. مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ" (مر16: 15، 16). وقال لهم أيضًا: "اذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآب وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ. وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ" (مت28: 19، 20).
وبعمل الكنيسة في الكرازة والتعليم، انتشر الإيمان.
المعمودية
وكانت الكنيسة تعمّد كل من يؤمن...
الذين آمنوا في يوم الخمسين من اليهود، عمدهم الرسل وكانوا نحو ثلاثة آلاف (أع2: 37- 41) وعمدوا أهل السامرة لما آمنوا (أع8: 12، 16). والخصي الحبشي لما آمن اعتمد (أع8: 37، 38). وسجّان فيلبي الذي قال له بولس الرسول: "آمِنْ بِالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ فَتَخْلُصَ أَنْتَ وَأَهْلُ بَيْتِكَ" (أع16: 31)، هذا "اعْتَمَدَ فِي الْحَالِ هُوَ وَالَّذِينَ لَهُ أَجْمَعُونَ" (أع16: 33). وكذلك اعتمدت ليديا بائعة الأرجوان هي وأهل بيتها (أع1: 15).
إذًا كانت الكنيسة واسطة في نشر الإيمان، وفي تعميد المؤمنين وأهلهم...
هل يجرؤ أحد إذًا أن يقول – في غير موضوع الكفارة والفداء – لا وسيط بين الله والناس؟ الكنيسة إذًا كان من عملها الكرازة ونشر الإيمان. وكان كهنتها يقومون أيضًا بتعميد المؤمنين. والكتاب كان يسميهم أحيانا "سُفَرَاءَ" (2كو5: 20)، أو "وكلاء الله" (تي1: 7)، أو"وُكَلاَءِ سَرَائِرِ اللهِ" (1كو4: 1). وماذا أيضًا؟
عهد الرب إليهم أيضًا بالتعليم، الذي لم يعهد به لكل أحد.
التعليم
بعد أن عهد الرب لتلاميذه بالكرازة والتعميد، قال لهم: "وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ" (مت28: 20).
وهكذا عكف الرسل على "خِدْمَةِ الْكَلِمَةِ" (أع6: 4)، الكلمة التي قال عنها القديس يعقوب الرسول: "شَاءَ فَوَلَدَنَا بِكَلِمَةِ الْحَقِّ" (يع1: 18)، الكلمة توصل إلى الإيمان، والإيمان إلى المعمودية، والمعمودية بها الميلاد الثاني. والأصل هو كلمة التعليم.
وكما قال القديس بولس الرسول عن علاقة المسيح بالكنيسة: "لِكَيْ يُقَدِّسَهَا، مُطَهِّرًا إِيَّاهَا بِغَسْلِ الْمَاءِ بِالْكَلِمَةِ" (أف5: 26). فالكلمة توصل الإيمان، والإيمان يوصل إلى المعمودية وغسل الماء. وهذا الغسل من الخطايا يؤدي إلى التطهير والتقديس.
وكما أن المعمودية والإيمان لهما علاقة بالخلاص (مر16: 16). كذلك كلمة التعليم... هي التي توصل إلى الإيمان والمعمودية، ومن ثم إلى الخلاص. أو توصل إلى التوبة فالخلاص. وهكذا قال القديس بولس الرسول لتلميذه تيموثاوس الأسقف: "لاَحِظْ نَفْسَكَ وَالتَّعْلِيمَ وَدَاوِمْ عَلَى ذلِكَ، لأَنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ هذَا، تُخَلِّصُ نَفْسَكَ وَالَّذِينَ يَسْمَعُونَكَ أيضًا" (1تي4: 16).
الولادة من الله
بالكلمة، والإيمان، والمعمودية يصل الإنسان إلى الميلاد الثاني.
إذًا الكنيسة تلد الناس بالإيمان والمعمودية.
تلدهم بالروح القدس "مِنَ الْمَاءِ وَالرُّوحِ" (يو3: 5). تلدهم لله، فيصيرون أبناء لله. وفي هذا المعنى يقول القديس بولس الرسول في رسالته إلى فيلمون "أَطْلُبُ إِلَيْكَ لأَجْلِ ابْنِي أُنِسِيمُسَ، الَّذِي وَلَدْتُهُ فِي قُيُودِي" (فل 10). وبولس الرسول كان بتولًا. وهو هنا يقصد الولادة الروحية لأنسيمس. وبالمثل يقول لأهل كورنثوس: "لأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ لَكُمْ رَبَوَاتٌ مِنَ الْمُرْشِدِينَ فِي الْمَسِيحِ، لكِنْ لَيْسَ آبَاءٌ كَثِيرُونَ. لأَنِّي أَنَا وَلَدْتُكُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ بِالإِنْجِيلِ" (1كو4: 15).
للكنيسة عمل آخر غير ولادة أبناء الله وهو:
منح الروح القدس
الكنيسة هي الوسيط في منح الروح القدس للمؤمنين المعمدين.
هل يستطيع أحد أن يحيا حياة روحية بدون عمل الروح القدس فيه؟ وإن كان هذا أمرًا حيويًا لكل مؤمن، فكيف ينال الروح القدس؟ يقول الكتاب إنه: "لَمَّا سَمِعَ الرُّسُلُ الَّذِينَ فِي أُورُشَلِيمَ أَنَّ السَّامِرَةَ قَدْ قَبِلَتْ كَلِمَةَ اللهِ، أَرْسَلُوا إِلَيْهِمْ بُطْرُسَ وَيُوحَنَّا"، لإعطائهم الروح القدس "حِينَئِذٍ وَضَعَا الأَيَادِيَ عَلَيْهِمْ فَقَبِلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ" (أع8: 17). وبالمثل حدث لأهل أفسس بعد عمادهم "وَلَمَّا وَضَعَ بُولُسُ يَدَيْهِ عَلَيْهِمْ حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَيْهِمْ" (أع19: 6).
ثم صار منح الروح القدس بالمسحة المقدسة (1يو2: 20، 27).
وكيف ينال المؤمن هذه المسحة؟ بواسطة الكنيسة طبعًا، لأنه لا يمسح نفسه... هل نقول إذًا: لا وسيط؟! لقد نلت الروح القدس عن طريق هذا الوسيط.
والمسحة لها تاريخ طويل في العهد القديم، منذ أن أمر الرب موسى بعملها "دُهْنًا مُقَدَّسًا لِلْمَسْحَةِ" (خر30: 25). ليمسح بها خيمة الاجتماع والمذابح والأواني "وَتُقَدِّسُهَا فَتَكُونُ قُدْسَ أَقْدَاسٍ"، ويمسح بها هارون وبنيه كهنة (خر30: 25- 30، 40: 9- 16) وبالمسحة المقدسة مَسح صموئيل الملوك فحلَّ عليهم الروح القدس (1صم10: 1، 16: 13).
وهنا يذكرنا بوساطة أخرى للكنيسة وهي:
إقامة خدّام الرّب
لا يمكن أن يُبنى ملكوت الله بدون خدام للرب. والله عهد بهذا الأمر إلى الكنيسة. خذوا مثلًا لذلك في إقامة برنابا وشاول للخدمة. يقول الكتاب: "وَبَيْنَمَا هُمْ يَخْدِمُونَ الرَّبَّ وَيَصُومُونَ، قَالَ الرُّوحُ الْقُدُسُ: أَفْرِزُوا لِي بَرْنَابَا وَشَاوُلَ لِلْعَمَلِ الَّذِي دَعَوْتُهُمَا إِلَيْهِ" (أع13: 2).
على الرغم من هذه الدعوة الإلهية، إلا أن ذلك كان لا بد أن يمر من خلال القنوات الشرعية، أعني الكنيسة ووضع اليد. يقول الكتاب: "فَصَامُوا حِينَئِذٍ وَصَلُّوا وَوَضَعُوا عَلَيْهِمَا الأَيَادِيَ، ثُمَّ أَطْلَقُوهُمَا. فَهذَانِ إِذْ أُرْسِلاَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ انْحَدَرَا إِلَى سَلُوكِيَةَ" (أع13: 4). فلم يعتبرا مرسلين من الروح القدس، إلا بعد أن نالوا وضع اليد من الكنيسة.
نفس الوضع تقريبًا نراه بالنسبة إلى تيموثاوس الأسقف. يقول له القديس بولس الرسول: "أُذَكِّرُكَ أَنْ تُضْرِمَ أيضًا مَوْهِبَةَ اللهِ الَّتِي فِيكَ بِوَضْعِ يَدَيَّ" (2تي1: 6). إنها موهبة من الله. ولكنها تنال بواسطة، وهي وضع اليد من سلطة كهنوتية في الكنيسة.
ومع أن البروتستانت يؤمنون بوضع اليد في إقامة الخدام – والقياس مع الفارق – إلا أنهم لا يتكلمون عن الكنيسة كوسيط بين الله والناس... "مَنْ لَهُ أُذُنَانِ لِلسَّمْعِ، فَلْيَسْمَعْ" (مت13: 43).
الرعاية والتوبة
هل ترك الله خرافه بدون رعاة؟! كلا. يقول الرسول: "اِحْتَرِزُوا اِذًا لأَنْفُسِكُمْ وَلِجَمِيعِ الرَّعِيَّةِ الَّتِي أَقَامَكُمُ الرُّوحُ الْقُدُسُ فِيهَا أَسَاقِفَةً، لِتَرْعَوْا كَنِيسَةَ اللهِ الَّتِي اقْتَنَاهَا بِدَمِهِ" (أع20: 28).
أقامهم الله للاهتمام بأولاده، فهم وكلاؤه.
ولعل من أهم الأمور مصالحتهم مع الله بقيادتهم إلى التوبة. وفي هذا يقول القديس بولس الرسول: "وَأَعْطَانَا خِدْمَةَ الْمُصَالَحَةِ... إِذًا نَسْعَى كَسُفَرَاءَ عَنِ الْمَسِيحِ، كَأَنَّ اللهَ يَعِظُ بِنَا. نَطْلُبُ عَنِ الْمَسِيحِ: تَصَالَحُوا مَعَ اللهِ" (2كو5: 18، 20).
أليست هذه وساطة؟! في عمل صلح بين الله والناس.
ليتنا إذًا نقرأ هذا المقال من أوله. ونرى عناصر الوساطة التي تقوم بها الكنيسة.
وكلها وساطة خاصة بالخلاص.
وهكذا يقول الرسول في قيادة الناس إلى التوبة: "مَنْ رَدَّ خَاطِئًا عَنْ ضَلاَلِ طَرِيقِهِ، يُخَلِّصُ نَفْسًا مِنَ الْمَوْتِ، وَيَسْتُرُ كَثْرَةً مِنَ الْخَطَايَا" (يع5: 20). وأيضًا "وَخَلِّصُوا الْبَعْضَ بِالْخَوْفِ، مُخْتَطِفِينَ مِنَ النَّارِ.." (يه 23).
كما أن قيادة الناس للإيمان والمعمودية هي للخلاص أيضًا (مر16: 16). والتعليم أيضًا هدفه الخلاص كذلك (1تي4: 16).
وكذلك باقي الأمور التي تقوم بها الكنيسة.
خلافات طقسية - الاتجاه إلى الشرق
خلافات طقسية
الاتجاه إلى الشرق
إننا نبني كنائسنا متجهة إلى الشرق. ونصلي ونحن متجهون إلى الشرق، لأن الشرق يوجه قلوبنا إلى تأملات نعتز بها، حتى أصبح بالنسبة إلينا رمزًا وأيضًا من أجل أهمية الشرق في فكر الله كذلك. فإن كان الله قد اهتم به، فلنهتم به نحن أيضًا...
1) قبل أن يخلق الله الإنسان، أعدّ له الشرق كمصدر للنور. ورأى الله النور أنه حسن وفي لغتنا نقول عن ظهور الشمس أنه شروقها. وأصبحت عبارة تشرق الشمس، أي تظهر من الشرق، أي تنير، والشمس خلقت في اليوم الرابع قبل خلق الإنسان في اليوم السادس (تك 1).
وشروق الشمس رمز للسيد المسيح ونوره. وقد سمي الرب "شَمْسُ الْبِرِّ" وقيل "تُشْرِقُ شَمْسُ الْبِرِّ وَالشِّفَاءُ فِي أَجْنِحَتِهَا.." (ملا4: 2).
2) وقبل خلق الإنسان أيضًا، "غَرَسَ الرَّبُّ الإِلهُ جَنَّةً فِي عَدْنٍ شَرْقًا" (تك2: 8)، ووضعه فيها، وهناك أيضًا كانت شجرة الحياة، وكانت الحياة الأولى للإنسان قبل الخطية، وجنة عدن ترمز إلى الفردوس الذي نتطلع إليه.
وصار اتجاه الإنسان إلى الشرق، يرمز لتطلعه إلى الفردوس الذي حرمته منه الخطية، ويرمز لتطلعه إلى شجرة الحياة.
3) نلاحظ أيضًا أن السيد المسيح ولد في بلاد الشرق، والمجوس رأوا نجمه في المشرق (مت2: 2). وكان هذا النجم يرمز إلى الإرشاد الإلهي. ولما تبعه المجوس قادهم إلى الرب. ما أجمل هذا التأمل!
4) والمسيح الذي ولد في الشرق، ونجمه في المشرق، شبهت أمه العذراء بباب في المشرق (حز44: 1، 2).
5) وهكذا نرى أن الخلاص قد أتى إلى العالم من الشرق. فالمسيح صُلب أيضًا في بلاد الشرق، وهناك بذل دمه عن غفران خطايا العالم كله.
6) وفي المشرق بدأت الديانة والكنيسة. في الشرق أورشليم، مدينة الملك العظيم، وفيه تأسست أول كنيسة في العالم. ومن الشرق امتدت رسالة الإنجيل إلى العالم كله. وفيه سالت دماء أول شهيد في المسيحية.
7) كذلك الكتاب المقدس تحدّث كثيرًا عن أن مجد الله في المشرق.
ففي (إش24: 15) "فِي الْمَشَارِقِ مَجِّدُوا الرَّبَّ"، وفي سفر حزقيال نبوءة عن مجيء المسيح في مجده من المشرق. يقول: "وَإِذَا بِمَجْدِ إِلهِ إِسْرَائِيلَ جَاءَ مِنْ طَرِيقِ الشَّرْقِ وَصَوْتُهُ كَصَوْتِ مِيَاهٍ كَثِيرَةٍ، وَالأَرْضُ أَضَاءَتْ مِنْ مَجْدِهِ" (حز43: 1، 2).
8) لذلك فإن غالبية اللاهوتيين يقولون: "إن المجيء الثاني سيكون من المشرق وكما صعد هكذا يأتي" (أع1: 11) ففي نبوءة زكريا (14: 3، 4) أن الرب "تَقِفُ قَدَمَاهُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ عَلَى جَبَلِ الزَّيْتُونِ الَّذِي قُدَّامَ أُورُشَلِيمَ مِنَ الشَّرْقِ".
9) الكلام عن الشرق جميل وذكرياته حلوة.
في حزقيال (47: 1- 9) يتكلم عن "أنهار حياة في المشرق" وفي (2مل13: 17) يتكلم في الشرق عن "سَهْمُ خَلاَصٍ لِلرَّبِّ"، وفي (إش24: 15) "فِي الْمَشَارِقِ مَجِّدُوا الرَّبَّ".
10) إن الذكريات لها في القلب تأثير.
ولها مفعولها الروحي في النفس. ويعجبني أن دانيال النبي حينما تحدى العبادات الوثنية، وصعد إلى عليته ليصلي، فتح الطاقة التي تطل على أورشليم، وركع وصلى... حقًا إن الله موجود في كل مكان، ولكن الاتجاه إلى أورشليم في الشرق كان له معنى وتأثير عميق في القلب، والذكريات تعطي القلب أهمية لأمكنة معينة، تثير ذكراها عواطف مقدسة.
11) إننا لسنا عقلًا صرفًا في عبادتنا: فالحواس تعمل، وتتأثر، وتؤثر في مشاعر الروح. ومثال ذلك، أننا نصلي ونرفع نظرنا إلى فوق، بينما الله موجود في كل مكان... ولكن النظر إلى فوق، يحرك في قلوبنا مشاعر روحية تعطي لصلاتنا عمقًا خاصًا. كذلك الاتجاه إلى الشرق...
والمسيح نفسه، في أكثر من مناسبة، نظر إلى فوق، مع أن الآب فيه وهو في الآب. ولكن النظر إلى فوق له دلالة خاصة...
12) ونحن حينما ننظر إلى الشرق، إنما نتجه إلى المذبح الموجود في الشرق، لأن الذبيحة لها في قلوبنا مكانتها الروحية، والمسيح فصحنا، كان ذبيحة في الشرق.
13) وفي المعمودية، بطريقة رمزية أيضًا، يتجه المعمد وإشبينه نحو الغرب لجحد الشيطان، ثم يتجهان إلى الشرق لتلاوة قانون الإيمان، وبهذا يشعر أنه في المعمودية ينتقل من الغرب إلى الشرق، أي من الظلمة إلى النور.
14) ونحن نسأل: لماذا يحارب البروتستانت الشرق بكل ما يحمل من رموز ومن معان روحية وتأملات وذكريات مقدسة، تسندها نصوص من الكتاب المقدس. ولا يوجد في ذلك أي خطأ عقيدي يثير الغيرة المقدسة؟!
خلافات طقسية - كرام الصليب
إكرام الصليب
من الخلافات التي بيننا وبين البروتستانت إكرامنا العجيب للصليب. ومن ذلك رشم الصليب. فهم لا يرشمون ذاتهم بعلامة الصليب قبل الصلاة ولا بعدها قائلين: باسم الآب والابن والروح القدس. ولا يرشمون الطعام بعلامة الصليب قبل الأكل. ولا يستخدمون الصليب للبركة. لا في رشم الناس، ولا في رشم الملابس.
ويكتفي البروتستانت بإيمان قلوبهم بالصليب دون استخدامه. وكانوا إلى عهد قريب لا يعلقونه على الكنائس. وكثير منهم لا يعلقونه على صدورهم. وكلهم لا يمسكون صليبًا في أيديهم. وهم أيضًا لا يحتفلون بأعياد الصليب، ولا بموكب له، ولا يطوفون به بالأناشيد والألحان.
وهم أيضًا لا يقبلون الصليب، ولا يأخذون بركته.
وسنحاول الآن أن نشرح لماذا اهتمامنا هذا كله بالصليب. ونرى كيف أن رشم الصليب نافع ومفيد وأيضًا موافق لتعليم الكتاب المقدس.
VUV
1- تركيز السيد المسيح على الصليب.
وذلك منذ بدء خدمته، وفي أثناء تعليمه، قبل أن يصلب.
فقد قال: "وَمَنْ لاَ يَأْخُذُ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعُني فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي" (مت10: 38) وقال: "إِنْ أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَأْتِيَ وَرَائِي فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعْنِي" (مت16: 24)، (مر8: 34) وفي حديثه مع الشاب الغني قال له: "اِذْهَبْ بِعْ كُلَّ مَا لَكَ وَأَعْطِ الْفُقَرَاءَ... وَتَعَالَ اتْبَعْنِي حَامِلًا الصَّلِيبَ" (مر10: 21) وقال أيضًا: "وَمَنْ لاَ يَحْمِلُ صَلِيبَهُ وَيَأْتِي وَرَائِي فَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَكُونَ لِي تِلْمِيذًا" (لو14: 27).
2- وقد كان الصليب موضع كرامة الملاك والرسل.
من الأشياء الجميلة أن الملاك المبشر بالقيامة قال للمريمتين: "أَنَّكُمَا تَطْلُبَانِ يَسُوعَ الْمَصْلُوبَ. لَيْسَ هُوَ ههُنَا، لأَنَّهُ قَامَ كَمَا قَالَ.." (مت28: 5، 6). وهكذا سماه "يَسُوعَ الْمَصْلُوبَ" مع أنه كان قد قام. وظل لقب المصلوب لاصقًا به وقد استخدمه آباؤنا الرسل. وركزوا على صلبه في كرازتهم.
ففي كرازة القديس بطرس، قال لليهود: "يَسُوعَ هذَا الَّذِي صَلَبْتُمُوهُ أَنْتُمْ" (أع2: 36). والقديس بولس الرسول يركز على هذه النقطة فيقول: "لكِنَّنَا نَحْنُ نَكْرِزُ بِالْمَسِيحِ مَصْلُوبًا" (1كو1: 23)، على الرغم من أن صلبه هذا كان يعتبر "لِلْيَهُودِ عَثْرَةً، وَلِلْيُونَانِيِّينَ جَهَالَةً".
ويعتبر الرسول أن الصليب جوهرة المسيحية فيركز عليه قائلًا: "لأَنِّي لَمْ أَعْزِمْ أَنْ أَعْرِفَ شيئًا بَيْنَكُمْ إلاَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ وَإِيَّاهُ مَصْلُوبًا" (1كو2: 2). أي أن هذا الصليب هو الأمر الوحيد الذي أريد أن أعرفه.
3- وهكذا كان الصليب موضع فخر الرسل.
فيقول القديس بولس الرسول: "وَأَمَّا مِنْ جِهَتِي، فَحَاشَا لِي أَنْ أَفْتَخِرَ إِلاَّ بِصَلِيبِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ.." (غلا6: 14). وإن سألناه عن السر في هذا يكمل قائلًا: "الَّذِي بِهِ قَدْ صُلِبَ الْعَالَمُ لِي وَأَنَا لِلْعَالَمِ" (غلا6: 14).
4- ونحن حينما نرشم الصليب، نتذكر كثيرًا من المعاني اللاهوتية والروحية المتعلقة به
نتذكر محبة الله لنا، الذي من أجل خلاصنا، قبل الموت عنا "كُلُّنَا كَغَنَمٍ ضَلَلْنَا. مِلْنَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى طَرِيقِهِ، وَالرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا" (إش53: 6). حينما نرشم الصليب نتذكر "حَمَلُ اللهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ" (يو1: 29) (1يو2: 2).
5- وفي رشمنا للصليب نعلن تبعيتنا لهذا المصلوب
إن الذين يأخذون الصليب بمجرد معناه الروحي داخل القلب، دون أية علامة ظاهرة، لا يظهرون هذه التبعية علنًا، التي نعلنها برشم الصليب، وبحمل الصليب على صدورنا. وبتقبيل الصليب أمام الكل، وبرشمه على أيدينا، وبرفعه على أماكن عبادتنا.
إننا بهذا كله، إنما نعلن إيماننا جهارًا، ولا نستحي بصليب المسيح أمام الناس بل نفتخر به، ونتسمى به. ونعيد له أعيادًا، ونتمسك به، حتى دون أن نتكلم مجرد مظهرنا يعلن إيماننا.
6- إن الإنسان ليس مجرد روح، أو مجرد عقل، بل له أيضًا حواس جسدية يجب أن تحس الصليب بالطريقة السابقة.
كما أنه ليس جميع الناس في مستوى روحي واحد، لا يحتاجون فيه إلى الحواس. إن الحواس تتغذى بكل ما سبق، ولا تقتصر على ذاتها بل تنقل تأثراتها إلى العقل وإلى الروح، وربما العقل لا يتذكر الصليب من تلقاء ذاته، أو لا يتذكره كثيرًا ولكنه عن طريق الحواس، حينما يرى الصليب مرسومًا أمامه، يتذكر ما يختص بالصليب وبالمصلوب من مشاعر ومن معان روحية ولاهوتية...
وهكذا نعبد الله روحًا وعقلًا وجسدًا. وكل هذا يقوي بعضه بعضًا.
7- ونحن لا نرشم الصليب على أنفسنا في صمت، إنما نقول معه باسم الآب والابن والروح القدس.
وبهذا نعلن في كل مرة عقيدتنا بالثالوث القدوس الذي هو إله واحد، إلى الأبد آمين وهكذا يكون الثالوث في ذهننا باستمرار، الأمر الذي لا يتاح للذين لا يرشمون الصليب مثلنا.
8- وفي الصليب أيضًا نعلن عقيدتي التجسد والفداء.
فنحن إذ نرشم الصليب من فوق إلى تحت، ومن الشمال إلى اليمين، إنما نتذكر أن الله نزل من السماء إلى تحت إلى أرضنا، فنقل الناس من الشمال إلى اليمين، ومن الظلمة إلى النور، ومن الموت إلى الحياة، وما أكثر التأملات التي تدور بقلوبنا وأفكارنا من رشم علامة الصليب.
9- وفي رشمنا للصليب تعليم ديني لأولادنا ولغيرهم.
كل من يرشم الصليب، حينما يصلي، وحينما يدخل إلى الكنيسة، وحينما يأكل، وحينما ينام، وفي كل وقت، إنما يتذكر الصليب. وهذا التذكر مفيد روحيًا ومطلوب كتابيًا، وفيه أيضًا تعليم الناس، إن المسيح قد صُلب وتعليم بالذات لأولادنا الصغار الذين يشبون من صغرهم متعودين على الصليب.
10- وبرشمنا الصليب إنما نبشر بموت الرب عنا حسب وصيته.
وهذه وصية الرب لنا أن نبشر بموته (الذي لأجل فدائنا) إلى أن يجيء (1كو10: 26). ونحن برشم الصليب نتذكر موته كل حين، نظل نتذكره إلى أن يجيء.
ونحن نتذكره كذلك في سر الإفخارستيا. ولكن هذا السر لا يقام في كل وقت، بينما الصليب يمكن أن نرشمه في كل وقت، متذكرين موت المسيح عنا...
11- وفي رشمنا للصليب، نتذكر أن عقوبة الخطية موت.
لأنه لولا ذلك ما مات المسيح. كنا نحن "أَمْوَاتٌ بِالْخَطَايَا" (أف2: 5) ولكن المسيح مات عنا على الصليب وأعطانا الحياة. وعلى الصليب إذ دفع الثمن قال للآب: "يَا أَبَتَاهُ، اغْفِرْ لَهُمْ".
12- وفي رشمنا الصليب نتذكر محبة الله لنا.
نتذكر أن الصليب ذبيحة حب. "لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ" (يو3: 16). ونتذكر أن "اللهَ بَيَّنَ مَحَبَّتَهُ لَنَا، لأَنَّهُ وَنَحْنُ بَعْدُ خُطَاةٌ مَاتَ الْمَسِيحُ لأَجْلِنَا... صُولِحْنَا مَعَ اللهِ بِمَوْتِ ابْنِهِ" (رو5: 8-10).
في الصليب نتذكر محبة الله لنا، لأنه "لَيْسَ لأَحَدٍ حُبٌّ أَعْظَمُ مِنْ هذَا: أَنْ يَضَعَ أَحَدٌ نَفْسَهُ لأَجْلِ أَحِبَّائِهِ" (يو15: 13).
13- ونحن نرشم الصليب لأنه يمنحنا القوة
القديس بولس الرسول يشعر بقوة الصليب هذه فيقول: "بِهِ قَدْ صُلِبَ الْعَالَمُ لِي وَأَنَا لِلْعَالَمِ" (غلا6: 14). ويقول أيضًا: "إِنَّ كَلِمَةَ الصَّلِيبِ عِنْدَ الْهَالِكِينَ جَهَالَةٌ، وَأَمَّا عِنْدَنَا نَحْنُ الْمُخَلَّصِينَ فَهِيَ قُوَّةُ اللهِ" (1كو1: 18).
لاحظوا هنا أنه لم يقل إن عملية الصليب هي قوة الله، إنما قال إن مجرد "كلمة الصليب" هي قوة الله.
لذلك نحن حينما نرشم علامة الصليب، وحينما نذكر الصليب، نمتلئ قوة. لأننا نتذكر أن الرب بالصليب داس الموت، ومنح الحياة لكل الناس. وقهر الشيطان. وغلبه ولذلك:
14- فنحن نرشم الصليب لأن الشيطان يخافه.
كل تعب الشيطان منذ آدم إلى آخر الدهور ضاع على الصليب، إذ دفع الرب الثمن، ومحى جميع خطايا الناس بدمه، ممن يؤمنون ويطيعون، لذلك فإن الشيطان كلما يرى الصليب يرتعب متذكرًا هزيمته الكبرى وضياع تعبه، فيخزى ويهرب.
وهكذا كان أولاد الله يستخدمون باستمرار علامة الصليب باعتبارها علامة الغلبة والانتصار، أو هي قوة الله. فمن جهتنا نمتلئ قوة من الداخل، أما عن العدو في الخارج فهو يرتعب.
وكما كانت تُرفع الحية النحاسية في القديم شفاءً للناس وخلاصًا من الموت، هكذا رُفع ربّ المجد على الصليب (يو3: 14) وهكذا علامة الصليب في مفعولها.
15- ونحن نرشم علامة الصليب فنأخذ بركته.
كان العالم كله يقع تحت حكم اللعنة بالموت بسبب الخطية. ولكن على الصليب حمل الرب كل لعناتنا لكي يمنحنا بركة المصالحة مع الله (رو5: 10). وبركة الحياة الجديدة النقية، وبركة العطية في جسده، وكل نعم العهد الجديد مستمدة من الصليب.
لذلك استخدم رجال الإكليروس هذا الصليب في منح البركة، إشارة إلى أن البركة لا تصدر منهم شخصيًا، إنما من صليب الرب الذي ائتمنهم على استخدامه في منح البركة. ولأنهم يستمدون كهنوتهم من كهنوت هذا المصلوب.
وكل بركات العهد الجديد نابعة من صليب الرب وفاعليته.
16- لذلك فكل الأسرار المقدسة في المسيحية نستخدم فيها الصليب.
لأنها كلها نابعة من استحقاقات دم المسيح على الصليب.
فلولا الصليب، ما كنا نستحق أن نقترب إلى الله كأبناء في المعمودية وما كنا نستحق التناول من جسده ودمه في سر الإفخارستيا (1كو11: 26). وما كنا نستطيع التمتع ببركات أي سر من أسرار الكنيسة.
17- ونحن نهتم بالصليب، لنتذكر الشركة التي لنا فيه.
نتذكر قول القديس بولس الرسول: "مَعَ الْمَسِيحِ صُلِبْتُ، فَأَحْيَا لاَ أَنَا، بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ..." (غلا2: 20) وقوله أيضًا: "لأَعْرِفَهُ، وَقُوَّةَ قِيَامَتِهِ، وَشَرِكَةَ آلاَمِهِ، مُتَشَبِّهًا بِمَوْتِهِ" (في3: 10). وهنا نسأل أنفسنا متى ندخل في شركة آلام الرب ونصلي معه.
وهنا نتذكر اللص الذي صُلبَ معه، فاستحق أن يكون في الفردوس معه.
ولعله صار في الفردوس يغني بالأغنية التي قالها القديس بولس فيما بعد: "مَعَ الْمَسِيحِ صُلِبْتُ".
كل أمنياتنا أن نصعد على الصليب مع المسيح ونفتخر بهذا الصليب الذي نذكره الآن كلما تلامس مع حواسنا.
18- ونحن نكرم الصليب لأنه موضع سرور للآب.
الآب الذي تقبل ذبيحة المسيح على الصليب بكل سرور، كذبيحة خطية، وكمحرقة أيضًا "رَائِحَةِ سَرُورٍ لِلرَّبِّ" (لا1: 9، 13، 17). وقال إشعياء النبي في ذلك: "أَمَّا الرَّبُّ فَسُرَّ بِأَنْ يَسْحَقَهُ بِالْحَزَنِ..." (إش53: 10).
إن السيد المسيح أرضى الآب بكمال حياته على الأرض، ولكنه دخل في ملء هذا الإرضاء على الصليب، حيث "أَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ" (في2: 8).
ففي كل مرة ننظر إلى الصليب نتذكر كمال الطاعة، وكمال الخضوع لكي نتمثل بالسيد المسيح في طاعته، حتى الموت.
وكما كان الصليب موضع سرور للآب، كان هذا أيضًا بالنسبة إلى الابن المصلوب الذي قيل عنه: "مِنْ أَجْلِ السُّرُورِ الْمَوْضُوعِ أَمَامَهُ، احْتَمَلَ الصَّلِيبَ مُسْتَهِينًا بِالْخِزْيِ" (عب12: 2)
وهكذا كان ملء سرور المسيح في صلبه. ليتنا نكون هكذا.
19- وفي الصليب، نخرج إليه خارج المحلة، حاملين عاره (عب13: 13).
بنفس شعورنا في أسبوع الآلام ونذكر في ذلك ما قيل عن موسي النبي: "حَاسِبًا عَارَ الْمَسِيحِ غِنًى أَعْظَمَ مِنْ خَزَائِنِ مِصْرَ.." (عب11: 26). وعار المسيح هو صلبه وآلامه.
20- نحمل صليب المسيح الذي يذكرنا بمجيئه الثاني.
كما ورد في الإنجيل عن نهاية العالم ومجيء الرب "وَحِينَئِذٍ تَظْهَرُ عَلاَمَةُ ابْنِ الإِنْسَانِ فِي السَّمَاءِ (أي الصليب). "وَيُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ آتِيًا عَلَى سَحَاب السَّمَاءِ" (مت24: 30) فلنكرم علامة ابن الإنسان على الأرض، ما دمنا نتوقع علامته هذه في السماء في مجيئه العظيم.
خلافات طقسية - الأنوار والشموع
الأنوار والشموع
الكنيسة الأرثوذكسية تتميز بأنوارها. وتستخدم الشموع في صلواتها وعند قراءة الإنجيل، وأمام أيقونات القديسين، وعلى المذبح وأمامه في شرقيته، وفي الهيكل عمومًا. وتبقى الكنيسة مضيئة باستمرار. ولها برج عال يسمى المنارة... والبروتستانتية لا تستخدم شيئًا من هذا كله، بكل ما يحوي من رموز.
لذلك سنتعرض في هذا المقال المختصر عن الأنوار في الكنيسة، والحكمة فيها، وما تحويه من معان روحية.
1) الكنيسة نفسها لقبت في الكتاب المقدس بلقب منارة. وهذا واضح في سفر الرؤيا. إذ رأى يوحنا الإنجيلي الرب يسوع وسط سبع منائر من ذهب وكانت "الْمَنَايِرُ السَّبْعُ هِيَ السَّبْعُ الْكَنَائِسِ" (رؤ1: 20).
2) الكنيسة نشبهها بالسماء، على اعتبار أنها بيت الله أو مسكنه كالسماء. وقد كان هذا هو تقريبًا التعبير الذي أطلق على أول بيت لله، إذ قال أبونا يعقوب أبو الآباء "مَا أَرْهَبَ هذَا الْمَكَانَ! مَا هذَا إِلاَّ بَيْتُ اللهِ، وَهذَا بَابُ السَّمَاءِ" (تك28: 17).
وفي تشبيه الكنيسة بالسماء، ينبغي أن تضيء فيها الأنوار كالكواكب في السماء.
3) أو قد تمتد الأنوار في الكنيسة إلى ملائكة السماء، أو الملائكة التي كانت تصعد وتنزل على السلم الذي رآه أبونا يعقوب في بيت إيل (بيت الله) (تك28: 12). والملائكة يمكن أن يُرمز إليهم النور، إذ يسمّون أيضًا بملائكة النور (2كو11: 14).
4) أو قد ترمز أنوار الكنيسة إلى القديسين، الذين يقول لهم الرب: "فَلْيُضِئْ نُورُكُمْ هكَذَا قُدَّامَ النَّاسِ" (مت5: 16). وشبههم في تلك المناسبة بالسراج الذي يوضع على المنارة (مت5: 15). وذكر الإنجيل أيضًا أن "يُضِيءُ الأَبْرَارُ كَالشَّمْسِ فِي مَلَكُوتِ أَبِيهِمْ" (مت13: 43). والقديس يوحنا المعمدان – كمثال – قال عنه السيد المسيح لليهود "كَانَ هُوَ السِّرَاجَ الْمُوقَدَ الْمُنِيرَ، وَأَنْتُمْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَبْتَهِجُوا بِنُورِهِ سَاعَةً" (يو5: 35).
ولما كانت الكنيسة مملوءة بالملائكة وبالقديسين إذًا ينبغي أن تكون مملوءة بالأنوار.
5) بل ينبغي أن تكون الكنيسة مملوءة بالأنوار أولًا وقبل كل شيء لحلول الله فيها، والله نور (1يو1: 5). وقد قال السيد المسيح عن نفسه: "أَنَا هُوَ نُورُ الْعَالَمِ.." (يو8: 12).
6) والكنيسة تضاء بالأنوار، على مثال خيمة الاجتماع والهيكل وكلاهما كانتا مملوءتين بالأنوار. لا تنطفئ سرجهما أبدًا. وأمر الرب بإضاءة السرج بزيت الزيتون النقي ويشرف على هذا الأمر هارون وبنوه كفريضة أبدية. وقال في ذلك: "وَأَنْتَ تَأْمُرُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يُقَدِّمُوا إِلَيْكَ زَيْتَ زَيْتُونٍ مَرْضُوضٍ نَقِيًّا لِلضَّوْءِ لإِصْعَادِ السُّرُجِ دَائِمًا. فِي خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ، خَارِجَ الْحِجَابِ الَّذِي أَمَامَ الشَّهَادَةِ، يُرَتِّبُهَا هَارُونُ وَبَنُوهُ مِنَ الْمَسَاءِ إِلَى الصَّبَاحِ أَمَامَ الرَّبِّ. فَرِيضَةً دَهْرِيَّةً فِي أَجْيَالِهِمْ" (خر27: 20، 21). هذا أمر إلهي أصدره الله الذي قال: "لِيَكُنْ نُورٌ فَكَانَ نُورٌ" في اليوم الأول "وَرَأَى اللهُ النُّورَ أَنَّهُ حَسَنٌ.." (تك1: 3، 4).
7) والسرج التي تضاء بالزيت، لها معنى روحي، لأن الزيت يرمز للروح القدس. وكان يستخدم في المسحة فيحل روح الرب. كما مسح صموئيل داود فحل عليه روح الرب (1صم16: 13) وكما يذكر الإنجيل عن المسحة المقدسة (1يو2: 20، 27). وحتى الشموع التي نوقدها في الكنيسة هي أيضًا من زيت. والسرج في الكنيسة كانت فتائل تضيء بالزيت لنفس الرمز.
8) نلاحظ أن الله أمر بعمل منارة في بيته، سواء خيمة الاجتماع أو الهيكل وكان
السرج، والمنارة، من الذهب النقي (خر25: 31)، (خر37: 17)، (2أي4: 20). وكل هذا يدل على اهتمام الله بالأنوار في بيته.
9) كانت السرج تضاء باستمرار حسب أمر الرب. وكان إطفاء السرج وعدم الاهتمام بإضائتها يعتبر خيانة للرب تستحق العقوبة الشديدة. وفي هذا يقول الكتاب: "لأَنَّ آبَاءَنَا خَانُوا وَعَمِلُوا الشَّرَّ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ إِلهِنَا وَتَرَكُوهُ وَأَطْفَأُوا السُّرُجَ وَلَمْ يُوقِدُوا بَخُورًا. فَكَانَ غَضَبُ الرَّبِّ عَلَى يَهُوذَا وَأُورُشَلِيمَ، وَأَسْلَمَهُمْ لِلْقَلَقِ وَالدَّهْشِ" (2أي29: 6- 8). كل هذا يرينا مدى اهتمام الرب بإضاءة الأنوار في بيته.
10) ولإضاءة السرج معنى روحي عميق خاص، يرمز إلى الاستعداد الدائم، والسهر المستمر والاحتفاظ بعمل الروح القدس في القلب. ويقول لنا الرب عن هذا الاستعداد "لِتَكُنْ أَحْقَاؤُكُمْ مُمَنْطَقَةً وَسُرُجُكُمْ مُوقَدَةً، وَأَنْتُمْ مِثْلُ أُنَاسٍ يَنْتَظِرُونَ سَيِّدَهُمْ مَتَى يَرْجعُ مِنَ الْعُرْسِ. طُوبَى لأُولَئِكَ الْعَبِيدِ الَّذِينَ إِذَا جَاءَ سَيِّدُهُمْ يَجِدُهُمْ سَاهِرِينَ..." (لو12: 35- 37).
وضرب الرب لنا مثلًا بالعذارى الحكيمات اللائي كانت مصابيحهن موقدة، بينما الجاهلات انطفأت مصابيحهن (مت25: 1- 12). إن الزيت في المصابيح يرمز إلى عمل الروح القدس في القلب واستمراره موقدًا يرمز إلى السهر الدائم في حفظ القلب مرتبطًا بعمل الروح فيه.
11) وما يقال عن الأفراد يقال عن الكنيسة كلها. ورؤية الناس للنور في الكنيسة يوحي إليهم بواجبهم في احتفاظهم بالنور داخلهم، وأن تكون مصابيحهم دائمًا موقدة. ويتذكرون أن الكنيسة من العذارى الحكيمات اللائي احتفظن بمصابيحهن مضيئة.
12) أما إضاءة الشموع وقت قراءة الإنجيل، فهذا بلا شك أفضل من قراءة بدون إضاءة. إن ذلك يذكرنا بقول المزمور: "سِرَاجٌ لِرِجْلِي كَلاَمُكَ وَنُورٌ لِسَبِيلِي" (مز119: 105). وأيضًا يقول المرتل: "وَصيَّةُ الرَّبِّ مُضيئةٌ. تُنَيرُ العَيْنيْنِ عَنْ بُعدٍ" (مز19: 8).
13) والكنيسة الأولى منذ عصر الرسل كانت مهتمة بهذه الأنوار وما تحمله من رموز ويسجل لنا سفر أعمال الرسل عن العلية التي كان يعظ فيها بولس بعد كسر الخبز أنه "كَانَتْ مَصَابِيحُ كَثِيرَةٌ فِي الْعِلِّيَّةِ الَّتِي كَانُوا مُجْتَمِعِينَ فِيهَا" (أع20: 8).
14) والشموع التي نضعها أمام صور القديسين، إنما تذكرنا بأنهم كانوا أنوارًا في أجيالهم. وبأنهم كانوا كالشموع، يذوبون لكي "يُضِئْ نُورُكُمْ هكَذَا قُدَّامَ النَّاسِ" (مت5: 16).
خلافات طقسية - البخور
البخور
البروتستانت لا يستخدمون البخور، ولا المباخر (المجامر). ويعتبرون ذلك من عبادات العهد القديم التي انتهت، لأنها في اعتقادهم كانت مجرد رمز.
ونود هنا أن نستعرض تاريخ البخور قديمًا وحديثًا.
ونرى هل كان رمزًا أم عملًا روحيًا قائمًا بذاته؟!
1- قال الرب لموسى: "وَتَصْنَعُ مَذْبَحًا لإِيقَادِ الْبَخُورِ.." (خر30: 1).
ويقدم الرب لنا هنا ملاحظة جميلة جدًا. وهي أن البخور كان يعتبر في حد ذاته ذبيحة يقدمونها على مذبح يسمى مذبح البخور.
2- وقد اهتم الرب بمذبح البخور اهتمامًا شديدًا، فأمر أن يكون مغشى بالذهب من كل ناحية، وله إكليل من ذهب، ويُحمل على عصوين مغشيين بالذهب. ويوضع قدام الحجاب الذي أمام تابوت العهد (خر30: 3- 6) حيث يجتمع الله بموسى.
3) كان يشترط في البخور أن يكون "بخورًا عطرًا"، ويقول الرب في ذلك: "يُوقِدُ عَلَيْهِ هَارُونُ بَخُورًا عَطِرًا كُلَّ صَبَاحٍ" (خر30: 7). وكذلك في العشية "بَخُورًا دَائِمًا أَمَامَ الرَّبِّ فِي أَجْيَالِكُمْ" (خر30: 8). وقد ذُكرت مواد البخور العطرية في (خر30: 34). وقيل هذا البخور "يَكُونُ عِنْدَكَ مُقَدَّسًا لِلرَّبِّ" (خر30: 37) بل قيل أكثر من هذا أنه "قُدْسَ أَقْدَاسٍ يَكُونُ عِنْدَكُمْ" (خر30: 36). فلا يصنع أحد منه لنفسه.
وقد تكررت عبارة البخور العطر في مواضع كثيرة من الكتاب، كما في (خر 25) (خر37: 29)، (لا16: 12). فكان البخور يمثل رائحة زكية عطرة تصعد إلى الرب.
4) قال البعض خطأ أن البخور كان يقدم مع المحرقات، لإزالة رائحتها.
وقد ألغيت الذبائح الحيوانية، فألغي البخور.
وهذا الفهم ليس سليمًا. فالبخور كان لونًا من العبادة مستقلًا بذاته، وكان له مذبح خاص غير مذبح المحرقة. وكان له طقس خاص في تقديمه. وكان مقصود لذاته كصلاة، وليس رمزًا لشيء، كما سنرى.
5) نلاحظ أنه عندما ضرب الرب الشعب بالوباء، أوقد هارون رئيس الكهنة البخور بأمر موسى النبي، ليشفع في الناس أمام الله. ولما دخل في وسطهم وبخر انقطع الوبأ وقبل الله منه هذا البخور كصلاة (عدد16: 44- 48).
ونلاحظ هنا أنه لم تقدم ذبيحة عنهم إنما قدم البخور وحده، ولم يكن من أجل رائحة محرقات، إنما قُدم للتكفير عن الشعب كأنه ذبيحة (عدد16: 46، 47).
6) من أهمية البخور أنه ما كان يقدمه أحد سوى الكهنة فقط.
وهو هنا يبدو في مركز أعلى من الصلاة، لأن الصلاة يقدمها لله أي فرد من الشعب. ونلاحظ أنه لما تجرأ قورح وداثان وأبيرام، وقرّبا بخورًا، انشقت الأرض وابتلعتهم جميعًا أحياء، هم وكل بيوتهم (عد16: 31، 32). ولم يكن ذلك بسبب تقديمهم ذبيحة، وإنما لتقديمهم بخورًا مع أنهم من سبط لاوي...
7) ومن أهمية البخور، أنه كان يقدم في مجامر من ذهب كما ورد (عب9: 4)، وكما قيل عن الأربعة والعشرين قسيسًا أنه كانت لهم "جَامَاتٌ مِنْ ذَهَبٍ مَمْلُوَّةٌ بَخُورًا" (رؤ5: 8).
8) وقد وردت نبوءة في سفر ملاخي النبي عن استمرار البخور وعدم اقتصاره على العصر اليهودي.
إذ قال الرب: "لأَنَّهُ مِنْ مَشْرِقِ الشَّمْسِ إِلَى مَغْرِبِهَا اسْمِي عَظِيمٌ بَيْنَ الأُمَمِ، وَفِي كُلِّ مَكَانٍ يُقَرَّبُ لاسْمِي بَخُورٌ وَتَقْدِمَةٌ طَاهِرَةٌ" (ملا1: 11). وطبعًا العبادة وسط الأمم (فِي كُلِّ مَكَانٍ) لم تحدث إلاّ في العصر المسيحي. وبهذا يكون الرب قد جعل البخور من بنود العبادة المسيحية.
9) ومن اهتمام الرب بالبخور في العهد الجديد ورود مثالين عنه في سفر الرؤيا وهم:
(أ) قيل عن الأربعة والعشرين قسيسًا (كاهنًا)، إن لهم "جَامَاتٌ مِنْ ذَهَبٍ مَمْلُوَّةٌ بَخُورًا هِيَ صَلَوَاتُ الْقِدِّيسِينَ" (رؤ5: 8).
(ب) يقول القديس يوحنا الرائي: "وَجَاءَ مَلاَكٌ آخَرُ وَوَقَفَ عِنْدَ الْمَذْبَحِ، وَمَعَهُ مِبْخَرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ، وَأُعْطِيَ بَخُورًا كَثِيرًا لِكَيْ يُقَدِّمَهُ مَعَ صَلَوَاتِ الْقِدِّيسِينَ جَمِيعِهِمْ عَلَى مَذْبَحِ الذَّهَبِ الَّذِي أَمَامَ الْعَرْشِ. فَصَعِدَ دُخَانُ الْبَخُورِ مَعَ صَلَوَاتِ الْقِدِّيسِينَ مِنْ يَدِ الْمَلاَكِ أَمَامَ اللهِ" (رؤ8: 3، 4).
10) تعليقًا على عبارة "صَعِدَ دُخَانُ الْبَخُورِ مَعَ صَلَوَاتِ الْقِدِّيسِينَ" نقول إن حياة الكنيسة كلها بخور.
بل إن الكنيسة شبّهت في سفر النشيد بالبخور.
وذلك حينما قال عنها الوحي الإلهي: "مَنْ هذِهِ الطَّالِعَةُ مِنَ الْبَرِّيَّةِ كَأَعْمِدَةٍ مِنْ دُخَانٍ، مُعَطَّرَةً بِالْمُرِّ وَاللُّبَانِ وَبِكُلِّ أَذِرَّةِ التَّاجِرِ؟" (نش3: 6).
11) ومن المواقف الجميلة أيضًا في قصة تاريخ البخور في حياة القديسين
أن زكريا الكاهن "ظَهَرَ لَهُ مَلاَكُ الرَّبِّ وَاقِفًا عَنْ يَمِينِ مَذْبَحِ الْبَخُورِ"، فيما هو يبخر في دورته (لو1: 8- 11). مما يدل على قدسية هذا الموضع، وقدسية عملية التبخير واستحقاق هذه المناسبة المقدسة لأن تُصحب بالإعلانات الإلهية.
وواضح من قصة نوبة زكريا الكاهن في التبخير، أن رفع البخور كان عملًا قائمًا بذاته، غير مرتبط بتقديم ذبيحة أو محرقة.
12) من أهمية البخور في المسيحية...
أن اللبان (مادة البخور) كان من الهدايا التي قدمها المجوس للسيد المسيح. وكانت رمزًا لكهنوته، أو اعترافًا من المجوس بكهنوته، كما كان الذهب رمزًا لملكه، والمُر رمزًا لآلامه.
13) للبخور معان كثيرة تشبع الحواس وتغذي النفس.
وليس جميع الذي يحضرون إلى الكنيسة من المستوى الذي يشترط فيه عمق الروح وعمق التفكير. فالأطفال مثلًا، الذين لا يدركون كثيرًا ما يقال في العظات، وما يسمعونه من القراءات، حتى ما يسمعونه من الصلوات، هؤلاء يتأثرون روحيًا بحواسهم من جهة البخور والشموع والأيقونات، وتكون كدروس روحية لهم تنقلهم إلى جو روحي، وهكذا الكثير من العوام، والمؤمنين العاديين غير المتبحرين في العلم والمعرفة وغير الدارسين لكتب اللاهوت.
فماذا في البخور من معان روحية، ومن تأملات؟
14) أول درس يتلقونه من البخور، هو قول الرب: ".. مَنْ أَضَاعَ حَيَاتَهُ مِنْ أَجْلِي يَجِدُهَا" (مت10: 39).
ومثال ذلك حبة البخور التي تحترق وتحترق، حتى تتحول إلى أعمدة معطرة من دخان. وتبحث عنها في المجمرة كحبة بخور، فلا تجدها، إذ تكون قد قدمت ذاتها محرقة لله. فالمحرقة ليست فقط من الذبائح، وإنما من البخور أيضًا، الذي اعتبره الكتاب ذبيحة تقدم على مذبح البخور، وتعطينا درسًا وأي درس.
فما أجمل أن يقدم الإنسان ذاته محرقة للرب. كل تقدمة أخرى هي خارج الذات أما تقدمة الذات فإنها أعظم التقدمات.
وتقدمة الذات يمثلها وضع حبة البخور في النار وقد قيل عن إلهنا أنه نَارٌ آكِلَةٌ (تث4: 24). وقد كان القديسون حبات من البخور وضعت في المجمرة الإلهية، فاحترقت بمحبة الله.
15) والدرس الثاني في البخور هو الصعود إلى فوق باستمرار.
لا يقبل البخور على نفسه إطلاقًا أن يقبع في أسفل، بل هو يرتفع في السماء، ويمتد وينتشر، ولا يتوقف مطلقًا في صعوده، وفي انتشاره. وأنت إذا نظرت إلى البخور وتابعته، لا بد أن ترفع عينيك إلى فوق إلى السماء، أردت أو لم ترد. وهكذا كان البخور باستمرار يجذب حواس الناس إلى فوق. وكأنه سهم يشير إلى السماء باستمرار.
16) درس آخر للبخور: أنه يمثل الرائحة الزكية.
ولهذا كان الكتاب يشترط فيه أن يكون بخورًا عطرًا. كل من يشمِّ هذا البخور يتذكر أن حياة الإنسان ينبغي أن تكون عطرة الرائحة أمام الله.
وكما قال الكتاب: "لأَنَّنَا رَائِحَةُ الْمَسِيحِ الذَّكِيَّةِ ِللهِ"، "يُظْهِرُ بِنَا رَائِحَةَ مَعْرِفَتِهِ فِي كُلِّ مَكَانٍ" (2كو2: 15، 14).
17) من أجمل ما في البخور من تأملات أنه يذكرنا بالضباب أو السحاب الذي كان الله يظهر فيه.
وكما قال الرب: "لأَنِّي فِي السَّحَابِ أَتَرَاءَى عَلَى الْغِطَاءِ" (غطاء تابوت العهد) (لا16: 2) وهكذا وردت في سفر اللاويين عبارة "سَحَابَةُ الْبَخُورِ" (لا16: 13) وقيل عن هارون رئيس الكهنة "يَأْخُذُ مِلْءَ الْمَجْمَرَةِ جَمْرَ نَارٍ عَنِ الْمَذْبَحِ مِنْ أَمَامِ الرَّبِّ، وَمِلْءَ رَاحَتَيْهِ بَخُورًا عَطِرًا دَقِيقًا، وَيَدْخُلُ بِهِمَا إِلَى دَاخِلِ الْحِجَابِ. وَيَجْعَلُ الْبَخُورَ عَلَى النَّارِ أَمَامَ الرَّبِّ، فَتُغَشِّي سَحَابَةُ الْبَخُورِ الْغِطَاءَ الَّذِي عَلَى الشَّهَادَةِ فَلاَ يَمُوتُ" (لا16: 12، 13).
وكان الله في إرشاد شعبه في العهد القديم، سواء في خيمة الاجتماع، أو في الهيكل، أو في برية سيناء يظهر للناس في السحاب، أو في الضباب. وكان إرشاده للشعب في برية سيناء، على هيئة سحابة تظللهم في النهار تمثل الله وهو يظلل عليهم، فإذا تحركت السحابة يعرفون أن الله يحركهم فيتحركون، وإن وقفت السحابة يقفون (عد9: 17). وهكذا قيل "وَكَانَتْ سَحَابَةُ الرَّبِّ عَلَيْهِمْ نَهَارًا فِي ارْتِحَالِهِمْ" (عد10: 34).
18) وفي مجيء المسيح إلى مصر، قيل إنه عَلَى سَحَابَةٍ (إش19: 1). وكانت السحابة ترمز إلى العذراء، وكانت العذراء رائحة بخور صعدت إلى فوق. وفي مجيء المسيح الثاني سيأتي أيضًا على السحاب (مت24: 30) فالسحاب كان يمثل حضور الله في العهدين القديم والجديد.
19) وفي قصة التجلي نجد مثلًا لحضور الرب في السحاب.
لقد قيل أنه بينما كان السيد المسيح يكلم تلاميذه الثلاثة "كَانَتْ سَحَابَةٌ فَظَلَّلَتْهُمْ. فَخَافُوا عِنْدَمَا دَخَلُوا فِي السَّحَابَةِ وَصَارَ صَوْتٌ مِنَ السَّحَابَةِ قائلًا: هذَا هُوَ ابْنِي الْحَبِيبُ. لَهُ اسْمَعُوا" (لو9: 34، 35).
20) وهكذا كان الرب يكلم موسى من السحاب وحينما كلم الرب موسى يقول الكتاب: "فَصَعِدَ مُوسَى إِلَى الْجَبَلِ، فَغَطَّى السَّحَابُ الْجَبَلَ، وَحَلَّ مَجْدُ الرَّبِّ عَلَى جَبَلِ سِينَاءَ، وَغَطَّاهُ السَّحَابُ سِتَّةَ أَيَّامٍ. وَفِي الْيَوْمِ السَّابعِ دُعِيَ مُوسَى مِنْ وَسَطِ السَّحَابِ" (خر24: 15، 16).
وبالمثل حينما كان يكلمهم من خيمة الاجتماع، وكان يغطيها السحاب أو الضباب.
21) نفس الأمر نجده في تدشين هيكل سليمان. يقول الكتاب: "وَكَانَ لَمَّا خَرَجَ الْكَهَنَةُ مِنَ الْقُدْسِ أَنَّ السَّحَابَ مَلأَ بَيْتَ الرَّبِّ، وَلَمْ يَسْتَطِعِ الْكَهَنَةُ أَنْ يَقِفُوا لِلْخِدْمَةِ بِسَبَبِ السَّحَابِ، لأَنَّ مَجْدَ الرَّبِّ مَلأَ بَيْتَ الرَّبِّ حِينَئِذٍ تَكَلَّمَ سُلَيْمَانُ: قَالَ الرَّبُّ إِنَّهُ يَسْكُنُ فِي الضَّبَابِ" (1مل8: 12).
22) فالبخور يمثل سحابًا أو ضبابًا يذكّر بحلول الله أو مجد الله. وفي (مز97: 2) من مزامير الساعة التاسعة يقول: "السَّحَابُ وَالضَّبَابُ حَوْلَهُ". "رَكِبَ عَلَى كَرُوبٍ وَطَارَ، وَهَفَّ عَلَى أَجْنِحَةِ الرِّيَاحِ" (مز18: 10).
البخور إذًا فيه الكثير من المعاني الروحية لمن يحب أن يستفيد منه وهو لون من العبادة قائم بذاته، لم يكن مرتبط بالذبائح بحيث يزول بزوالها.
23) وأخيرًا نقول أنه لا يوجد نص واحد في العهد الجديد يأمر بإلغاء البخور.
"مَنْ لَهُ أُذُنٌ فَلْيَسْمَعْ مَا يَقُولُهُ الرُّوحُ لِلْكَنَائِسِ " (رؤ2، 3).
خلافات طقسية - الهيكل والمذبح
الهيكل والمذبح
لا يوجد هيكل ولا مذبح في كنائس البروتستانت لسبب أكثر خطورة هو أنه لا توجد ذبيحة. فمن جهة الذبيحة سنتحدث عنها حينما نطرق موضوع سر الإفخارستيا، وموضوع سر الكهنوت، أما الآن فيقتصر حديثنا على المذبح:
1) الحديث عن المذبح موجود بكثرة في العهد القديم. ولكن البروتستانت يرونه مجرد رمزًا لذبيحة المسيح على الصليب. وقد انتهى أمره، لذلك علينا في الحوار معهم أن نأتي بنصوص من الكتاب عن المذبح في العهد الجديد.
2) يقول القديس بولس الرسول: "لَنَا مَذْبَحٌ لاَ سُلْطَانَ لِلَّذِينَ يَخْدِمُونَ الْمَسْكَنَ أَنْ يَأْكُلُوا مِنْهُ" (عب13: 10). والمقصود بالمسكن هو خيمة الاجتماع أو الهيكل القديم.
ويعلق القديس يوحنا ذهبي الفم على ذلك فيقول: "إن بولس الرسول انتقل من الرمز إلى الأصل... وأنه أصبح لنا سلطان أن نتناول من الدم الذي كان من سلطان الكاهن وحده".
3) توجد نبوة في سفر إشعياء النبي عن المذبح في وسط أرض مصر بالذات، إذ يقول: "فِي ذلِكَ الْيَوْمِ يَكُونُ مَذْبَحٌ لِلرَّبِّ فِي وَسَطِ أَرْضِ مِصْرَ، وَعَمُودٌ لِلرَّبِّ عِنْدَ تُخْمِهَا. فَيَكُونُ عَلاَمَةً وَشَهَادَةً لِرَبِّ الْجُنُودِ فِي أَرْضِ مِصْرَ... فَيُعْرَفُ الرَّبُّ فِي مِصْرَ، وَيَعْرِفُ الْمِصْرِيُّونَ الرَّبَّ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، وَيُقَدِّمُونَ ذَبِيحَةً وَتَقْدِمَةً" (إش19: 19- 21).
وطبعًا المقصود بهذا المذبح، هو مذبح العهد الجديد، في العصر المسيحي لأن اليهود ما كانوا يقدمون أي ذبيحة في أرض أممية. كما أن مصر ما كانت تسمح لهم. لذلك كان هذا هو النداء الموجّه إلى فرعون أيام موسى وهارون "أَطْلِقْ شَعْبِي لِيَعْبُدُونِي" (خر8: 20)، فأبى أن "يُطْلِقَ الشَّعْبَ لِيَذْبَحَ لِلرَّبِّ" (خر8: 29) وفرعون لما قدم وعده الأول بعد ضربة الذباب قال: "أَنَا أُطْلِقُكُمْ لِتَذْبَحُوا لِلرَّبِّ إِلهِكُمْ فِي الْبَرِّيَّةِ" (خر8: 28). ومن كل هذا يفهم أنهم ما كانوا يقدرون أن يقدموا ذبيحة في مصر.
فمتى عرف المصريون الرّبّ ومتى صار لهم مذبح، وقدموا ذبائح للرب؟ إنه العصر المسيحي بلا شك.
وهذا دليل واضح على وجود مذبح في المسيحية تُقدم عليه الذبائح.
4) ولأن الرب أراد أن تكون كلمة المذبح راسخة في أفكار وقلوب الناس، ذكر هذه الكلمة أكثر من مرة في سفر الرؤيا الذي كُتب في أواخر القرن الأول الميلادي بعد استشهاد جميع رسل وتلاميذ المسيح.
قال القديس يوحنا الإنجيلي: "وَجَاءَ مَلاَكٌ آخَرُ وَوَقَفَ عِنْدَ الْمَذْبَحِ، وَمَعَهُ مِبْخَرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ، وَأُعْطِيَ بَخُورًا كَثِيرًا" (رؤ8: 3)
وقال أيضًا: "رَأَيْتُ تَحْتَ الْمَذْبَحِ نُفُوسَ الَّذِينَ قُتِلُوا مِنْ أَجْلِ كَلِمَةِ اللهِ، وَمِنْ أَجْلِ الشَّهَادَةِ الَّتِي كَانَتْ عِنْدَهُمْ" (رؤ6: 9).
5) إن المذبح سيظل قائمًا، طالما كانت أمامنا عبارات الوحي الإلهي التي تقول: "جَسَدِ الرَّبِّ وَدَمِهِ" (1كو11: 27). ما دام هناك دم، إذًا فبالضرورة يكون هناك مذبح. وبالضرورة يوجد هيكل يحوي المذبح داخله.
وسنناقش هذا الموضوع بالتفصيل بمشيئة الرب حينما نعرض لموضع الذبيحة المقدسة والكاهن خادم المذبح.
خلافات طقسية - الصور والأيقونات
الصور والأيقونات
ينكر البروتستانت ما في الكنيسة من صور وأيقونات (وما عند الكاثوليك من تماثيل). ويعتبرون كل ذلك ضد الوصية الثانية التي يقول فيها الرب: "لاَ تَصْنَعْ لَكَ تِمْثَالًا مَنْحُوتًا، وَلاَ صُورَةً مَا مِمَّا فِي السَّمَاءِ مِنْ فَوْقُ، وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ تَحْتُ، وَمَا فِي الْمَاءِ مِنْ تَحْتِ الأَرْضِ. لاَ تَسْجُدْ لَهُنَّ وَلاَ تَعْبُدْهُنَّ" (خر20: 4، 5) (تث5: 8، 9).
وقد قامت حرب ضد الأيقونات في القرن الثامن الميلادي من سنة 726م أيام الإمبراطور ليو الثالث، واستمرت بضعة قرون وهدأت، ثم عادت مرة أخرى في البروتستانتية منذ القرنين الخامس عشر والسادس عشر واستمرت في معتقداتهم حتى الآن.
والمتطرفون من البروتستانت يعتبرون الأيقونات من بقايا الوثنية!
ويلوموننا على إكرام الأيقونات وتقبيلها وإيقاد الشموع أمامها والسجود أمامها.
وسنحاول أن نرد على كل هذا، ونبين حكمة الكنيسة في وجود الأيقونات فيها وفائدة ذلك روحيًا.
(1) في الرد على موضوع الأيقونات ينبغي أن نضع أمامنا الآتي:
أ- الحكمة في الآية التي يستخدمونها. لماذا قيلت وما هدفها؟ وذلك لأن "الْحَرْفَ يَقْتُلُ" كما قال الرسول (2كو3: 6).
بـ- ما هي الآيات الأخرى التي إن وضعناها إلى جوار هذه الآية يتكامل المعنى وندرك في وصية الله "الروح وليس الحرف". وقد شرحنا كثيرًا من قبل خطورة استخدام الآية الواحدة.
(2) ماذا كان هدف الرب من منع الصور والتماثيل؟
الهدف واضح وهو قول الرب: "لاَ تَسْجُدْ لَهُنَّ وَلاَ تَعْبُدْهُنَّ" (خر20: 5). فإن كان الغرض بعيدًا تمامًا عن العبادة، لا تكون الوصية قد كُسرت.
ولا شك أن هذا المنع في الوصايا العشر، كان في عصر انتشرت فيه الوثنية، وكان هناك خوف على المؤمنين منها، حتى أنه كان من الممنوع نحت أي حجر حتى في البناء العادي، وحتى في تشييد المذابح.
(3) ونحن نرى أن الله الذي أمر بعدم نحت أية صورة أو تمثال، هو نفسه الذي يأمر موسى (عند ضربة الحيات المحرقة) قائلًا له: "اصْنَعْ لَكَ حَيَّةً مُحْرِقَةً وَضَعْهَا عَلَى رَايَةٍ، فَكُلُّ مَنْ لُدِغَ وَنَظَرَ إِلَيْهَا يَحْيَا" (عدد21: 8). فصنع موسى هكذا، ولم تكن في ذلك مخالفة للوصية الثانية.
بل إن ربنا يسوع المسيح يعلمنا أن هذا العمل كان رمزًا لصليبه المقدس، فيقول: "وَكَمَا رَفَعَ مُوسَى الْحَيَّةَ فِي الْبَرِّيَّةِ هكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُرْفَعَ ابْنُ الإِنْسَانِ. لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ" (يو3: 14، 15).
(4) وعندما أمر الرب موسى بصنع تابوت العهد، أمره بصنع كاروبين من ذهب فوقه قائلًا: "وَتَصْنَعُ كَرُوبَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ. صَنْعَةَ خِرَاطَةٍ تَصْنَعُهُمَا عَلَى طَرَفَيِ الْغِطَاءِ فَاصْنَعْ كَرُوبًا وَاحِدًا عَلَى الطَّرَفِ مِنْ هُنَا، وَكَرُوبًا آخَرَ عَلَى الطَّرَفِ مِنْ هُنَاكَ وَيَكُونُ الْكَرُوبَانِ بَاسِطَيْنِ أَجْنِحَتَهُمَا إِلَى فَوْقُ، مُظَلِّلَيْنِ بِأَجْنِحَتِهِمَا عَلَى الْغِطَاءِ، وَوَجْهَاهُمَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى الآخَرِ. وَأَنَا أَجْتَمِعُ بِكَ هُنَاكَ وَأَتَكَلَّمُ مَعَكَ، مِنْ عَلَى الْغِطَاءِ مِنْ بَيْنِ الْكَرُوبَيْنِ اللَّذَيْنِ عَلَى تَابُوتِ الشَّهَادَةِ" (خر25: 18- 22). وكان كذلك.
ولم يكن في نحت هذين الكروبين مخالفة للوصية التي تأمر بعدم نحت تمثال منحوت مما في السماء من فوق. لأن الغرض لم يكن هو عبادة الملائكة ممثلين في هذين الكروبين...
بل على العكس تم نحت هذين التمثالين بأمر إلهي، كما تمّ نحت الحيّة النحاسية بأمر إلهي أيضًا...
(5) وبنفس الأسلوب صنع سليمان في بناء الهيكل وتزيينه. عمل "كَرُوبَيْنِ مِنْ خَشَبِ الزَّيْتُونِ، عُلُوُّ الْوَاحِدِ عَشَرُ أَذْرُعٍ وَخَمْسُ أَذْرُعٍ جَنَاحُ الْكَرُوبِ الْوَاحِدُ، وَخَمْسُ أَذْرُعٍ جَنَاحُ الْكَرُوبِ الآخَرُ. قِيَاسٌ وَاحِدٌ، وَشَكْلٌ وَاحِدٌ لِلْكَرُوبَيْنِ. وَجَعَلَ الْكَرُوبَيْنِ فِي وَسَطِ الْبَيْتِ الدَّاخِلِيِّ، وَبَسَطُوا أَجْنِحَةَ الْكَرُوبَيْنِ. وَغَشَّى الْكَرُوبَيْنِ بِذَهَبٍ" (1مل6: 23- 28).
(6) ولم يقتصر الأمر على هذين الكروبين، بل يقول الكتاب: "وَجَمِيعُ حِيطَانِ الْبَيْتِ (بيت الرب) فِي مُسْتَدِيرِهَا رَسَمَهَا نَقْشًا بِنَقْرِ كَرُوبِيمَ وَنَخِيل وَبَرَاعِمِ زُهُورٍ مِنْ دَاخِل وَمِنْ خَارِجٍ" (1مل6: 29). وعمل للباب مصراعين "وَرَسَمَ عَلَيْهِمَا نَقْشَ كَرُوبِيمَ وَنَخِيل وَبَرَاعِمِ زُهُورٍ، وَغَشَّاهُمَا بِذَهَبٍ" (1مل6: 32). انظر أيضًا (1مل6: 35).
وهكذا كان بيت الرب مزينًا بالصور والرسوم والتماثيل. وظلَّ الناس يعبدون الرب. ولم يعبدوا هذه الصور والتماثيل، ولم يخالفوا الوصية الثانية...
(7) كذلك لم يكن تابوت العهد في كل احترام الكهنة والشعب والملوك له، يمثل شيئًا على الإطلاق من العبادة الوثنية. إن الكتاب يسجل لنا أنه بعد انهزام الشعب في عاي، أن يشوع بن نون خليفة موسى النبي يسجد أمام تابوت العهد إلى المساء هو وشيوخ إسرائيل، وصلى للرب (يش7: 6). ولم يحدث أن الرب قال له (قد كسرت الوصية الثانية). بل على العكس كلمه الرب. وصنع معجزة في كشف عخان بن كرمي، ودفع الرب عاي إلى يد يشوع ورفع وجهه.
ولم يخطئ يشوع في السجود أمام تابوت الرب لأنه لم يكن يعبد التابوت بل الرب الذي يحل عليه ويكلمه من بين الكروبين. وهكذا لم يخطئ داود النبي حينما احتفل برجوع التابوت بكل إكرام ورقص قدامه (2صم6: 12- 15).
(8) وبالمثل، نقول إننا لا نعبد الصور ولا الأيقونات وإنما نكرمها. وفي ذلك نكرم أصحابها، حسب قول الرب لتلاميذه "..إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَخْدِمُنِي يُكْرِمُهُ الآبُ" (يو12: 26). فإن كان الآب يكرم قديسيه، ألا نكرمهم نحن؟!
(9) ونفس الكلام نقوله عن الصليب، الذي قال عنه القديس بولس الرسول لأهل غلاطية: "أَنْتُمُ الَّذِينَ أَمَامَ عُيُونِكُمْ قَدْ رُسِمَ يَسُوعُ الْمَسِيحُ بَيْنَكُمْ مَصْلُوبًا" (غلا3: 1).
(10) ونحن نشكر الله أن إخوتنا البروتستانت يرفعون الصليب حاليًا فوق كنائسهم دون أن يعتبروه تمثالًا منحوتًا.
(11) ونحن نشكر الله أن إخوتنا البروتستانت يوزعون صورًا في مدارس الأحد عن السيد المسيح، والملائكة والأنبياء، وفلك نوح بكل ما يحوي من حيوانات وكذلك صورة الراعي الصالح وغنمه، وصورة داود وهو يرعى، وصورة إيليا والغربان تعوله، ولعازر المسكين والكلاب تلحس قروحه، وصورة بلعام وصورة الشيطان وهو يجرب المسيح على الجبل.
ولا يتعبهم في كل ذلك شك من جهة كسر الوصية الثانية برسوم وصور مما فوق السماء، وما تحت الأرض.
(12) إننا لا ننسى تأثير الصور كدروس تشرح أحداث الكتاب، وأبطال الإيمان فيه وفي التاريخ. وربما تترك الأيقونة تأثيرًا عميقًا في النفس أكثر مما تتركه العظة أو القراءة أو مجرد الاستماع.
وفي كل هذا تربط بين المؤمنين ههنا وملائكة السماء والأبرار الذين يعيشون في الفردوس. وتعطينا دفعًا داخليًا قويًا ننفذ قول الرسول: "اُذْكُرُوا مُرْشِدِيكُمُ... فَتَمَثَّلُوا بِإِيمَانِهِمْ" (عب13: 7).
(13) ونحن في إكرام الصور، إنما نكرم أصحابها، وحينما نقبل الإنجيل إنما نظهر حبنا لكلمة الله، ولله الذي أعطانا وصاياه لإرشادنا. وحينما نسجد للصليب فإنما – كما قال أحد الآباء – نسجد للمصلوب عليه. وفي كل ذلك لا تنطبق علينا مطلقًا عبارة "لا تسجد لهن ولا تعبدهن".
(14) والمعروف أن الأيقونات ترجع إلى العصر الرسولي نفسه. ويقال إن القديس لوقا الإنجيلي كان رسامًا وقد رسم صورة أو أكثر للسيدة العذراء مريم.
ويروي التقليد أيضًا قصة عن انطباع صورة للسيد المسيح فوق منديل، والذي يتتبع التاريخ يجد أن أقوى عصور الإيمان كانت حافلة بأيقونات يوقرها الناس، دون أن تضعف إيمانهم بل على العكس كانت تقويه.
(15) لماذا نحرم الفن ورجاله من المساهمة في تنشيط الحياة الروحية للناس، بما تتركه الصور في نفوسهم من مشاعر روحية، وما تقدمه لهم من حياة القديسين وتأثيرها.
الفصل الخامس الكهنوت
إنكار الكهنوت وتأميمه
اعتراضات، والرد عليها
الذين ينكرون الكهنوت، يتخذون أحد طريقين متناقضين:
أ) إما أن يقولوا إنه لا يوجد سوى كاهن واحد فقط لا غير، هو السيد المسيح له المجد، ولا كهنوت للبشر!
بـ) وإما أن يقولوا إن جميع المؤمنين كهنة، ولا تفريق أو تمييز بينهم في هذه الناحية! لا أحد أفضل من غيره. وإنهم جميعًا يشاركون في كلِّ الامتيازات، ويتحملون كافة المسئوليات في حياة التكريس!
الاعتراض الأول
أما نصوص الكتاب المقدس التي يعتمدون عليها، فهي:
أ) قول القديس بطرس الرسول: "وَأَمَّا أَنْتُمْ فَجِنْسٌ مُخْتَارٌ، وَكَهَنُوتٌ مُلُوكِيٌّ، أُمَّةٌ مُقَدَّسَةٌ، شَعْبُ اقْتِنَاءٍ" (1بط2: 9).
ويرون أن هذه الآية تدل على أن الشعب كله كهنوت. فلا يوجد أشخاص مميزون هم الكهنة!
بـ) ما ورد في سفر الرؤيا (1: 6) "وَجَعَلَنَا مُلُوكًا وَكَهَنَةً للهِ أَبِيهِ".
وسنتناول الرد في حينه على مفهومهم لآيات أخرى، حينما نتعرض لذلك بالتفصيل في الفصول القادمة...
والسؤال الآن هو:
هل الكهنوت هو لجميع الناس؟ أم توجد جماعة مميزة لهذا العمل الكهنوتي؟
في الواقع إن العبارة التي قالها القديس بطرس الرسول: "وَأَمَّا أَنْتُمْ فَجِنْسٌ مُخْتَارٌ، وَكَهَنُوتٌ مُلُوكِيٌّ، أُمَّةٌ مُقَدَّسَةٌ" (1بط2: 9)، مأخوذة أصلًا من العهد القديم، من قول الرب لليهود: "وَأَنْتُمْ تَكُونُونَ لِي مَمْلَكَةَ كَهَنَةٍ وَأُمَّةً مُقَدَّسَةً" (خر19: 6).
وهي لا تعني أن الشعب كله يمارس أعمال الكهنوت المعروفة، كما ظنَّ ذلك قورح وداثان وأبيرام "فَاجْتَمَعُوا عَلى مُوسَى وَهَارُونَ وَقَالُوا لهُمَا: كَفَاكُمَا! إِنَّ كُل الجَمَاعَةِ بِأَسْرِهَا مُقَدَّسَةٌ وَفِي وَسَطِهَا الرَّبُّ" (عد16: 3).
فعلى الرغم من أن الجماعة كلها مقدسة، ومملكة كهنة، إلاَّ أن الله اختار له كهنة معينين. نفس الوضع في العهد الجديد.
إذًا عبارة (مملكة كهنة) أو (كهنوت ملوكي) لا تعني أن الأمر مشاع بلا تفريق ولا تمييز. فقد استخدمت نفس العبارة في العهد القديم، ولم يكن الكهنوت مشاعًا، بل على العكس خصص الله لهذا العمل هارون وبنيه. وكل شخص غيرهم، كان يتجرأ على مزاولة الكهنوت، كان الرب يعاقبه بشدة تصل إلى القتلِ. وكان الكهنة وحدهم هم الذين يقدمون الذبائح، وهم وحدهم الذين يرفعون البخور، ويمارسون باقي أعمال الكهنوت. ولا يجرؤ أحد على ذلك، ولا حتى الملك الذي يدعى "مسيح الرب".
كل هذا المنع وشدة العقاب أمر به الرب، على الرغم من أن الشعب كله كان "مملكة كهنة" حسب قول الرب.
إذًا ما معنى عبارة "مملكة كهنة"؟ وما معنى عبارة "جعلنا ملوكًا وكهنة لله أبيه"؟ وهل يوجد كهنوت عام؟
طبعًا لا يمكن أن تؤخذ عبارة "كلنا ملوك وكهنة" بالمعنى الحرفي. لاحظوا أنه لم يقل "كلنا كهنة" وإنما "ملوك وكهنة". فإن كانت كلمة ملوك لا تؤخذ بالمعنى الحرفي، فكلمة كهنة أيضًا لا تؤخذ بالمعنى الحرفي.
وواضح أن كلمة ملوك هنا، لا يمكن أن تفهم حرفيًا. فلا يمكن أن يكون جميع الناس ملوكًا: يلبسون التيجان، ويجلسون على عروش، ويحكمون شعوبًا، ويدعون أصحاب جلالة..!
فما داموا ليسوا ملوكًا حرفيًا، فلا يكونون كهنة حرفيًا.
ونفس الوضع ينطبق على عبارة "مملكة كهنة". وقد شرحنا كيف أنها لما قيلت في العهد القديم، لم تؤخذ حرفيًا.
إذًا ما معنى "الكهنوت" في هاتين العبارتين؟
إن هذا يدخلنا في موضوع الكهنوت بالمعنى الروحي...
الكهنوت بالمعنى الروحي
ما هو المعنى الروحي لكلمة كهنوت؟ إنه ولا شك كهنوت روحي، يقدم فيه المؤمن ذبائح روحية، وبخورًا روحيًا، دون أن يكون كاهنًا بالمعنى الحرفي؟ ويمكن أن ينطبق هذا على جميع المؤمنين...
يقول المرتل في المزمور: "لِتَسْتَقِمْ صَلاَتِي كَالْبَخُورِ قُدَّامَكَ. لِيَكُنْ رَفْعُ يَدَيَّ كَذَبِيحَةٍ مَسَائِيَّةٍ" (مز141: 2).
هذا هو الكهنوت الروحي: بخور من هذا النوع، وذبيحة من هذا النوع. وهذا متاح للجميع...
ويقول القديس بولس الرسول في رسالته إلى أهل رومية: "فَأَطْلُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ بِرَأْفَةِ اللهِ أَنْ تُقَدِّمُوا أَجْسَادَكُمْ ذَبِيحَةً حَيَّةً مُقَدَّسَةً مَرْضِيَّةً عِنْدَ اللهِ عِبَادَتَكُمُ الْعَقْلِيَّةَ" (رو12: 1). هذه هي الذبيحة التي يمكن أن يقدمها كل مؤمن، وبها يعتبر كاهنًا بالمعنى الروحي: "صَلَبُوا الْجَسَدَ مَعَ الأَهْوَاءِ" (غلا5: 24). أو باقي أعمال الإماتات المتنوعة للجسد، كقول الرسول: "نُسَلَّمُ دَائِمًا لِلْمَوْتِ"، "الْمَوْتُ يَعْمَلُ فِينَا"، "حَامِلِينَ فِي الْجَسَدِ كُلَّ حِينٍ إِمَاتَةَ الرَّبِّ يَسُوعَ" (2كو 4: 11، 12، 10).
كل هذه الذبائح الروحية، داخلة في أعمال العبادة والصلاة.
ومن أمثلتها أيضًا ذبيحة التسبيح "فَلْنُقَدِّمْ بِهِ فِي كُلِّ حِينٍ لِلَّهِ ذَبِيحَةَ التَّسْبِيحِ، أَيْ ثَمَرَ شِفَاهٍ مُعْتَرِفَةٍ بِاسْمِهِ" (عب 13: 15)، أو ما ورد في (مز116: 17) "فَلَكَ أَذْبَحُ ذَبِيحَةَ حَمْدٍ" (أو الشكر)، وكقول الرسول أيضًا: "وَلَكِنْ لاَ تَنْسُوا فِعْلَ الْخَيْرِ وَالتَّوْزِيعَ، لأَنَّهُ بِذَبَائِحَ مِثْلِ هَذِهِ يُسَرُّ اللهُ" (عب 13: 16). ومثلها أيضًا "نَسِيمَ رَائِحَةٍ طَيِّبَةٍ، ذَبِيحَةً مَقْبُولَةً مَرْضِيَّةً عِنْدَ اللهِ" (في4: 18).
إن تقديم مثل هذه الذبائح، هو المقصود بالكهنوت العام لجميع المؤمنين. وهذا لا يمنع مطلقًا الكهنوت الخاص بتقديم الأسرار المقدسة، الذي خصَّ به الله أناسًا معينين لخدمته.
الأمران موجودان معًا، في العهد القديم، وفي العهد الجديد أيضًا. داود النبي كان صلاته ترتفع كالبخور قدام الله، وكان رفع يديه ذبيحة مسائية (مز 141).
ولكن هل كان يجرؤ داود وهو مسيح الرب، ونبي، أن يقدم ذبيحة كما يفعل أصغر كاهن من بني هارون؟! حاشا...
كذلك في العهد الجديد: كل إنسان يستطيع أن يقدم ذبيحة الحمد، وذبيحة التسبيح، وذبيحة العطاء والتوزيع، ويقدم جسده ذبيحة حية، ويرفع يديه كذبيحة مسائية...
ولكن هل يجرؤ أحد أن يقدم الذبيحة التي هي جسد الرب ودمه في سر الإفخارستيا، والتي بها يدعى الكاهن كاهنًا في العهد الجديد؟؟ مستحيل...
هوذا القديس بولس الرسول يقول عن كهنوت العهد الجديد: "وَلاَ يَأْخُذُ أَحَدٌ هَذِهِ الْوَظِيفَةَ بِنَفْسِهِ، بَلِ الْمَدْعُّوُ مِنَ اللهِ، كَمَا هَارُونُ أَيْضًا" (عب5: 4).
إن كان المدعو من الله هو الكاهن، إذًا الكهنوت ليس للكل، ولا يدعيه كل أحد.
على أن الرغبة في تأميم الكهنوت مسألة قديمة، فصل فيها الله بعقوبة رادعة، والله لا يتغير...
محاولة قديمة فاشلة
مسألة الثورة على الكهنوت، والرغبة في تأميمه، أي أن يكون للأمة كلها، على اعتبار أنها "أمة مقدسة" و"مملكة كهنة" هي ثورة قديمة كان أول من قام بها قورح وداثان وأبيرام، وقصتهم معروفة في الإصحاح 16 من سفر العدد، حيث يقول الكتاب عنهم وعن 250 معهم، أمسكوا المجامر ليرفعوا البخور.
"فَاجْتَمَعُوا عَلى مُوسَى وَهَارُونَ وَقَالُوا لهُمَا: كَفَاكُمَا! إِنَّ كُل الجَمَاعَةِ بِأَسْرِهَا مُقَدَّسَةٌ وَفِي وَسَطِهَا الرَّبُّ. فَمَا بَالُكُمَا تَرْتَفِعَانِ عَلى جَمَاعَةِ الرَّبِّ؟" (عد16: 3).
وباقي القصة معروفة. لقد أمر الرب أن تفتح الأرض فاها وتبتلع كل هؤلاء وثبت الرب الكهنوت لهارون وبنيه فقط وليس للكل. وهكذا أخمد هذه الثورة بحزم.
وقال الرب لهارون: "وَأَمَّا أَنْتَ وَبَنُوكَ مَعَكَ فَتَحْفَظُونَ كَهَنُوتَكُمْ مَعَ مَا لِلمَذْبَحِ وَمَا هُوَ دَاخِل الحِجَابِ وَتَخْدِمُونَ خِدْمَةً. عَطِيَّةً أَعْطَيْتُ كَهَنُوتَكُمْ. وَالأَجْنَبِيُّ الذِي يَقْتَرِبُ يُقْتَلُ" (عد18: 7).
وقد تكررت القصة بصور مختلفة، وتكررت معها عقوبة الرب.
أ) شاول الملك تجرأ أن يصعد المحرقة، كما ورد في سفر صموئيل الأول "فَقَالَ شَاوُلُ: «قَدِّمُوا إِلَيَّ الْمُحْرَقَةَ وَذَبَائِحَ السَّلاَمَةِ». فَأَصْعَدَ الْمُحْرَقَةَ" (1صم13: 9). فكانت النتيجة أن الرب رفضه، "وَذَهَبَ رُوحُ الرَّبِّ مِنْ عِنْدِ شَاوُلَ، وَبَغَتَهُ رُوحٌ رَدِيءٌ مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ" (1صم16: 14). مع أن شاول لم يكن شخصًا عاديًا، وإنما كان مسيح الرب، وكان روح الرب قد حلَّ عليه وتنبأ "وَلَمَّا جَاءُوا إِلَى هُنَاكَ إِلَى جِبْعَةَ، إِذَا بِزُمْرَةٍ مِنَ الأَنْبِيَاءِ لَقِيَتْهُ، فَحَلَّ عَلَيْهِ رُوحُ اللَّهِ فَتَنَبَّأَ فِي وَسَطِهِمْ. وَلَمَّا رَآهُ جَمِيعُ الَّذِينَ عَرَفُوهُ مُنْذُ أَمْسِ وَمَا قَبْلَهُ أَنَّهُ يَتَنَبَّأُ مَعَ الأَنْبِيَاءِ، قَالَ الشَّعْبُ الْوَاحِدُ لِصَاحِبِهِ: «مَاذَا صَارَ لاِبْنِ قَيْسٍ؟ أَشَاوُلُ أَيْضًا بَيْنَ الأَنْبِيَاءِ؟»" (1صم10: 10، 11). ولكن كل هذا لم يعطه الحق في أن يعمل عملًا من أعمال الكهنوت يمكن أن يعمله ابن بسيط من أبناء هارون.
بـ) وعزيا الملك جرؤ أيضًا أن يمسك مجمرة ليرفع بخورًا كما ورد في سفر أخبار الأيام الثاني "فَحَنِقَ عُزِّيَّا. وَكَانَ فِي يَدِهِ مِجْمَرَةٌ لِلإِيقَادِ" (2أي26: 19). فكان النتيجة أن "فَالْتَفَتَ نَحْوَهُ عَزَرْيَاهُو الْكَاهِنُ الرَّأْسُ وَكُلُّ الْكَهَنَةِ وَإِذَا هُوَ أَبْرَصُ فِي جَبْهَتِهِ فَطَرَدُوهُ مِنْ هُنَاكَ حَتَّى إِنَّهُ هُوَ نَفْسُهُ بَادَرَ إِلَى الْخُرُوجِ لأَنَّ الرَّبَّ ضَرَبَهُ. وَكَانَ عُزِّيَّا الْمَلِكُ أَبْرَصَ إِلَى يَوْمِ وَفَاتِهِ وَأَقَامَ فِي بَيْتِ الْمَرَضِ أَبْرَصَ لأَنَّهُ قُطِعَ مِنْ بَيْتِ الرَّبِّ" (2أي26: 20، 21).
هذه أمثلة خطيرة من الكتاب المقدس. ولكن البعض يحتج ويقول: كل هذا حدث في العهد القديم. أما العهد الجديد فقد تغير فيه الوضع، وألغي كهنوت العهد القديم، ولم تعد هناك واسطة يضعها الله بينه وبين الناس! هنا ويحق لنا أن نطرح سؤالًا هامًا:
الاعتراض الثاني
يعترض البعض بأن الكهنوت أمر خاص بالعهد القديم فقط. وهذا يدعونا أن نطرح سؤالًا هامًا وهو:
4- هل الله في العهد القديم غير الله في العهد الجديد؟
ليس عند الله تغيير
أقول هذا، لأننا كلما نثبت عقيدة بآيات من العهد القديم، يتجرأ البعض على العهد القديم ويحقرونه! ويعتبرون أنه مجرد ناموس بعيد عن النعمة، ويتكلمون عنه بطريقة خالية من الاحترام اللائق بكلام الله.
كما لو كانت تعاليم العهد القديم قد ألغيت! أو أن العهد الجديد قد نسخ العهد القديم!! وللأسف فإن بعض الذين يهاجمون العهد القديم يضعون في أغلفة مؤلفاتهم كليشيه كبير للآية المشهورة: "كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحىً بِهِ مِنَ اللهِ، وَنَافِعٌ لِلتَّعْلِيمِ..." (2تي3: 16).
فما دام كل الكتاب موحى به من الله... فلماذا هذه الجرأة على العهد القديم، وهو جزء من الكتاب؟
ثم هل الله في علاقته بالبشر قد تغير؟
هل هو في العهد القديم يقبل وسطاء بينه وبين الناس، وفي العهد الجديد يرفض؟ هوذا يعقوب الرسول يقول: إن الله "الَّذِي لَيْسَ عِنْدَهُ تَغْيِيرٌ وَلاَ ظِلُّ دَوَرَانٍ.." (يع1: 17). بل هو أمس واليوم وإلى الأبد.
والسيد المسيح نفسه حينما تعرض للعهد القديم، في العظة على الجبل، قال كلمات جميلة جدًا، نذكر من بينها:
"لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأَنْبِيَاءَ. مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لِأُكَمِّلَ. فَإِنِّي الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِلَى أَنْ تَزُولَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ لاَ يَزُولُ حَرْفٌ وَاحِدٌ أَوْ نُقْطَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ النَّامُوسِ حَتَّى يَكُونَ الْكُلُّ" (مت5: 17، 18).
إذًا لا نقول فقط إن العهد القديم لم يلغ، بل أنه حتى حرف واحد أو نقطة منه لا يمكن أن تزول...
ولعل البعض يسأل: هل نحن مطالبون بالعهد القديم، من جهة السبت، والختان، والأعياد، والذبائح الدموية، والنجاسات والتطهير... التي قال عنها الرسول إنها "الَّتِي هِيَ ظِلُّ الأُمُورِ الْعَتِيدَةِ" (كو2: 17)؟
أقول لك إنك غير مطالب بحرفيتها.
ومع ذلك، فإن شيئًا من أوامر العهد القديم لم ينقض.
تسأل: وكيف التوفيق إذًا؟ نجيبك:
خذ مثالًا لذلك: وصية حفظ السبت...
وصية حفظ السبت
وصية (السبت) ما زالت قائمة، في جوهرها، من حيث أن تقدس يومًا من الأسبوع للرب. لم تنقض هذه الوصية أبدًا.
ولكن السبت يعني الراحة. وكانت الأرض تسبت في العام السابع أي تستريح "قُلْ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: مَتَى أَتَيْتُمْ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أَنَا أُعْطِيكُمْ تَسْبِتُ الأَرْضُ سَبْتًا لِلرَّبِّ" (لا25: 2) بغض النظر عن أيام الأسبوع هنا.
فما دام السبت يرمز للراحة، نسأل إذًا: متى استراح الرب؟ كانت الراحة الحقيقية عندما أراح الناس من دينونة الخطية، ومن ثمرة الخطية ونتيجتها أعني الموت.
أراحنا من دينونة الخطية بصلبه في اليوم السادس. وأراحنا من الموت بقيامته يوم الأحد. وهكذا أصبح يوم القيامة هو اليوم الذي تمت فيه الراحة، أي صار السبت الحقيقي، بالمعنى الروحي للسبت وهو الراحة.
فالراحة كوصية في الناموس لا تزال قائمة، وتخصيص يوم للرب لا يزال قائمًا، من جهة جوهر الوصية وروحها وقصد الرب منها... أي الراحة.
لم ينقض الناموس هنا إطلاقًا، ولا نقضت وصية السبت، إنما أعطى السبت مفهومه الروحي. وأصبحنا نعيد لراحة الرب، لسبته في الفداء، بعد سبته في الخليقة. وقد كانت راحة الرب يوم الأحد، فصار يوم الأحد هو السبت الجديد، بالمفهوم الروحي للسبت.
اذكر يوم السبت لتقدسه، أو أذكر يوم الرب لتقدسه، كلاهما بمعنى واحد. "لأَنَّ الْحَرْفَ يَقْتُلُ وَلَكِنَّ الرُّوحَ يُحْيِي" (2كو3: 6).
مثال آخر: موضوع الختان: هل نقضه العهد الجديد؟
وصية الختان
إن الله لا يضع وصاياه عبثًا، ولا يتغير في تعليمه. وعندما وضع الختان، قصد به معنى روحيًا، ربما لم يفهم الناس وقتذاك سوى ظاهره، أما باطنه فاحتاج إلى شرح.
كان قطع جزء من الجسد وموته، يرمز إلى موت الجسد كله في المعمودية "فَدُفِنَّا مَعَهُ بِالْمَعْمُودِيَّةِ" (رو6: 4) انظر أيضًا: "وَبِهِ أيْضًا خُتِنْتُمْ خِتَانًا غَيْرَ مَصْنُوعٍ بِيَدٍ، بِخَلْعِ جِسْمِ خَطَايَا الْبَشَرِيَّةِ، بِخِتَانِ الْمَسِيحِ. مَدْفُونِينَ مَعَهُ فِي الْمَعْمُودِيَّةِ" (كو2: 11، 12). إذًا عملية موت الجسد، المقصودة من الختان، ظلت قائمة، والوصية لم تنقض. إنما أخذ المعنى الروحي بدلًا من المعنى الحرفي.
والسيد المسيح لم ينقض الناموس، إنما شرحه روحيًا...
لم ينقض السبت، لكن شرحه بمعنى الراحة، وكملت الراحة في يوم الأحد.
ولم ينقض موت جزء من الجسد عن طريق الختان، إنما كمل هذا الموت روحيًا في المعمودية، التي كان الختان رمزًا لها... (كو2: 11، 12).
الأعياد
الأعياد أيضًا لا تزال باقية، في الوضع الذي كانت ترمز إليه.
كل عيد في العهد القديم، كان يرمز إلى عيد في العهد الجديد.
الفصح ما زال فصحًا. ولكنه أخذ معناه الكامل في السيد المسيح، الذي كان يرمز إليه خروف الفصح "لأَنَّ فِصْحَنَا أَيْضًا الْمَسِيحَ قَدْ ذُبِحَ لأَجْلِنَا" (1كو5: 7).
وعيد الفطير الذي يلي الفصح ويتبعه مباشرة، ما زلنا نعيده في مفهومه الروحي الذي كان الفطير رمزًا إليه "إِذًا لِنُعَيِّدْ لَيْسَ بِخَمِيرَةٍ عَتِيقَةٍ وَلاَ بِخَمِيرَةِ الشَّرِّ وَالْخُبْثِ بَلْ بِفَطِيرِ الإِخْلاَصِ والْحَقِّ" (1كو5: 8).
وعيد الخمسين (لا 23). ما زلنا نعيده يوم الخمسين من القيامة (عيد العنصرة البندكستي)... وهكذا مع باقي الأعياد، إنما تحول الرمز إلى المرموز إليه. وظلت الوصية قائمة لم تنقض...
هكذا الذبائح والكهنوت
هكذا الذبائح الدموية، كانت ترمز إلى ذبيحة السيد المسيح.
مبدأ الذبيحة لم ينقض في العهد الجديد، بل ظلَّ باقيًا، إنما أخذنا المعنى الروحي بدلًا من المعنى الحرفي.
وهكذا المذبح ظل باقيًا في المسيحية، إنما ليس لذبائح دموية، بل بقى "لفصحنا الذي ذُبح لأجلنا" "فِصْحَنَا أَيْضًا الْمَسِيحَ قَدْ ذُبِحَ لأَجْلِنَا" (1كو5: 7).
الكهنوت بالمثل لم يلغ، إنما تغير من كهنوت هاروني، إلى كهنوت على طقس ملكي صادق، من كهنوت يقدم ذبائح دموية إلى كهنوت يقدم الخبز والخمر.
كما قال الكتاب: "وَمَلْكِي صَادِقُ مَلِكُ شَالِيمَ أَخْرَجَ خُبْزًا وَخَمْرًا. وَكَانَ كَاهِنًا لله الْعَلِيِّ" (تك14: 18). وقد شرح القديس بولس الرسول أن هذا الكهنوت أفضل من الكهنوت الهاروني. وأن ملكي صادق مشبه بابن الله "فَلَوْ كَانَ بِالْكَهَنُوتِ اللاَّوِيِّ كَمَالٌ إِذِ الشَّعْبُ أَخَذَ النَّامُوسَ عَلَيْهِ مَاذَا كَانَتِ الْحَاجَةُ بَعْدُ إِلَى أَنْ يَقُومَ كَاهِنٌ آخَرُ عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادِقَ، وَلاَ يُقَالُ «عَلَى رُتْبَةِ هَارُونَ»؟" ".. بَلْ هُوَ مُشَبَّهٌ بِابْنِ اللهِ. هَذَا يَبْقَى كَاهِنًا إِلَى الأَبَدِ" (عب7: 11، 3).
واستشهد بنبوءة المزمور "أَقْسَمَ الرَّبُّ وَلَنْ يَنْدَمَ، أَنْتَ كَاهِنٌ إِلَى الأَبَدِ عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادِقَ" (عب7: 21؛ مز110: 4).
وقال الرسول إن الكهنوت قد تغير، "لأَنَّهُ إِنْ تَغَيَّرَ الْكَهَنُوتُ فَبِالضَّرُورَةِ يَصِيرُ تَغَيُّرٌ لِلنَّامُوسِ أَيْضًا" (عب7: 12) ولم يقل قد ألغي، تغير من الكهنوت اللاوي، إلى كهنوت على طقس ملكي صادق.
وهكذا لم تنقض المسيحية الناموس ولا الأنبياء. إنما ما كان من الناموس مقصودًا بحرفيته، بقيَ كما هو. وما كان رمزًا، فهمناه في المرموز إليه. بقيَ العهد القديم. ولكن السيد المسيح خلع البرقع من على الأذهان "بَلْ أُغْلِظَتْ أَذْهَانُهُمْ، لأَنَّهُ حَتَّى الْيَوْمِ ذَلِكَ الْبُرْقُعُ نَفْسُهُ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْعَهْدِ الْعَتِيقِ بَاقٍ غَيْرُ مُنْكَشِفٍ، الَّذِي يُبْطَلُ فِي الْمَسِيحِ. لَكِنْ حَتَّى الْيَوْمِ، حِينَ يُقْرَأُ مُوسَى، الْبُرْقُعُ مَوْضُوعٌ عَلَى قَلْبِهِمْ. وَلَكِنْ عِنْدَمَا يَرْجِعُ إِلَى الرَّبِّ يُرْفَعُ الْبُرْقُعُ" (2كو3: 14- 16) وصار المؤمنون يرون بعيون روحية...
إنني أرجو أن يعطيني الرب فيما بعد، فرصة أكبر لأشرح لكم أهمية العهد القديم، ونظرة العهد الجديد إليه... لأني للأسف الشديد. قرأت شتائم كثيرة موجهة إلى الناموس والعهد القديم، أي إلى كلام الله نفسه! بل وشتائم إلى قديسي العهد القديم، ووصفهم بأوصاف لا تليق إطلاقًا باحترام القديسين..!
يبقى سؤال في هذا الفصل عن الكهنوت وهو:
هل انتهي الكهنوت؟
5- هل انتهى كهنوت البشر بذبيحة المسيح؟ وأصبح هناك كاهن واحد هو المسيح؟
طبعًا عبارة "انتهى كهنوت البشر"، تتعارض مع عبارة "كلنا ملوك وكهنة". فإن كانت كلمة "كهنة" لها بالنسبة إلى البشر معنى خاص، فما معنى الكهنوت بالنسبة إلى المسيح.
هل المسيح كاهن بمعنى أنه "قدم نفسه ذبيحة عنا"؟
وإن كان كذلك فهل انتهى كهنوت المسيح هو أيضًا بتقديمه لنفسه ذبيحة، حاشا... أم هو كما يقول الكتاب: "هَذَا يَبْقَى كَاهِنًا إِلَى الأَبَدِ"، "أَنْتَ كَاهِنٌ إِلَى الأَبَدِ عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادِقَ"، "فَلأَنَّهُ يَبْقَى إِلَى الأَبَدِ، لَهُ كَهَنُوتٌ لاَ يَزُولُ" (عب7: 3، 21، 24). وهو يقول لنا باستمرار "خُذُوا كُلُوا. هَذَا هُوَ جَسَدِي. وَأَخَذَ الْكَأْسَ وَشَكَرَ وَأَعْطَاهُمْ قَائِلًا: اشْرَبُوا مِنْهَا كُلُّكُمْ. لأَنَّ هَذَا هُوَ دَمِي الَّذِي لِلْعَهْدِ الْجَدِيدِ" (مت26: 26- 28) "مَنْ يَأْكُلْ جَسَدِي وَيَشْرَبْ دَمِي يَثْبُتْ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ" (يو6: 56).
وإن كان السيد المسيح يقدم جسده ودمه، في كل جيل، لكل مؤمن، فهل يفعل هذا بنفسه، أم عن طريق رسله ووكلائه الذين يمتد فيهم العمل الكهنوتي، والذين قال لهم: "اصْنَعُوا هَذَا لِذِكْرِي"، "اصْنَعُوا هَذَا كُلَّمَا شَرِبْتُمْ لِذِكْرِي" (1كو11: 24، 25).
إذًا لا بد من كهنة يصنعون هذا لذكره، ويقدمون جسده ودمه لسائر المؤمنين في سر الإفخارستيا المقدس.
ثم مَن قال إن الكتاب لم يذكر كاهنًا آخر سوى المسيح؟!
بولس... كاهن
هوذا القديس بولس الرسول يقول: "حَتَّى أَكُونَ خَادِمًا لِيَسُوعَ الْمَسِيحِ لأَجْلِ الأُمَمِ، مُبَاشِرًا لإِنْجِيلِ اللهِ كَكَاهِنٍ، لِيَكُونَ قُرْبَانُ الأُمَمِ مَقْبُولاً مُقَدَّسًا بِالرُّوحِ الْقُدُسِ" (رو15: 16).
إن كان بولس الرسول كاهنًا، فكيف يقال إن كهنوت البشر قد انتهى؟ هل ننكر شهادة الكتاب هذه؟
على أن الإخوة الإنجيليين يقولون إن عبارة (ككاهن) هنا، معناها أنه يُشبه نفسه بكاهن!! فهل تحمل العبارة هذا المعنى؟!
أباشر عملي ككاهن، أي بصفتي كاهنًا.. كما تقول أحيانًا "أنا كمسيحي، عضو في جسد المسيح" ليس أنك تُشبه نفسك بمسيحي، بل بصفتك مسيحيًا... أو كما تقول: "أنا كابن لله، لي صورته ومثاله"، فأنتَ هنا لا تُشبه نفسك بابن الله، وإنما تقول هذا بصفتك ابنًا لله.
وقد وردت (الكاف) في الكتاب، كثيرًا بهذا المعنى...
كما قيل في الإنجيل "وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ مَجْدًا كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ" (يو1: 14).
فالكاف هنا ليست للتشبيه، وإنما السيد المسيح باعتباره الابن الوحيد للآب، له هذا المجد، وليس مشبهًا بابن وحيد!
أو كما يقول بولس الرسول لأهل رومية: "لأَنَّهُمْ لَمَّا عَرَفُوا اللهَ لَمْ يُمَجِّدُوهُ أَوْ يَشْكُرُوهُ كَإِلَهٍ" (رو1: 21)، أي باعتباره إلهًا، وليس مشبهًا بإله!!
بل إن الرسول يقول أيضًا: "إِنْ كُنْتُ كَإِنْسَانٍ قَدْ حَارَبْتُ وُحُوشًا فِي أَفَسُسَ فَمَا الْمَنْفَعَةُ لِي؟ إِنْ كَانَ الأَمْوَاتُ لاَ يَقُومُونَ فَلْنَأْكُلْ وَنَشْرَبْ لأَنَّنَا غَدًا نَمُوتُ!" (1كو15: 32)، فهل بولس الرسول هنا ليس إنسانًا، بل يشبه نفسه بإنسان، حينما يقول كإنسان؟! أم هو يقول إنه بصفته إنسانًا قد حارب وحوشًا...
كذلك يقول: "لأَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الأُسْقُفُ بِلاَ لَوْمٍ كَوَكِيلِ اللهِ" (تي1: 7) أي باعتباره وكيلًا لله وليس كتشبيه...
وهكذا حينما يقول: "نُظْهِرُ أَنْفُسَنَا كَخُدَّامِ اللهِ.." (2كو6: 4) لا يشبه نفسه وزملاءه بخدام الله، لأن خدمته ليست موضع مناقشة...
والأمثلة عديدة في الكتاب، وعلى هذا النحو، قال بولس الرسول إنه يباشر خدمته للإنجيل بصفته الكهنوتية "مُبَاشِرًا لإِنْجِيلِ اللهِ كَكَاهِنٍ" (رو15: 16)، لأنه إن كان يشبه نفسه بكاهن، فأي كاهن يشبه نفسه به، ولم يكن الكهنة في العهد القديم، ولا في الوثنية يباشرون خدمة الإنجيل..؟!
نقطة أخرى، وهي أن السيد المسيح لم يقل الكتاب فقط عنه إنه "كاهن إلى الأبد على طقس ملكي صادق" إنما قال الكتاب عنه في مواضع عديدة إنه (رئيس كهنة).
ما معنى (رئيس كهنة)؟
وما دام المسيح رئيس كهنة، إذًا هناك كهنة يرأسهم..
انظروا ماذا يقول القديس بولس الرسول في الرسالة إلى العبرانيين: "مِنْ ثَمَّ أَيُّهَا الإِخْوَةُ الْقِدِّيسُونَ، شُرَكَاءُ الدَّعْوَةِ السَّمَاوِيَّةِ، لاَحِظُوا رَسُولَ اعْتِرَافِنَا وَرَئِيسَ كَهَنَتِهِ الْمَسِيحَ يَسُوعَ" (عب3: 1). "مَدْعُّوًا مِنَ اللهِ رَئِيسَ كَهَنَةٍ عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادِقَ" (عب5: 10).
"الَّذِي هُوَ لَنَا كَمِرْسَاةٍ لِلنَّفْسِ مُؤْتَمَنَةٍ وَثَابِتَةٍ، تَدْخُلُ إِلَى مَا دَاخِلَ الْحِجَابِ. حَيْثُ دَخَلَ يَسُوعُ كَسَابِقٍ لأَجْلِنَا، صَائِرًا عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادَقَ، رَئِيسَ كَهَنَةٍ إِلَى الأَبَدِ" (عب6: 19، 20).
"لأَنْ لَيْسَ لَنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ غَيْرُ قَادِرٍ أَنْ يَرْثِيَ لِضَعَفَاتِنَا، بَلْ مُجَرَّبٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِثْلُنَا، بِلاَ خَطِيَّةٍ" (عب4: 15).
فإن كان المسيح بشهادة الكتاب رئيس كهنة، فمن يكون الكهنة الذين يرأسهم سوى كهنة العهد الجديد.
في مثل الكرامين الأردياء، الذين يمثلون الكهنة الأشرار في العهد القديم لم يقل الكتاب إنه ألغى وظيفة الكرامين إنما "أُولَئِكَ الأَرْدِيَاءُ يُهْلِكُهُمْ هَلاَكًا رَدِيًّا وَيُسَلِّمُ الْكَرْمَ إِلَى كَرَّامِينَ آخَرِينَ يُعْطُونَهُ الأَثْمَارَ فِي أَوْقَاتِهَا" (مت21: 41)، "أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَلَكُوتَ اللهِ يُنْزَعُ مِنْكُمْ وَيُعْطَى لِأُمَّةٍ تَعْمَلُ أَثْمَارَهُ" (مت21: 43).
نقطة أخرى، وهي أن الكتاب تنبأ عن كهنوت الأمم...
كهنوت الأمم
في سفر ملاخي، قال الرب لليهود: "لَيْسَتْ لِي مَسَّرَةٌ بِكُمْ قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ وَلاَ أَقْبَلُ تَقْدِمَةً مِنْ يَدِكُمْ. لأَنَّهُ مِنْ مَشْرِقِ الشَّمْسِ إِلَى مَغْرِبِهَا اسْمِي عَظِيمٌ بَيْنَ الأُمَمِ وَفِي كُلِّ مَكَانٍ يُقَرَّبُ لاِسْمِي بَخُورٌ وَتَقْدِمَةٌ طَاهِرَةٌ لأَنَّ اسْمِي عَظِيمٌ بَيْنَ الأُمَمِ قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ" (ملا1: 11). فمن هؤلاء الذين سيقدمون للرب بخورًا وتقدمه من أهل الأمم، سوى كهنوت العهد الجديد...؟
وقال لليهود في سفر إشعياء النبي: "وَيُحْضِرُونَ كُلَّ إِخْوَتِكُمْ مِنْ كُلِّ الأُمَمِ تَقْدِمَةً لِلرَّبِّ... وَأَتَّخِذُ أَيْضًا مِنْهُمْ كَهَنَةً وَلاَوِيِّينَ قَالَ الرَّبُّ" (إش66: 19- 21). ولم نسمع إطلاقًا في العهد القديم أن الرب اتخذ له كهنة من بين الأمم "فيخبرون بمجدي بين الأمم". إنما كهنة الأمم هم كهنة العصر المسيحي بلا شك...
إذًا الادعاء بأن السيد المسيح هو الكاهن الوحيد للعهد الجديد، وأن هذا اللقب لم يطلق على أحد من البشر، هو قول لا يسنده الوحي الإلهي، بل هو ضد تعليم الكتاب...
الكــهنوت دعوة وإرسالية
الكــهنوت دعوة وإرسالية
الكهنوت دعوة واختيار ومسحة
هذه الدعوة واضحة تمامًا في كلا العهدين القديم والحديث بمبدأ هام أعلنه القديس بولس الرسول في (عب5: 4):
"وَلاَ يَأْخُذُ أَحَدٌ هَذِهِ الْوَظِيفَةَ بِنَفْسِهِ، بَلِ الْمَدْعُّوُ مِنَ اللهِ، كَمَا هَارُونُ أَيْضًا". وما دامت هناك دعوة، إذًا العمل ليس للكل.
فلنحاول إذًا أن نتتبع التدبير الإلهي في موضوع الكهنوت منذ البدء، من العهد القديم، وسنرى أن الخطة الإلهية هي هي في العهدين لم تتغير. "يَسُوعُ الْمَسِيحُ هُوَ هُوَ أَمْسًا وَالْيَوْمَ وَإِلَى الأَبَدِ" (عب13: 8). ".. الَّذِي لَيْسَ عِنْدَهُ تَغْيِيرٌ وَلاَ ظِلُّ دَوَرَانٍ" (يع1: 17). بل أن السيد المسيح انتقد الأمور التي "لم تكن هكذا منذ البدء" (مت 19؛ مر 10) مما يدل على محبة الله لهذا الذي كان منذ البدء.
1- اختار الله الأبكار ليكونوا له، وقال في ذلك: "قَدِّسْ لِي كُلَّ بِكْرٍ كُلَّ فَاتِحِ رَحِمٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ النَّاسِ وَمِنَ الْبَهَائِمِ. إِنَّهُ لِي" (خر13: 2). ونلاحظ هنا ثلاثة أمور:
أ) الله يختار لخدمته من يشاء. هو يعيّن وليس نحن.
بـ) هؤلاء الذين يختارهم هم له، أي نصيبه، نصيب الرب، ولذلك أطلق عليهم كلمة (إكليروس) ومعناها (نصيب) أي نصيب الرب.
جـ) كان هؤلاء أيضًا (قدس) للرب، مقدسين له.
2- ثم اختار له هارون وبنيه لخدمة الكهنوت بدلًا من الأبكار، الأشخاص تغيروا، ولكن الكهنوت بقيّ هو هو، نصيب الرب.
ولذلك لم يكن لهم نصيب في تقسيم الأرض، لأن الرب هو نصيبهم، يأكلون مما يعطى للرب. إنهم له.
3- ولم يكتف الله باختيار هارون وبنيه، وإنما أمر موسى بأن يمسحهم بالدهن المقدس أمام كل الجماعة (لا 8).
وذلك في محفل مقدس، قُدمت فيه ذبيحة للرب، وألبسهم ثيابًا مقدسة، أمر الله بصنعها، حسب اختيار الله في كل تفاصيلها "وَصَنَعُوا الثِّيَابَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي لِهَارُونَ. كَمَا أَمَرَ الرَّبُّ مُوسَى" (خر39: 1).
وقال الرب لموسى: "وَتُقَدِّمُ هَارُونَ وَبَنِيهِ إِلَى بَابِ خَيْمَةِ الاِجْتِمَاعِ وَتَغْسِلُهُمْ بِمَاءٍ. وَتُلْبِسُ هَارُونَ الثِّيَابَ الْمُقَدَّسَةَ وَتَمْسَحُهُ وَتُقَدِّسُهُ لِيَكْهَنَ لِي. وَتُقَدِّمُ بَنِيهِ وَتُلْبِسُهُمْ أَقْمِصَةً. وَتَمْسَحُهُمْ كَمَا مَسَحْتَ أَبَاهُمْ لِيَكْهَنُوا لِي. وَيَكُونُ ذَلِكَ لِتَصِيرَ لَهُمْ مَسْحَتُهُمْ كَهَنُوتًا أَبَدِيًّا فِي أَجْيَالِهِمْ" (خر40: 12- 15).
4- صدقوني إني أقف هنا منذهلًا، أمام تكريم الله لوكلائه! الله اختار هارون وبنيه ليكهنوا له، ولكنهم لم يمكنهم أن يقوموا بعمل الكهنوت، إلا بعد أن مررهم على وكيله موسى الأمين على كل بيته "وَأَمَّا عَبْدِي مُوسَى فَليْسَ هَكَذَا بَل هُوَ أَمِينٌ فِي كُلِّ بَيْتِي" (عدد12: 7). فقدسهم للرب، ومسحهم بالدهن المقدس، فصارت لهم هذه المسحة كهنوتًا أبديًا...
هل تظنون أن هذا الأمر كان في العهد القديم فقط، بل هو في العهد الجديد أيضًا كما سترون بعد قليل...
5- نلاحظ أيضًا أنهم صنعوا صفيحة من ذهب نقي، نقشوا عليها عبارة (قُدس للرّبِّ) ووضعوها على عمامة هارون من قدام، فتكون على جبهته دائمًا، للرضا عنهم أمام الرب "وَتَصْنَعُ صَفِيحَةً مِنْ ذَهَبٍ نَقِيٍّ. وَتَنْقُشُ عَلَيْهَا نَقْشَ خَاتِمٍ «قُدْسٌ لِلرَّبِّ»... فَتَكُونُ عَلَى جِبْهَةِ هَارُونَ... وَتَكُونُ عَلَى جِبْهَتِهِ دَائِمًا لِلرِّضَا عَنْهُمْ أَمَامَ الرَّبِّ" (خر28: 36-38).
أي مجرد رؤية هذا الذي صار (قدسًا للرب) تجلب الرضا على الشعب أمام الله... ما أعجب إكرام الرب لخدامه!
نلاحظ أيضًا أنه قيل عن ثياب هارون وبنيه إنها ثياب مقدسة، وإنها للمجد والبهاء، كما قال الرب لموسى: "وَاصْنَعْ ثِيَابًا مُقَدَّسَةً لِهَارُونَ أَخِيكَ لِلْمَجْدِ وَالْبَهَاءِ. وَتُكَلِّمُ جَمِيعَ حُكَمَاءِ الْقُلُوبِ الَّذِينَ مَلَأْتُهُمْ رُوحَ حِكْمَةٍ أَنْ يَصْنَعُوا ثِيَابَ هَارُونَ لِتَقْدِيسِهِ لِيَكْهَنَ لِي... وَلِبَنِي هَارُونَ تَصْنَعُ أَقْمِصَةً وَتَصْنَعُ لَهُمْ مَنَاطِقَ وَتَصْنَعُ لَهُمْ قَلاَنِسَ لِلْمَجْدِ وَالْبَهَاءِ" (خر28: 2، 3، 40).
هل تظنون أن الله يهتم بخدام العهد القديم كل هذا الاهتمام، ويسربلهم بالمجد والبهاء، ولا يهتم بخدام العهد الجديد، وهو أفضل؟!
6- هذه المسحة التي أخذها هارون وبنوه، كان يصحبها حلول الروح القدس، ويظهر ذلك من قول الكتاب: "رُوحُ السَّيِّدِ الرَّبِّ عَلَيَّ لأَنَّ الرَّبَّ مَسَحَنِي لأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ.." (إش61: 1). فارتبطت المسحة بحلول الروح القدس.
فالمسحة إذًا تعطي الروح، وتعطي سلطانًا لممارسة خدمة الكهنوت.
وفي العهد الجديد حلَّ محلها وضع اليد والنفخة المقدسة "وَلَمَّا قَالَ هَذَا نَفَخَ وَقَالَ لَهُمُ: أقْبَلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ" (يو20: 22).
وعملية المسحة، تقابل طقس السيامة في العهد الجديد...
7- خصص الله الكهنوت في جماعة معينة هي هارون وبنوه. ولما احتج قورح وداثان وأبيرام، وأرادوا أن يكون الكهنوت للأمة كلها، على اعتبار أنها "أمة مقدسة" و"مملكة كهنة" قال لهم موسى: "غَدًا يُعْلِنُ الرَّبُّ مَنْ هُوَ لهُ وَمَنِ المُقَدَّسُ حَتَّى يُقَرِّبَهُ إِليْهِ. فَالذِي يَخْتَارُهُ يُقَرِّبُهُ إِليْهِ" (عد16: 5).
لاحظوا هنا وصف موسى للكاهن: (إنه للرب، هو مقدس، يختاره الرب، يقرب إليه). واختار الرب كهنته، وابتلعت الأرض المحتجين المطالبين بتأميم الكهنوت... وكان درسًا للأجيال كلها...
8- الكهنوت إذًا مسحة وإرسالية...
الكهنوت دعوة وإرسالية
يقول الكتاب: "رُوحُ السَّيِّدِ الرَّبِّ عَلَيَّ لأَنَّ الرَّبَّ مَسَحَنِي لأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ أَرْسَلَنِي لأَعْصِبَ مُنْكَسِرِي الْقَلْبِ لأُنَادِيَ لِلْمَسْبِيِّينَ بِالْعِتْقِ وَلِلْمَأْسُورِينَ بِالإِطْلاَقِ" (إش61: 1).
قال: "مسحني وأرسلني" فالمسحة تسبق الإرسالية...
والذي لا يرسله الرب، لا فائدة من عمله، انظر قول الوحي الإلهي: "... وَأَنَا لَمْ أُرْسِلْهُمْ وَلاَ أَمَرْتُهُمْ. فَلَمْ يُفِيدُوا هَذَا الشَّعْبَ فَائِدَةً يَقُولُ الرَّبُّ" (إر23: 32).
9- في العهد الجديد نفس الوضع (الدعوة، الاختيار، المسحة، الإرسالية)
يقول الكتاب عن السيد المسيح: "ثُمَّ دَعَا تَلاَمِيذَهُ الاِثْنَيْ عَشَرَ..." (مت10: 1). وهذه الدعوة شرحها الإنجيل بالنسبة إلى كل واحد على حدة. ثم ماذا؟ يتابع البشير كلامه فيقول: "هَؤُلاَءِ الاِثْنَا عَشَرَ أَرْسَلَهُمْ يَسُوعُ وَأَوْصَاهُمْ قَائِلًا..." (مت10: 5).
إذًا هنا دعوة لأشخاص معينين... وهنا إرسالية لهم وليس لكل أحد.
"وَدَعَا تَلاَمِيذَهُ الاِثْنَيْ عَشَرَ وَأَعْطَاهُمْ قُوَّةً وَسُلْطَانًا عَلَى جَمِيعِ الشَّيَاطِينِ وَشِفَاءِ أَمْرَاضٍ. وَأَرْسَلَهُمْ لِيَكْرِزُوا بِمَلَكُوتِ اللهِ وَيَشْفُوا الْمَرْضَى" (لو9: 1، 2). "وَبَعْدَ ذَلِكَ عَيَّنَ الرَّبُّ سَبْعِينَ آخَرِينَ أَيْضًا وَأَرْسَلَهُمُ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ..." (لو10: 1).
وقال الرب عن هذه الإرسالية: "كَمَا أَرْسَلَنِي الآبُ أُرْسِلُكُمْ أَنَا..." (يو20: 21). وقال في صلاته للآب "كَمَا أَرْسَلْتَنِي إِلَى الْعَالَمِ أَرْسَلْتُهُمْ أَنَا إِلَى الْعَالَمِ" (يو17: 18). وفي تأكيد الإرسالية من الله قال: "فَاطْلُبُوا مِنْ رَبِّ الْحَصَادِ أَنْ يُرْسِلَ فَعَلَةً إِلَى حَصَادِهِ" (مت9: 38).
وقال عن الاختيار: "لَيْسَ أَنْتُمُ اخْتَرْتُمُونِي بَلْ أَنَا اخْتَرْتُكُمْ وَأَقَمْتُكُمْ لِتَذْهَبُوا وَتَأْتُوا بِثَمَرٍ..." (يو15: 16). والاختيار يدل على أنه ليس لكل أحد.
إذًا هنا اختيار وإرسالية. ولا يستطيع أحد أن يعمل هذا العمل من ذاته، بل المدعو من الله كما هارون.
10- والمسيح لم يُرسل فقط، وإنما أرسل، وحدد مكان العمل، ونوع العمل أيضًا... لكي لا يعمل أحد من ذاته:
في أول الأمر قال لهم: "إِلَى طَرِيقِ أُمَمٍ لاَ تَمْضُوا وَإِلَى مَدِينَةٍ لِلسَّامِرِيِّينَ لاَ تَدْخُلُوا. بَلِ اذْهَبُوا بِالْحَرِيِّ إِلَى خِرَافِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ الضَّالَّةِ" (مت10: 5، 6). ثم قال لهم أخيرًا: "وَتَكُونُونَ لِي شُهُودًا فِي أُورُشَلِيمَ وَفِي كُلِّ الْيَهُودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ وَإِلَى أَقْصَى الأَرْضِ" (أع1: 8). وفي اختيار وإرسال بولس قال له: "اذْهَبْ فَإِنِّي سَأُرْسِلُكَ إِلَى الأُمَمَ بَعِيدًا" (أع22: 21)
ومن جهة العمل، قال لهم: "فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآبِ وَالاِبْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ. وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ.." (مت28: 19، 20). "اذْهَبُوا إِلَى الْعَالَمِ أَجْمَعَ وَاكْرِزُوا بِالإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا" (مر16: 15، 16).
وهنا نجد رسالة معينة، خاصة بهذه الإرسالية...
أن يكرزوا، ويتلمذوا، ويعمدوا، ويسلموا ما تسلموه من الرب...
الكهنوت رسالة معينة
إذًا هناك إرسالية في العهد القديم وفي العهد الجديد، ليس للكل، وإنما كانت لأشخاص معينين، يرسلهم الرب برسالة خاصة.
11- وحتى في الفترة التي بين العهدين، نقرأ عن يوحنا المعمدان، الكاهن ابن زكريا الكاهن، أنه قيل عنه في الإنجيل: "كَانَ إِنْسَانٌ مُرْسَلٌ مِنَ الله اسْمُهُ يُوحَنَّا. هَذَا جَاءَ لِلشَّهَادَةِ لِيَشْهَدَ لِلنُّورِ لِكَيْ يُؤْمِنَ الْكُلُّ بِوَاسِطَتِهِ" (يو1: 6، 7).
12- نفس الوضع، إرسالية لشخص معين، برسالة معينة، نلاحظ هنا أن كهنوته كان للشهادة للنور، ولا تركيز على تقديم الذبائح...
كان عمل هذا الكاهن أن ".. يُهَيِّئَ لِلرَّبِّ شَعْبًا مُسْتَعِدَّا..." (لو1: 17) ويهيئ الطريق قدامه، كارزًا بمعمودية التوبة.. (مر1: 2- 4).
الله اختار يوحنا، قبل أن يولد، وقدسه وهو في بطن أمه، وملأه من الروح القدس "وَمِنْ بَطْنِ أُمِّهِ يَمْتَلِئُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ" (لو1: 15)، وأرسله، وحدد له رسالة معينة يقوم بها ككاهن، لم تكن تقديم الذبائح، بل الكرازة بمعمودية التوبة، وإعداد القلوب لاستقبال الرب.
13- ما دام الكهنوت إذًا دعوة واختيار وإرسالية من الله، إذًا ليس هو لجميع الناس، وإنما لمن اختارهم الرب ودعاهم...
في مملكة الله، ما دام الله هو الملك، فهو الذي يختار خدامه، وهو الذي يدعو ويرسل. ولا يعمل أحد شيئًا من ذاته بل كل شيء حسب أمر الرب "كَمَا أَمَرَ الرَّبُّ هَكَذَا صَنَعُوا" (خر39: 43). حسب المثال الذي صنعه الرب "بِحَسَبِ جَمِيعِ مَا أَنَا أُرِيكَ مِنْ مِثَالِ الْمَسْكَنِ وَمِثَالِ جَمِيعِ آنِيَتِهِ هَكَذَا تَصْنَعُونَ" (خر25: 9).
ليس هذا عن درجة الرسولية فقط، بل عن خلفائهم الأساقفه أيضًا:
إذ يقول الرسول لأساقفة أفسس: "اِحْتَرِزُوا إذًا لأَنْفُسِكُمْ وَلِجَمِيعِ الرَّعِيَّةِ الَّتِي أَقَامَكُمُ الرُّوحُ الْقُدُسُ فِيهَا أَسَاقِفَةً لِتَرْعُوا كَنِيسَةَ اللهِ الَّتِي اقْتَنَاهَا بِدَمِهِ" (أع20: 28).
إذًا الأساقفة خلفاء الرسل، يقيمهم الروح القدس رعاة.
الروح القدس هو الذي يقيم وهو الذي يرسل. لذلك يقول السيد المسيح: "فَاطْلُبُوا مِنْ رَبِّ الْحَصَادِ أَنْ يُرْسِلَ فَعَلَةً إِلَى حَصَادِهِ" (مت9: 38).
النفخة المقدسة
كيف أعطى السيد المسيح للرسل الروح القدس وسلطان الكهنوت؟ يقول الكتاب إن السيد المسيح ظهر لتلاميذه بعد القيامة، والأبواب مغلقة عليهم بسبب الخوف "فَفَرِحَ التّلاَمِيذُ إِذْ رَأَوُا الرَّبَّ. فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ أَيْضًا: سلاَمٌ لَكُمْ. كَمَا أَرْسَلَنِي الآبُ أُرْسِلُكُمْ أَنَا. وَلَمَّا قَالَ هَذَا نَفَخَ وَقَالَ لَهُمُ: أقْبَلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ. مَنْ غَفَرْتُمْ خَطَايَاهُ تُغْفَرُ لَهُ وَمَنْ أَمْسَكْتُمْ خَطَايَاهُ أُمْسِكَتْ" (يو20: 20- 23).
15- نفخة الروح هذه ما زالت قائمة يسلمها جيل لجيل.
ففي سيامة الكهنة، يفتح المختار للكهنوت فمه، وينفخ فيه رئيس الكهنة قائلًا: اقبل الروح القدس. بينما يقول هذا الكاهن الجديد قول الوحي في المزمور: "فتحت فمي واجتذبت لي روحًا" (مز119: 130).
16- والرسل كانوا يمنحون الروح القدس بوضع اليد في كل رتب الكهنوت، أساقفة، وكهنة، وحتى الشمامسة أيضًا.
ووضع اليد على أشخاص معينين، دليل على أنه ليس للكل.
انظروا إلى اختيار وسيامة الشمامسة السبعة (أع 6).
وضع اليد
17- إقامة الشمامسة بوضع اليد.
احتاجت الكنيسة إلى شمامسة للخدمة، فهل تطوع البعض للخدمة وخدموا؟ أو هل تقدمت الكفاءات وخدمت؟ كلا.
بل قال الرسل: "فَانْتَخِبُوا أَيُّهَا الإِخْوَةُ سَبْعَةَ رِجَالٍ مِنْكُمْ مَشْهُودًا لَهُمْ وَمَمْلُوِّينَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ وَحِكْمَةٍ فَنُقِيمَهُمْ عَلَى هَذِهِ الْحَاجَةِ" (أع6: 3).
يا آباءنا الرسل، وجدنا هؤلاء المملوئين من الروح القدس والحكمة، فهل يخدمون إذًا؟ كلا، بل نقيمهم نحن على هذه الحاجة...
نضع عليهم الأيادي، فيأخذون سلطانًا من الروح القدس للخدمة.
حتى هذه الدرجة، لا يأخذها أحد من نفسه، بل المدعو من الله! "فَحَسُنَ هَذَا الْقَوْلُ أَمَامَ كُلِّ الْجُمْهُورِ فَاخْتَارُوا اسْتِفَانُوسَ رَجُلًا مَمْلُوًّا مِنَ الإِيمَانِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ..." (أع6: 5). إنه ليس مملوءًا من الروح القدس والحكمة فقط، بل والإيمان أيضًا. وماذا بعد "وَأَمَّا اسْتِفَانُوسُ فَإِذْ كَانَ مَمْلُوًّا إِيمَانًا وَقُوَّةً كَانَ يَصْنَعُ عَجَائِبَ وَآيَاتٍ عَظِيمَةً فِي الشَّعْبِ" (أع6: 8).
18- وهنا نرى عجبًا، يرينا أهمية الكنيسة كقناة شرعية يمر بها الخدام.
أمامنا شخص مملوء من الروح القدس والحكمة، ومملوء من الإيمان والقوة، ويصنع عجائب وآيات عظيمة. ولكن كل هذه المؤهلات لا تكفي لأن يبدأ الخدمة من ذاته، بل ترسله الكنيسة أولًا. يمر في القنوات الشرعية التي قررها الإنجيل. توضع عليه اليد، وحينئذ يأخذ وضعه الشرعي في الكنيسة، ويأخذ سلطانًا للخدمة. وحينئذ فقط يبدأ خدمته.
إذًا الأمر ليس لمن يشاء، ولا لمن يسعى...
19- ووضع اليد، هل ناله استفانوس وباقي الشمامسة السبعة من الشعب الذي اختارهم؟ كلا، بل من الرسل، من رئاسة الكهنوت...
"اَلَّذِينَ أَقَامُوهُمْ أَمَامَ الرُّسُلِ فَصَلُّوا وَوَضَعُوا عَلَيْهِمِ الأَيَادِيَ" (أع6: 6).
هل استطاع أحد من هؤلاء المملوئين من الروح القدس والحكمة أن يقول: "كلنا ملوك وكهنة". كما يقولها حاليًا من هم أقل من استفانوس في المواهب؟ كلا، بل في تواضع، وتسليم للحق الكتابي، أحنوا رؤوسهم جميعًا، وأخذوا وضع اليد من رئاسة الكنيسة، من الرسل الذين قالوا: "نقيمهم نحن على هذه الحاجة".
نقيمهم نحن، على الرغم من امتلائهم من الروح القدس، وامتلائهم من الحكمة ومن الإيمان ومن القوة، وعلى الرغم من صنع المعجزات.
20- إن المؤهلات شيء، وسلطان الكهنوت شيء آخر... والمؤهلات وحدها، بدون وضع اليد لا تكفي للقيام بالخدمة.
كان استفانوس كارزًا عظيمًا بالكلمة. واستطاع أن يقف أمام كل المجامع التي حاورته في الإيمان "وَلَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يُقَاوِمُوا الْحِكْمَةَ وَالرُّوحَ الَّذِي كَانَ يَتَكَلَّمُ بِهِ" (أع6: 10). ولكن هذه القدرة على عمل الكرازة لا بد لها من إرسالية شرعية لكي تخدم "وَكَيْفَ يَكْرِزُونَ إِنْ لَمْ يُرْسَلُوا؟!" (رو10: 15).
لا بد إذًا من أن يرسلوا. وكيف يتم ذلك؟
"نقيمهم نحن على هذه الحاجة". توضع عليهم اليد الرسولية، فينالوا سلطانًا من الكنيسة للخدمة، ولا يخدمون من تلقاء أنفسهم.
قال السيد المسيح للرسل: "... كَمَا أَرْسَلَنِي الآبُ أُرْسِلُكُمْ أَنَا" (يو20: 21)، والرسل كما أرسلهم المسيح، يرسلون باقي الخدام، يسلمونهم نفس السلطان ونفس الروح، ويتتابع وضع اليد من جيل إلى جيل...
وهنا نسأل: هل وضع اليد اقتصر على درجة الشماسية فقط، أم على ما هو أعلى منها درجات أيضًا...
نقول إنه اتُبع حتى مع رسول عظيم مثل القديس بولس الرسول.
21- وضع اليد على القديس بولس الرسول (شاول الطرسوسي).
هذا الإناء المختار، ظهر له السيد المسيح في الطريق إلى دمشق، ودعاه بنفسه، وقال الرب عنه لحنانيا: "... هَذَا لِي إِنَاءٌ مُخْتَارٌ لِيَحْمِلَ اسْمِي أَمَامَ أُمَمٍ وَمُلُوكٍ وَبَنِي إِسْرَائِيلَ" (أع9: 15).
ولم يدعه الابن فقط، بل الآب أيضًا. وهو نفسه قال عن هذا: "وَلَكِنْ لَمَّا سَرَّ اللهَ الَّذِي أَفْرَزَنِي مِنْ بَطْنِ أُمِّي، وَدَعَانِي بِنِعْمَتِهِ. أَنْ يُعْلِنَ ابْنَهُ فِيَّ لِأُبَشِّرَ بِهِ بَيْنَ الأُمَمِ، لِلْوَقْتِ لَمْ أَسْتَشِرْ لَحْمًا وَدَمًا" (غلا1: 15، 16).
ولم يدعه الآب والابن فقط، بل الروح القدس أيضًا (أع13: 2)، إذًا فقد دُعي من الثالوث القدوس...
ولكنه لم يباشر خدمته، إلا بمروره على القنوات الشرعية في الكنيسة، فوضعت عليه اليد، ليأخذ سلطانًا للخدمة...
وهل نقول هذا من عندياتنا؟ كلا، بل هذا هو الحق الكتابي، وهذا هو الحق الإنجيلي، الذي أعلنه لنا الوحي الإلهي...
ما هو هذا العجب العجاب الذي يسجله لنا سفر أعمال الرسل؟
القصة هي هذه: الروح القدس دعا برنابا وشاول للخدمة، ولكنه لم يشأ مطلقًا أن يرسلهما، إلاَّ بعد أن ينالا وضع اليد من الرسل أولًا الذين "وَبَيْنَمَا هُمْ يَخْدِمُونَ الرَّبَّ وَيَصُومُونَ قَالَ الرُّوحُ الْقُدُسُ: أَفْرِزُوا لِي بَرْنَابَا وَشَاوُلَ لِلْعَمَلِ الَّذِي دَعَوْتُهُمَا إِلَيْهِ. فَصَامُوا حِينَئِذٍ وَصَلُّوا وَوَضَعُوا عَلَيْهِمَا الأَيَادِيَ ثُمَّ أَطْلَقُوهُمَا" (أع13: 2، 3).
يا رب ما دمت قد دعوتهم، فمن نحن؟ نحن مجرد خدام لله قد دعوتنا كما دعوتهم. فما معنى عبارة "افرزوا لي"..؟! من نحن حتى نفرز لك؟ أرسلهم كما تشاء، أنت يا الله.
كلا، بل أنتم الذين تفرزوهما للخدمة، حتى لو كنت أنا الذي دعوتهما. أنتم القنوات الشرعية التي اخترتها للخدمة... أنتم وكلاء سرائر الله (1كو4: 1). وقد فوضتكم في العمل.
لا بد لهذين الرسولين المدعوين من روح الله القدوس، أن يمرا على الكنيسة أولًا، على الرغم من الدعوة الإلهية، ولا بد لهما من أن ينالا وضع اليد من السلطة الرسولية، من وكلاء الله...
هل كان يجرؤ شاول الطرسوسي وقتذاك، أن يقول: "كلنا ملوك وكهنة"... ومن جهة الدعوة أنا مدعو من المسيح مثلكم، وقد ظهر لي خصيصًا، وقال إنني إناء مختار له. وقد دعاني الروح القدس أيضًا، وأفرزني الله من بطن أمي..!؟
كلا، بل أحنى رأسه في تواضع، لينال وضع اليد الرسولية، هو وبرنابا، من هؤلاء الرسل الذين كانوا قبله، والذين أطاعوا الروح القدس "فَصَامُوا حِينَئِذٍ وَصَلُّوا وَوَضَعُوا عَلَيْهِمَا الأَيَادِيَ ثُمَّ أَطْلَقُوهُمَا" (أع13: 3).
فلما أرسلتهما الكنيسة بهذا الوضع، اعتبروا مرسلين من الروح القدس، إذ بعد هذا مباشرة يقول الوحي الإلهي: "فَهَذَانِ إِذْ أُرْسِلاَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ انْحَدَرَا إِلَى سَلُوكِيَةَ..." (أع13: 4).
إذًا وضع اليد الرسولية، هو للرسل كما للشمامسة...
ونلاحظ أن وضع اليد هنا كان من الرسل لا من الشعب...
والروح القدس نفسه، لم يخاطب في ذلك الكنيسة كلها كجماعة المؤمنين.
22- ونلاحظ أيضًا أن وضع اليد صحبته صلوات وأصوام.
إنهم لم يضعوا اليد فقط، وإنما "صاموا حينئذ وصلوا" والمقصود طبعًا صلاة طقسية "ليتورجية". ونفس الوضع هو الذي حدث في وضع اليد على الشمامسة السبعة "اَلَّذِينَ أَقَامُوهُمْ أَمَامَ الرُّسُلِ فَصَلُّوا وَوَضَعُوا عَلَيْهِمِ الأَيَادِيَ" (أع6: 6).
وكذلك حدث نفس الأمر في سيامة القسوس، إذ يقول الكتاب عن الرسولين بولس وبرنابا، لما وصلا إلى نواحي لسترة وأيقونية وأنطاكية... "وَانْتَخَبَا لَهُمْ قُسُوسًا فِي كُلِّ كَنِيسَةٍ ... ثُمَّ صَلَّيَا بِأَصْوَامٍ وَاسْتَوْدَعَاهُمْ لِلرَّبِّ الَّذِي كَانُوا قَدْ آمَنُوا بِهِ." (أع14: 23). إقامة القسوس تحتاج إلى صوم وإلى صلاة (ليتورجية طبعًا). كما نأتي نحن إلى الكنيسة صائمين، ونصلي الصلوات الخاصة بسيامة القسوس، ثم نضع اليد.
23- ولا بد أن وضع اليد كان مصحوبًا بنطق خاص بالرتبة.
فهذا أمر بديهي. والسيد المسيح نفسه، لما أعطى الرسل الروح القدس والكهنوت في (يو20: 20- 23). كان ذلك أيضًا مصحوبًا بنطق مقدس "كما أرسلني الآب أرسلكم أنا... من غفرتم خطاياه غفرت له...". وهكذا لما منحهم في الكهنوت من قبل سلطان الحل والربط (مت16: 18) و(مت18: 18).
24- إن عبارة "افرزوا لي" تدل على أن عمل الكهنوت هو لمجموعة أفرزها الله لهذا العمل، وليس الجميع كهنة متساوين في عمل الكهنوت.
وهؤلاء الذين اُفرزوا لهذه الخدمة، نالوا الدعوة الإلهية، والاختيار، والإرسالية، ووضع اليد الذي يمثل المسحة المقدسة.
الرسل دعاهم الرب بنفسه، وأرسلهم بنفسه، وأعطاهم السلطان بنفسه، وترك لهم تدبير أمور الكنيسة. وهم أرسلوا غيرهم كما أرسلهم الرب، وأعطوهم السلطان. لأن الكنيسة ما كان ممكنًا أن تقف عند حدود العصر الرسولي وتنتهي!! واستمرارها معناه أن جيل الرسل يسلم الكهنوت بكل ما فيه من خدمة وكرازة وسلطان ووضع يد، إلى الأجيال التي تليه، جيل يسلم جيلًا، إلى أن وصل إلى أيامنا هذه...
تسلسل وضع اليد
بولس الرسول وضع اليد على كثيرين، منهم تيموثاوس الأسقف، وتيطس الأسقف. وقال لتلميذه تيموثاوس: "اذَكِّرُكَ أنْ تُضْرِمَ أيْضًا مَوْهِبَةَ اللهِ الَّتِي فِيكَ بِوَضْعِ يَدَيَّ" (2تي1: 6). أي أن القديس بولس لما وضع يده على تيموثاوس، سَرت موهبة الله منه إلى تلميذه.
وتيموثاوس الذي أخذ وضع اليد من بولس، كان يضع يده أيضًا على آخرين، من القسوس. وفي ذلك نصحه القديس بولس قائلًا: "لاَ تَضَعْ يَدًا عَلَى أحَدٍ بِالْعَجَلَةِ، وَلاَ تَشْتَرِكْ فِي خَطَايَا الآخَرِينَ.." (1تي5: 22). أي لا تمنح الكهنوت - بوضع يدك - في عجلة لمن هو غير مستحق، لئلا إذا أخطأ تكون مشتركًا معه في خطيته...
وبالمثل بالنسبة إلى كل رسول، وفي كل بلد، ظل وضع اليد يتتابع إلى أن وصل إلى جيلنا، نفس الكهنوت، الذي منحه الرب لرسله، في درجاته المتمايزة...
هل الجميع متساوون؟ أم هناك جماعة مميزة بالكهنوت؟
هل الجميع متساوون؟ أم هناك جماعة مميزة بالكهنوت؟
سؤال هام نضعه أمام محاربي الكهنوت، وهو:
هل جميع المؤمنين متساوون في كل شيء؟ أم أن هناك كهنوت، لجماعة مميزة؟ باشتراطات وصفات خاصة وبأعمال مميزة تقوم بها، وبرسامة: وضع يد، ونفخة الروح القدس، ولرجال الكهنوت سلطان، ولهم ألقاب ودرجات؟؟
إننا سنثبت أن هناك جماعة مميزة، كما كانت في العهد القديم كذلك هي في العهد الجديد، فالله "لَيْسَ عِنْدَهُ تَغْيِيرٌ وَلاَ ظِلُّ دَوَرَانٍ" (يع1: 17). هنا ويقوم ضدنا اعتراض من محاربي الكهنوت:
الاعتراض الثالث
يقول المعترضون: كلنا متساوون، والكتاب يشهد على ذلك بآيات نذكر من بينها:
(غلا3: 28) "لَيْسَ يَهُودِيٌّ وَلاَ يُونَانِيٌّ. لَيْسَ عَبْدٌ وَلاَ حُرٌّ. لَيْسَ ذَكَرٌ وَأُنْثَى، لأَنَّكُمْ جَمِيعًا وَاحِدٌ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ".
(مت20: 25- 28) "فَدَعَاهُمْ يَسُوعُ وَقَالَ: أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رُؤَسَاءَ الأُمَمِ يَسُودُونَهُمْ وَالْعُظَمَاءَ يَتَسَلَّطُونَ عَلَيْهِمْ. فَلاَ يَكُونُ هَكَذَا فِيكُمْ. بَلْ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ فِيكُمْ عَظِيمًا فَلْيَكُنْ لَكُمْ خَادِمًا. وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ فِيكُمْ أَوَّلًا فَلْيَكُنْ لَكُمْ عَبْدًا. كَمَا أَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ".
ويرى أصحاب هذا الاعتراض أنه يُفهم من هذه الآيات، أن الكل متساوون، ولا فارق بين مؤمن وآخر.
الرد على الاعتراض
1- ونحن لا ننكر أن جميع المؤمنين متساوون في البنوة لله، وفي أنهم هياكل للروح القدس، لا يتميز فيهم شعب على شعب، ولا يتميزون من جهة الجنس أو اللون. وكلهم متساوون في المسئولية الأدبية.
ولكن هذا كله، لا يعني مطلقًا أنهم متساوون في الاختصاص، ولا يعني أنهم متساوون في الكهنوت.
2- وقد قيلت الآية الأولى (غلا3: 28) في نتائج الإيمان والمعمودية، من حيث البنوة لله بالإيمان والمعمودية، ومن حيث الحياة الجديدة التي نلبسها في المسيح يسوع. وهكذا قال القديس بولس الرسول:
"لأَنَّكُمْ جَمِيعًا أَبْنَاءُ اللهِ بِالإِيمَانِ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ. لأَنَّ كُلَّكُمُ الَّذِينَ اعْتَمَدْتُمْ بِالْمَسِيحِ قَدْ لَبِسْتُمُ الْمَسِيحَ. لَيْسَ يَهُودِيٌّ وَلاَ يُونَانِيٌّ. لَيْسَ عَبْدٌ وَلاَ حُرٌّ. لَيْسَ ذَكَرٌ وَأُنْثَى، لأَنَّكُمْ جَمِيعًا وَاحِدٌ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ" (غلا3: 26- 28).
إذًا ليس فارق بين المؤمنين بالمعمدين، من حيث البنوة لله. في هذه البنوة لا يتميز يهودي على يوناني، ولا حر على عبد، ولا ذكر على أنثى... ولا فارق بين هؤلاء في بركات المعمودية.
ومع هذه المساواة في البنوة لله وميزاتها، هناك فارق!!
3- ليس ذكر وأنثى في البنوة لله وفي بركات المعمودية. ومع ذلك يقول الكتاب: "رَأْسُ الْمَرْأَةِ فَهُوَ الرَّجُلُ" (1كو11: 3).
ويقول أيضًا: "أَيُّهَا النِّسَاءُ اخْضَعْنَ لِرِجَالِكُنَّ كَمَا لِلرَّبِّ. لأَنَّ الرَّجُلَ هُوَ رَأْسُ الْمَرْأَةِ كَمَا أَنَّ الْمَسِيحَ أَيْضًا رَأْسُ الْكَنِيسَةِ" (أف5: 22، 23).
"أَيَّتُهَا النِّسَاءُ، اخْضَعْنَ لِرِجَالِكُنَّ كَمَا يَلِيقُ فِي الرَّبِّ" (كو3: 18). "فَإِنَّهُ هَكَذَا كَانَتْ قَدِيمًا النِّسَاءُ الْقِدِّيسَاتُ أَيْضًا الْمُتَوَكِّلاَتُ عَلَى اللهِ، يُزَيِّنَّ أَنْفُسَهُنَّ خَاضِعَاتٍ لِرِجَالِهِنَّ. كَمَا كَانَتْ سَارَةُ تُطِيعُ إِبْرَاهِيمَ دَاعِيَةً إِيَّاهُ «سَيِّدَهَا»" (1بط3: 5، 6).
4- وعلى الرغم من المساواة بين العبد والحر في البنوة لله وفي بركات المعمودية، إلا أنه هناك أيضًا فارق:
يقول السيد المسيح: "إِنَّهُ لَيْسَ عَبْدٌ أَعْظَمَ مِنْ سَيِّدِهِ" (يو13: 16). ويقول الرسول: "أَيُّهَا الْعَبِيدُ، أَطِيعُوا سَادَتَكُمْ حَسَبَ الْجَسَدِ بِخَوْفٍ وَرِعْدَةٍ، فِي بَسَاطَةِ قُلُوبِكُمْ كَمَا لِلْمَسِيحِ... خَادِمِينَ بِنِيَّةٍ صَالِحَةٍ كَمَا لِلرَّبِّ، لَيْسَ لِلنَّاسِ" (أف6: 5، 7) "أَيُّهَا الْعَبِيدُ، اطِيعُوا فِي كُلِّ شَيْءٍ سَادَتَكُمْ حَسَبَ الْجَسَدِ" (كو3: 22؛ تي2: 9).
في الإيمان والمعمودية لا فارق بين فليمون وأنسيموس. ولكن بولس الرسول كان لا بد أن يستأذن فليمون في شأن أنسيموس لأنه سيده. لذلك قال له: "بِدُونِ رَأْيِكَ لَمْ أُرِدْ أَنْ أَفْعَلَ شَيْئًا" (فل 14).
5- وحقًا في البنوة لله لا فارق بين يهودي ويوناني. ومع ذلك قال الرسول عن أنسبائه هؤلاء إنهم "الَّذِينَ هُمْ إِسْرَائِيلِيُّونَ وَلَهُمُ التَّبَنِّي وَالْمَجْدُ وَالْعُهُودُ وَالاِشْتِرَاعُ وَالْعِبَادَةُ وَالْمَوَاعِيدُ. وَلَهُمُ الآبَاءُ وَمِنْهُمُ الْمَسِيحُ حَسَبَ الْجَسَدِ" (رو9: 4، 5).
أما في المعمودية فيقول الرسول: "لأَنَّنَا جَمِيعَنَا بِرُوحٍ وَاحِدٍ أَيْضًا اعْتَمَدْنَا إِلَى جَسَدٍ وَاحِدٍ يَهُودًا كُنَّا أَمْ يُونَانِيِّينَ" (1كو12: 13).
6- إذًا قول بولس الرسول في (غلا3: 28) لا نأخذه بالمعنى المطلق، بل في الحدود التي تكلم عنها الرسول. وفي غير هذه الحدود توجد فوارق كما ذكرنا.
في البنوة وبركات المعمودية، كل المؤمنين متساوون...
ولكنهم - في الاختصاصات وفي الكهنوت - غير متساويين...
7- هنا ونناقش ما ورد في (مت20: 25- 28) "وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ فِيكُمْ أَوَّلًا فَلْيَكُنْ لَكُمْ عَبْدًا... كَمَا أَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ".
السيد المسيح يتكلم هنا عن التواضع، وليس عن الكهنوت. لا يريد أن يكون رسله لهم روح السيطرة والتعالي وحب العظمة.
8- وقد ضرب في هذا مثلًا بنفسه "ابن الإنسان لم يأت ليُخدم بل ليخدِم" فهل هذا التواضع الذي سلك به، يعني أنه مساو لتلاميذه؟! حاشا. إنه أتي ليخدمهم، ومع خدمته لهم هو سيدهم. ولذلك قال لهم بعد أن غسل أرجلهم: "أَنْتُمْ تَدْعُونَنِي مُعَلِّمًا وَسَيِّدًا وَحَسَنًا تَقُولُونَ لأَنِّي أَنَا كَذَلِكَ. فَإِنْ كُنْتُ وَأَنَا السَّيِّدُ وَالْمُعَلِّمُ قَدْ غَسَلْتُ أَرْجُلَكُمْ فَأَنْتُمْ يَجِبُ عَلَيْكُمْ أَنْ يَغْسِلَ بَعْضُكُمْ أَرْجُلَ بَعْضٍ" (يو13: 13، 14).
9- أقوال السيد المسيح هذه لتلاميذه، لا تعني إلغاء الكهنوت، إنما تعني الاتضاع في كل أعمال الكهنوت التي عهد بها إليهم.
ففي الكهنوت أيضًا: لا يجوز أن كاهنًا يريد أن يكون عظيمًا، أو يريد أن يكون أولًا (مت20: 26، 27).
بل يكون كاهنًا ومتواضعًا. لا يسيطر على الناس، ولا يتعاظم، ولا يتعالى عليهم. وإن كان الله قد جعله أولًا، فلا يصح أن هذه الأولوية ترفع قلبه، بل يتعامل مع الشعب كأنه آخر الكل، وأصغر الكل، كأنه عبد لهم.
10- هنا وأتذكر قول الشيوخ لرحبعام الملك: "إِنْ صِرْتَ الْيَوْمَ عَبْدًا لِهَذَا الشَّعْبِ وَخَدَمْتَهُمْ وَأَجَبْتَهُمْ وَكَلَّمْتَهُمْ كَلاَمًا حَسَنًا، يَكُونُونَ لَكَ عَبِيدًا كُلَّ الأَيَّامِ" (1مل12: 7).
فإن كان الملك مطلوبًا منه أن يكون خادمًا وعبدًا لشعبه، هكذا الكاهن أيضًا مطلوب منه كذلك. ويبقى الملك ملكًا، والكاهن كاهنًا.
الاعتراض الرابع
11- يستشهد المعارضون بما ورد في سفر يوئيل النبي: (يؤ2: 28، 29) "وَيَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنِّي أَسْكُبُ رُوحِي عَلَى كُلِّ بَشَرٍ فَيَتَنَبَّأُ بَنُوكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَيَحْلَمُ شُيُوخُكُمْ أَحْلاَمًا وَيَرَى شَبَابُكُمْ رُؤًى. وَعَلَى الْعَبِيدِ أَيْضًا وَعَلَى الإِمَاءِ أَسْكُبُ رُوحِي فِي تِلْكَ الأَيَّامِ".
ويقولون في ذلك: هوذا الكل على قدم المساواة: البنون والبنات، الشيوخ والشبان، العبيد والإماء.
12- والرد بسيط. وهو أن هناك فرقًا بين المواهب والكهنوت. المواهب يمكن أن تكون أحيانًا للكل. بينما الكهنوت ليس للكل ومع ذلك فالكل ليسوا متساويين في المواهب.
يقول القديس بولس الرسول في إصحاح المواهب المشهور (1كو 12):
"وَلَكِنَّهُ لِكُلِّ وَاحِدٍ يُعْطَى إِظْهَارُ الرُّوحِ لِلْمَنْفَعَةِ. فَإِنَّهُ لِوَاحِدٍ يُعْطَى بِالرُّوحِ كَلاَمُ حِكْمَةٍ. وَلِآخَرَ كَلاَمُ عِلْمٍ بِحَسَبِ الرُّوحِ الْوَاحِدِ. وَلِآخَرَ إِيمَانٌ بِالرُّوحِ الْوَاحِدِ. وَلِآخَرَ مَوَاهِبُ شِفَاءٍ بِالرُّوحِ الْوَاحِدِ. وَلِآخَرَ عَمَلُ قُوَّاتٍ وَلِآخَرَ نُبُوَّةٌ وَلِآخَرَ تَمْيِيزُ الأَرْوَاحِ وَلِآخَرَ أَنْوَاعُ أَلْسِنَةٍ وَلِآخَرَ تَرْجَمَةُ أَلْسِنَةٍ. وَلَكِنَّ هَذِهِ كُلَّهَا يَعْمَلُهَا الرُّوحُ الْوَاحِدُ بِعَيْنِهِ قَاسِمًا لِكُلِّ وَاحِدٍ بِمُفْرَدِهِ كَمَا يَشَاءُ" (1كو12: 7- 11).
ويقول أيضًا: "أَلَعَلَّ الْجَمِيعَ رُسُلٌ؟ أَلَعَلَّ الْجَمِيعَ أَنْبِيَاءُ؟ أَلَعَلَّ الْجَمِيعَ مُعَلِّمُونَ؟ أَلَعَلَّ الْجَمِيعَ أَصْحَابُ قُوَّاتٍ؟ أَلَعَلَّ لِلْجَمِيعِ مَوَاهِبَ شِفَاءٍ؟ أَلَعَلَّ الْجَمِيعَ يَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَةٍ؟ أَلَعَلَّ الْجَمِيعَ يُتَرْجِمُونَ؟!" (1كو12: 29، 30).
ليس الجميع متساوين
13- إن كان الجميع يتساوون في أنهم أبناء الله، وصورة الله، وهياكل لروحه القدوس. ويتساوون من جهة المسئولية الأدبية... إلا أنهم ليسوا متساوين من جهة العمل والاختصاصات، ومن جهة الكهنوت.
14- هذا هو التعليم الكتابي. وفيه يقول الرسول:
"فَوَضَعَ اللهُ أُنَاسًا فِي الْكَنِيسَةِ: أَوَّلًا رُسُلًا، ثَانِيًا أَنْبِيَاءَ، ثَالِثًا مُعَلِّمِينَ، ثُمَّ قُوَّاتٍ وَبَعْدَ ذَلِكَ مَوَاهِبَ شِفَاءٍ أَعْوَانًا تَدَابِيرَ وَأَنْوَاعَ أَلْسِنَةٍ. أَلَعَلَّ الْجَمِيعَ رُسُلٌ؟ أَلَعَلَّ الْجَمِيعَ أَنْبِيَاءُ؟ أَلَعَلَّ الْجَمِيعَ مُعَلِّمُونَ؟ أَلَعَلَّ الْجَمِيعَ أَصْحَابُ قُوَّاتٍ؟" (1كو12: 28، 29).
إذًا هنا لا مساواة، وليس العمل واحد للكل.
فإن كان محاربوا الكهنوت يبنون اِدعاءهم على مبدأ المساواة، تكون قضيتهم بلا شك قد سقطت...
15- ونفس تمايز العمل يكرره الرسول في رسالته إلى أفسس، فيقول عن الرب: "وَهُوَ أَعْطَى الْبَعْضَ أَنْ يَكُونُوا رُسُلًا، وَالْبَعْضَ أَنْبِيَاءَ، وَالْبَعْضَ مُبَشِّرِينَ، وَالْبَعْضَ رُعَاةً وَمُعَلِّمِينَ. لأَجْلِ تَكْمِيلِ الْقِدِّيسِينَ، لِعَمَلِ الْخِدْمَةِ، لِبُنْيَانِ جَسَدِ الْمَسِيحِ" (أف4: 11، 12).
هو أعطى البعض، وليس الكل، إذًا لا مساواة...
16- هو اختار أشخاصًا معينين، لأعمال معينة كلفهم بها. وهذا الاختيار ليس هو طبعًا لجميع الناس. فليس الجميع متساوين في الاختيار والإرسالية. وليس الكل مختارين للخدمة التي كلف بها الرب رجاله، وهي أعمال معينة، نسميها أعمال الكهنوت.
إذًا رجال الكهنوت هم: أشخاص مميزون بأعمال مميزة...
أشخاص اختارهم الرب
17- يقول الإنجيل في (لو6: 12، 13) "وَفِي تِلْكَ الأَيَّامِ خَرَجَ إِلَى الْجَبَلِ لِيُصَلِّيَ. وَقَضَى اللَّيْلَ كُلَّهُ فِي الصَّلاَةِ لله. وَلَمَّا كَانَ النَّهَارُ دَعَا تَلاَمِيذَهُ وَاخْتَارَ مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ الَّذِينَ سَمَّاهُمْ أَيْضًا رُسُلًا".
"وَبَعْدَ ذَلِكَ عَيَّنَ الرَّبُّ سَبْعِينَ آخَرِينَ أَيْضًا وَأَرْسَلَهُمُ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ أَمَامَ وَجْهِه.." (لو10: 1).
إذًا الكهنوت هذا هو وضع إلهي، أسسه الرب بنفسه، وبدأه بالرسل، بأشخاص اختارهم بنفسه، ورسم لهم عملهم، وعين لهم المكان الذي يعملون فيه، وأعطاهم سلطانًا وبركة. كما قيل في (مت10: 1): "ثُمَّ دَعَا تَلاَمِيذَهُ الاِثْنَيْ عَشَرَ وَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا..".
18- ووضع الرب بركة لمن يقبلهم، وعقوبة لمن يرفضهم أو يرذلهم
وقال لهم: "مَنْ يَقْبَلُكُمْ يَقْبَلُنِي وَمَنْ يَقْبَلُنِي يَقْبَلُ الَّذِي أَرْسَلَنِي" (مت10: 40). "اَلَّذِي يَسْمَعُ مِنْكُمْ يَسْمَعُ مِنِّي وَالَّذِي يُرْذِلُكُمْ يُرْذِلُنِي وَالَّذِي يُرْذِلُنِي يُرْذِلُ الَّذِي أَرْسَلَنِي" (لو10: 16). وجعل عقوبة الذين يرفضونهم أصعب من عقوبة سدوم (لو10: 10- 12). "وَأَيَّةُ مَدِينَةٍ دَخَلْتُمُوهَا وَلَمْ يَقْبَلُوكُمْ فَاخْرُجُوا إِلَى شَوَارِعِهَا وَقُولُوا: حَتَّى الْغُبَارُ الَّذِي لَصِقَ بِنَا مِنْ مَدِينَتِكُمْ نَنْفُضُهُ لَكُمْ. وَلَكِنِ اعْلَمُوا هَذَا أَنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ مِنْكُمْ مَلَكُوتُ اللهِ. وَأَقُولُ لَكُمْ إِنَّهُ يَكُونُ لِسَدُومَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ حَالَةٌ أَكْثَرُ احْتِمَالًا مِمَّا لِتِلْكَ الْمَدِينَةِ".
وأعطاهم سلطان التعليم والتعميد
19- قال لهم: "فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآبِ وَالاِبْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ" (مت28: 19، 20). "اذْهَبُوا إِلَى الْعَالَمِ أَجْمَعَ وَاكْرِزُوا بِالإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا. مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ" (مر16: 15، 16).
هؤلاء هم الذين ائتمنهم الرب على خدمة الكلمة. ولم يعط هذه الخدمة لجميع الناس.
بل أعطاها لهؤلاء الذين قال لهم: "اَلَّذِي يَسْمَعُ مِنْكُمْ يَسْمَعُ مِنِّي" (لو10: 16). ولم يقل الرب لجميع الشعب: "اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم"، "اكرزوا بالإنجيل"... لأن سلطان التعليم ليس للجميع!
20- وفي هذا الأمر يشهد القديس بطرس الرسول قائلًا: "لَيْسَ لِجَمِيعِ الشَّعْبِ بَلْ لِشُهُودٍ سَبَقَ اللهُ فَانْتَخَبَهُمْ. لَنَا نَحْنُ الَّذِينَ أَكَلْنَا وَشَرِبْنَا مَعَهُ... وَأَوْصَانَا أَنْ نَكْرِزَ لِلشَّعْبِ وَنَشْهَدَ..." (أع10: 41، 42).
ما أعجب عبارة: "ليس لجميع الشعب".
إن خدمة الكلمة، خدمة الكرازة، ليست أمرًا يتطفل عليه أي إنسان، إنما هي لأشخاص معينين ائتمنهم الرب على هذه الخدمة... أما باقي الشعب فتنطبق عليهم عبارة: "وَكَيْفَ يَكْرِزُونَ إِنْ لَمْ يُرْسَلُوا؟" (رو10: 15).
على إننا سنطرق هذا الموضوع بالتفصيل حينما نتكلم عن الكهنوت وخدمة التعليم.
كذلك خدمة التعميد لم تكن لكل أحد، إنما للذين قال لهم الرب "وعمدوهم" ثم لمساعديهم، ولخلفائهم من بعدهم.
وأعطاهم سلطان الحلِّ والربط
21- لم يعط الرب هذا السلطان لجميع الشعب، وإنما أعطاه للرسل في شخص بطرس "وَأُعْطِيكَ مَفَاتِيحَ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ فَكُلُّ مَا تَرْبِطُهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَرْبُوطًا فِي السَّمَاوَاتِ. وَكُلُّ مَا تَحُلُّهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَحْلُولًا فِي السَّمَاوَاتِ" (مت16: 19). ثم وجه الحديث لكل الرسل قائلًا: "اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: كُلُّ مَا تَرْبِطُونَهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَرْبُوطًا فِي السَّمَاءِ وَكُلُّ مَا تَحُلُّونَهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَحْلُولًا فِي السَّمَاءِ" (مت 18: 18).
وبعد القيامة يقول الإنجيل أنه نفخ في وجوههم وقال لهم: "اقْبَلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ. مَنْ غَفَرْتُمْ خَطَايَاهُ تُغْفَرُ لَهُ، وَمَنْ أَمْسَكْتُمْ خَطَايَاهُ أُمْسِكَتْ" (يو20: 22، 23).
وسلطان ممارسة سرِّ الإفخارستيا
22- قال لهم، وليس لجميع الشعب: "هَذَا هُوَ جَسَدِي الَّذِي يُبْذَلُ عَنْكُمْ. اِصْنَعُوا هَذَا لِذِكْرِي" (لو22: 19). قال هذا للرسل وهم مجتمعون معه في العلية يوم خميس العهد.
ولهذا فإن بولس الرسول حينما يتعرض لهذا الأمر يقول: "كَأْسُ الْبَرَكَةِ الَّتِي نُبَارِكُهَا أَلَيْسَتْ هِيَ شَرِكَةَ دَمِ الْمَسِيحِ؟ الْخُبْزُ الَّذِي نَكْسِرُهُ أَلَيْسَ هُوَ شَرِكَةَ جَسَدِ الْمَسِيحِ؟" (1كو10: 16).
فقال: "نبارك ونكسر" ولم يقل: تباركون وتكسرون. لأن إقامة هذا السر ليست لكل أحد، بل للكهنوت.
أما التناول منه فهو للكل، لذلك قال: "لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَشْرَبُوا كَأْسَ الرَّبِّ وَكَأْسَ شَيَاطِينَ. لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَشْتَرِكُوا فِي مَائِدَةِ الرَّبِّ وَفِي مَائِدَةِ شَيَاطِينَ" (1كو10: 21).
الرسل لهم إقامة هذا السر، لأنهم باكورة الكهنوت.
ولهم وضع اليد وإقامة الخدام
23- كان وضع اليد لإقامة الخدَّام، هو من عمل الرسل وحدهم، ثم صار أيضًا من عمل خلفائهم الأساقفة.
أ) ففي سيامة الشمامسة السبعة، قال الرسول للمؤمنين: "فَانْتَخِبُوا أَيُّهَا الإِخْوَةُ سَبْعَةَ رِجَالٍ مِنْكُمْ... فَنُقِيمَهُمْ (نحن) عَلَى هَذِهِ الْحَاجَةِ... اَلَّذِينَ أَقَامُوهُمْ أَمَامَ الرُّسُلِ فَصَلُّوا وَوَضَعُوا عَلَيْهِمِ الأَيَادِيَ" (أع6: 3، 6).
ولو كان كل الشعب كهنة، ما كان هناك حاجة لإقامة هؤلاء السبعة أمام الرسل ليضعوا عليهم الأيادي.
بـ) وبولس الرسول يقول لتلميذه تيموثاوس الأسقف: "فَلِهَذَا السَّبَبِ أذَكِّرُكَ أنْ تُضْرِمَ أيْضًا مَوْهِبَةَ اللهِ الَّتِي فِيكَ بِوَضْعِ يَدَيَّ" (2تي1: 6).
جـ) وقال لهذا الأسقف: "لاَ تَضَعْ يَدًا عَلَى أحَدٍ بِالْعَجَلَةِ، وَلاَ تَشْتَرِكْ فِي خَطَايَا الآخَرِينَ" (1تي5: 22).
ولو كان الكل كهنة، فما لزوم وضع اليد هنا؟!
د) كذلك أمر بولس الرسول تلميذه تيطس أسقف كريت قائلًا: "مِنْ أَجْلِ هَذَا تَرَكْتُكَ فِي كِرِيتَ لِكَيْ تُكَمِّلَ تَرْتِيبَ الأُمُورِ النَّاقِصَةِ، وَتُقِيمَ فِي كُلِّ مَدِينَةٍ شُيُوخًا (قسوسًا) كَمَا أَوْصَيْتُكَ" (تي1: 5).
ما معنى إقامتهم قسوسًا، ما دام الكل كهنة في عرفهم؟!
هـ) أما العبارة التي قالها لتلميذه تيموثاوس: "لاَ تُهْمِلِ الْمَوْهِبَةَ الَّتِي فِيكَ الْمُعْطَاةَ لَكَ بِالنُّبُوَّةِ مَعَ وَضْعِ أيْدِي الْمَشْيَخَةِ" (1تي4: 14).
فبالإضافة إلى أن البروتستانت يترجمون أحيانًا كلمة قسيس أو كاهن بكلمة شيخ، إلا أن كلمة شيخ كانت تطلق على الأساقفة أحيانًا، وعلى الرسل أيضًا...
فبطرس الرسول يقول: "أَطْلُبُ إِلَى الشُّيُوخِ الَّذِينَ بَيْنَكُمْ، أَنَا الشَّيْخَ رَفِيقَهُمْ، وَالشَّاهِدَ لآلاَمِ الْمَسِيحِ.." (1بط5: 1).
ويوحنا الرسول يقول في افتتاح رسالته الثانية والثالثة: "اَلشَّيْخُ، إِلَى كِيرِيَّةَ الْمُخْتَارَةِ" (2يو1: 1) "اَلشَّيْخُ، إِلَى غَايُسَ الْحَبِيبِ" (3يو1: 1).
إذًا وضع اليد لإقامة الخدام في كل رتب الكهنوت، لم يكن لكل أحد، إنما كان للرسل ولمساعديهم وخلفائهم من الأساقفة.
ولهم منح الروح القدس
24- (أ) ففي قصة إيمان السامرة، كان أهلها قد تعمدوا ولم ينالوا الروح. وهنا يقول الكتاب أن الرسل: "أَرْسَلُوا إِلَيْهِمْ بُطْرُسَ وَيُوحَنَّا. اللَّذَيْنِ لَمَّا نَزَلاَ صَلَّيَا لأَجْلِهِمْ لِكَيْ يَقْبَلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ... حِينَئِذٍ وَضَعَا الأَيَادِيَ عَلَيْهِمْ فَقَبِلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ" (أع8: 14، 15، 17).
فلو كان الكل كهنة، لكان ممكنًا لأي أحد من المؤمنين أن يمنح أهل السامرة الروح القدس، ولا حاجة إلى أن يرسل إليهم الرسل بطرس ويوحنا الرسولين.
(ب) نلاحظ نفس الوضع في منح الروح القدس لأهل أفسس.
ما كانوا يعرفون شيئًا عن الروح القدس. ولكن "وَلَمَّا وَضَعَ بُولُسُ يَدَيْهِ عَلَيْهِمْ حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَيْهِمْ..." (أع19: 6).
إذًا كان الرسل يمنحون الروح القدس، سواء لرتب الكهنوت، أو للناس، الذي عرف فيما بعد بسر المسحة "وَأَمَّا أَنْتُمْ فَلَكُمْ مَسْحَةٌ مِنَ الْقُدُّوسِ وَتَعْلَمُونَ كُلَّ شَيْءٍ. وَأَمَّا أَنْتُمْ فَالْمَسْحَةُ الَّتِي أَخَذْتُمُوهَا مِنْهُ ثَابِتَةٌ فِيكُمْ..." (1يو2: 20، 27). ولم يكن هذا هو عمل عامة المؤمنين، كما يعلمنا الكتاب.
وهذا الأمر أدركه حتى سيمون الساحر، ولكنه أخطأ في الوسيلة، يقول الكتاب: "وَلَمَّا رَأَى سِيمُونُ أَنَّهُ بِوَضْعِ أَيْدِي الرُّسُلِ يُعْطَى الرُّوحُ الْقُدُسُ قَدَّمَ لَهُمَا دَرَاهِمَ" (أع8: 18).
فلو كان الكهنوت للكلِّ، لماذا كانت هناك حاجة أن يطلب الروح القدس من هؤلاء الناس بالذات؟!
ولهم عمل الإرشاد والتدبير
25- يقول القديس بولس الرسول: "اُذْكُرُوا مُرْشِدِيكُمُ الَّذِينَ كَلَّمُوكُمْ بِكَلِمَةِ اللهِ" (عب13: 7) "أَطِيعُوا مُرْشِدِيكُمْ وَاخْضَعُوا، لأَنَّهُمْ يَسْهَرُونَ لأَجْلِ نُفُوسِكُمْ كَأَنَّهُمْ سَوْفَ يُعْطُونَ حِسَابًا..." (عب13: 17).
وطبعًا هذا الكلام ليس للكل، إنما للذين سيعطون حسابًا عن الاهتمام بنفوس الآخرين.
26- ويقول الرسول أيضًا: "ثُمَّ نَسْأَلُكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ أَنْ تَعْرِفُوا الَّذِينَ يَتْعَبُونَ بَيْنَكُمْ وَيُدَبِّرُونَكُمْ فِي الرَّبِّ وَيُنْذِرُونَكُمْ. وَأَنْ تَعْتَبِرُوهُمْ كَثِيرًا جِدًّا فِي الْمَحَبَّةِ.." (1تس5: 12، 13).
وعبارة: "تعرفوا الذين... يدبرونكم" معناها أنها ليست لكل أحد.
لرجال الكهنوت اشتراطات معينة
27- شُرحت الاشتراطات الخاصة بالقس والأسقف في (1تي 3)، (تي1: 5- 9). وشروط الشمامسة في (أع 6) وفي (1تي3: 8- 13).
وهذه الاشتراطات فيها صفات روحية لازمة لجميع المؤمنين.
ولكن فيها أيضًا اشتراطات خاصة ليست لازمة لكل أحد، مثل أن يكون "بَعْلَ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ" (1تي3: 2). ومثل عبارة "لِيُخْتَبَرُوا أوَّلًا، ثُمَّ يَتَشَمَّسُوا إنْ كَانُوا بِلاَ لَوْمٍ" (1تي3: 10).
وبالنسبة إلى الأسقف، عبارة أن يكون "صالحًا للتعليم"، "غَيْرَ حَدِيثِ الإِيمَانِ"، "لَهُ شَهَادَةٌ حَسَنَةٌ مِنَ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَارِجٍ" (1تي3: 6، 7). "لِكَيْ يَكُونَ قَادِرًا أَنْ يَعِظَ بِالتَّعْلِيمِ الصَّحِيحِ وَيُوَبِّخَ الْمُنَاقِضِينَ" (تي1: 9) كل هذه صفات ليست للكل...
وبالنسبة إلى القسيس يكون "بَعْلَ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ" (تي1: 6).
فلو كان الكل كهنة، فما لزوم هذه الاشتراطات إذًا؟!
وأيضًا ما لزوم وضع اليد والصلاة لإقامتهم للخدمة؟
يقامون: بوضع اليد، بصلاة، وصوم، ونطق
28- وذلك واضح في إرسال شاول وبرنابا "فَصَامُوا حِينَئِذٍ وَصَلُّوا وَوَضَعُوا عَلَيْهِمَا الأَيَادِيَ ثُمَّ أَطْلَقُوهُمَا" (أع13: 3).
وواضح وضع اليد والصلاة في سيامة الشمامسة "فَصَلُّوا وَوَضَعُوا عَلَيْهِمِ الأَيَادِيَ" (أع6: 6).
وإن كان الأمر لجميع الناس، فما لزوم وضع اليد والصلاة، واختيار مجموعة معينة "فَانْتَخِبُوا أَيُّهَا الإِخْوَةُ سَبْعَةَ رِجَالٍ مِنْكُمْ" (أع6: 3).
ما لزوم هذا الطقس: صلاة ـ صوم ـ وضع يد. وطبعًا معه نطق خاص بالرتبة. ويُقام من شخص له سلطان؟!
ملخص
29- إن كان الكهنوت لكل أحد، فهل يستطيع كل أحد من الشعب أن يعمد، ويمنح الروح القدس للآخرين، ويقيم الأساقفة والقسوس والشمامسة؟ ويعمل ويدبر؟!
وهل كل أحد له سلطان الحلِّ والربطِ، وأن يغفر الخطايا أو يمسكها؟ وهل كل أحد له سلطان إقامة سر الإفخارستيا... وباقي الأعمال التي تميز بها الكهنة؟
لم يحدث أن السيد المسيح أعطى السلطان على كل هذا لجميع الناس كما سبق وذكرنا.
مثال تعميد كرنيليوس وشاول
30- لما شاء الله قبول كرنيليوس، مع أنه كان رجلًا تقيًا، وقد صعدت صلواته وصدقاته إلى الله، واستحق أن يرسل له الله ملاكًا يكلمه... كان الإرشاد الإلهي إليه هو: "وَالآنَ أَرْسِلْ إِلَى يَافَا رِجَالًا وَاسْتَدْعِ سِمْعَانَ الْمُلَقَّبَ بُطْرُسَ.. هُوَ يَقُولُ لَكَ مَاذَا يَنْبَغِي أَنْ تَفْعَل" (أع10: 5، 6).
وجاء بطرس الذي كان قد كلف بهذا العمل أيضًا من الله نفسه "قُمْ وَانْزِلْ وَاذْهَبْ مَعَهُمْ غَيْرَ مُرْتَابٍ فِي شَيْءٍ لأَنِّي أَنَا قَدْ أَرْسَلْتُهُمْ" (أع10: 20).
إذًا هناك أشخاص معينون لهذه الخدمة، وليست هي لأي أحد أو للكل. وهذا بأمر من الله نفسه، وبرؤى وبإرشاد ملائكة...
31- نفس الوضع نراه بالنسبة إلى شاول الطرسوسي، الذي صار اسمه بولس الرسول فيما بعد... رأى المسيح شخصيًا، وآمن، واختاره الرب رسولًا للأمم (أع9: 1- 18).
ومع ذلك أرسله الرب إلى حنانيا في دمشق، الذي ظهر له الرب في رؤيا يكلفه بهذه المهمة. بيد حنانيا نال شاول نعمة العماد (أع22: 16).
وقد حدث هذا التكليف الإلهي، برؤيا مقدسة كلّم فيها الرب حنانيا بالذات، وكلفه بالعمل...
أخيرًا
هنا ونتذكر العبارة التي قالها القديس بولس الرسول عن الكهنوت المسيحي، وهي شهادة في العهد الجديد: "وَلاَ يَأْخُذُ أَحَدٌ هَذِهِ الْوَظِيفَةَ (الكرامة) بِنَفْسِهِ، بَلِ الْمَدْعُّوُ مِنَ اللهِ، كَمَا هَارُونُ أَيْضًا" (عب5: 4).
هذا هو الحقُّ الإنجيلي، أو الحقُّ الكتابي، لمن يريد أن يعرف الحق ".. مَنْ لَهُ أُذُنَانِ لِلسَّمْعِ فَلْيَسْمَعْ" (مت13: 43).
ولعله مما تجدر ملاحظته: أن الكهنوت في العهد الجديد - كما في العهد القديم - هو لجماعة مميزة، وليس لجميع الناس... جماعة مميزة بدعوة، ومسحة، واختيار، وإرسالية، ووضع يد، وصلوات، واشتراطات خاصة... وجماعة لها درجات، ولها ألقاب، ولها اختصاصات ليست لجميع الناس.
إن هذه الجماعة التي يختارها الرب للكهنوت، تقوم بأعمال مميزة لم يعهد بها الرب لكل الشعب. فلا يظن أحد أن الشعب كله كهنة..!
وكذلك فإن أعضاء هذه الجماعة المدعوة من الله كما هارون (عب5: 4) أعطاهم الرب سلطانًا خاصًا في أمور معينة:
فلهم سلطان العماد..
ولهم سلطان التعليم..
ولهم سلطان الحِلّ والربط..
ولهم تدبير الكنيسة..
ولهم وضع اليد لإقامة الخدام والإكليروس..
ولهم خدمة بيت الله..
وهم وحدهم وكلاء سرائر الله (1كو4: 1)..
وهم الذين يمنحون الروح القدس للمؤمنين (أع8: 17، 18)..
وليس عملهم مجرد تقديم الذبيحة، بحيث يركز المعارضون للكهنوت على هذه النقطة وحدها، كما لو كانت عمل الكهنوت الوحيد!!
وظائف وألقاب الكهنوت ودرجاته
وظائف وألقاب الكهنوت ودرجاته
وظائفه: (وكلاء – سفراء – ملائكة – رعاة – آباء – معلمون – مرشدون – مدبرون – كهنة)
درجاته: (الرسل - وخلفاؤهم الأساقفة - القسوس - الشمامسة).
إن كان جميع المؤمنين كهنة، وإن كانوا جميعهم متساويين، فلماذا إذًا كل هذه الوظائف المميزة: وكلاء - سفراء - ملائكة - رعاة - آباء - معلمين - مرشدين – مدبرين - كهنة. وواضح طبعًا أن كل هذه الوظائف لم تكن لجميع المؤمنين، وإنما لمجموعة مميزة منهم؟!
لأنه إن كان الجميع وكلاء، فمَن يكون باقي الناس إذًا؟ وإن كان الكل رعاة، فمَن يكون أفراد الرعية؟! ولو كان الكل آباء، فمن يكون الأبناء؟! وإن كان الكل معلمين، فمن الذين يتتلمذون عليهم؟! وهكذا مع باقي الصفات.
وطبعًا هذا يدل على أن رجال الكهنوت كانوا مجموعة مميزة بوظائف ليست للكل. وهذا يرد على اعتراض المساواة...
وبنفس الأسلوب نقول إنه واضح من الكتاب أن كل المؤمنين لم يكونوا أساقفة وقسوسًا وشمامسة.
نحاول إذًا في الصفحات المقبلة أن نتناول كل لقب وكل وظيفة من هذه التسع التي ذكرناها، ونورد النصوص التي تؤيدها من آيات الكتاب، حتى يكون كل ما نقوله مؤسسًا على الحقِّ الكتابي أو الحقِّ الإنجيلي.
وكلاء
1- السيد المسيح وصف الرسل الاثني عشر بأنهم وكلاء.
وهذا واضح من مثل السهر والاستعداد. لأنه لما قال بطرس: "يَا رَبُّ أَلَنَا تَقُولُ هَذَا الْمَثَلَ أَمْ لِلْجَمِيعِ أَيْضًا فَقَالَ الرَّبُّ: فَمَنْ هُوَ الْوَكِيلُ الأَمِينُ الْحَكِيمُ الَّذِي يُقِيمُهُ سَيِّدُهُ عَلَى خَدَمِهِ لِيُعْطِيَهُمُ الْعُلُوفَةَ فِي حِينِهَا؟" (لو12: 41، 42).
أمامنا في هذه الآية: وكيل، وعبيد. والوكيل مُقام من السيد على هؤلاء العبيد. والسيد نفسه هو الذي أعطاه هذه الصفة وهذه المسئولية، وكلفه بأن يعطي عبيده طعامهم الروحي.
2- إذًا هنا تمايز، فليس الكل وكلاء، وليس الكل متساويين...
نقول هذا على الرغم من أن الوكيل هو أيضًا عبد كالباقين، إذ يقول الرب عنه: "طُوبَى لِذَلِكَ الْعَبْدِ الَّذِي إِذَا جَاءَ سَيِّدُهُ يَجِدُهُ يَفْعَلُ هَكَذَا!" (لو12: 43). ولكنه متميز عن باقي العبيد، من جهة عمله واختصاصاته، ومسئوليته عنهم أمام سيد الكل الذي أقامه عليهم.
3- فإن كان هذا الوكيل يعطي الطعام الروحي لهذا الشعب في حينه، والشعب باستمرار - عبر الأجيال كلها - يحتاج إلى الطعام الروحي، إذًا لا بد من وكلاء يستمرون في إعطاء الشعب طعامه، إلى أن يأتي ربُّ الكلِّ - في مجيئه الثاني - فيجدهم يفعلون هكذا...
4- أيستطيع المؤمنون بعد كل هذا، أن يقولوا كلنا وكلاء، ولا فارق؟! لأننا كلنا ملوك وكهنة!! وهكذا يقومون بحركة ثورة وتمرد، لا تتفق مع التعليم الإنجيلي؟! أم إنهم في اتضاع قلب، وفي تسليم لتعليم الرب نفسه في كتابه، يخضعون لهذا الوكيل، الذي أقامه الرب على عبيده، وكلفه بأن يعطيهم طعامهم في حينه، وقال عنه إن عقوبةً شديدة تحل على هذا الوكيل إن هو أهمل العناية بالناس؟ "يَأْتِي سَيِّدُ ذَلِكَ الْعَبْدِ فِي يَوْمٍ لاَ يَنْتَظِرُهُ وَفِي سَاعَةٍ لاَ يَعْرِفُهَا فَيَقْطَعُهُ وَيَجْعَلُ نَصِيبَهُ مَعَ الْخَائِنِينَ" (لو12: 46).
على أن الوكالة لم تكن فقط للرسل الاثني عشر.
إنما بولس الرسول وكل مساعديه كانوا أيضًا وكلاء.
قال القديس بولس الرسول عن نفسه وعن زملائه: "هَكَذَا فَلْيَحْسِبْنَا الإِنْسَانُ كَخُدَّامِ الْمَسِيحِ وَوُكَلاَءِ سَرَائِرِ اللهِ. ثُمَّ يُسْأَلُ فِي الْوُكَلاَءِ لِكَيْ يُوجَدَ الإِنْسَانُ أَمِينًا" (1كو4: 1، 2).
6- هنا سرائر الله. وخدَّام له وكلاء عليها، على أسرار الكنيسة، وليس الكل وكلاء على السرائر الإلهية. بل قال الرسول هذا في معرض الحديث عن نفسه وعن أبلوس (1كو4: 6).
7- على أن القديس بولس، لم يتكلم عن نفسه كوكيل من جهة سرائر الله فقط وإنما من جهة التعليم أيضًا، لأنه استؤمن فيه على وكالة.
فقال: "إِنْ كُنْتُ أُبَشِّرُ فَلَيْسَ لِي فَخْرٌ إِذِ الضَّرُورَةُ مَوْضُوعَةٌ عَلَيَّ فَوَيْلٌ لِي إِنْ كُنْتُ لاَ أُبَشِّرُ" (1كو9: 16).
8- إذًا لا يستطيع أحد أن يقول مع بولس الرسول: "ويلٌ لي إن كنت لا أبشر" ما لم يكن قد استؤمن على وكالة.
تقول: وماذا أفعل في الغيرة المقدسة التي في قلبي، من جهة أن يؤمن الناس، فلا بد أن أكرز لهم؟
أقول لك: حسنة هذه الرغبة ومقدسة، ولكن يجب أن تفعل هذا من خلال الكنيسة. هي التي ترسلك لتبشر، بعد أن تمنحك إحدى درجات الشماسية...
لعلك تتعجب وتستثقل الأمر، وتريد أن تعمل من خارج الكنيسة بمفردك مستقلًا!! إذًا أسمع الحق الكتابي: "كَيْفَ يُؤْمِنُونَ بِمَنْ لَمْ يَسْمَعُوا بِهِ؟ وَكَيْفَ يَسْمَعُونَ بِلاَ كَارِزٍ؟ وَكَيْفَ يَكْرِزُونَ إِنْ لَمْ يُرْسَلُوا؟" (رو10: 14، 15). وأنت إذًا كيف تكرز إن لم ترسل حسب قول الرسول؟!
على كل نؤجل هذا الموضوع الآن، ونرجع إلى صفة رجال الكهنوت كوكلاء فنقول:
9- لم يطلق لقبَ الوكلاء على الاثني عشر فقط، وإنما على بولس أيضًا وعلى مساعديه. وأيضًا على الأساقفة.
فقيل: "يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الأُسْقُفُ بِلاَ لَوْمٍ كَوَكِيلِ اللهِ" (تي1: 7).
السيد المسيح هو صاحب الكرم، أقام عليه وكلاء، "قَالَ صَاحِبُ الْكَرْمِ لِوَكِيلِهِ" (مت20: 8) والوكلاء هم الرسل، كما وكَّلَ الأنبياء من قبل "اُنْظُرْ! قَدْ وَكَّلْتُكَ هَذَا الْيَوْمَ عَلَى الشُّعُوبِ وَعَلَى الْمَمَالِكِ" (إر1: 10). والرسل أقاموا أساقفة، سماهم الكتاب أيضًا وكلاء (تي1: 7). وهؤلاء الأساقفة والرسل أقاموا قسوسًا وشمامسة...
10- هؤلاء كلهم يعملون باسم الله وسلطانه. لأن التوكيل الذي منحهم إياه، يحمل تفويضًا منه لهم في العمل.
هم يمثلونه على الأرض. لذلك قال لهم: "اَلَّذِي يَسْمَعُ مِنْكُمْ يَسْمَعُ مِنِّي وَالَّذِي يُرْذِلُكُمْ يُرْذِلُنِي" (لو10: 16) "مَنْ يَقْبَلُكُمْ يَقْبَلُنِي" (مت10: 40). إنهم مفوضون منه، ليكملوا العمل الذي بدأه. لذلك هم أيضًا يُدعون سفراء.
سفراء
يقول القديس بولس الرسول في (2كو5: 19، 20):
"أَيْ إِنَّ اللهَ كَانَ فِي الْمَسِيحِ مُصَالِحًا الْعَالَمَ لِنَفْسِهِ... إِذًا نَسْعَى كَسُفَرَاءَ عَنِ الْمَسِيحِ، كَأَنَّ اللهَ يَعِظُ بِنَا. نَطْلُبُ عَنِ الْمَسِيحِ: تَصَالَحُوا مَعَ اللهِ". مع الله الذي "أَعْطَانَا خِدْمَةَ الْمُصَالَحَة" (2كو5: 18).
عمل المصالحة قام به السيد المسيح، الذي أقام صلحًا بين الله والعالم (2كو5: 19). وعمل المصالحة مستمر، لأن الإنسان دائمًا يخطئ وينفصل عن الله. وعمل المصالحة هذا عهد به الرب إلى خدامه، رجال الكهنوت، وكلاء الله على الأرض (تي1: 7). يسعون كسفراء المسيح، يقولون للناس: تصالحوا مع الله.
السفير يقوم بعمل المصالحة. والسفير أيضًا يوصل كلمة الله إلى الناس. وهذا العمل المزدوج قام به الرسول فقال: "... لأُعْلِمَ جِهَارًا بِسِرِّ الإِنْجِيلِ، الَّذِي لأَجْلِهِ أَنَا سَفِيرٌ فِي سَلاَسِلَ" (أف6: 19، 20).
ولا يزال هذا العمل المزدوج مستمرًا.
ملائكة
1- أطلق هذا اللقب على رجال الكهنوت، وقد قيل هذا في وضوح عن يوحنا المعمدان كاهن ما بين العهدين، ابن زكريا الكاهن.
قال عنه الله: "هَا أَنَا أُرْسِلُ أَمَامَ وَجْهِكَ مَلاَكِي الَّذِي يُهَيِّئُ طَرِيقَكَ قُدَّامَكَ" (مر1: 2، ملا3: 1).
والملاك هو رسول بين السماء والأرض. كما قال القديس بولس عن الملائكة: "أَلَيْسَ جَمِيعُهُمْ أَرْوَاحًا خَادِمَةً مُرْسَلَةً لِلْخِدْمَةِ لأَجْلِ الْعَتِيدِينَ أَنْ يَرِثُوا الْخَلاَصَ!" (عب1: 14)... هكذا أيضًا الكهنة: شخصيات خادمة، مرسلة للخدمة لأجل العتيدين أن يرثوا الخلاص. أنهم - كالملائكة - منفذو مشيئة الله على الأرض.
2- وأطلق لقب ملائكة على رعاة (أساقفة) الكنائس السبع التي في آسيا، فقيل إنهم ملائكة الكنائس.
وهذا اللقب صدر من فمِّ الرَّبِّ نفسه...
فقال لتلميذه القديس يوحنا: أكتب إلى ملاك كنيسة أفسس... إلى ملاك كنيسة سميرنا... إلى ملاك كنيسة فيلادلفيا... (رؤ2: 3).
وطبعًا لا يمكن أن يدعى كلُّ المؤمنين أنهم ملائكة الكنائس، وأنهم وكلاء الله، وسفراء المسيح. وإلاَّ كان كل منهم "يَرْتَئِيَ فَوْقَ مَا يَنْبَغِي..." (رو12: 3).
3- ولكن لعل البعض يعترض قائلًا:
كيف نسمي رجال الكهنوت ملائكة، ولهم أخطاء؟!
ونحن نجيب: هكذا السيد المسيح سمى كهنة كنائس آسيا ملائكة، في نفس الوقت الذي ذكر فيه أخطاءهم...
فالذي يعترض إذًا، إنما يعترض على السيد المسيح نفسه!
قال الرب عن ملاك كنيسة أفسس: "فَاذْكُرْ مِنْ أَيْنَ سَقَطْتَ وَتُبْ.." (رؤ2: 5). فعلى الرغم من السقوط، والحاجة إلى التوبة، وتركه لمحبته الأولى، سماه ملاكًا، لأن هذه وظيفته ككاهن.
وقال لملاك كنيسة ساردس: "..أَنَا عَارِفٌ أَعْمَالَكَ، أَنَّ لَكَ اسْمًا أَنَّكَ حَيٌّ وَأَنْتَ مَيِّتٌ" (رؤ3: 1). أنه ملاك الكنيسة، حتى لو كان في هذه الحالة المؤسفة جدًا.
وبنفس الوضع كان ملاك كنيسة لاودكية يحمل لقب ملاك، أو وظيفة ملاك، على الرغم من قول الرب له: "هَكَذَا لأَنَّكَ فَاتِرٌ، وَلَسْتَ بَارِدًا وَلاَ حَارًّا، أَنَا مُزْمِعٌ أَنْ أَتَقَيَّأَكَ مِنْ فَمِي" (رؤ3: 16).
حياة الكاهن شيء. ومسئولياته وسلطانه شيء آخر.
إن وضعه الكهنوتي لا يتغير بسبب خطيئته كإنسان.
إننا لا نؤمن بعصمة الكاهن، لكننا نعتقد بسلطانه.
4- إن العصمة لله وحده. والفحص في سلوك الناس ودينونتهم، أمور من اختصاص الله، هو وحده الفاحص القلوب والكلى "أَنِّي أَنَا هُوَ الْفَاحِصُ الْكُلَى وَالْقُلُوبَ" (رؤ2: 23). "مَنْ أَنْتَ الَّذِي تَدِينُ عَبْدَ غَيْرِكَ؟" (رو14: 4).
5- ومع ذلك إن حوربت بإدانة أحد الآباء الكهنة، فتذكر قول الكتاب عن إيليا النبي العظيم الذي أغلق السماء وفتحها: "كَانَ إِيلِيَّا إِنْسَانًا تَحْتَ الآلاَمِ مِثْلَنَا" (يع5: 17).
6- واقرأ قصة "يهوشع الكاهن العظيم" الذي مع أنه كان في خطية "لابسًا ثيابًا قذرة" إلا أن ملاك الرب انتهر الشيطان من أجله قائلًا: "لِيَنْتَهِرْكَ الرَّبُّ يَا شَيْطَانُ. لِيَنْتَهِرْكَ الرَّبُّ... أَفَلَيْسَ هَذَا شُعْلَةً مُنْتَشَلَةً مِنَ النَّارِ؟" (زك3: 2).
واستخدم الوحي الإلهي عبارة "الكاهن العظيم" على الرغم من خطيئته. وقال له: "قَدْ أَذْهَبْتُ عَنْكَ إِثْمَكَ وَأُلْبِسُكَ ثِيَابًا مُزَخْرَفَةً" (زك3: 4).
إن الكاهن هو ملاك الكنيسة بحكم وظيفته. والمفروض أن يكون كالملاك في نقاوته. وترمز إلى هذا الثياب البيضاء التي يلبسها أثناء الخدمة. ومع ذلك، فحتى إن أخطأ فلا يزال هو ملاك الكنيسة. وسنضرب مثالًا آخر، ولو أنه بعيد عن الكهنوت، ولكن نذكره من جهة الشبه.
7- مثال شاول الملك، ولقبه "مَسيحُ الرَّبِّ".
قام صموئيل النبي بمسح شاول ملكًا، فصار مسيحًا للرب. ثم أخطأ شاول، ورفضه الرب وقيل عنه: "وَذَهَبَ رُوحُ الرَّبِّ مِنْ عِنْدِ شَاوُلَ، وَبَغَتَهُ رُوحٌ رَدِيءٌ مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ" (1صم16: 14).
وكان الشيطان يصرعه ويبغته. فيضرب داود له على العود ليهدأ "وَكَانَ عِنْدَمَا جَاءَ الرُّوحُ مِنْ قِبَلِ الله عَلَى شَاوُلَ أَنَّ دَاوُدَ أَخَذَ الْعُودَ وَضَرَبَ بِيَدِهِ، فَكَانَ شَاوُلُ يَرْتَاحُ وَيَطِيبُ وَيَذْهَبُ عَنْهُ الرُّوحُ الرَّدِيءُ" (1صم16: 23).
وشاول هذا اضطهد داود وظلمه، وحاول قتله أكثر من مرة. ولما وقع في يدِ داود، نصحه رجاله أن يقتله، قال داود موبخًا رجاله على نصيحتهم الخاطئة:
"حَاشَا لِي مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ أَنْ أَعْمَلَ هَذَا الأَمْرَ بِسَيِّدِي بِمَسِيحِ الرَّبِّ، فَأَمُدَّ يَدِي إِلَيْهِ لأَنَّهُ مَسِيحُ الرَّبِّ هُوَ" (1صم24: 6).
وكان يحترمه كمسيح للرب، على الرغم من كل شروره. ولما مات شاول بكاه داود ورثاه. وعاقب الشخص الذي أنهى عليه قائلًا له: "كَيْفَ لَمْ تَخَفْ أَنْ تَمُدَّ يَدَكَ لِتُهْلِكَ مَسِيحَ الرَّبِّ؟" (2صم1: 14).
وهكذا ظلَّ لقب "مسيح الرَّبِّ" هو لقب شاول الملك، حتى بعد موته، على الرغم من رفضِ الرب له، وعلى الرغم من أخطائه العديدة... إننا هنا نتكلم عن الوضع السليم، حسب تعليم الكتاب، وحسب أمثولة رجال الله القديسين، كداود...
نطرق نقطة أخرى من صفات رجال الكهنوت وهي:
رعاة
وقد أُطلق هذا اللقب على الآباء الرسل، ثم أيضًا على الآباء الأساقفة حسب تعليم الكتاب المقدس.
قال السيد المسيح لبطرس: "اِرْعَ خِرَافِي... اِرْعَ غَنَمِي" (يو21: 15، 16). وقال القديس بولس الرسول لأساقفة أفسس: "اِحْتَرِزُوا إذًا لأَنْفُسِكُمْ وَلِجَمِيعِ الرَّعِيَّةِ الَّتِي أَقَامَكُمُ الرُّوحُ الْقُدُسُ فِيهَا أَسَاقِفَةً لِتَرْعُوا كَنِيسَةَ اللهِ الَّتِي اقْتَنَاهَا بِدَمِهِ" (أع20: 28).
وهذه الآية واضحة في الربط بين الأسقفية وعمل الرعيَّة.
وهذا الربط يظهر أيضًا في قول القديس بطرس الرسول عن ربنا يسوع المسيح: "رَاعِي نُفُوسِكُمْ وَأُسْقُفِهَا" (1بط2: 25).
ونفس الوضع في حديث القديس بطرس الرسول إلى أساقفة الشتات حيث يقول لهم: "ارْعَوْا رَعِيَّةَ اللهِ الَّتِي بَيْنَكُمْ نُظَّارًا[1]... وَلاَ كَمَنْ يَسُودُ عَلَى الأَنْصِبَةِ بَلْ صَائِرِينَ أَمْثِلَةً لِلرَّعِيَّةِ. وَمَتَى ظَهَرَ رَئِيسُ الرُّعَاةِ تَنَالُونَ إِكْلِيلَ الْمَجْدِ الَّذِي لاَ يَبْلَى" (1بط5: 2- 4).
وفي توزيع الرتب والمسئوليات، قال القديس بولس إن الله: "وَهُوَ أَعْطَى الْبَعْضَ أَنْ يَكُونُوا رُسُلًا، وَالْبَعْضَ أَنْبِيَاءَ، وَالْبَعْضَ مُبَشِّرِينَ، وَالْبَعْضَ رُعَاةً وَمُعَلِّمِينَ... لِعَمَلِ الْخِدْمَةِ، لِبُنْيَانِ جَسَدِ الْمَسِيحِ" (أف4: 11، 12).
آباء
رجال الكهنوت في كل درجاتهم يُدعون آباء.
ومع ذلك يعترض البعض على ذلك بقول الرب لتلاميذه: "وَلاَ تَدْعُوا لَكُمْ أَبًا عَلَى الأَرْضِ لأَنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ" (مت23: 9).
لذلك رأينا من الأفضل أن نخصص فصلًا خاصًا عن هذا الموضوع، نتحدث فيه عن الأبوة الروحية التي للكهنوت (انظر الجزء الخاص بعنوان الكهنوت أبوة).
مُعلمون
ليس لكل أحد سلطان أن يعلم، بل للذين أعطي لهم.
لذلك قيل في (رو12: 7): "أَمِ الْمُعَلِّمُ فَفِي التَّعْلِيم".
وقال القديس بولس: "فَوَضَعَ اللهُ أُنَاسًا فِي الْكَنِيسَةِ: أَوَّلًا رُسُلًا ثَانِيًا أَنْبِيَاءَ ثَالِثًا مُعَلِّمِينَ" (1كو12: 28). وقال أيضًا: "وَهُوَ أَعْطَى الْبَعْضَ أَنْ يَكُونُوا رُسُلًا، وَالْبَعْضَ أَنْبِيَاءَ، وَالْبَعْضَ مُبَشِّرِينَ، وَالْبَعْضَ رُعَاةً وَمُعَلِّمِينَ" (أف4: 11).
وهذه الآية تربط بين الرعاية والتعليم. ولما كان الأساقفة هم الرعاة، لذلك نجد من شروط الأسقف أن يكون "صَالِحًا لِلتَّعْلِيمِ" (1تي3: 2).
وفي الرسالة إلى تيطس، يقول القديس بولس عن الأسقف، إنه يجب أن يكون "مُلاَزِمًا لِلْكَلِمَةِ الصَّادِقَةِ الَّتِي بِحَسَبِ التَّعْلِيمِ، لِكَيْ يَكُونَ قَادِرًا أَنْ يَعِظَ بِالتَّعْلِيمِ الصَّحِيحِ وَيُوَبِّخَ الْمُنَاقِضِينَ" (تي1: 9).
ويقول للقديس تيطس أسقف كريت: "وَأَمَّا أَنْتَ فَتَكَلَّمْ بِمَا يَلِيقُ بِالتَّعْلِيمِ الصَّحِيحِ" (تي2: 1).
ويقول للقديس تيموثاوس أسقف أفسس: "اكْرِزْ بِالْكَلِمَةِ. اعْكُفْ عَلَى ذلِكَ فِي وَقْتٍ مُنَاسِبٍ وَغَيْرِ مُنَاسِبٍ. وَبِّخِ، انْتَهِرْ، عِظْ بِكُلِّ أَنَاةٍ وَتَعْلِيمٍ.." (2تي4: 2) "لاَحِظْ نَفْسَكَ وَالتَّعْلِيمَ وَدَاوِمْ عَلَى ذَلِكَ..." (1تي4: 16).
وعمل التعليم مرتبط بالكهنوت منذ العهد القديم (ملا2: 7).
وفي العهد الجديد صار للرسل، والأساقفة وباقي رجال الكهنوت.
المسيح إلهنا المعلم الصالح، عهد إلى الرسل بالتعليم، حينما قال لهم: "اكْرِزُوا بِالإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا" (مر16: 15) "فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ... وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ" (مت28: 19، 20).
والرسل سلموا التعليم للأساقفة، وأمروهم أن يعلموا الشعب.
وهؤلاء رسموا قسوسًا وشمامسة، ليكونوا أمناء على التعليم. وفي (1تي5: 17) يتحدث الرسول عن القسوس: "لاَ سِيَّمَا الَّذِينَ يَتْعَبُونَ فِي الْكَلِمَةِ وَالتَّعْلِيمِ".
وبقيت عبارة العهد القديم قائمة: "من فم الكاهن تطلب الشريعة".
أو كما ورد في سفر ملاخي النبي: "لأَنَّ شَفَتَيِ الْكَاهِنِ تَحْفَظَانِ مَعْرِفَةً وَمِنْ فَمِهِ يَطْلُبُونَ الشَّرِيعَةَ" (ملا2: 7).
حقًا، ما أعجب هذا الوصف الذي قيل هنا عن الكاهن إنه "رسول رب الجنود".
ليس عمل الكاهن إذًا مقتصرًا على تقديم الذبائح، إنما من أهم أعماله: التعليم...
لأنه من فم الكاهن تُطلب الشريعة. والشريعة موجودة كما في العهد القديم، كذلك أيضًا في العهد الجديد، تحتاج إلى من ينقلها إلى أسماع وأفهام الناس.
ولكن البعض يريدون أن يتعلموا من الروح القدس مباشرة! ويفهمون خطأ قول الكتاب: "وَيَكُونُ الْجَمِيعُ مُتَعَلِّمِينَ مِنَ الله" (يو6: 45).
إن كان الله يريدنا أن نتعلم منه مباشرة، فلماذا أعطى البعض أن يكونوا معلمين (أف4: 11)؟ ولماذا وضع في الكنيسة معلمين (1 كو12: 28)؟ ولماذا أمر الأساقفة بالتعليم (1تي4: 16)؟ ولماذا أمر بالوعظ والكرازة (2تي4: 2)؟
عبارة: "يكون الجميع متعلمين من الله" نفهمها بآية أخرى هي: "اَلَّذِي يَسْمَعُ مِنْكُمْ يَسْمَعُ مِنِّي" (لو10: 16).
أي أن التعليم يكون مصدره هو الله، وشريعته التي تخرج من فم الكاهن، وليس من الهراطقة أو المبتدعين أو الأنبياء الكذبة، أو مدعي العلم والمعرفة وليس من الحية التي تكلمت في أذن الإنسان الأول، وليس من الذات... إنما إن تعلمت من وكيل الله، يكون التعليم هو من الله، الذي قال لوكلائه: "لأَنْ لَسْتُمْ أَنْتُمُ الْمُتَكَلِّمِينَ بَلْ رُوحُ أَبِيكُمُ الَّذِي يَتَكَلَّمُ فِيكُمْ" (مت10: 20).
أما أن ينتظر كل مؤمن أن يكلمه الله مباشرة في كل صغيرة وكبيرة، ويصبح كل واحد من رجال الوحي، فهذه كبرياء مستترة ترفض سماع التعليم. وهؤلاء لا نضمن ما هو الروح الذي سيكلمهم!
هوذا يوحنا الرسول في صراحة كاملة: "لاَ تُصَدِّقُوا كُلَّ رُوحٍ، بَلِ امْتَحِنُوا الأَرْوَاحَ: هَلْ هِيَ مِنَ اللهِ؟ ..." (1يو4: 1)... ألعل الجميع - على مختلف مستوياتهم - لهم موهبة تمييز الأرواح؟!
على أن هذه النقطة لا تحتاج إلى شرحٍ كثير. فكل الطوائف لها اجتماعات للوعظ والتعليم، ولها رجالها المسئولون عن تعليم الشعب...
هنا ونقف أمام آية تحتاج إلى شرح وهي قول الرب لتلاميذه القديسين:
"وَلاَ تُدْعَوْا مُعَلِّمِينَ لأَنَّ مُعَلِّمَكُمْ وَاحِدٌ الْمَسِيحُ" (مت23: 10).
لا يقصد السيد المسيح إطلاقًا إلغاء التعليم، لأنه دعا إلى ذلك بقوله: "وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ" (مت28: 20). ولا يتفق إلغاء التعليم مع الحقِّ الكتابي، ولا مع نشر الإيمان، ولا مع إرسال الله للأنبياء، ولا مع قوله عن الكاهن إن "من فمه يطلبون الشريعة" (ملا2: 7).
إنما عبارة: "معلمكم واحد هو المسيح" قالها السيد لرسله فقط، وليس لجميع الناس. وتنطبق أيضًا على خلفائهم.
وبنفس المعنى قال: لا تدعوا لكم أبًا، ولا تدعوا سيدي. أما باقي المؤمنين، فلهم آباء روحيون، ولهم معلمون، فهكذا تعليم الكتاب بعهديه القديم والحديث.
هناك كلام كان الرب يقوله لتلاميذه فقط، وكلام آخر يقوله لجميع الناس. لذلك قال له بطرس في مثل السهر والاستعداد:
"يَا رَبُّ أَلَنَا تَقُولُ هَذَا الْمَثَلَ أَمْ لِلْجَمِيعِ أَيْضًا؟" (لو12: 41).
أما الذين يقدمون آية واحدة، لينشروا بها تعليمًا، تاركين باقي آيات الكتاب التي يتكامل بها المعنى، فهؤلاء يوبخهم الرب قائلًا:
"تَضِلُّونَ إِذْ لاَ تَعْرِفُونَ الْكُتُبَ.." (مت22: 29؛ مر12: 24).
في كل تعليم إذًا، علينا لكي نفهم المعنى، أو نتعمق فيه، أن نجمع الآيات الخاصة بهذا الموضوع "قَارِنِينَ الرُّوحِيَّاتِ بِالرُّوحِيَّاتِ" ننتقل إلى نقطة أخرى من عمل رجال الكهنوت وهي أنهم:
مُرشدون ومُدبرون
1- يتكلم القديس بولس الرسول في (عب 13) عن المرشدين فيقول:
"اُذْكُرُوا مُرْشِدِيكُمُ الَّذِينَ كَلَّمُوكُمْ بِكَلِمَةِ اللهِ. انْظُرُوا إِلَى نِهَايَةِ سِيرَتِهِمْ فَتَمَثَّلُوا بِإِيمَانِهِمْ" (عب13: 7). ويقول أيضًا: "أَطِيعُوا مُرْشِدِيكُمْ وَاخْضَعُوا، لأَنَّهُمْ يَسْهَرُونَ لأَجْلِ نُفُوسِكُمْ كَأَنَّهُمْ سَوْفَ يُعْطُونَ حِسَابًا، لِكَيْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ بِفَرَحٍ، لاَ آنِّينَ، لأَنَّ هَذَا غَيْرُ نَافِعٍ لَكُمْ" (عب13: 17).
2- وواضح هنا أنه لا يتكلم عن مرشدين عاديين، وإنما عن أشخاص من رجال الإيمان، وهم في موضع المسئولية. ويجب لهم الخضوع والطاعة.
ليسوا هم أشخاصًا عاديين تأخذون منهم إرشادًا. لأنهم "يسهرون لأجل نفسكم" ولأنهم يتصرفون بأسلوب من "يعطي حسابًا". وهم يئنون إن لم تستجيبوا للإرشاد.
وكل هذا يدل على أنهم في موضع المسئولية، أو في موقف الآباء الروحيين، الذين يتمثل المسترشدون بإيمانهم. كما أن الطاعة والخضوع هما لمن يكونون في هذا المستوى.
3- ومن جهة عمل الكهنة كمدبرين، يقول القديس بولس:
"أَمَّا الشُّيُوخُ (أو القسوس) الْمُدَبِّرُونَ حَسَنًا فَلْيُحْسَبُوا أهْلًا لِكَرَامَةٍ مُضَاعَفَةٍ، وَلاَ سِيَّمَا الَّذِينَ يَتْعَبُونَ فِي الْكَلِمَةِ وَالتَّعْلِيمِ" (1تي5: 17). ويقول: "الْمُدَبِّرُ فَبِاجْتِهَادٍ" (رو12: 8). والمدبر Hegwmen أو إيغومانوس، ويمكن أن تُترجم قمص.
وهذا أيضًا ليس للكل. إنما للمجموعة المميزة التي ذكرناها. ولذلك يقول القديس بولس عن المدبرين:
"ثُمَّ نَسْأَلُكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ أَنْ تَعْرِفُوا الَّذِينَ يَتْعَبُونَ بَيْنَكُمْ وَيُدَبِّرُونَكُمْ فِي الرَّبِّ وَيُنْذِرُونَكُمْ. وَأَنْ تَعْتَبِرُوهُمْ كَثِيرًا جِدًّا فِي الْمَحَبَّةِ..." (1تس5: 12).
وواضح أن هذا ليس للكل. والتدبير في الرب، هو التدبير الروحي أو الكنسي الخاص بعلاقة الناس بالرب، ولذلك قال أيضًا: "وينذرونكم"... يضاف إلى هذا أنه قال عن هؤلاء المدبرين في (1تي5: 17) "وَلاَ سِيَّمَا الَّذِينَ يَتْعَبُونَ فِي الْكَلِمَةِ وَالتَّعْلِيمِ". إذًا هم ليسوا من العلمانيين، وإنما من خدام الكلمة. تضاف كذلك عبارة "الشيوخ"، وهي ترجمة لكلمة (قسوس) أيضًا.
كهنة
1- رجال الكهنوت، في كل درجاته، دُعوا كهنة.
تمامًا - كما في الجيش - من القائد العام إلى العسكري العادي، كل منهم يلقب بأنه رجل عسكري.
2- السيد المسيح دُعيَ كاهنًا، ودعيّ أيضًا رئيس كهنة، بصفته رئيسًا لكل كهنة العهد الجديد.
قيل إنه: "كَاهِنٌ إِلَى الأَبَدِ عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادِقَ" (عب7: 21، مز110: 4). وفي نفس الوقت قيل عنه إنه رئيس كهنة: "لأَنَّهُ كَانَ يَلِيقُ بِنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ مِثْلُ هَذَا، قُدُّوسٌ بِلاَ شَرٍّ وَلاَ دَنَسٍ، قَدِ انْفَصَلَ عَنِ الْخُطَاةِ وَصَارَ أَعْلَى مِنَ السَّمَاوَاتِ" (عب7: 26) "رَئِيسَ كَهَنَةٍ مِثْلَ هَذَا، قَدْ جَلَسَ فِي يَمِينِ عَرْشِ الْعَظَمَةِ فِي السَّمَاوَاتِ" (عب8: 1).
انظر أيضًا (عب4: 14/ 5: 1، 5، 10/ 8: 3)...
3- بولس الرسول دُعيَ كاهنًا (رو1: 16).
وكلمة قسيس تكررت كثيرًا في العهد الجديد، وكذلك كلمة كاهن، ولكن الإخوة البروتستانت يترجمونها شيخًا. ولكنها في الترجمة الكاثوليكية ليست كذلك... وسنضرب أمثلة لذلك:
أمثلة لترجمة الكهنة والشيوخ
(1تي5: 17) الترجمة الكاثوليكية: "وَاَلْكَهَنَةُ اَلْذِّينَ يَقُومُونَ بِعَمَلِهِمْ قِيَّامًا حَسَنًا يَسّتَحِقُونَ إِكْرَّامًا مٌضَاعْفًا".
الترجمة البروتستانتية: "أَمَّا الشُّيُوخُ الْمُدَبِّرُونَ حَسَنًا فَلْيُحْسَبُوا أهْلًا لِكَرَامَةٍ مُضَاعَفَةٍ".
(1تي5: 19) الترجمة الكاثوليكية: "لّا تَقْبَلِ اّلشَّكْوّى عَلَى كَاهِنٍ، إِلَّا بِشَهَادّةِ شَاهِدَّينِ أَوْ ثَلّاثَةٍ".
الترجمة البروتستانتية: "لاَ تَقْبَلْ شِكَايَةً عَلَى شَيْخٍ إلاَّ عَلَى شَاهِدَيْنِ أوْ ثَلاَثَةِ شُهُودٍ".
(تي1: 5) الترجمة الكاثوليكية: "تَرَكْتُكَ فِي أَقْرِيطَشْ، لِتُتِمْ فِيهَّا تَنْظِيمْ اَلأُمُورَ، وَتُقِيمَ كَهَنَةً فِي كُلِ بَلدَّةٍ كَمَّا أَوْصَيتُكَ".
الترجمة البروتستانتية: "تَرَكْتُكَ فِي كِرِيتَ لِكَيْ تُكَمِّلَ تَرْتِيبَ الأُمُورِ النَّاقِصَةِ، وَتُقِيمَ فِي كُلِّ مَدِينَةٍ شُيُوخًا كَمَا أَوْصَيْتُكَ".
(يع5: 14) الترجمة الكاثوليكية: "هَلْ فِيكُمْ مَرِيضٌ؟ فَلْيَدْعُ كَهَنَةَ الْكَنِيسَةِ، وَلْيُصَلُّوا عَلَيْهِ، بِعْدَّ أَنْ يَدّهِنُوهُ بِاْلزَيْتٍ".
U الترجمة البروتستانتية: "أَمَرِيضٌ أَحَدٌ بَيْنَكُمْ؟ فَلْيَدْعُ شُيُوخَ الْكَنِيسَةِ فَيُصَلُّوا عَلَيْهِ وَيَدْهَنُوهُ بِزَيْتٍ بِاسْمِ الرَّبِّ".
(1تي4: 14) الترجمة الكاثوليكية: "لاَ تُهْمِلِ الْهِبَةَ اَلْرُوحِيَّةِ الَّتِي فِيكَ، فَقَدْ أُوتِيتَّهَا بِالْنُّبُوَّةِ حَينَ وَضَعَ جَمَاعَةُ اَلْكَهَنَةِ أَيْدَّيَهُمْ عَلَيكَ".
الترجمة البروتستانتية: "لاَ تُهْمِلِ الْمَوْهِبَةَ الْمُعْطَاةَ لَكَ بِالنُّبُوَّةِ مَعَ وَضْعِ أيْدِي الْمَشْيَخَةِ".
مُلاحظة
نلاحظ أن الإخوة البروتستانت، كما يترجمون كلمة قسيس أو كاهن إلى شيخ لمحاربة الكهنوت، كذلك يعملون العكس، فيترجمون كلمة شيخ إلى قسيس للخلط بين رتبة القسيس ورتبة الأسقف.
وسنضرب لذلك مثالين:
U (أع20: 17، 28) الترجمة الكاثوليكية: "فَأَرْسَلَ مِنْ مِيلِيطُسَ يَسّتَدّْعِي شُيُوخَ الْكَنِيسَةِ فِي أَفَسُسَ.."، وهنا يترجمها البروتستانت "قُسُوسَ الْكَنِيسَةِ" ويكملون في (ع 28) "الَّتِي أَقَامَكُمُ الرُّوحُ الْقُدُسُ فِيهَا أَسَاقِفَةً" يترجمونها هكذا ليثبتوا أن الأسقف هو القس، الأمر الذي سنرد عليه في الصفحات المقبلة بمشيئة الرب.
كلمة كهنة تشمل كل درجات الكهنوت في لغة الكتاب.
وكذلك الترجمة الخاصة بكلمة "شيوخ" فقد يكون الشيخ أسقفًا أو قسًا، أو رسولًا.
والرسل أطلق على بعضهم كلمة شيخ، كبطرس ويوحنا.
أ) مثال ذلك قول بطرس الرسول: "أَطْلُبُ إِلَى الشُّيُوخِ الَّذِينَ بَيْنَكُمْ، أَنَا الشَّيْخَ رَفِيقَهُمْ، وَالشَّاهِدَ لآلاَمِ الْمَسِيحِ... ارْعَوْا رَعِيَّةَ اللهِ الَّتِي بَيْنَكُمْ نُظَّارًا..." (1بط5: 1، 2).
وعبارة "ارعوا رعية الله"، تدل على أنهم كانوا أساقفة، لأن الأساقفة كانوا هم الرعاة، كما تدل على ذلك أيضًا كلمة "نظارًا".
بـ) ويوحنا الرسول يقول في مستهل رسالته الثانية والثالثة:
"اَلشَّيْخُ، إِلَى كِيرِيَّةَ الْمُخْتَارَةِ" (2يو1: 1).
"اَلشَّيْخُ، إِلَى غَايُسَ الْحَبِيبِ" (3يو1: 1).
وفي الترجمة الكاثوليكية (الحبر) وهو لقب لرئيس الكنيسة.
درجات الكهنوت
1- ونقصد بها الدرجات التي تؤخذ بوضع اليد من الكنيسة، بصلوات خاصة وأصوام، ومعها موهبة من الروح القدس.
2- وكلها درجات كتابية، ذُكرت في الكتاب المقدس، ونعني بها: الأسقفية، والقسيسية، والشماسية. وكلها وردت في الإنجيل المقدس. وقد ورد في الدسقولية إن الأساقفة رعاة، والقسوس معلمون، والشمامسة خدام.
أسـاقفة
3- وأول أساقفة في الكنيسة، هم الآباء الرسل القديسون.
ولكنهم كانوا أساقفة بالمعنى المسكوني، وليس بالمعنى المكاني. أما القديس يعقوب الرسول فكان أسقفًا لأورشليم.
4- وقد أطلق لقب "أسقف" على السيد المسيح نفسه...
وفي ذلك قال معلمنا القديس بطرس الرسول: "لأَنَّكُمْ كُنْتُمْ كَخِرَافٍ ضَالَّةٍ، لَكِنَّكُمْ رَجَعْتُمُ الآنَ إِلَى رَاعِي نُفُوسِكُمْ وَأُسْقُفِهَا" (1بط2: 25).
5- وحسنًا أن ترتبط هنا الرعاية والأسقفية معًا.
والسيد المسيح هو الراعي الصالح "أَنَا هُوَ الرَّاعِي الصَّالِحُ" (يو10: 11). وهكذا يكون هو أسقف نفوسنا. والأساقفة قد فوضهم السيد المسيح، أن يقوموا بالعمل الرعوي الذي يعمله هو عن طريقهم.
ومن الأمثلة الأخرى التي اجتمع فيها اللقبان: الأسقف والراعي، قول بولس الرسول لأساقفة أفسس: "اِحْتَرِزُوا إذًا لأَنْفُسِكُمْ وَلِجَمِيعِ الرَّعِيَّةِ الَّتِي أَقَامَكُمُ الرُّوحُ الْقُدُسُ فِيهَا أَسَاقِفَةً لِتَرْعُوا كَنِيسَةَ اللهِ الَّتِي اقْتَنَاهَا بِدَمِهِ" (أع20: 28).
ونلاحظ هنا أن الأساقفة الرعاة مقامون من الروح القدس.
6- والرسل أيضًا كانوا رعاة وأساقفة، أو رؤساء أساقفة كما كان الرسل كذلك كهنة ورؤساء كهنة.
هم أساقفة من جهة الكهنوت، وهم رؤساء أساقفة من جهة علاقتهم بأبنائهم وخلفائهم الأساقفة.
وكذلك بنفس المعنى تمامًا، هم كهنة ورؤساء كهنة: كهنة من جهة عملهم الكهنوتي، ورؤساء كهنة من جهة رئاستهم على كل درجات الكهنوت.
7- والأساقفة هم أيضًا وكلاء الله.
وفي ذلك يقول القديس بولس الرسول إلى تلميذه تيطس أسقف كريت: "لأَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الأُسْقُفُ بِلاَ لَوْمٍ كَوَكِيلِ اللهِ" (تي1: 7).
وبهذا المعنى يكون الرسل أيضًا أساقفة، كوكلاء لله.
وفي هذا قال القديس بولس الرسول عن نفسه وعن مساعديه العاملين معه: "هَكَذَا فَلْيَحْسِبْنَا الإِنْسَانُ كَخُدَّامِ الْمَسِيحِ وَوُكَلاَءِ سَرَائِرِ اللهِ. ثُمَّ يُسْأَلُ فِي الْوُكَلاَءِ لِكَيْ يُوجَدَ الإِنْسَانُ أَمِينًا" (1كو4: 1، 2).
إذًا الرسل أساقفة باعتبارهم رعاة، وباعتبارهم وكلاء الله، وأيضًا من جهة طبيعة عملهم الكهنوتي.
وجميع رؤساء الكهنة الحاليين، ما هم إلاَّ وكلاء لرئيس الكهنة الأعظم ربنا يسوع المسيح، وهم كرعاة ووكلاء لرئيس الرعاة "وَمَتَى ظَهَرَ رَئِيسُ الرُّعَاةِ تَنَالُونَ إِكْلِيلَ الْمَجْدِ الَّذِي لاَ يَبْلَى" (1بط5: 4). هم وكلاء للرب في عمل الرعاية وباقي أعمال الكهنوت بما في ذلك التعليم وخدمة السرائر الإلهية.
وطبعًا ليس جميع الناس وكلاء الله، وليسوا جميعهم رعاة وأساقفة. وبالتالي لا يكون الجميع كهنة كما يدعي البعض. يضاف إلى هذا:
8- إن الكتاب المقدس يشرح الشروط اللازمة لدرجة الأسقفية.
ويقول من بينها إنه يجب أن يكون "صَالِحًا لِلتَّعْلِيمِ" "غَيْرَ حَدِيثِ الإِيمَانِ لِئَلاَّ يَتَصَلَّفَ" "لَهُ شَهَادَةٌ حَسَنَةٌ مِنَ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَارِجٍ" (1تي3: 2- 7). ويقول عنه في الرسالة إلى تيطس: "مُلاَزِمًا لِلْكَلِمَةِ الصَّادِقَةِ الَّتِي بِحَسَبِ التَّعْلِيمِ، لِكَيْ يَكُونَ قَادِرًا أَنْ يَعِظَ بِالتَّعْلِيمِ الصَّحِيحِ وَيُوَبِّخَ الْمُنَاقِضِينَ" (تي1: 9).
9- وهذه الصفات لا يشترط طبعًا أن تكون لجميع الناس.
ومن هذه الصفات أيضًا أن يكون "بَعْلَ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ" (تي1: 6). "يُدَبِّرُ بَيْتَهُ حَسَنًا، لَهُ أوْلاَدٌ فِي الْخُضُوعِ بِكُلِّ وَقَارٍ. وَإِنَّمَا إنْ كَانَ أحَدٌ لاَ يَعْرِفُ أنْ يُدَبِّرَ بَيْتَهُ، فَكَيْفَ يَعْتَنِي بِكَنِيسَةِ اللهِ؟" (1تي3: 4، 5).
وهذه الصفات ليست لجميع الناس. إذًا ليست هذه الرتبة الكهنوتية لجميع الناس وليس الجميع من اختصاصهم العناية بكنيسة الله.
10- وإن قال أحد إن الأساقفة حاليًا غير متزوجين...
نجيب بأنه في العصر الرسولي، ما كان يمكن أن يُحرم من خدمة الكهنوت الأشخاص القديسون الذين سبق لهم الزواج، قبل أن تنظم البتولية الخاصة بهذه الخدمة، مثل بطرس الرسول مثلًا...
ثم بدأ القديس بولس الرسول يشرح أهمية البتولية ويحث عليها بقوله: "وَلَكِنْ أَقُولُ لِغَيْرِ الْمُتَزَوِّجِينَ وَلِلأَرَامِلِ إِنَّهُ حَسَنٌ لَهُمْ إِذَا لَبِثُوا كَمَا أَنَا" "فَأُرِيدُ أَنْ تَكُونُوا بِلاَ هَمٍّ. غَيْرُ الْمُتَزَوِّجِ يَهْتَمُّ فِي مَا لِلرَّبِّ كَيْفَ يُرْضِي الرَّبَّ. وَأَمَّا الْمُتَزَوِّجُ فَيَهْتَمُّ فِي مَا لِلْعَالَمِ كَيْفَ يُرْضِي امْرَأَتَهُ" (1كو7: 8، 32، 33) وبالتدريج نمت مسألة البتولية في الأساقفة، حتى صارت عرفًا متتبعًا، ثم قررتها الكنيسة في القرن الرابع، في المجمع المسكوني الأول المنعقد في نيقية سنة 325م.
قسوس
11- وقد وردت كلمة "قسوس" في (أع14: 23) حيث قيل عن بولس وبرنابا، إنهما في تبشيرهما لسترة وإيقونية وأنطاكية:
"انْتَخَبَا لَهُمْ قُسُوسًا فِي كُلِّ كَنِيسَةٍ ثُمَّ صَلَّيَا بِأَصْوَامٍ وَاسْتَوْدَعَاهُمْ لِلرَّبِّ الَّذِي كَانُوا قَدْ آمَنُوا بِهِ" (أع14: 23).
ونلاحظ هنا أن إقامة القسوس صحبتها صلوات وأصوام، لا شك أنها الصلوات الطقسية الخاصة بالسيامة، كما ورد نفس التعبير (الصلاة والصوم) في وضع اليد على برنابا وشاول (أع13: 3).
على أن كلمة قسيس يترجمها إخوتنا البروتستانت بكلمة شيخ. وكلمة شيخ هنا لا تعني شيخًا بمعنى أنه رجل كبير السن، وإنما بالمعنى الاصطلاحي. أما الكاثوليك فيترجمونها كاهنًا كما ذكرنا.
وكلمة شيخ في كثير من الأديان، تعني رجل الدين، حتى لو كان صغير السن...
12- ووردت درجة القسيسية في قول بولس الرسول لتلميذه تيطس أسقف كريت: "تَرَكْتُكَ فِي كِرِيتَ لِكَيْ تُكَمِّلَ تَرْتِيبَ الأُمُورِ النَّاقِصَةِ، وَتُقِيمَ فِي كُلِّ مَدِينَةٍ (شُيُوخًا - كَهَنَةً) كَمَا أَوْصَيْتُكَ" (تي1: 5).
ووردت أيضًا في (يع5: 14) "أَمَرِيضٌ أَحَدٌ بَيْنَكُمْ؟ فَلْيَدْعُ قسوس الْكَنِيسَةِ فَيُصَلُّوا عَلَيْهِ وَيَدْهَنُوهُ بِزَيْتٍ بِاسْمِ الرَّبِّ. وَصَلاَةُ الإِيمَانِ تَشْفِي الْمَرِيضَ وَالرَّبُّ يُقِيمُهُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ فَعَلَ خَطِيَّةً تُغْفَرُ لَهْ".
13- فلو كان الجميع متساوين، ولو كان الكل ملوكًا وكهنة بالمعنى الحرفي، فلماذا يستدعي المريض هؤلاء القسوس أو هؤلاء الشيوخ؟! أما كان ممكنًا أن يستدعي أي مؤمن ليصلي عليه ويدهنه بالزيت. والكل متساوون ولا فارق...
14- وما دام إخوتنا البروتستانت لا يؤمنون إطلاقًا بوجود وسيط بشري بين الله والناس، فلماذا يستدعي هذا المريض وسيطًا، كاهنًا كان أو شيخًا، ليصلي عليه ويدهنه بالزيت؟! لماذا لا يصلي بنفسه من أجل نفسه، ويدهن نفسه بالزيت؟!
لاحظوا إنه لم يقل في هذه الآية: "يستدعي أحد المؤمنين الذين لهم مواهب الشفاء" وإنما يستدعي قسوس (شيوخ) الكنيسة. فلم يتكلم هنا عن الموهبة، إنما عن الوظيفة...
15- انظر أيضًا ذكر القسيسية في (1تي5: 17).
"أَمَّا اَلْقَسُّوسُ (اَلْكَهَنَةُ ـ الشُّيُوخُ) الْمُدَبِّرُونَ حَسَنًا فَلْيُحْسَبُوا أهْلًا لِكَرَامَةٍ مُضَاعَفَةٍ، وَلاَ سِيَّمَا الَّذِينَ يَتْعَبُونَ فِي الْكَلِمَةِ وَالتَّعْلِيمِ".
والتعليم - منذ العصر الرسولي - ما كان يؤتمن عليه كل أحد، بل كان للرسل ولخلفائهم ومعاونيهم من رجال الإكليروس.
فهؤلاء الذين ذكرهم الرسول في (1تي5: 17)، كان معهودًا إليهم بأمرين: التعليم والتدبير، فقيل إنهم مدبرون، أي قمامصة (هيغومانوس)...
16- ومع إنكار درجات الكهنوت، نرى أن إخوتنا الإنجيليين في مصر، يتمسكون بلقب قسيس أو قس، ولا يحبون أن يكون لقبهم شيخًا، على الرغم من تمسكهم بالترجمة إلى شيخ في الكتاب المقدس وفي نفس الوقت، يرون أن لقب قسيس لا يعني أي معنى من معاني الكهنوت.
وهكذا يفرقون عمليًا بين كلمة قسيس وكلمة شيخ، بينما لا يقدمون تفريقًا كتابيًا بين اختصاص هذا وذاك.
هذا هو اعتقاد الكنيسة المشيخية على الرغم من لقب presbyterians أي المشيخيين.
أما الإخوة البلاميس (البليموث) فلا يستخدمون لقب قسيس إطلاقًا، ويرون أن الجميع إخوة، ولا فارق. فلقب كل واحد منهم هو (أخ)... أيًا كان عمله في الكنيسة. وحتى الرسل يدعونهم إخوة!!
أما نحن فنعتقد بكهنوت القسوس وبكهنوت الأساقفة، بسبب الأعمال الكهنوتية التي عهد بها الرب إليهم، كما شرحنا في الفصل السابق (الثالث) من هذا الكتاب.
إن الموضوع ليس هو مجرد خلاف في الترجمة، أن ندعو شخصًا قسًا أو شيخًا، إنما الأمر الجوهري هو العمل الكهنوتي الذي يقوم به، فهو الذي يميزه...
أهو الذي يدعوه المريض ليصلي عليه ويدهنه بالزيت؟
أهو الذي تأتمنه الكنيسة على التعليم، وعلى تدبير المؤمنين؟
أهو الذي يقيم سر الإفخارستيا؟ أهو الذي يعمد؟
أهو المدعو من الله كما هارون؟ ... إلخ.
17- والبلاميس لا يفرقون بين الأسقف والقسيس كتابيًا، على الرغم من أنهم لا يستخدمون لقب هذا ولا ذاك!
الفرق بين الأسقف والقسيس
18- الفرق الأول: أن الأساقفة لهم حق إقامة القسوس.
وفي هذا يقول القديس بولس لتلميذه تيموثاوس: "لاَ تَضَعْ يَدًا عَلَى أحَدٍ بِالْعَجَلَةِ، وَلاَ تَشْتَرِكْ فِي خَطَايَا الآخَرِينَ" (1تي5: 22). ويقول أيضًا لتلميذه تيطس: "تَرَكْتُكَ فِي كِرِيتَ لِكَيْ تُكَمِّلَ تَرْتِيبَ الأُمُورِ النَّاقِصَةِ، وَتُقِيمَ فِي كُلِّ مَدِينَةٍ قَسُّوسًا (شُيُوخًا) كَمَا أَوْصَيْتُكَ" (تي11: 5).
وتذكر قوانين الكنيسة أن القس يُقام من أسقف واحد. أما الأسقف فيضع عليه اليد ما لا يقل عن أسقفين أو ثلاثة.
19- والفرق الثاني أن الأسقف يمكن أن يحاكم القسوس.
وفي ذلك يقول القديس بولس الرسول لتلميذه تيموثاوس الأسقف في وجوب العدل في أمثال هذه المحاكمات: "لاَ تَقْبَلْ شِكَايَةً عَلَى كَاهِنٍ (شَيْخٍ) إلاَّ عَلَى شَاهِدَيْنِ أوْ ثَلاَثَةِ شُهُودٍ" (1تي5: 19).
20- كما أن للأسقف الحق في مكافأة القسوس.
وعن ذلك يقول القديس بولس لتلميذه تيموثاوس في نفس الرسالة: "أَمَّا اَلْقَسُّوسُ (الشُّيُوخُ) الْمُدَبِّرُونَ حَسَنًا فَلْيُحْسَبُوا أهْلًا لِكَرَامَةٍ مُضَاعَفَةٍ، وَلاَ سِيَّمَا الَّذِينَ يَتْعَبُونَ فِي الْكَلِمَةِ وَالتَّعْلِيمِ" (1تي5: 17).
ننتقل بعد ذلك إلى الحديث عن الشمامسة...
شـمامسة
21- ورد ذكرهم لأول مرة في سفر أعمال الرسل (أع 6).
واشترطت فيهم اشتراطات تميزهم عن باقي المؤمنين، منها
أ) أن يكونوا مملوءين من الروح القدس والحكمة.
بـ) أن يقيمهم الرسل، بوضع اليد عليهم، مع الصلاة.
جـ) أن يباشروا مسئوليات معينة في الكنيسة.
22- وكانت الخدمة الاجتماعية هي أولى مسئولياتهم. ونسمع عن القديس اسطفانوس أنه كان يعمل أيضًا بالكرازة والتعليم (أع6: 1، 9، 10).
23- وقد وردت درجة الأسقفية، مع درجة الشمامسة في بدء رسالة القديس بولس الرسول إلى أهل فيلبي، حيث قال:
"بُولُسُ وَتِيمُوثَاوُسُ عَبْدَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، إِلَى جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، الَّذِينَ فِي فِيلِبِّي، مَعَ أَسَاقِفَةٍ وَشَمَامِسَةٍ" (في1: 1).
وها نراه قد وجه رسالته إلى الكل، مميزًا الأساقفة والشمامسة عن كلِّ الشعب.
فلو كان الكلُّ متساوين، ولو كان الكل كهنة، فلماذا إذًا هذا التمييز في مخاطبته للشعب؟! حقًا إنهم كلهم قديسون في المسيح يسوع، ولكنهم ليسوا كلهم واحدًا في الاختصاصات، وليسوا كلهم واحدًا في الكهنوت.
24- وقد وردت صفات مميزة للشمامسة في (1تي3: 8- 13).
إذ قال الرسول: "لِيَكُنِ الشَّمَامِسَةُ كُلٌّ بَعْلَ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ، مُدَبِّرِينَ أوْلاَدَهُمْ وَبُيُوتَهُمْ حَسَنًا". وهذا الشرط هو أحد الشروط اللازمة للأساقفة أيضًا (1تي3: 2، 4).
وهذا يدل على عظم هذه الدرجة. وهكذا قال الرسول بعدها:
"لأَنَّ الَّذِينَ تَشَمَّسُوا (أي صاروا شمامسة) حَسَنًا يَقْتَنُونَ لأَنْفُسِهِمْ دَرَجَةً حَسَنَةً وَثِقَةً كَثِيرَةً فِي الإِيمَانِ الَّذِي بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ" (1تي3: 13).
وهذا الوضع يميزهم بلا شك عن باقي المؤمنين.
ولهذا اشترط فيهم أيضًا يُخْتَبَرُوا أوَّلًا، ثُمَّ يَصيروا شمامسة إنْ كَانُوا بِلاَ لَوْمٍ (1تي3: 10). وعبارة "بلا لوم" هي إحدى الصفات التي اشترطت في الأسقف (1تي3: 2؛ تي1: 7).
24- وهنا نرى شروطًا مشتركة بين الأسقف والشماس.
إذ يجب أن يكون كل منهما بلا لوم، بعل امرأة واحدة، قد دبر بيته حسنًا، غير بعض الصفات الروحية الأخرى. وهذا كله يدل على عظم درجة الشماس وتمايزه عن باقي الشعب.
[1] كلمة أسقف (إبسكوبس باليونانية) تترجم أيضًا ناظر. فالأساقفة نظار. يشبهها قول الرب في سفر حزقيال: "قَدْ جَعَلْتُكَ رَقِيبًا لِبَيْتِ إِسْرَائِيلَ. فَاسْمَعِ الْكَلِمَةَ مِنْ فَمِي وَأَنْذِرْهُمْ مِنْ قِبَلِي" (حز3: 17).
الكهنوت أبوة
الكهنوت أبوة
قبل أن نتكلم عن الأبوة الروحية التي للآباء الكهنة، بكل درجاتهم، من القس إلى رئيس الأساقفة، يحسن بنا أولًا، أن نذكر اعتراضًا يقدمه منكرو الكهنوت ونرد عليه:
الاعتراض الخامس
يقول منكرو الكهنوت: [كيف ندعو القسوس والأساقفة آباء، بينما السيد المسيح يقول لتلاميذه: "وَلاَ تَدْعُوا لَكُمْ أَبًا عَلَى الأَرْضِ لأَنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ" (مت23: 9)].
الرد على الاعتراض
1- السيد المسيح قال: "لا تدعوا لكم أبًا..." كما قال أيضًا: "وَلاَ تُدْعَوْا مُعَلِّمِينَ لأَنَّ مُعَلِّمَكُمْ وَاحِدٌ الْمَسِيحُ" (مت23: 10). وقد شرحنا في الفصل السابق اهتمام المسيح ورسله بالتعليم، وكيف أن الله أعطى البعض أن يكونوا "مُبَشِّرِينَ وَمُعَلِّمِينَ" (أف4: 11). وإن ذلك لازم "لأَجْلِ تَكْمِيلِ الْقِدِّيسِينَ، لِعَمَلِ الْخِدْمَةِ، لِبُنْيَانِ جَسَدِ الْمَسِيحِ" (أف4: 12). كما قال الرسول: "الْمُعَلِّمُ فَفِي التَّعْلِيمِ" (رو12: 7).
وخلصنا من ذلك أن قول المسيح: "لا تدعوا لكم معلمين" قيلت للرسل وليس لباقي الشعب الذين لهم معلمون ومرشدون. وكما تنطبق هذه العبارة على الرسل وحدهم، تنطبق من بعدهم على خلفائهم من رؤساء الكنائس.
هل يجوز لنا أن نقول معلمنا بولس الرسول، معلمنا بطرس الرسول أم لا؟ وهل لو قلنا هذا، نكون قد كسرنا وصية الرب، لأن معلمنا واحد هو المسيح؟!
أم أن عبارة: "لا تدعوا معلمين" خاصة بالرسل وحدهم، الذين من جهة الواقع لم يكن لهم سوى معلم واحد هو المسيح؟
ونفس الوضع نقوله عن عبارة: "لا تدعوا لكم أبًا". هذه العبارة للرسل ولخلفائهم، الذين ليس لهم آباء على الأرض.
أما باقي الشعب، فله آباء روحيون، كما سنرى.
شهادات من العهد القديم
2- الأبوة الروحية موجودة منذ العهد القديم، إذ قيل عن إبراهيم إنه أب لجميعنا (رو4: 11)، ليس فقط للذين هم من الناموس، ومن نسل إبراهيم، إنما أيضًا لكل الذين هم من إيمان إبراهيم. كما هو مكتوب إني قد جعلتك أبًا لأمم كثيرة.
إذًا كان أبونا إبراهيم أبًا لجميع الذين يؤمنون، الذين على إيمانه، سواء كانوا من الختان أو الغرلة... إنها أبوة روحية.
أبوته للذين في الختان، ربما يحسبها البعض أبوة جسدية، فماذا إذًا عن أبوته للذين في الغرلة، وهم غرباء عنه؟ ماذا عن أبوته لأمم كثيرة؟ وماذا عن قول الرسول: "لِيَكُونَ أَبًا لِجَمِيعِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ وَهُمْ فِي الْغُرْلَةِ" (رو4: 11).
وحتى الذين في الختان: أبوة إبراهيم لهم ليست مجرد أبوة جسدية. إذ يقول الرسول في ذلك عن أبينا إبراهيم: "وَأَبًا لِلْخِتَانِ لِلَّذِينَ لَيْسُوا مِنَ الْخِتَانِ فَقَطْ بَلْ أَيْضًا يَسْلُكُونَ فِي خُطُواتِ إِيمَانِ أَبِينَا إِبْرَاهِيمَ" (رو4: 12).
وعن هذه الأبوة الروحية التي لإبراهيم يقول الرسول أيضًا:
"كَمَا آمَنَ إِبْرَاهِيمُ بِاللهِ فَحُسِبَ لَهُ بِرًّا، اعْلَمُوا إِذًا أَنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنَ الإِيمَانِ أُولَئِكَ هُمْ بَنُو إِبْرَاهِيمَ" (غلا3: 6، 7).
3- مثال آخر هو قول أليشع لإيليا البتول عند صعوده:
"يَا أَبِي يَا أَبِي، مَرْكَبَةَ إِسْرَائِيلَ وَفُرْسَانَهَا!" (2مل2: 12).
إنها أبوة روحية، لأن أليشع كان تلميذًا لإيليا.
ونفس الوضع نقوله عن يوآش الملك، الذي لما مرض أليشع مرض الموت، نزل إليه يوآش، وبكى على وجهه وقال: "يَا أَبِي يَا أَبِي، يَا مَرْكَبَةَ إِسْرَائِيلَ وَفُرْسَانَهَا" (2مل13: 14).
فهل كان أليشع النبي مخطئًا حينما دعا إيليا أبًا له، وحينما قَبلَ أن يدعى أبًا من يوآش؟ وهل كان لا يدرك أبوة الله الذي في السماوات؟!
أبوة الله كانت معروفة، فهو الذي قال: "يَا ابْنِي أَعْطِنِي قَلْبَكَ.." (أم23: 26). ومنذ ما قبل الطوفان قيل: "أَنَّ أَبْنَاءَ اللهِ (أي نسل شيث) رَأُوا بَنَاتِ النَّاسِ أَنَّهُنَّ حَسَنَاتٌ" (تك6: 2). وقد قال داود في المزمور: "كَمَا يَتَرَأَّفُ الأَبُ عَلَى الْبَنِينَ يَتَرَأَّفُ الرَّبُّ عَلَى خَائِفِيهِ" (مز103: 13).
4- وهل أخطأ داود النبي حينما دعا شاول مسيح الرب أبًا؟!
وقال له: "انْظُرْ يَا أَبِي، انْظُرْ أَيْضًا طَرَفَ جُبَّتِكَ بِيَدِي.." (1صم24: 11). قال له هذا بحكم المركز والسن، ولكونه مسيح الرب. فكم بالأولى الكهنوت.
5- وهل أخطأ أيوب الصديق حينما قال: "أَبٌ أَنَا لِلْفُقَرَاءِ" (أي29: 16). وبالمثل هل أخطأ يوسف الصديق حينما قال: إن الله جَعَلَنِي أَبًا لِفِرْعَوْنَ وَسَيِّدًا لِكُلِّ بَيْتِهِ (تك45: 8)؟!
شهادات من العهد الجديد
6- ولعل البعض يحتج بأن هذه أمثلة العهد القديم!
فنرد عليهم بإجابتين.. الأولى هي: لا تحتقروا العهد القديم ولا تنكروه. واذكروا أن السيد المسيح لم ينقض الناموس والأنبياء (مت5: 17) واذكروا أيضًا أن "كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحىً بِهِ مِنَ اللهِ، وَنَافِعٌ لِلتَّعْلِيمِ" (2تي3: 16). أما الإجابة الثانية فهي:
7- أن الأبوة الروحية يذكرها العهد الجديد في مواضع كثيرة:
وقد تحدث بولس الرسول عن أبوة أبينا إبراهيم في العهدين القديم والحديث. ونحن لا نستطيع أن نكذب هذا النص المقدس، ونقول إنه لا يوجد سوى أب واحد في السماء.
وكذلك الرسل في العهد الجديد دعوا آباء.
8- إن بولس يدعو كلًا من تيموثاوس وتيطس وأنسيموس أبناء.
فيقول: "إلَى تِيمُوثَاوُسَ، الاِبْنِ الصَّرِيحِ فِي الإِيمَانِ" (1تي1: 2). ويقول: "إِلَى تِيمُوثَاوُسَ الاِبْنِ الْحَبِيبِ" (2تي1: 2). ويقول عن تيطس: "إِلَى تِيطُسَ، الاِبْنِ الصَّرِيحِ حَسَبَ الإِيمَانِ الْمُشْتَرَكِ" (تي1: 4). ويرسل إلى فليمون فيقول له: "أَطْلُبُ إِلَيْكَ لأَجْلِ ابْنِي أُنِسِيمُسَ، الَّذِي وَلَدْتُهُ فِي قُيُودِي" (فل1: 10). ويقول لتيموثاوس: "فَتَقَوَّ انْتَ يَا ابْنِي بِالنِّعْمَةِ الَّتِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ" (2تي2: 1).
والمعروف أن بولس الرسول كان بتولًا، وليس له أبناء حسب الجسد، ولكنه كان أبًا روحيًا لكل هؤلاء.
فهل يجرؤ تيموثاوس وتيطس وأنسيموس أن يقولوا للقديس بولس: لست أبانا، لأنه ليس لنا أب على الأرض؟!
9- وعندما قال القديس بولس لتلميذه تيموثاوس الأسقف: "لاَ تَزْجُرْ شَيْخًا بَلْ عِظْهُ كَأَبٍ" (1تي5: 1). هل كان يستطيع هذا الأسقف أن يحتج على معلمه قائلًا: كيف هذا؟! ليس لي أب على الأرض! مع إنها أبوة سن.
10- إن بولس الرسول لم يدع أفرادًا فقط أبناء له، إنما أيضًا دعا شعوبًا أولادًا له، كأب روحي لهم...
فقال لأهل غلاطية: "يَا أَوْلاَدِي الَّذِينَ أَتَمَخَّضُ بِكُمْ أَيْضًا إِلَى أَنْ يَتَصَوَّرَ الْمَسِيحُ فِيكُمْ" (غلا4: 19). ويقول لأهل كورنثوس: "بَلْ كَأَوْلاَدِي الأَحِبَّاءِ أُنْذِرُكُمْ. لأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ لَكُمْ رَبَوَاتٌ مِنَ الْمُرْشِدِينَ فِي الْمَسِيحِ لَكِنْ لَيْسَ آبَاءٌ كَثِيرُونَ. لأَنِّي أَنَا وَلَدْتُكُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ بِالإِنْجِيلِ. فَأَطْلُبُ إِلَيْكُمْ أَنْ تَكُونُوا مُتَمَثِّلِينَ بِي. لِذَلِكَ أَرْسَلْتُ إِلَيْكُمْ تِيمُوثَاوُسَ الَّذِي هُوَ ابْنِي الْحَبِيبُ" (1كو4: 14- 17).
11- وعبارة: "ولدتكم بالإنجيل" تظهر لنا أبوة روحية، هي أبوة في الإيمان، وفي الكرازة والتعليم.
فالقديس بولس صار أبًا لأهل كورنثوس، لأنهم آمنوا على يديه، وكذلك أهل غلاطية... ولأنهم تلاميذه.
فهل ينكر أهل كورنثوس وأهل غلاطية أبوة القديس بولس الرسول، ويقولون له: "ليس لنا أب على الأرض، لأن أبانا واحد الذي هو في السماء"؟!
12- ألاَّ يدل هذا التفكير على خطأ في فهم الكتاب المقدس؟!
ألم يقل لنا الكتاب: "لأَنَّ الْحَرْفَ يَقْتُلُ وَلَكِنَّ الرُّوحَ يُحْيِي" (2كو3: 6).
كما يدل هذا التفكير على خطورة تطبيق الآية الواحدة، دون النظر إلى باقي الآيات. ويدل ذلك أيضًا على الطريقة الخاطئة في التفسير التي تطبق كل آية على كل أحد، دون معرفة من هو المقصود بالقول!!!
13- والقديس يوحنا أيضًا - كالقديس بولس - دُعيّ أبًا روحيًا.
يوحنا الرسول البتول يقول: "يَا أَوْلاَدِي، أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ هَذَا لِكَيْ لاَ تُخْطِئُوا" (1يو2: 1) ويقول: "لَيْسَ لِي فَرَحٌ أَعْظَمُ مِنْ هَذَا: أَنْ أَسْمَعَ عَنْ أَوْلاَدِي أَنَّهُمْ يَسْلُكُونَ بِالْحَقِّ" (3يو4).
14- وبطرس الرسول يقول عن مرقس أنه ابنه.
فيقول: "تُسَلِّمُ عَلَيْكُمُ الَّتِي فِي بَابِلَ الْمُخْتَارَةُ مَعَكُمْ، وَمَرْقُسُ ابْنِي" (1بط5: 13). قال هذا من جهة فارق السن الكبير بينهما. لأن المعروف هو أن مرقس ابن أرسطوبولس.
15- فهل أخطأ الرسل الكبار، إذ دعوا أنفسهم آباء؟!
هل أخطأ بولس وبطرس ويوحنا، وارتأوا فوق ما ينبغي لهم، إذ حسبوا أنفسهم آباء، وكأنهم قد نافسوا الله في أبوته؟! أم أن عبارة: "لا تدعوا لكم أبًا" موجهة للرسل وحدهم، الذين قالوا مرة للمسيح: "يَا رَبُّ أَلَنَا تَقُولُ هَذَا الْمَثَلَ أَمْ لِلْجَمِيعِ أَيْضًا؟" (لو12: 41).
16- إن وصية المسيح، لو فهمت على حرفيتها، لكانت نتيجتها إلغاء الأبوة الجسدية أيضًا، لأنها أبوة على الأرض!!
لأن السيد المسيح لم يقل هنا أبوة روحية، ولا أبوة جسدية، إنما أطلق العبارة مرسلة.
وطبعًا لا يمكن أن يكون قد ألغى الأبوة الجسدية، وإلا ما كان الرسول يقول: "أَيُّهَا الأَوْلاَدُ، أَطِيعُوا وَالِدِيكُمْ فِي الرَّبِّ لأَنَّ هَذَا حَقٌّ. أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ، الَّتِي هِيَ أَوَّلُ وَصِيَّةٍ بِوَعْدٍ" (أف6: 1، 2).
فإن كنا نحترم الأبوة الجسدية، فكم بالأولى الروحية؟
17- إنما السيد المسيح قال هذه الوصية، بل هذا الإصحاح كله، في مجال إلغاء القيادات الدينية القديمة كالكتبة والفريسيين...
فالإصحاح كله تتكرر فيه مرات عديدة "وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ" (مت 23). وقد بدأ بذكر السيد المسيح لأخطائهم. حتى وصل إلى عبارة أنهم "وَيُحِبُّونَ الْمُتَّكَأَ الأَوَّلَ... وَالتَّحِيَّاتِ فِي الأَسْوَاقِ وَأَنْ يَدْعُوَهُمُ النَّاسُ: سَيِّدِي سَيِّدِي!" (مت23: 6، 7). وبعدها قال مباشرة: "وَأَمَّا أَنْتُمْ فَلاَ تُدْعَوْا سَيِّدِي... وَلاَ تَدْعُوا لَكُمْ أَبًا عَلَى الأَرْضِ.. وَلاَ تُدْعَوْا مُعَلِّمِينَ..." (مت23: 8- 10).
18- إذًا هي مهاجمة صريحة لأبوة الكتبة والفريسيين، وليس للأبوة الروحية التي للعهد الجديد.
إن السيد المسيح كان وقتها بصدد إلغاء القيادات الدينية التي كانت مسيطرة على المجتمع وقتذاك، حتى لا تصبح جماعة المؤمنين خاضعة لأبوتها ولا لسيادتها ولا لتعليمها... وذلك لينشئ أبوة وسيادة وتعليمًا من نوع جديد.
الاعتراض السادس
يكمل منكرو الكهنوت اعتراضهم، فيقولون: كلنا إخوة متساوون، لأن السيد المسيح يقول في نفس المناسبة: "وَأَنْتُمْ جَمِيعًا إِخْوَةٌ" (مت23: 8).
الرد على الاعتراض
حقًا إننا جميعًا إخوة. فكلنا أبناء آدم وحواء، وكلنا أبناء نوح وإبراهيم. وكلنا أبناء إيمان واحد، ومعمودية واحدة. وكلنا أبناء الكنيسة الواحدة المقدسة الجامعة الرسولية.
ولكن على الرغم من هذه الإخوة التي تشمل الكل، يقف أمامنا سؤال واقعي ولاهوتي وهو:
هل الإخوة متساوون؟
نقول بكل وضوح: ليس جميع الإخوة متساوين. وتعليم الكتاب ينادي بهذا. وسنضرب أمثلة لذلك:
1- كان يعقوب أخًا لعيسو. ومع ذلك قال له الرب: "كُنْ سَيِّدًا لإِخْوَتِكَ، وَلْيَسْجُدْ لَكَ بَنُو أُمِّكَ" (تك27: 29).
2- وعبارة كن سيدًا لإخوتك، تعني أن الإخوة غير متساوين. وما ينطبق على يعقوب، ينطبق على كثير من الإخوة.
فسبط لاوي، كان أخًا لباقي الأسباط الأحد عشر. ولكن كان فيه وحده الكهنوت. ولم يتساو معه باقي الأسباط في هذا الأمر.
3- بل أكثر من هذا لم يكن كل بني لاوي وهم إخوة متساوين من جهة الكهنوت الذي تخصص فيه بني هارون.
إذًا لا نأخذ عبارة لأن جميعكم إخوة بمعنى التساوي، لأن الكتاب لا ينادي بهذا التساوي مطلقًا ولا يعلّم به، كما يعلّم الإخوة البلاميس Brethren، وباسم هذه الإخوة ربما يفقد الصغار احترامهم للكبار، بل قد يفقدون أيضًا احترامهم للأنبياء والرسل القديسين.
وأمامنا مثل أكبر بما لا يقاس من مثال يعقوب وإخوته، ومثال لاوي وإخوته، وهارون وإخوته وهو:
4- قيل عن السيد المسيح إنه شابه إخوته في كل شيء (عب2: 17) ولم يستحِ أن يدعوهم (أي الرسل) إخوته (عب2: 11).
وبكل اِتضاع قال السيد المسيح لمريم المجدلية: اذْهَبَي قُولي لِإِخْوَتِي أَنْ يَذْهَبُوا إِلَى الْجَلِيلِ وَهُنَاكَ يَرَوْنَنِي (مت28: 10؛ يو20: 17). إنه له المجد سماهم إخوة له اتضاعًا، ولكن هل يجرؤ أحد منهم أن يدعوه أخًا؟! حاشا... ومع أنه صار أخًا للبشر إذ تشارك معهم في اللحم والدم، في هذه الطبيعة البشرية. ولكن...
هل يجرؤ أحد من الرسل أن يدعي المساواة بالمسيح على اعتبار إنه لم يستح أن يدعوهم إخوته؟!
مع أن الرسل دعاهم المسيح إخوة، إلاَّ أنه قال لهم أيضًا: "أَنْتُمْ تَدْعُونَنِي مُعَلِّمًا وَسَيِّدًا وَحَسَنًا تَقُولُونَ لأَنِّي أَنَا كَذَلِكَ. فَإِنْ كُنْتُ وَأَنَا السَّيِّدُ وَالْمُعَلِّمُ قَدْ غَسَلْتُ أَرْجُلَكُمْ فَأَنْتُمْ يَجِبُ عَلَيْكُمْ أَنْ يَغْسِلَ بَعْضُكُمْ أَرْجُلَ بَعْضٍ" (يو13: 13، 14).
بل حتى في ذكر إخُوَتِهِ لهم يقول الكتاب: "مِنْ ثَمَّ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُشْبِهَ إِخْوَتَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، لِكَيْ يَكُونَ رَحِيمًا، وَرَئِيسَ كَهَنَةٍ أَمِينًا فِي مَا للهِ حَتَّى يُكَفِّرَ خَطَايَا الشَّعْبِ" (عب2: 17).
كونه يشبه إخوته، لا يمنع إنه رئيس كهنة.
إذًا الإُخُوّةُ لا يمكن أن تعني المساواة في كل شيء.
5- ومع أن الجميع إخوة إلا أنهم ليسوا متساوين في الاختصاصات.
وفي ذلك يقول الكتاب: "فَوَضَعَ اللهُ أُنَاسًا فِي الْكَنِيسَةِ: أَوَّلًا رُسُلًا ثَانِيًا أَنْبِيَاءَ ثَالِثًا مُعَلِّمِينَ ثُمَّ قُوَّاتٍ وَبَعْدَ ذَلِكَ مَوَاهِبَ شِفَاءٍ أَعْوَانًا تَدَابِيرَ وَأَنْوَاعَ أَلْسِنَةٍ" (1كو12: 28). فهل كل هؤلاء على قدم المساواة: الرسول والنبي، كالمعلم، كصاحب المواهب، كالشخص العادي؟ طبعًا لا...
6- إذًا المؤمنون الإخوة ليسوا متساوين في المواهب ولا في الاختصاصات. ليس الرعاة مساوين للرعية، ولا المعلمون مساوين للشعب.
وإنما نقول إن الله كما قال الرسول: "أَعْطَى الْبَعْضَ أَنْ يَكُونُوا رُسُلًا، وَالْبَعْضَ أَنْبِيَاءَ، وَالْبَعْضَ مُبَشِّرِينَ، وَالْبَعْضَ رُعَاةً وَمُعَلِّمِينَ" (أف4: 11).
على كل واحد في الإخوة أن يعرف طقسه وحدود رتبته، "لِكُلِّ مَنْ هُوَ بَيْنَكُمْ: أَنْ لاَ يَرْتَئِيَ فَوْقَ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَرْتَئِيَ" (رو12: 3) بل "بَلْ يَرْتَئِيَ إِلَى التَّعَقُّلِ كَمَا قَسَمَ اللهُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِقْدَارًا مِنَ الإِيمَانِ".
هنا ونسأل سؤالًا هامًا جدًا وهو:
هل الأُخُوَّةُ تلغي الرئاسات؟
7- هناك مساواة أمام الله في البنوة والخلاص واستحقاقات دم المسيح، والمسئولية الأدبية لكل فرد حسب مواهبه. ولكن هل الإخوة، وهل المساواة، تلغي الرئاسات في الكنيسة؟! بحيث يذكرنا هذا بما قيل في سفر القضاة (قض17: 6).
إذًا هل الإخوة تعني عدم النظام في الكنيسة؟ وهل المساواة تعني أن الكنيسة تسير بلا ترتيب، بلا قيادة، بلا أشخاص مسئولين أمام الله والناس؟ حاشا أن يحدث هذا، فقد قال الكتاب: "وَلْيَكُنْ كُلُّ شَيْءٍ بِلِيَاقَةٍ وَبِحَسَبِ تَرْتِيبٍ" (1كو14: 40).
8- إن الكنيسة هي الوضع المثالي في النظام، لأنها جسد المسيح. ومع أن كل أعضاء الجسد إخوة، إلا أن هناك رأسًا، وأعضاء... بل في كل أسرة: هناك زوج وزوجة وأولاد. ومع ذلك فالرجل رأس المرأة. والأولاد يخضعون للأبوين.
ولا يمكن باسم المساواة أن تتمرد المرأة على رئاسة الرجل!
ولا يمكن باسم المساواة أن يتمرد الأبناء، ولا يخضعوا لوالديهم في الرب لأن هذا الخضوع حق، "أَيُّهَا الأَوْلاَدُ، أَطِيعُوا وَالِدِيكُمْ فِي الرَّبِّ لأَنَّ هَذَا حَقٌّ. أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ، الَّتِي هِيَ أَوَّلُ وَصِيَّةٍ بِوَعْدٍ" (أف6: 1، 2).
9- أما من جهة الرئاسات، فإن الله هو الذي وضعها في الكنيسة، في السماء أولًا بين الملائكة.
وهكذا قيل: "فَإِنَّهُ فِيهِ خُلِقَ الْكُلُّ: مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا عَلَى الأَرْضِ، مَا يُرَى وَمَا لاَ يُرَى، سَوَاءٌ كَانَ عُرُوشًا أمْ سِيَادَاتٍ أمْ رِيَاسَاتٍ أمْ سَلاَطِينَ" (كو1: 16). وقيل في سفر دانيال النبي عن الملاك ميخائيل: "مِيخَائِيلُ الرَّئِيسُ الْعَظِيمُ" (دا12: 1). وقيل: "وَهُوَذَا مِيخَائِيلُ وَاحِدٌ مِنَ الرُّؤَسَاءِ الأَوَّلِينَ..." (دا10: 13).
10- كذلك أوجد الله رئاسات في مجال الكهنوت.
فعين هارون رئيسًا للكهنة، وتتابع رؤساء الكهنة على مدى الأجيال. وقيل عن يهوشع: "يَهُوشَعَ الْكَاهِنَ الْعَظِيمَ" (زك3: 1). وعبارة "رئيس كهنة" وردت في الكتاب مرات عديدة جدًا".
11- بل سمح الله لموسى بإقامة رؤساء علمانيين.
تخير أناسًا ذوي قدرة خائفين الله أمناء وأقامهم "رُؤَسَاءَ أُلُوفٍ وَرُؤَسَاءَ مِئَاتٍ وَرُؤَسَاءَ خَمَاسِينَ وَرُؤَسَاءَ عَشَرَاتٍ. فَكَانُوا يَقْضُونَ لِلشَّعْبِ كُلَّ حِينٍ. الدَّعَاوِي الْعَسِرَةُ يَجِيئُونَ بِهَا إِلَى مُوسَى" (خر18: 21، 25، 26)؛ (تث1: 15).
12- ولعلهم يسألون: وما موقف المسيح من كل هذه الرئاسات؟
السيد المسيح "الَّذِي هُوَ رَأْسُ كُلِّ رِيَاسَةٍ وَسُلْطَانٍ" (كو2: 10).
وجود الرئاسات على الأرض لا تمنع رئاسته. وجود ملوك على الأرض لم يمنع أنه "مَلِكُ الْمُلُوكِ وَرَبُّ الأَرْبَابِ" (رؤ19: 16). ووجود رعاة، لا يمنع أن السيد المسيح هو راعي الرعاة، و"رَاعِيَ الْخِرَافِ الْعَظِيمَ، رَبَّنَا يَسُوعَ" (عب13: 20).
قال القديس أغسطينوس للرب: "أنا راعٍ لهؤلاء، ولكنني أمامك، أنا معهم واحد من قطيعك. وأنا مُعلم لهم، ولكنني أمامك أتعلم منك معهم".
13- الناس أمام الله إخوة. ولكنهم بالنسبة إلى بعضهم البعض، يوجد فيهم أبناء وآباء، ورعية ورعاة، وتلاميذ ومعلمون. وأيضًا فيهم علمانيون وكهنة.
هناك اعتراض آخر يقدمه البعض في موضوع المساواة وهو:
قول السيد المسيح لتلاميذه: "أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رُؤَسَاءَ الأُمَمِ يَسُودُونَهُمْ وَالْعُظَمَاءَ يَتَسَلَّطُونَ عَلَيْهِمْ. فَلاَ يَكُونُ هَكَذَا فِيكُمْ. بَلْ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ فِيكُمْ عَظِيمًا فَلْيَكُنْ لَكُمْ خَادِمًا. وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ فِيكُمْ أَوَّلًا فَلْيَكُنْ لَكُمْ عَبْدًا. كَمَا أَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ" (مت20: 25- 28).
وواضح أن هذا الكلام عن التواضع، وعدم التسلط، وعدم محبة العظمة. وليس هو عن إلغاء الرئاسات، بدليل إبراز مثل السيد المسيح نفسه... فهو سيد ورئيس، مع إنه جاء ليخدم ويبذل (يو13: 13، 14).
والمقصود بالرئاسات في الكنيسة وفي الكهنوت، النظام، وتوزيع المسئولية، والإشراف على الخدمة، وما إلى ذلك. وليس هدفه مطلقًا التسلط، ومحبة العظمة، الأمور الكائنة في الجو العلماني الذي انتقده الرب.
وأيضًا محبة الكرامة التي كانت ظاهرة في تصرفات الكتبة والفريسيين وقد هاجمها الرب في (مت23: 5- 8).
الكهنوت وخدمة المذبح
الكهنوت وخدمة المذبح
اعتراض
ما دام الكاهن إنسانًا يخدم المذبح، لذلك فالذين ينكرون الكهنوت ينكرون المذبح أيضًا.
ويقولون إن المذبح شيء كان في العهد القديم، ولا وجود للمذبح في العهد الجديد. وبالتالي لا توجد ذبيحة. وهكذا لا يوجد في اعتقادهم كهنوت يخدم المذبح ويقدم الذبيحة...
ولذلك فإن كنائس البروتستانت لا يوجد فيها مذبح. وطبعًا لا توجد قداسات يصلونها لتقديس ذبيحة. وبالتالي لا يوجد أيضًا بخور، ولا توجد أواني للخدمة ولا ملابس للخدمة، ولا كل ما يتعلق بتقديم الذبيحة المقدسة...
الرد على الاعتراض
وعملنا في هذا البحث، أن نثبت بنصوص من الكتاب المقدس أن المذبح موجود في العهد الجديد، وأنه لم ينته بنهاية العهد القديم. فإنه له استمرارية في المسيحية، هو والذبيحة المقدسة التي لم تكن مجرد رمز أو مثال أو ذكرى.
وجود المذبح
1- مما يثبت وجود المذبح في العهد الجديد، قول القديس بولس الرسول: "لَنَا «مَذْبَحٌ» لاَ سُلْطَانَ لِلَّذِينَ يَخْدِمُونَ الْمَسْكَنَ أَنْ يَأْكُلُوا مِنْهُ" (عب13: 10).
والذين يخدمون المسكن هم اليهود... أي أن اليهود الباقين يهودًا، لا سلطان لهم أن يتناولوا من المذبح المسيحي.
2- وقد وردت نبوءة في سفر إشعياء النبي عن وجود مذبح للرب وبالذات في أرض مصر، الأمر الذي لم يتحقق إلا في العصر المسيحي.
قال الوحي الإلهي: "فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ يَكُونُ مَذْبَحٌ لِلرَّبِّ فِي وَسَطِ أَرْضِ مِصْرَ وَعَمُودٌ لِلرَّبِّ عِنْدَ تُخُمِهَا. فَيَكُونُ عَلاَمَةً وَشَهَادَةً لِرَبِّ الْجُنُودِ فِي أَرْضِ مِصْرَ... فَيُعْرَفُ الرَّبُّ فِي مِصْرَ وَيَعْرِفُ الْمِصْريُّونَ الرَّبَّ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَيُقَدِّمُونَ ذَبِيحَةً وَتَقْدِمَةً وَيَنْذُرُونَ لِلرَّبِّ نَذْرًا وَيُوفُونَ بِهِ" (إش19: 19- 21).
وواضح أن هذا المذبح ليس مذبحًا وثنيًا أو فرعونيًا.
وذلك لأنه مذبح للرب، وعلامة وشهادة لرب الجنود، وبه يعرف المصريون الرب، ويكون عمود للرب عند تخم أرض مصر. وقد تكررت عبارة الرب في هذه النبوءة عشر مرات، وانتهت بقول رب الجنود: "مُبَارَكٌ شَعْبِي مِصْر" (إش19: 25). وطبعًا لا يمكن أن ينطبق شيء من هذا على العصر الوثني في مصر.
وواضح أيضًا أن هذا المذبح ليس مذبحًا يهوديًا.
لأن اليهود ما كانوا يذبحون للرب في أرض غريبة. وإنما كانوا يعلقون قيثاراتهم على أشجار الصفصاف ويبكون (مز137: 2، 4) وقد أمر الرب فرعون أن يطلق الشعب من مصر ليمارسوا عبادتهم (خر8: 20؛ 9: 1). ووعد فرعون قائلًا: "أَنَا أُطْلِقُكُمْ لِتَذْبَحُوا لِلرَّبِّ إِلَهِكُمْ فِي الْبَرِّيَّةِ" (خر8: 28). ثم قال موسى بعدها: "لاَ يَعُدْ فِرْعَوْنُ يُخَاتِلُ حَتَّى لاَ يُطْلِقَ الشَّعْبَ لِيَذْبَحَ لِلرَّبِّ" (خر8: 29).
إذًا ما كان ممكنًا أن يقام مذبح يهودي في مصر.
وقد أمر الله أنه لا تقدم ذبيحة إلاَّ في المكان الذي اختاره هو ليكون اسمه فيه.
وهكذا ورد في شريعة موسى: "وَتَذْهَبُ إِلى المَكَانِ الذِي يَخْتَارُهُ الرَّبُّ إِلهُكَ لِيُحِل اسْمَهُ فِيهِ" (تث26: 2). "فَالمَكَانُ الذِي يَخْتَارُهُ الرَّبُّ إِلهُكُمْ لِيَحِل اسْمَهُ فِيهِ تَحْمِلُونَ إِليْهِ كُل مَا أَنَا أُوصِيكُمْ بِهِ: مُحْرَقَاتِكُمْ وَذَبَائِحَكُمْ وَعُشُورَكُمْ وَرَفَائِعَ أَيْدِيكُمْ وَكُل خِيَارِ نُذُورِكُمُ التِي تَنْذُرُونَهَا لِلرَّبِّ." (تث12: 11). "وَأَمَّا أَقْدَاسُكَ التِي لكَ وَنُذُورُكَ فَتَحْمِلُهَا وَتَذْهَبُ إِلى المَكَانِ الذِي يَخْتَارُهُ الرَّبُّ. فَتَعْمَلُ مُحْرَقَاتِكَ: اللحْمَ وَالدَّمَ عَلى مَذْبَحِ الرَّبِّ إِلهِكَ" (تث12: 26).
وقد اختار الرب أورشليم (زك3: 2). وقال: "بَلِ اخْتَرْتُ أُورُشَلِيمَ لِيَكُونَ اسْمِي فِيهَا" (2أي6: 6). ولم يكن للرب مذبح في أرض مصر طوال العصر اليهودي.
إذًا مذبح الرب الذي ذكر إشعياء النبي أنه يكون في مصر، هو مذبح في العصر المسيحي. وهو يثبت وجود مذابح في المسيحية بوجه عام...
3- وقد تنبأ ملاخي النبي عن وجود أمثال هذه المذابح المسيحية في الأمم من مشارق الشمس إلى مغاربها تقرب عليها تقدمات للرب. فقال في مجال سخط الرب على اليهود وذبائحهم المرفوضة:
"لَيْسَتْ لِي مَسَّرَةٌ بِكُمْ قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ وَلاَ أَقْبَلُ تَقْدِمَةً مِنْ يَدِكُمْ. لأَنَّهُ مِنْ مَشْرِقِ الشَّمْسِ إِلَى مَغْرِبِهَا اسْمِي عَظِيمٌ بَيْنَ الأُمَمِ وَفِي كُلِّ مَكَانٍ يُقَرَّبُ لاِسْمِي بَخُورٌ وَتَقْدِمَةٌ طَاهِرَةٌ" (ملا1: 10، 11).
ولم يحدث ذلك إلاَّ في المسيحية. لأن متى حدث في كل زمن اليهودية، إن كانت تقدم للرب تقدمات، ويُرفع لاسمه بخور، في كل مكان، بين الأمم؟!
4- وقد تحدث السيد المسيح عن المذبح والصلح بين الناس، فقال: "فَإِنْ قَدَّمْتَ قُرْبَانَكَ إِلَى الْمَذْبَحِ وَهُنَاكَ تَذَكَّرْتَ أَنَّ لأَخِيكَ شَيْئًا عَلَيْكَ. فَاتْرُكْ هُنَاكَ قُرْبَانَكَ قُدَّامَ الْمَذْبَحِ وَاذْهَبْ أَوَّلًا اصْطَلِحْ مَعَ أَخِيكَ..." (مت5: 23، 24).
وهي وصية لم يُقصد بها ذلك العصر اليهودي فقط، الذي كان سيزول بعد هذه العظة بحوالي ثلاث سنوات. وإنما هي تعليم عام عن ارتباط المذبح بالصلح في المسيحية...
5- ما دام قد ثَبُتَ بهذه الأدلة الأربعة وجود مذبح في المسيحية، إذًا لا بد أن يوجد خادم المذبح وهو الكاهن.
الذبيحة المقدسة في المسيحية
6- سر الإفخارستيا - تقديم جسد الربِّ ودمه - موجود في الأناجيل الأربعة كلها، وفي الرسالة الأولى إلى كورنثوس. وبالذات في الشواهد الآتية:
(متى: 26: 26- 28) | (مرقس14: 22– 24) |
(لوقا 22: 19 – 22) | (يوحنا 6: 32 – 58) |
(1كو10: 16 – 21) | (1كو11: 23 – 30) |
(متى: 26: 26- 28) = (مرقس14: 22– 24)
(لوقا 22: 19 – 22) = (يوحنا 6: 32 – 58)
(1كو10: 16 – 21) = (1كو11: 23 – 30)
وسنشرح هذا كله بالتفصيل إن شاء الله، ونخرج من كل ذلك بحقائق لاهوتية هامة وهي:
7- الرب هو الذي أسس هذا السر.
هو الذي أخذ خبزًا وشكر وبارك وكسر، وأعطى التلاميذ قائلاً: "خُذُوا كُلُوا هَذَا هُوَ جَسَدِي الْمَكْسُورُ لأَجْلِكُمُ. اصْنَعُوا هَذَا لِذِكْرِي" (مت26: 26؛ 1كو11: 24).
وهو الذي أَخَذَ الْكَأْسَ وَشَكَرَ وَأَعْطَاهُمْ قائلاً: "هَذِهِ الْكَأْسُ هِيَ الْعَهْدُ الْجَدِيدُ بِدَمِي"؛ "هذَا هُوَ دَمِي الَّذِي لِلْعَهْدِ الْجَدِيدِ، الَّذِي يُسْفَكُ مِنْ أَجْلِ كَثِيرِينَ"، "اصْنَعُوا هَذَا كُلَّمَا شَرِبْتُمْ لِذِكْرِي" (مر14: 23، 24؛ لو22: 20؛ 1كو11: 25).
وفي إنجيل معلمنا لوقا: "هَذَا هُوَ جَسَدِي الَّذِي يُبْذَلُ عَنْكُمْ"، "دَمِي الَّذِي يُسْفَكُ عَنْكُمْ" (لو22: 19، 20).
8- والرب هو الذي أمر بممارسة هذا السر.
فلم يكتفِ الربُّ بأنه أسس السر في يوم خميس العهد، إنما أمر تلاميذه قائلاً لهم: "اصْنَعُوا هَذَا لِذِكْرِي".
وعبارة "اصنعوا هذا لذكري" تعني استمرارية إقامة هذا السر.
"خُذُوا كُلُوا هَذَا هُوَ جَسَدِي الْمَكْسُورُ لأَجْلِكُمُ. اصْنَعُوا هَذَا لِذِكْرِي" (1كو11: 24). "هَذَا هُوَ جَسَدِي الَّذِي يُبْذَلُ عَنْكُمْ. اِصْنَعُوا هَذَا لِذِكْرِي" (لو22: 19).
"هَذِهِ الْكَأْسُ هِيَ الْعَهْدُ الْجَدِيدُ بِدَمِي. اصْنَعُوا هَذَا كُلَّمَا شَرِبْتُمْ لِذِكْرِي" (1كو11: 25).
إذًا نحن نخالف وصية الرب، إن لم نمارس هذا السر.
9- عبارة "اصنعوه" تعني معنى خاصًا. فلو كان الأمر مجرد تقديم خبز عادي، ما كان يقول: "اصنعوه". إنما هذه العبارة تعني تحويل الخبز إلى جسده. وهذه تحتاج إلى إنسان مختص، له سلطان، هو الكاهن.
10- وإلى متى نمارس هذا السر؟
الجواب هو إلى يوم مجيء الرب.
أي طوال هذا الدهر الذي نعيشه... إلى يوم القيامة.
وهذا هو تعليم كتابي، إذ يقول الرسول: "فَإِنَّكُمْ كُلَّمَا أَكَلْتُمْ هَذَا الْخُبْزَ وَشَرِبْتُمْ هَذِهِ الْكَأْسَ تُخْبِرُونَ بِمَوْتِ الرَّبِّ إِلَى أَنْ يَجِيءَ" (1كو11: 26). إذًا فهي ليست وصية إلى عصر من العصور، أو إلى الرسل فقط، إنما إلى كل الأجيال، إلى مجيء الرب...
هنا ونلاحظ ملاحظة هامة وهي:
11- الرب سلّم هذا السر لتلاميذه
لم يقل لكل الشعب: "اصنعوا هذا لذكري"، إنما قال هذا لتلاميذه. أما الشعب فإنهم يأكلون من الجسد، ويشربون من الكأس، ويخبرون بموت الرب إلى أن يجيء.
وصنع هذا السر بواسطة التلاميذ، يؤول بالطبع إلى خلفائهم، لكي تبقى استمرارية إقامة السر، إلى أن يجيء الرب...
12- ونفهم هذا الأمر من تعليم القديس بولس الرسول.
السيد المسيح أقام هذا السر العظيم مع رسله القديسين في يوم الخميس الكبير. ولم يكن بولس الرسول قد آمن بعد. فلما انضمّ إلى الرسل، سلمه الرب هذا السر شخصيًا لأهميته. ولم يتركه يستلمه بالتقليد من الرسل. ولذلك قال القديس بولس: "لأَنَّنِي تَسَلَّمْتُ مِنَ الرَّبِّ مَا سَلَّمْتُكُمْ أَيْضًا: إِنَّ الرَّبَّ يَسُوعَ فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي أُسْلِمَ فِيهَا أَخَذَ خُبْزًا. وَشَكَرَ فَكَسَّرَ وَقَالَ: خُذُوا كُلُوا هَذَا هُوَ جَسَدِي..." (1كو11: 23).
وفي حديثه عن هذا السر في (1كو10) قال: "كَأْسُ الْبَرَكَةِ الَّتِي نُبَارِكُهَا أَلَيْسَتْ هِيَ شَرِكَةَ دَمِ الْمَسِيحِ؟ الْخُبْزُ الَّذِي نَكْسِرُهُ أَلَيْسَ هُوَ شَرِكَةَ جَسَدِ الْمَسِيحِ؟" (1كو10: 16).
فقال: "نباركها" و"نكسره"، لأنه أمر خاص بالرسل وخلفائهم. ولم يقل للشعب تباركونها، وتكسرونه. أما عن التناول فقال للشعب: "لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَشْرَبُوا كَأْسَ الرَّبِّ وَكَأْسَ شَيَاطِينَ. لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَشْتَرِكُوا فِي مَائِدَةِ الرَّبِّ وَفِي مَائِدَةِ شَيَاطِينَ" (1كو10: 21). وعبارة "مائدة الرب" هنا، تعني المذبح.
ذلك لأن صنع السر هو للكهنوت. أما التناول فلكل الشعب.
هنا ونسأل عن هذا السر ما هو؟
هل هو مجرد خبز، وكأس خمر، يشترك فيه المؤمنون، لمجرد الذكرى كما يعتقد البروتستانت؟ أم هو جسد الرب ودمه حسب التعليم الإنجيلي؟ لننظر ماذا يقول الكتاب في ذلك؟ وما هي الأدلة؟
13- هذا السر ليس خبزًا عاديًا.
إنما يصفه الرب بصفات عالية جدًا حسبما ورد في الإنجيل للقديس يوحنا (يو6: 32- 58) إنها 27 آية متتابعة، أنصح بقراءتها لتلاحظوا العبارات الآتية:
- "الْخُبْزَ الْحَقِيقِيَّ مِنَ السَّمَاءِ" (ع 32).
- "لأَنَّ خُبْزَ الله هُوَ النَّازِلُ مِنَ السَّمَاءِ الْوَاهِبُ حَيَاةً لِلْعَالَمِ" (ع 33).
- "أَنَا هُوَ خُبْزُ الْحَيَاةِ" (ع 35)، (ع 48).
- "أَنَا هُوَ الْخُبْزُ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ" (ع 41).
- "هَذَا هُوَ الْخُبْزُ النَّازِلُ مِنَ السَّمَاءِ لِكَيْ يَأْكُلَ مِنْهُ الإِنْسَانُ وَلاَ يَمُوتَ" (ع 50).
- "أَنَا هُوَ الْخُبْزُ الْحَيُّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاء" (ع 51).
- "إِنْ أَكَلَ أَحَدٌ مِنْ هَذَا الْخُبْزِ يَحْيَا إِلَى الأَبَدِ" (ع 51).
وهنا نسأل: هل الخبز الذي يقدمه الإخوة البروتستانت للذكرى، له كل هذه الصفات التي وردت في (يو 6)؟!
هل هو خبز الحياة؟ هل هو نازل من السماء؟ هل هو الواهب الحياة للعالم؟ هل كل مَن يأكل منه لا يموت، بل يحيا إلى الأبد؟ هل هذا الخبز هو الرب يسوع نفسه، الذي قال: "أنا هو الخبز..."؟!!
إنما هذا الخبز، يعبر عنه الرب بأنه جسده...
14- هذا الخبز هو جسد الرب.
ليس هذا هو تعليمنا نحن، إنما هو تعليم الرب القائل بعد كل هذه الصفات التي وصف بها هذا الخبز:
"وَالْخُبْزُ الَّذِي أَنَا أُعْطِي هُوَ جَسَدِي الَّذِي أَبْذِلُهُ مِنْ أَجْلِ حَيَاةِ الْعَالَمِ" (يو6: 51).
هل نستطيع أن نترك كلام الرب الواضح، لكي نركن إلى مفاهيم بشرية؟! أو هل يريد البعض أن يخضع كلام الرب لمفاهيمه هو؟! إن الكلام واضح وصريح. ولما احتج اليهود قائلين: "كيف يقدر هذا أن يعطينا جسده لنأكل؟" أجابهم بتأكيد:
"الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَمْ تَأْكُلُوا جَسَدَ ابْنِ الإِنْسَانِ وَتَشْرَبُوا دَمَهُ فَلَيْسَ لَكُمْ حَيَاةٌ فِيكُمْ" (يو6: 53).
فهل الذين ينفذون عبارة "اصنعوا هذا لذكري" يتناولون ما يتناولونه مؤمنين أنه جسد الرب ودمه، أم باعتبار أنه خبز عادي وخمر عادية؟ وما هو موقفهم من الآية السابقة، ومن قوله بعدها: "مَنْ يَأْكُلُ جَسَدِي وَيَشْرَبُ دَمِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِير" (يو6: 54).
أي مَن يأكل، وهو مؤمن تمامًا، أن هذا جسد الرب، ويشرب وهو مؤمن تمامًا، أن هذا هو دم الرب.
هذا هو الذي ينال المواعيد الإلهية التي وعدنا بها الرب في هذا الإصحاح من يوحنا، والتي سنعود عليها بمعونة الرب بعد قليل...
يأكل ويشرب ليس كرمز أو مثال وإنما كحقيقة:
فقد قال الرب بعد كلامه السابق: "لأَنَّ جَسَدِي مَأْكَلٌ حَقٌّ وَدَمِي مَشْرَبٌ حَقٌّ" (يو6: 55).
هذا الجسد وهذا الدم، هما ما عناه من قبل بحديثه عن الخبز الحي النازل من السماء. ولذلك قال بعد هذا مباشرة عن جسده: "هَذَا هُوَ الْخُبْزُ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ" (يو6: 58).
لذلك نحن نقول في صلوات القداس الإلهي عن هذا السر، إنه جسد حقيقي، ودم حقيقي.
وهذا التعبير ليس من عندنا، ولا من علم اللاهوتيين في الكنيسة، إنما هو كلام الرب نفسه، الذي نقبله، ونصدقه، ببساطة قلب، كأشخاص روحانيين، وليس كأشخاص عقلانيين...
نقبله كما هو، لأن الرب قاله هكذا...
ونحن نؤمن بما قاله الرب. ولا نضيف عليه شيئًا من عندياتنا، ولا من فهم بشري يتعارض مع النص...
كل مَن يقول إنه إنجيلي، ينبغي أن يتبع كلام الإنجيل. فماذا إذًا قال الإنجيل، وعلى فَم المسيح نفسه؟ قال:
15- هذا جسدي. هذا دمي.
هكذا قال الرب، تبارك اسمه في كل ما قال:
- "خُذُوا كُلُوا. هَذَا هُوَ جَسَدِي" (مت26: 26).
- "اشْرَبُوا مِنْهَا كُلُّكُمْ... هَذَا هُوَ دَمِي" (مت26: 27، 28).
- "خُذُوا كُلُوا هَذَا هُوَ جَسَدِي" (مر14: 22).
- "هَذَا هُوَ دَمِي الَّذِي لِلْعَهْدِ الْجَدِيدِ" (مر14: 24).
- "هَذَا هُوَ جَسَدِي الَّذِي يُبْذَلُ عَنْكُمْ" (لو22: 19).
- "هَذِهِ الْكَأْسُ هِيَ الْعَهْدُ الْجَدِيدُ بِدَمِي" (لو22: 20).
وعبارة "جسدي" في مجال التناول، وردت في (يو 6) 5 مرات، إحداها "جسد ابن الإنسان" وعبارة "دمي" للتناول وردت بنفس الطريقة أربع مرات.
(انظر يو6: 51، 53، 54، 55، 56).
هل يمكن إنكار كل هذه النصوص الإلهية، لأن العقل اتجه اتجاهًا آخر للفهم؟!
ومما يؤكد تأكيد المعنى الحرفي لهذه النصوص الإلهية كما قيلت، ثلاث حقائق هامة، وهي:
16- بركات التناول
إنها بركات روحية فائقة جدًا، لا يمكن أن تكون من خبز عادي. ومنها: الحياة الأبدية، الثبات في الرب، غفران الخطايا.
وفي هذا الموضوع، يصرح الرب بنفسه قائلًا:
"مَنْ يَأْكُلُ جَسَدِي وَيَشْرَبُ دَمِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِير" (يو6: 54). "مَنْ يَأْكُلْ جَسَدِي وَيَشْرَبْ دَمِي يَثْبُتْ فِيَّ وَأَنَا فِيه" (يو6: 56). "مَنْ يَأْكُلْ جَسَدِي وَيَشْرَبْ دَمِي يَثْبُتْ فِيَّ وَأَنَا فِيه" (يو6: 57). "لأَنَّ هَذَا هُوَ دَمِي الَّذِي لِلْعَهْدِ الْجَدِيدِ الَّذِي يُسْفَكُ مِنْ أَجْلِ كَثِيرِينَ لِمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا" (مت26: 28). "جَسَدِي الَّذِي يُبْذَلُ عَنْكُمْ... بِدَمِي الَّذِي يُسْفَكُ عَنْكُم" (لو22: 19، 20).
أنستطيع أن نقول إن هذه البركات كلها، تنبع من خبز عادي، ومن خمر عادية، تصنع للذكرى؟ مستحيل...
أيكون الخبز العادي سببًا للحياة، والثبات في الله، مَن يصدق هذا؟!
أما إن كانت هذه البركات من الجسد الذي بُذل عنا، ومن الدم الذي سُفك عنا، فهذا كلام يمكن فهمه لاهوتيًا. ومن له أذنان للسمع فليسمع...
هذا من جهة البركات. أما الحقيقة الأخرى المقابلة فهي:
17- عقوبات لمَن يتناول بغير استحقاق.
وهذه يشرحها القديس بولس الرسول في (1كو 11) قائلًا:
"إِذًا أَيُّ مَنْ أَكَلَ هَذَا الْخُبْزَ أَوْ شَرِبَ كَأْسَ الرَّبِّ بِدُونِ اسْتِحْقَاقٍ يَكُونُ مُجْرِمًا فِي جَسَدِ الرَّبِّ وَدَمِهِ" (1كو11: 27).
ويتابع الرسول كلامه فيقول: "وَلَكِنْ لِيَمْتَحِنِ الإِنْسَانُ نَفْسَهُ وَهَكَذَا يَأْكُلُ مِنَ الْخُبْزِ وَيَشْرَبُ مِنَ الْكَأْسِ" (1كو11: 28).
هل الخبز العادي يحتاج إلى كل هذا الاستعداد، وإلى أن يمتحن نفسه أولًا؟!
وهل الخبز العادي نقول فيه استحقاق أو عدم استحقاق؟!
وهل الذي يأكل الخبز العادي للذكرى في مناسبة مقدسة، نقول عنه إنه يكون مجرمًا إن أكله بغير استحقاق؟ أم أن عدم الاستحقاق تكون له هذه الخطورة، إن كان الإنسان مجرمًا في جسد الرب ودمه؟ هذا هو المفهوم السليم.
وهنا نجد أن الرسول يقول صراحة، إن هذا الخبز، وما تحويه هذه الكأس، هما جسد الرب ودمه.
ولنسأل إذًا ما هو الاستعداد لهذا السر؟
قال الرسول: "وَلَكِنْ لِيَمْتَحِنِ الإِنْسَانُ نَفْسَهُ وَهَكَذَا يَأْكُلُ مِنَ الْخُبْزِ وَيَشْرَبُ مِنَ الْكَأْسِ" (1كو11: 28). إذًا يفحص الإنسان نفسه ليرى هل هو مستحق أم لا؟
وعلامة الاستحقاق أن يكون تائبًا بعيدًا عن الشر، وعن الشركة مع الشياطين.
وفي هذا قال الرسول: "لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَشْرَبُوا كَأْسَ الرَّبِّ وَكَأْسَ شَيَاطِينَ. لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَشْتَرِكُوا فِي مَائِدَةِ الرَّبِّ وَفِي مَائِدَةِ شَيَاطِينَ" (1كو10: 21).
ذلك لأنه "أَيَّةُ شَرِكَةٍ لِلنُّورِ مَعَ الظُّلْمَةِ؟ ... وَأَيُّ اتِّفَاقٍ لِلْمَسِيحِ مَعَ بَلِيعَالَ؟" (2كو6: 14، 15).
ويتابع الرسول كلامه عن التناول بغير استحقاق، فيقول: "لأَنَّ الَّذِي يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ بِدُونِ اسْتِحْقَاقٍ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ دَيْنُونَةً لِنَفْسِهِ غَيْرَ مُمَيِّزٍ جَسَدَ الرَّبِّ" (1كو11: 29).
ويذكر بين تفاصيل هذه الدينونة عقوبات صعبة منها قوله في التناول بغير استحقاق: "مِنْ أَجْلِ هَذَا فِيكُمْ كَثِيرُونَ ضُعَفَاءُ وَمَرْضَى وَكَثِيرُونَ يَرْقُدُونَ. لأَنَّنَا لَوْ كُنَّا حَكَمْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا لَمَا حُكِمَ عَلَيْنَا" (1كو11: 30، 31).
فهل أكل الخبز العادي، تصل عقوباته إلى المرض والموت؟
وهل الخبز العادي الذي للذكرى، مَن يتناوله بدون استحقاق، يأكل ويشرب دينونة لنفسه؟! أليس هذا ينطبق في حالة ما إذا كان بغير استحقاق يتناول جسد الرب، وهو غير مميز جسد الرب كما قال الرسول...؟
نلاحظ أن بولس الرسول ذكر عبارة جسد الرب 3 مرات.
وذلك في نفس الإصحاح (1كو 11)، حيث يذكر أن الرب قال: "هذَا هُوَ جَسَدِي الْمَكْسُورُ لأَجْلِكُمُ" (ع 24) وفي الكلام عمن يتناول بدون استحقاق يقول: "يَكُونُ مُجْرِمًا فِي جَسَدِ الرَّبِّ وَدَمِهِ" و"غَيْرَ مُمَيِّزٍ جَسَدَ الرَّب" (1كو11: 27، 29).
ذكرنا الآن حقيقتين هما: بركات التناول، وعقوبات مَن يتناول بغير استحقاق. أما الحقيقة الثالثة فهي:
18- خسارة مَن لا يتناول.
في هذا يقول الرب: "الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَمْ تَأْكُلُوا جَسَدَ ابْنِ الإِنْسَانِ وَتَشْرَبُوا دَمَهُ فَلَيْسَ لَكُمْ حَيَاةٌ فِيكُمْ" (يو6: 53). وطبعًا الحرمان من الحياة، لا يمكن أن يكون بسبب عدم أكل خبز عادي لأجل الذكرى... إنما الحرمان من الحياة، يأتي حقًا من عدم التناول من الدم الكريم الَّذِي سُفكَ عنا لأَجْلِ مَغْفِرَةِ الْخَطَايَا (مت26: 28) وكذلك عدم التناول من خبز الحياة النازل من السماء، أي جسد الرب، الْمَنّ الحقيقي... ننتقل إلى حقيقة أخرى، فنقول:
19- الدم المسفوك يعني ذبيحة
قال الرب لتلاميذه أثناء تقديمه هذا السر: "هَذَا هُوَ دَمِي الَّذِي لِلْعَهْدِ الْجَدِيدِ الَّذِي يُسْفَكُ مِنْ أَجْلِ كَثِيرِينَ" (مر14: 24) وقال: "... دَمِي الَّذِي يُسْفَكُ عَنْكُم" (لو22: 20). وكرر نفس العبارة في (مت26: 28). ولا شك أن عبارة الدم المسفوك تعني أن هناك ذبيحة. وكذلك عبارة "هَذَا هُوَ جَسَدِي الْمَكْسُورُ لأَجْلِكُمُ" (1كو11: 24) "هَذَا هُوَ جَسَدِي الَّذِي يُبْذَلُ عَنْكُمْ" (لو22: 19).
وما دامت هناك ذبيحة بدم مسفوك وجسد مكسور مبذول، إذًا لا بد من وجود مذبح، والمذبح يحتاج إلى خادم للمذبح، أي إلى كاهن، هو الذي يقدم الذبيحة.
على أن هناك نقطة هامة جدًا، في هذه الذبيحة وهذا الدم المسفوك، وهي أن ذلك لمغفرة الخطايا.
20- دم مسفوك، لمغفرة الخطايا
"وَأَخَذَ الْكَأْسَ وَشَكَرَ وَأَعْطَاهُمْ قَائِلًا: اشْرَبُوا مِنْهَا كُلُّكُمْ. لأَنَّ هَذَا هُوَ دَمِي الَّذِي لِلْعَهْدِ الْجَدِيدِ الَّذِي يُسْفَكُ مِنْ أَجْلِ كَثِيرِينَ لِمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا" (مت26: 27، 28).
وما دام هذا الدم لمغفرة الخطايا، إذًا ليس هو لمجرد الذكرى.
وإذًا ليس هو مجرد خمر عادي، لأن الخمر العادية لا علاقة لها بمغفرة الخطايا، لأنه "بِدُونِ سَفْكِ دَمٍ لاَ تَحْصُلُ مَغْفِرَةٌ!" (عب9: 22).
إذًا عبارة "مغفرة الخطايا" دليل على أن هذا الدم هو دم المسيح. ونحن في القداسات الإلهية، نتذكر هذه العبارة جيدًا، فيردد الكاهن نفس قول المسيح: "يُعطى لمغفرة الخطايا"...
21- ولذلك ارتبط هذا السر بالحياة
وذلك "لأَنَّ أُجْرَةَ الْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ" (رو6: 23). وبالمغفرة التي ننالها بهذا السر، بالدم المسفوك، نخلص من الموت الخاص بكل خطية فعلية نرتكبها، وننال الحياة. لذلك قال الرب: "مَنْ يَأْكُلُ جَسَدِي وَيَشْرَبُ دَمِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّة" (يو6: 54). "إِنْ أَكَلَ أَحَدٌ مِنْ هَذَا الْخُبْزِ يَحْيَا إِلَى الأَبَدِ. وَالْخُبْزُ الَّذِي أَنَا أُعْطِي هُوَ جَسَدِي الَّذِي أَبْذِلُهُ مِنْ أَجْلِ حَيَاةِ الْعَالَمِ" (يو6: 51). إنه الخبز "الْوَاهِبُ حَيَاةً لِلْعَالَمِ" (يو6: 33). لذلك قال الرب: "مَنْ يَأْكُلْنِي فَهُوَ يَحْيَا بِي" (يو6: 57).
وما دام التناول يعطي حياة، لذلك مَن ينفصل عنه، وعن الإيمان به، لا تكون له حياة. هكذا قال المسيح (يو6: 53).
22- هذا السر يذكرنا بكهنوت ملكي صادق
لقد قال بولس الرسول في وضوح تام، عن كهنوت المسيح إنه: "عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادِقَ، وَلاَ يُقَالُ «عَلَى رُتْبَةِ هَارُونَ»" (عب7: 11). وإنه كان لا بد "عَلَى شِبْهِ مَلْكِي صَادِقَ يَقُومُ كَاهِنٌ آخَرُ" (عب7: 15). ويركز الرسول على هذا الكهنوت المالكي صادقي فيقول في المقارنة بين السيد المسيح وكهنة العهد القديم: "لأَنَّ أُولَئِكَ بِدُونِ قَسَمٍ قَدْ صَارُوا كَهَنَةً، وَأَمَّا هَذَا فَبِقَسَمٍ مِنَ الْقَائِلِ لَهُ: «أَقْسَمَ الرَّبُّ وَلَنْ يَنْدَمَ، أَنْتَ كَاهِنٌ إِلَى الأَبَدِ عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادِقَ»" (عب7: 21). وقد اقتبس بولس الرسول هذا النص كله من النبوءة التي وردت في المزامير عن المسيح (مز110: 4).
فما هو هذا الكهنوت الذي كان لملكي صادق؟
ملكي صادق لم يقدم ذبيحة دموية. إنما قدم خبزًا وخمرًا (تك14: 18) أو قل قدم الذبيحة الإلهية بشكل الخبز والخمر، كما فعل السيد المسيح في يوم الخميس الكبير.
وهنا كان كهنوت المسيح على مثاله، كما أنه لم يكن كهنوتًا عن طريق الوراثة كما كان هارون، بل كان في الكهنوت "بِلاَ أَبٍ بِلاَ أُمٍّ بِلاَ نَسَبٍ" (عب7: 3).
إن ذبيحة الخمر والخبز، تذكرنا بالبركات التي نالها يعقوب.
قال أبونا إسحاق عن ابنه: "إِنِّي قَدْ جَعَلْتُهُ سَيِّدًا لَكَ وَدَفَعْتُ إِلَيْهِ جَمِيعَ إِخْوَتِهِ عَبِيدًا وَعَضَدْتُهُ بِحِنْطَةٍ وَخَمْرٍ.." (تك27: 37). وفي مباركته ليعقوب قال له: "فَلْيُعْطِكَ اللهُ مِنْ نَدَى السَّمَاءِ وَمِنْ دَسَمِ الأَرْضِ وَكَثْرَةَ حِنْطَةٍ وَخَمْرٍ" (تك27: 28)... كان لا بد أن يأتي من نسل يعقوب من تتبارك به جميع قبائل الأرض، ومن يستخدم الحنطة والخمر حسب كهنوت ملكي صادق، ويقول عنها: "هذا جسدي.. هذا دمي.. لمغفرة الخطايا".
ملكي صادق اعتبر كاهنًا، مع إنه لم يقدم ذبيحة حيوانية، وإنما قدم ذبيحة الخبز والخمر. والسيد المسيح جاء كاهنًا على طقس ملكي صادق...
إذًا هناك كهنوت بتقديم ذبائح حيوانية، وهو الكهنوت الهاروني. وكهنوت بتقديم الخبز والخمر، وهو كهنوت ملكي صادق المستمر معنا إلى اليوم...
عبارة "كاهن إلى الأبد على طقس ملكي صادق"، معناها أن تقديم ذبيحة الخبز والخمر تظل قائمة ولا تنتهي، طالما نحن على الأرض في حاجة إلى مغفرة الخطايا...
سنرجع إلى هذه النقطة، حينما نتعرض إلى اعتراضات من الطرف الآخر ونرد عليها:
اعتراض ... والرد عليه
23- الاعتراض الأول: كيف يكون الشيء تذكارًا لنفسه؟
فالسيد المسيح يقول: "اصنعوا هذا لذكري". فكيف يكون تذكار الذبيحة هو الذبيحة نفسها؟
نقول: لا مانع مطلقًا في أن يكون الشيء تذكارًا لنفسه. ومثال ذلك المَنّ الذي كان يرمز إلى المسيح المنِّ الحقيقي: كان بنو إسرائيل يضعون في تابوت العهد قسط المَنِّ، يحتفظون فيه ببعض المن، تذكارًا للمن الذي أكلوه أربعين سنة في البرية. وذلك حسب أمر إلهي، أعلنه موسى النبي لرئيس الكهنة هارون (خر16: 33- 35).
وهكذا كان المن الذي في القسط، تذكارًا للمن الذي أكلوه.
24- الاعتراض الثاني: كيف يكون طعامًا روحيًا وهو مادة؟
الجواب إن عبارة "طعامًا روحيًا" هي تعبير كتابي أُطلق على المن، وهو رمز للإفخارستيا، للسيد المسيح المَن السماوي.
قال بولس الرسول عن بني إسرائيل في برية سيناء تحت قيادة موسى النبي: "وَجَمِيعَهُمْ أَكَلُوا طَعَامًا وَاحِدًا رُوحِيًّا. وَجَمِيعَهُمْ شَرِبُوا شَرَابًا وَاحِدًا رُوحِيًّا لأَنَّهُمْ كَانُوا يَشْرَبُونَ مِنْ صَخْرَةٍ رُوحِيَّةٍ تَابِعَتِهِمْ وَالصَّخْرَةُ كَانَتِ الْمَسِيحَ" (1كو10: 3، 4).
إن الصخرة التي تفجر منها الماء، وشربوا منها (مز78: 20) كانت ترمز أيضًا إلى السيد المسيح.
إن الخبز هو مادة، ولكنه إذ يتحول إلى جسد الرب، يصبح طعامًا روحيًا أي نافعًا لأرواحنا، أو غذاء لأرواحنا. وبالمثل الخمر المتحولة إلى دم المسيح...
25- الاعتراض الثالث: يقولون إن ذبيحة المسيح واحدة لا تتكرر.
نقول حقًا إنها واحدة، ولكنها مستمرة...
إنها ذبيحة مستمرة معنا إلى أن يجيء الرب. والدليل على هذا أن الرب قال عن هذا السر المقدس: "اصنعوا هذا لذكري". فلو كان لا يريد له الاستمرار، ما كان يقول: "اصنعوا هذا... إلى أن أجيء"، وما كان قد سلمه لبولس الرسول بعد سنوات من قيامته (1كو11). وهذا السر يستمر، لأن الرب كاهن إلى الأبد يقدم ذبيحته على طقس ملكي صادق (مز10: 4؛ عب7: 21).
إن عبارة: "أَنْتَ كَاهِنٌ إِلَى الأَبَدِ عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادِقَ" تعني دلالة على استمرار كهنوته بهذا الطقس (تك14: 18).
كذلك لهذا السر بركات عظيمة شرحناها، ووردت في (يو 6). واستمرارها فائدة كبيرة للمؤمنين. كما أن بالحرمان منها "لَيْسَ لَكُمْ حَيَاةٌ فِيكُمْ" (يو6: 53).
26- لماذا إذًا التركيز على عبارة: "اصنعوه لذكري" وترك كل الآيات الأخرى المتعلقة بالموضوع؟!
لماذا تجاهل الآيات التي وردت فيها العبارات الآتية:
- هذَا هُوَ جَسَدِي... هذَا هُوَ دَمِي.
- جَسَدِي الْمَكْسُورُ لأَجْلِكُمُ... دمي المسفوك عنكم.
- يُبْذَلُ عَنْكُمْ.... يُسْفَكُ عَنْكُمْ وعن كثيرين.
- لِمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا.
- الْخُبْزُ الْحَيُّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ.
- مَنْ يَأْكُلْ جَسَدِي وَيَشْرَبْ دَمِي...
- يَثْبُتْ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ... يَحْيَا بِي.
- الَّذِي يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ بِدُونِ اسْتِحْقَاق يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ دَيْنُونَةً لِنَفْسِهِ.
- غَيْرَ مُمَيِّزٍ جَسَدَ الرَّبِّ.
- يَكُونُ مُجْرِمًا فِي جَسَدِ الرَّبِّ وَدَمِهِ...
هل ننسى كل هذه الآيات، من أجل عبارة "لذكري"؟
نعم نحن نذكره فيما نتناول جسده ودمه
نذكر الفداء العظيم الذي قدمه لنا. نذكر موته عنا. نبشر بموته الكفاري هذا إلى أن يجيء... نذكر حُبه الذي أصعده على الصليب محرقة وذبيحة خطية... وهذه الذكرى كلها، لا تمنعنا مطلقًا من الإيمان بقوله: هذا جسدي... هذا دمي. وأيضًا عبارة: "كُلَّمَا أَكَلْتُمْ" و"كلما شربتم" تعني استمرار هذا السر الذي قدمه يوم الخميس الكبير.
27- أما عملية استحالة الخبز والخمر، فتظهر في قول المسيح: "هذا جسدي... هذا دمي..." ولم يقل: هذا مثال جسدي ومثال دمي. ولم يقل: هذا يذكركم بجسدي وبدمي.
كذلك بولس الرسول لم يقل عمن يتناول بدون استحقاق: يكون مجرمًا في مثال جسد الرب، بل قال يكون مجرمًا في جسد الرب.
أما الذي يقول مثال جسد الرب، فهذا ينطبق عليه قول الرسول: "غَيْرَ مُمَيِّزٍ جَسَدَ الرَّبِّ" (1كو11: 29). إن كان أحد يهتم بالحق الكتابي، فليسمع كل ما قلناه من آيات، وكلها على فم السيد المسيح، وعلى فم رسوله بولس.
إن الحق الكتابي هو كل الكتاب.
فإن "كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحىً بِهِ مِنَ اللهِ، وَنَافِعٌ لِلتَّعْلِيمِ" (2تي3: 16).
ولا يجوز أن نأخذ التعليم من آية واحدة فقط!
الكــهنوت وسلطان الحلِّ والربط
الكــهنوت وسلطان الحلِّ والربط
منذ اختار الرب تلاميذه، وأعطاهم السلطان. قيل في الإنجيل: "دَعَا تَلاَمِيذَهُ الاِثْنَيْ عَشَرَ وَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا.." (مت10: 1).
كان سلطانًا في المعجزة، تخضع لهم الشياطين باسمه، ويصنعون القوات والعجائب... حتى أن بطرس الرسول أمر بموت اثنين خاطئين هما حنانيَّا وسفيرة، فمات كل منهما في لحظة (أع5: 1- 11). وبولس الرسول ضرب ساحرًا بالعمى (باريشوع) لأنه كان يُفسد الوالي عن الإيمان، فعمي بكلمة بولس (أع13: 6- 11).
ولكننا سوف لا نتحدث عن هذه الأمور وأمثالها، لكونها معجزات، والمعجزات ليست لكل أحد. ولكننا ذكرناها، لأنها تهمنا هنا من نقطة واحدة وهي:
1- إن للكهنوت سلطانًا من جهة مقاومة الخطاة ومعاقبتهم.
وهذا ما سوف نتحدث عنه بالتفصيل في شرحنا لسلطان الحل والربط، الذي كان للآباء الرسل، وبالتالي لخلفائهم...
2- وسلطان الحلِّ والربط مرتبط بالاعتراف، لأنه على أي شيء يحالل الكاهن خاطئًا؟ أليس على الخطايا التي يعترف بها ويتوب عنها؟
ومن هنا نبدأ الكلام عن الاعتراف:
أربعة أنواع من الاعتراف
3- الذين يقولون إن الاعتراف هو على الله وحده، لا يتفق كلامهم هذا مع تعليم الكتاب. فالكتاب المقدس يذكر لنا أربعة أنواع من الاعتراف، هي:
أ) الاعتراف على الله
وهذا أمر لا يجادل أحد فيه، فقد قال داود للرب في المزمور الخمسين: "إِلَيْكَ وَحْدَكَ أَخْطَأْتُ، وَالشَّرَّ قُدَّامَ عَيْنَيْكَ صَنَعْتُ" (مز 50/ 51). وقال دانيال النبي في صلاته وصومه: "أَيُّهَا الرَّبُّ الإِلَهُ الْعَظِيمُ ... أَخْطَأْنَا وَأَثِمْنَا وَعَمِلْنَا الشَّرَّ وَتَمَرَّدْنَا وَحِدْنَا عَنْ وَصَايَاكَ..." (دا9: 4، 5).
والآيات في هذا الموضوع لا تدخل تحت حصر...
بـ) الاعتراف على الأب الكاهن
وهو موضوع بحثنا هذا. وسنورد فيه آيات عديدة من العهد القديم ومن العهد الجديد على السواء. فالاعتراف على الكاهن تعليم إلهي سجله الكتاب.
جـ) اعتراف المخطئ على من أخطأ هو إليه:
فإن حدث إنك أسأت إلى إنسان، عليك أن تذهب إليه وتصالحه وتقول له إنك أخطأت إليه. وعن هذا قال السيد المسيح: "فَإِنْ قَدَّمْتَ قُرْبَانَكَ إِلَى الْمَذْبَحِ وَهُنَاكَ تَذَكَّرْتَ أَنَّ لأَخِيكَ شَيْئًا عَلَيْكَ. فَاتْرُكْ هُنَاكَ قُرْبَانَكَ قُدَّامَ الْمَذْبَحِ وَاذْهَبْ أَوَّلًا اصْطَلِحْ مَعَ أَخِيكَ" (مت5: 23، 24).
وقال أيضًا: "وَإِنْ أَخْطَأَ إِلَيْكَ أَخُوكَ فَوَبِّخْهُ وَإِنْ تَابَ فَاغْفِرْ لَهُ. وَإِنْ أَخْطَأَ إِلَيْكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ فِي الْيَوْمِ وَرَجَعَ إِلَيْكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ فِي الْيَوْمِ قَائِلًا: أَنَا تَائِبٌ فَاغْفِرْ لَهُ" (لو17: 3، 4).
أما النوع الرابع والأساسي من الاعتراف، فهو:
د) تعترف بينك وبين نفسك أنك أخطأت
وهذا بلا شك هو الاعتراف الأول في الترتيب... فإن لم يعترف الإنسان في داخل نفسه أنه قد أخطأ، كيف سيقف أمام الله ويقول قد أخطأت؟! وكيف سيذهب إلى الأب الكاهن، وإلى أخيه الذي أخطأ هو إليه، ويعترف له قائلًا قد أخطأت؟!
ومثال هذا النوع الابن الضال، الذي أدرك في داخله أولًا أنه أخطأ. ودفعه هذا أن يذهب إلى أبيه ويقول له: أخطأت إلى السموات وقدامك (لو15: 17، 18).
إذًا فالاعتراف على الله وحده ليس تعليمًا كتابيًا...
فالكتاب يقول أيضًا: "اِعْتَرِفُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ بِالّزَلاَّتِ" (يع5: 16).
نبدأ من هنا، بشرح موضوع الاعتراف على الكاهن، وإثباته بالأدلة الكتابية من العهدين، ومن الفترة التي بين العهدين أيضًا:
في العهد القديم
4- كان الاعتراف على الكاهن أمرًا معروفًا منذ بدء الشريعة المكتوبة، ومنذ بدء شريعة الذبائح...
فكان الخاطئ يذهب إلى الكاهن، ويقرّ بخطيئته، فيخبره الكاهن بنوع الذبيحة التي تقدم عنه. فيأتي بالذبيحة إلى الكاهن، ويضع يده على الذبيحة، ويقر بخطيئته لتحملها الذبيحة عنه، وفي هذا يقول الوحي الإلهي:
"فَإِنْ كَانَ يُذْنِبُ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ يُقِرُّ بِمَا قَدْ أَخْطَأَ بِهِ. وَيَأْتِي إِلَى الرَّبِّ بِذَبِيحَةٍ لإِثْمِهِ عَنْ خَطِيَّتِهِ الَّتِي أَخْطَأَ بِهَا" (لا5: 5، 6).
وقيل أيضًا: "... فَقَدْ أَذْنَبَتْ تِلكَ النَّفْسُ. فَلتُقِرَّ بِخَطِيَّتِهَا التِي عَمِلتْ وَتَرُدَّ مَا أَذْنَبَتْ بِه..." (عد5: 6، 7).
وفي قصة خطيئة داود، وتوبيخ ناثان له على خطيته:
5- نرى داود النبي يقول لناثان: "قَدْ أَخْطَأْتُ إِلَى الرَّبّ"، ويسمع داود كلمة الحل مباشرة: "الرَّبُّ أَيْضًا قَدْ نَقَلَ عَنْكَ خَطِيَّتَكَ. لاَ تَمُوتُ" (2صم12: 13).
الاعتراف على الكهنة في العهد القديم، كان أمرًا مستمرًا متبعًا في كل خطيئة تقدم عنها ذبيحة. واستمر طول ذلك العهد.
6- وفي فترة ما بين العهدين أيضًا، حيث كان الشعب يعترفون على يوحنا المعمدان الكاهن ابن زكريا الكاهن، وهم يعتمدون منه. وفي ذلك يقول الإنجيل: "وَاعْتَمَدُوا مِنْهُ فِي الأُرْدُنِّ مُعْتَرِفِينَ بِخَطَايَاهُمْ" (مت3: 6).
إذًا فالاعتراف ليس شيئًا مستحدثًا في العهد الجديد، إنما هو استمرارية لشريعة موجودة منذ القدم...
في العهد الجديد
7- وفي العهد الجديد، استمر الاعتراف على الآباء الكهنة. وأعطى السيد المسيح سلطان الحل والربط للرسل في شخص بطرس الرسول قائلًا له:
"وَأُعْطِيكَ مَفَاتِيحَ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ فَكُلُّ مَا تَرْبِطُهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَرْبُوطًا فِي السَّمَاوَاتِ. وَكُلُّ مَا تَحُلُّهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَحْلُولًا فِي السَّمَاوَاتِ" (مت16: 19).
وهذا السلطان الذي سلمه الرب لبطرس، لم يكن له وحده فقط كفرد، إنما سلمه لجميع الرسل أيضًا قائلًا لهم: "اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: كُلُّ مَا تَرْبِطُونَهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَرْبُوطًا فِي السَّمَاءِ وَكُلُّ مَا تَحُلُّونَهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَحْلُولًا فِي السَّمَاءِ" (مت18: 18).
8- والعجيب أن البعض ممن يتمسكون بكل حرف في الإنجيل... يحاولون أن يفسروا هذه الآية بتفسير من عندياتهم، لا سند له من الكتاب إطلاقًا!!
فيقولون إن السيد المسيح أعطى هذا السلطان للتلاميذ لكي يعطوا بدورهم الحلَّ بالأكل من الأطعمة التي كانت محرمة من قبل، مثل أكل لحم الخنزير...!
وهنا نرى عجبًا! هل مكافأة بطرس الرسول على اعترافه بلاهوت المسيح، الأمر الذي قال له الرب فيه: "طُوبَى لَكَ يَا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا إِنَّ لَحْمًا وَدَمًا لَمْ يُعْلِنْ لَكَ لَكِنَّ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ... أَنْتَ بُطْرُسُ وَعَلَى هَذِهِ الصَّخْرَةِ أَبْنِي كَنِيسَتِي..." (مت16: 17، 18)... هل مكافأة كل ذلك، أن يعطيه السلطان على محاللـه الناس في أكل لحم الخنازير؟!
وهل مفاتيح ملكوت السماوات هي أكل لحم الخنازير؟!
هوذا الرب يقول له: "وأعطيك مفاتيح ملكوت السماوات. فكل ما تربطه على الأرض يكون مربوطًا في السموات. وكل ما تحله على الأرض يكون محلولًا في السماء". فهل هذا السلطان العظيم كله، يتلخص في أكل لحم الخنازير...
وحتى بطرس لم يفهم الحِل بهذا المعنى إطلاقًا، ولا الرسل:
ففي قصة إيمان كرنيليوس، لما أعلن الرب قبول الأمم بطريقة رمزية بملاءة نازلة من السماوات، فيها من كل دواب الأرض والوحوش والزحافات، وقيل لبطرس اذبح وكُل... أجاب بطرس قائلًا: "كَلاَّ يَا رَبُّ لأَنِّي لَمْ آكُلْ قَطُّ شَيْئًا دَنِسًا أَوْ نَجِسًا" (أع10: 14).
فلو أنه فهم الحل والربط بهذا المعنى العجيب، ما كان يقول: كلا يا رب، لأني لم آكل قط شيئًا دنسًا أو نجسًا.
أما المحاللة في أكل شتى الأطعمة، فقد أتت في قول الرب له هنا ثلاث مرات: "مَا طَهَّرَهُ اللهُ لاَ تُدَنِّسْهُ أَنْتَ! وَكَانَ هَذَا عَلَى ثَلاَثِ مَرَّاتٍ" (أع10: 15، 16).
وفهم بطرس هذا الحل، على أنه محاللة لقبول الأمم، وليس لمجرد قبول أكل الخنازير والجِمال! (لا11: 4- 7).
إن المحاللة لأكل الأطعمة، يشرعها الله بتعليم بسيط واضح، مثل قول الكتاب: "فَلاَ يَحْكُمْ عَلَيْكُمْ احَدٌ فِي أكْلٍ اوْ شُرْبٍ..." (كو2: 16). ولا يستدعى الأمر إعطاء الرسل سلطانًا يجولون به الأرض، لكي يحاللوا الناس في أكل لحم الخنزير في شرق الأرض وغربها، سواء كانوا يهودًا يحرمونه أو غير يهود... وتعتبر هذه: "مفاتيح ملكوت السموات"!!
9- على أن الرب أوضح معنى الحل والربط بقوله للرسل:
"اقْبَلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ. مَنْ غَفَرْتُمْ خَطَايَاهُ تُغْفَرُ لَهُ وَمَنْ أَمْسَكْتُمْ خَطَايَاهُ أُمْسِكَتْ" (يو20: 22، 23). والسلطان هنا صريح، لا لبس فيه ولا خنازير...
وقد مارس الآباء الرسل سلطان الحل والربط بهذا المعنى. وهكذا نرى أن فهم (مت16: 19؛ 18: 18). يكمل بفهم (يو20: 23). وكل هذه النصوص الإلهية تسير معًا في معنى واحد منسق. وكلها من فم السيد المسيح نفسه...
10- والدليل الكتابي على أن الرسل وخلفاءهم مارسوا هذا السلطان، وكانوا يتقبلون اعترافات الناس، هو ما ورد في سفر أعمال الرسل:
"وَكَانَ كَثِيرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَأْتُونَ مُقِرِّينَ وَمُخْبِرِينَ بِأَفْعَالِهِمْ" (أع19: 18).
فلو كان الاعتراف بالخطايا هو على الله وحده، ما كان الآباء الرسل، أعمدة الكنيسة يجرؤن على تقبل الاعترافات! وما كان يوحنا المعمدان يقبل ذلك أيضًا، بل كانوا كلهم يعلمون ضد هذا...
11- ولو كان الاعتراف على الله وحده، ما كان يعقوب الرسول يقول: "اِعْتَرِفُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ بِالّزَلاَّت" (يع5: 16).
وعبارة "بعضكم على بعض" تعني بشر على بشر. وهذا لا يعني أن الاعتراف هو لله وحده. ويفسر القديس أغسطينوس هذه الآية بالاعتراف على مَن له الحق في ذلك، أي الكهنة. كما يقال علموا بعضكم بعضًا، أي أن القادر على التعليم يقوم بتعليم طالب العلم، ولا يعلم جاهل جاهلًا.
وحتى إن كان أي إنسان يمكنه أن يعترف على أي إنسان، بحكم هذه الآية، فإن الاعتراف على الكاهن هو من باب أولى.
وذلك باعتبار مركزه وأبوته، وسلطته التي أُعطيت له لمغفرة الخطايا، وبحكم كتمانه للسر قانونًا، كل تلك الأمور التي لا تتوافر في أحد من العلمانيين.
12- ونحب هنا أن نقول إن قبول الكاهن لاعترافات الناس ليس هو اغتصابًا لحقوق الله، وإنما حقيقة الاعتراف هي:
أن يعترف الإنسان على الله، في سمع الكاهن.
أو يدين الخاطئ نفسه، أمام الله، في سمع الكاهن.
فالكاهن ليس شخصًا منفصلًا في عمله عن الله، إنما هو مُفَوض ليقوم بهذا العمل، "كَوَكِيلِ اللهِ" (تي1: 7). وتعجبني جدًا في هذا المجال، عبارة قالها يشوع بن نون لعخان بن كرمي، تنطبق على موقف المعترف من الكاهن. قال له:
"يَا ابْنِي، أَعْطِ الآنَ مَجْدًا لِلرَّبِّ إِلَهِ إِسْرَائِيلَ، وَاعْتَرِفْ لَهُ وَأَخْبِرْنِي الآنَ مَاذَا عَمِلْتَ. لاَ تُخْفِ عَنِّي" (يش7: 19). وهذا لا يمنع مطلقًا من أنك في نفس الوقت، تعترف لله...
13- على أن أي شخص عادي تعترف عليه، سيصالحك إن كان هو المُساء إليه، أو يرشدك إن كان مرشدًا روحيًا.
ولكنه لا يستطيع أن يحاللك، فهذا ليس من سلطانه.
إن منح الحل هو من عمل الآباء الكهنة الذين قيل لهم: "كُلُّ مَا تَحُلُّونَهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَحْلُولًا فِي السَّمَاءِ" (مت18: 18). والذين قيل لهم أيضًا: "مَنْ غَفَرْتُمْ خَطَايَاهُ تُغْفَرُ لَهُ" (يو20: 23).
وهكذا يخرج الخاطئ من عند الكاهن مطمئنًا واثقًا بالمغفرة.
وهذه الثقة تأتيه من وعود الله نفسه، ومن السلطان الذي منحه لكهنته، ومن أن هذا الحل على الأرض يصير به محاللًا في السماء حسب قول الرب.
اعتراض
14- على أن البعض يقول: كيف يجرؤ الكاهن أمام الله أن يغفر للناس؟ بينما المغفرة هي من عمل الله؟
الرد على الاعتراض
15- الكاهن لا يتجاسر على هذا العمل من تلقاء نفسه، إنما هو مفوض لذلك من الله الذي قال: "مَا تَحُلُّونَهُ عَلَى الأَرْض... مَنْ غَفَرْتُمْ خَطَايَاهُ" (مت18: 18)، (يو20: 23).
16- وهذا الأمر مارسه ناثان الذي قال لداود النبي: "الرَّبُّ أَيْضًا قَدْ نَقَلَ عَنْكَ خَطِيَّتَكَ لاَ تَمُوتُ" (2صم12: 13).
17- وتحضرني هنا قصة مناسبة، هي قصة السارافيم مع إشعياء.
يرويها إشعياء النبي قائلًا: "... رَأَيْتُ السَّيِّدَ جَالِسًا عَلَى كُرْسِيٍّ عَالٍ وَمُرْتَفِعٍ وَأَذْيَالُهُ تَمْلَأُ الْهَيْكَلَ. السَّرَافِيمُ وَاقِفُونَ فَوْقَهُ لِكُلِّ وَاحِدٍ سِتَّةُ أَجْنِحَةٍ ... وَهَذَا نَادَى ذَاكَ: «قُدُّوسٌ قُدُّوسٌ قُدُّوسٌ رَبُّ الْجُنُودِ. مَجْدُهُ مِلْءُ كُلِّ الأَرْضِ». فَاهْتَزَّتْ أَسَاسَاتُ الْعَتَبِ" (إش6: 1- 4). انظروا الصورة جيدًا.
الرَّبُّ موجود في مجده، جالس على عرشه، وحوله السارافيم يسبحونه. وقد ارتجت أساسات عتب الهيكل من صوت التسبيح.
فما الذي حدث؟ صرخ إشعياء من جلال المنظر قائلًا: "وَيْلٌ لِي! إِنِّي هَلَكْتُ لأَنِّي إِنْسَانٌ نَجِسُ الشَّفَتَيْنِ" فلم تحتمل الملائكة عبارة: "ويل لي، قد هلكت"... فماذا كانت النتيجة؟ يقول إشعياء النبي: "فَطَارَ إِلَيَّ وَاحِدٌ مِنَ السَّرَافِيمِ وَبِيَدِهِ جَمْرَةٌ قَدْ أَخَذَهَا بِمِلْقَطٍ مِنْ عَلَى الْمَذْبَحِ. وَمَسَّ بِهَا فَمِي وَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ قَدْ مَسَّتْ شَفَتَيْكَ فَانْتُزِعَ إِثْمُكَ وَكُفِّرَ عَنْ خَطِيَّتِكَ" (إش6: 5- 7).
وهنا - في وجود الله على عرشه - سمع إشعياء كلمة الحل من واحد من طغمة السارافيم، وليس من فم الله. قال له الملاك: "انتُزِع إثمك، وكُفِر عن خطيتك"...
وكيف نال هذا الحل؟ بجمرة من على المذبح، ونطق من الملاك يقول: "انتزع إثمك، وكُفر عن خطيتك". وكان هذا رمزًا لملاك الكنيسة، أي الكاهن، الذي يستطيع بجمرة من على المذبح تمس شفتيك، أن يقول لك: "قد انتزع إثمك".
أتستطيع إذًا أن تناقش السارافيم وتقول كيف يمكن لفم أن ينطق الحل في وجود الله؟! يقول لك داود النبي عن أمثال هؤلاء الملائكة: "... مَلاَئِكَتَهُ الْمُقْتَدِرِينَ قُوَّةً الْفَاعِلِينَ أَمْرَهُ" (مز103: 20).
أمثلة من سلطان الحل والربط
سنذكر أمثلة عديدة، فيها السلطان للرسل، وليس لجميع الناس، وطبعًا لخلفاء الرسل من بعدهم في عمل الكهنوت.
18- سلطان بولس الرسول بالنسبة إلى خاطئ كورنثوس (1كو 5).
يتكلم الرسول بسلطان فيقول: "... قَدْ حَكَمْتُ كَأَنِّي حَاضِرٌ فِي الَّذِي فَعَلَ هَذَا هَكَذَا. بِاسْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ. أَنْ يُسَلَّمَ مِثْلُ هَذَا لِلشَّيْطَانِ لِهَلاَكِ الْجَسَدِ لِكَيْ تَخْلُصَ الرُّوحُ فِي يَوْمِ الرَّبِّ يَسُوعَ" (1 كو5: 3- 5). وختم الرسول كلامه بقوله:
"فَاعْزِلُوا الْخَبِيثَ مِنْ بَيْنِكُمْ" (1كو5: 13). وعزل الخاطئexcommunicated .
ثم عاد القديس بولس فحاللـه في رسالته الثانية. عفا عنه:
وقال في ذلك: "مِثْلُ هَذَا يَكْفِيهِ هَذَا الْقِصَاصُ الَّذِي (ناله) مِنَ الأَكْثَرِينَ. حَتَّى تَكُونُوا بِالْعَكْسِ تُسَامِحُونَهُ بِالْحَرِيِّ وَتُعَزُّونَهُ، لِئَلاَّ يُبْتَلَعَ مِثْلُ هَذَا مِنَ الْحُزْنِ الْمُفْرِطِ. لِذَلِكَ أَطْلُبُ أَنْ تُمَكِّنُوا لَهُ الْمَحَبَّةَ" (2كو2: 6- 8).
ونفذ الشعب الأمر الكهنوتي الذي أصدره الرسول عقوبة وعفوًا.
هو الذي ربط، وهو الذي حلّ. والشعب أطاع ونفذ... إنه سلطان كهنوتي مارسه الرسول. وما كان أحد يناقشه فيه.
19- وقد تحدث الرسول عن سلطانه الكهنوتي هذا، في نفس هذه الرسالة الثانية إلى أهل كورنثوس. فقال لهم: "فَإِنِّي وَإِنِ افْتَخَرْتُ شَيْئًا أَكْثَرَ بِسُلْطَانِنَا الَّذِي أَعْطَانَا إِيَّاهُ الرَّبُّ لِبُنْيَانِكُمْ لاَ لِهَدْمِكُمْ، لاَ أُخْجَلُ" (2كو10: 8).
وكرر نفس العبارة أيضًا في آخر الرسالة قائلًا: "لِذَلِكَ أَكْتُبُ بِهَذَا وَأَنَا غَائِبٌ... حَسَبَ السُّلْطَانِ الَّذِي أَعْطَانِي إِيَّاهُ الرَّبُّ لِلْبُنْيَانِ لاَ لِلْهَدْمِ" (2كو13: 10).
20- واستخدم الرسول سلطان (الأناثيما) أي القطع والحرم.
وذلك في رسالته إلى أهل غلاطية، حيث قال: "وَلَكِنْ إِنْ بَشَّرْنَاكُمْ نَحْنُ أَوْ مَلاَكٌ مِنَ السَّمَاءِ بِغَيْرِ مَا بَشَّرْنَاكُمْ، فَلْيَكُنْ «أَنَاثِيمَا»" (غلا1: 8). وكرر نفس العبارة قائلًا: "كَمَا سَبَقْنَا فَقُلْنَا أَقُولُ الآنَ أَيْضًا: إِنْ كَانَ أَحَدٌ يُبَشِّرُكُمْ بِغَيْرِ مَا قَبِلْتُمْ، فَلْيَكُنْ «أَنَاثِيمَا» (أي محرومًا)" (غلا1: 9).
وعلق القديس باسيليوس الكبير على عبارة القديس بولس الرسول قائلًا: إن بولس الرسول جرؤ أن يحرم ملائكة...
21- وينذر القديس بولس بسلطانه على معاقبة المخالفين قائلًا:
".. الآنَ، أَكْتُبُ لِلَّذِينَ أَخْطَأُوا مِنْ قَبْلُ، وَلِجَمِيعِ الْبَاقِينَ: أَنِّي إِذَا جِئْتُ أَيْضًا لاَ أُشْفِقُ" (2كو13: 2). ويقول لهم كذلك: "وَمُسْتَعِدِّينَ لأَنْ نَنْتَقِمَ عَلَى كُلِّ عِصْيَانٍ، مَتَى كَمِلَتْ طَاعَتُكُمْ" (2كو10: 6).
هنا إذًا سلطان: يأمر، ويحكم، ويفرز من جماعة المؤمنين، ويحرم، ويعفو. وهو سلطان من الرب، مارسه الرسل، وخلفاؤهم من بعدهم.
22- ومن أمثلة عدم الشركة مع جماعة المؤمنين، قول الرسول لأهل تسالونيكي: "وَإِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُطِيعُ كَلاَمَنَا بِالرِّسَالَةِ، فَسِمُوا هَذَا وَلاَ تُخَالِطُوهُ لِكَيْ يَخْجَلَ" (2تس3: 14). وقوله أيضًا: "ثُمَّ نُوصِيكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ، بِاسْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، أَنْ تَتَجَنَّبُوا كُلَّ أَخٍ يَسْلُكُ بِلاَ تَرْتِيبٍ، وَلَيْسَ حَسَبَ التَّعْلِيمِ (التقليد) الَّذِي أَخَذَهُ مِنَّا" (2تس3: 6).
وهنا أيضًا حكم من السلطان الكهنوتي، وتنفيذ من الشعب.
هنا، ونرد على اعتراض طالما يردده البروتستانت وهو:
كيف للكاهن أن يغفر الخطايا؟
يظن الإخوة البروتستانت أن الكاهن يغفر الخطايا بسلطانه الخاص، وليس بسلطان من الله أعطيّ له...!
كما لو كان قد اغتصب حقًا من حقوق الله تبارك اسمه، أو تجرأ أن يعمل عملًا إلهيًا، وهو بشر!! وسنورد هذا الاعتراض، ونرد عليه بالأدلة اللاهوتية والكتابية، لتوضيح ما يفعله الكاهن بالضبط...
اعتراض
23- يقولون إن الغفران هو لله وحده، حسب قول الكتاب: "مَنْ يَقْدِرُ أَنْ يَغْفِرَ خَطَايَا إلاَّ الله وَحْدَهُ؟" (مر2: 7). والله هو الذي قيل عنه في المزمور: "غَفَرْتَ إِثْمَ شَعْبِكَ. سَتَرْتَ كُلَّ خَطِيَّتِهِمْ" (مز85: 2). وهو الذي خاطبه السيد المسيح على الصليب قائلًا: "يَا أَبَتَاهُ اغْفِرْ لَهُمْ" (لو23: 34). فكيف إذًا تقولون إن الكاهن يغفر الخطايا؟!
الرد على الاعتراض
24- أولًا لسنا نحن الذين نقول، إنما هذا قول المسيح:
هو الذي قال: "مَنْ غَفَرْتُمْ خَطَايَاهُ تُغْفَرُ لَهُ" (يو20: 23). وهو الذي قال: "وَكُلُّ مَا تَحُلُّونَهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَحْلُولًا فِي السَّمَاءِ" (مت18: 18).
25- ثانيًا هناك ثلاثة أنواع من الغفران، لكل منهما معناه الخاص: وهي مغفرة الله، ومغفرة الناس بعضهم لبعض، ومغفرة الكاهن:
أ) مغفرة الله هي الأساس، فهو ديان الأرض كلها (تك18: 25). ونحن جميعًا سنقف أمامه في اليوم الأخير لنعطي حسابًا عن أعمالنا. وبدون مغفرته الإلهية، كل مغفرة أخرى لا تنقذنا من العقاب الأبدي.
بـ) ومغفرة الناس بعضهم لبعض، معناها مسامحتهم في الإساءات الموجهة منهم إليهم، ومصالحتهم، وتنازلهم عن حقوقهم الشخصية.
وهذا أمر يطلبه الله نفسه: "اذْهَبْ أَوَّلًا اصْطَلِحْ مَعَ أَخِيكَ" (مت5: 24). وتوضحها الآيات الآتية:
"وَإِنْ أَخْطَأَ إِلَيْكَ أَخُوكَ فَوَبِّخْهُ وَإِنْ تَابَ فَاغْفِرْ لَهُ. وَإِنْ أَخْطَأَ إِلَيْكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ فِي الْيَوْمِ وَرَجَعَ إِلَيْكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ فِي الْيَوْمِ قَائِلًا: أَنَا تَائِبٌ فَاغْفِرْ لَهُ" (لو17: 3، 4). وأيضًا سؤال بطرس للرب: "يَا رَبُّ كَمْ مَرَّةً يُخْطِئُ إِلَيَّ أَخِي وَأَنَا أَغْفِرُ لَهُ؟ هَلْ إِلَى سَبْعِ مَرَّاتٍ؟" فأجابه الرب: "لاَ أَقُولُ لَكَ إِلَى سَبْعِ مَرَّاتٍ بَلْ إِلَى سَبْعِينَ مَرَّةً سَبْعَ مَرَّاتٍ" (مت18: 21، 22).
وأيضًا نقول في الصلاة الربانية: "وَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا كَمَا نَغْفِرُ نَحْنُ أَيْضًا لِلْمُذْنِبِينَ إِلَيْنَا" (مت6: 12). وهنا يظهر النوعان الأولان من المغفرة: مغفرة الله، ومغفرة الناس بعضهم لبعض.
وهذه هي الطلبة الوحيدة في الصلاة الربانية، التي علق عليها الرب قائلًا: "فَإِنَّهُ إِنْ غَفَرْتُمْ لِلنَّاسِ زَلاَّتِهِمْ يَغْفِرْ لَكُمْ أَيْضًا أَبُوكُمُ السَّمَاوِيُّ. وَإِنْ لَمْ تَغْفِرُوا لِلنَّاسِ زَلاَّتِهِمْ لاَ يَغْفِرْ لَكُمْ أَبُوكُمْ أَيْضًا زَلاَّتِكُمْ" (مت6: 14، 15).
وقد ورد في الإنجيل لمعلمنا القديس مرقس نفس المعنى: "وَمَتَى وَقَفْتُمْ تُصَلُّونَ فَاغْفِرُوا إِنْ كَانَ لَكُمْ عَلَى أَحَدٍ شَيْءٌ لِكَيْ يَغْفِرَ لَكُمْ أَيْضًا أَبُوكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ زَلاَّتِكُمْ. وَإِنْ لَمْ تَغْفِرُوا أَنْتُمْ لاَ يَغْفِرْ أَبُوكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ أَيْضًا زَلاَّتِكُمْ" (مر11: 25، 26).
إذًا مطلوب من الإنسان أن يغفر. فكيف يغفر إن كان الذي يغفر هو الله وحده؟ الإجابة إن مغفرة الإنسان لأخيه بمعنى، ومغفرة الله هي بمعنى آخر.
ومغفرة الإنسان لأخيه، معناها مجرد تنازله عن حقه من نحوه، وليس معنى ذلك ضمان مستقبله الأبدي، الذي هو في يد الله، يغفر له إن كانت توبته صادقة، ويمحو بالدم الكريم الخطية التي تاب عنها المُسيء، وتنازل عنها المُساء إليه. ومغفرة الإنسان لأخيه هي شرط لنواله هو نفسه المغفرة، حسبما ورد في الإنجيل لمعلمنا لوقا:
"وَلاَ تَدِينُوا فَلاَ تُدَانُوا... اِغْفِرُوا يُغْفَرْ لَكُمْ" (لو6: 37).
وقال القديس بولس في هذا النوع من المغفرة: "مُحْتَمِلِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَمُسَامِحِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا إنْ كَانَ لأَحَدٍ عَلَى أحَدٍ شَكْوَى. كَمَا غَفَرَ لَكُمُ الْمَسِيحُ هَكَذَا أنْتُمْ أيْضًا" (كو3: 13).
26- أما مغفرة الكاهن، فهي من نوع آخر. إنها تدخل في مغفرة الله، لأن مَا يحُلُّهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَحْلُولًا فِي السَّمَاء (مت16: 19).
فهل للكاهن هذا السلطان؟ وكيف يتم إذًا الغفران؟ هذا ما نريد أن نشرحه هنا بالتفصيل:
27- معروف إنه "وَبِدُونِ سَفْكِ دَمٍ لاَ تَحْصُلُ مَغْفِرَةٌ" (عب9: 22).
إذًا لا يمكن أن ينال أحد الغفران إلاَّ بدمِ المسيح، سواء سمع كلمة الغفران والمسامحة من الأب الكاهن أو من الأخ الذي غَفر له إساءته.
28- واجب الكاهن إذًا أن يتحقق من استحقاق الخاطئ لدم المسيح لمغفرة خطاياه، وذلك بالتحقق من توبته.
فالتوبة هي أساس لنوال المغفرة، ولإعلان المغفرة، حسب قول السيد الرب: "بَلْ إِنْ لَمْ تَتُوبُوا فَجَمِيعُكُمْ كَذَلِكَ تَهْلِكُونَ" (لو13: 3، 5). فإذا اعترف الخاطئ بخطيئته، وأظهر توبته عنها، وعزمه على تركها، يعلن له الكاهن مغفرة هذه الخطية، لأَنَّ من فم الْكَاهِنِ تطلب الشَّرِيعَةَ (ملا2: 7). وكيف يتم ذلك؟
29- عملية المغفرة التي يعلنها الكاهن، هي نقل للخطية إلى حساب السيد المسيح، لكي يحملها عن الخاطئ، ويمحوها بدمه.
ولذلك حسنًا قال ناثان لداود النبي لما اعترف بخطيته: "الرَّبُّ أَيْضًا قَدْ نَقَلَ عَنْكَ خَطِيَّتَكَ. لاَ تَمُوتُ" (2صم12: 13)... أي نقلها من حسابك إلى حساب المسيح، فلا تعطي أنت عنها حسابًا. المسيح سيحملها عنك ويمحوها بدمه.
30- إذًا الكاهن ليس هو مصدر المغفرة، إنما هو معلنها.
إنه يعلن للخاطئ المغفرة التي أعطيت له من الله، عن طريق الكفارة والفداء، بالدم الكريم المسفوك لأجله.
إن المغفرة تتم عن طريق الله، والكاهن مجرد وكيل له.
ولهذا فإن الكاهن لا يقول للخاطئ مطلقًا: "قد غَفرت لك أو حاللتك"، إنما يقول له: "الله يحاللك".
31- ومما يدل على أن الله هو مصدر الحل والمغفرة، هو أن التحليل الذي يناله الخاطئ من الكاهن هو مجرد صلاة يرفعها الكاهن عن الخاطئ، تسمى صلاة التحليل يقول فيها للرب عن الخاطئ: "اغفر له خطاياه. حاللـه، باركه، طهره"...
إن الكاهن له سلطان. وهو يستخدمه هنا كصلاة...
32- ومن أجمل العبارات التي توضح تحليل الكاهن، جملة جميلة يقولها الأب الكاهن في صلاة القداس الإلهي، في التحليل الذي يسبق الاعتراف الأخير. يقول عن الشعب:
"يكونون محاللين من فمي، بروحك القدوس".
إذًا الروح القدس الذي يأخذه الكاهن هو الذي يغفر.
والروح القدس يأخذه الكاهن في السيامة، أثناء النفخة المقدسة، حينما ينفخ فيه الأسقف قائلًا: "اقبل الروح القدس. فيفتح الكاهن فمه، ويقول: "فتحت فمي واقتبلت لي روحًا" (مز119).
ولذلك نلاحظ أن السيد المسيح نفخ في وجوه تلاميذه القديسين وقال لهم: "أقْبَلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ" ثم قال لهم بعدها: "مَنْ غَفَرْتُمْ خَطَايَاهُ تُغْفَرُ لَهُ" (يو20: 22، 23).
ملخص لما سبق
33- الروح القدس إذًا هو مصدر المغفرة في الكهنوت. يغفر للناس من فم الكاهن. وكيف يغفر؟
يقول السيد المسيح عنه: "يَأْخُذُ مِمَّا لِي وَيُخْبِرُكُمْ" (يو16: 14). يأخذ مما لي كأقنوم المعرفة، ويذكركم بكل ما قلته لكم. وأيضًا يأخذ من استحقاقات دمي، ويخبركم أن خطاياكم قد غُفرت.
وكيف يخبركم الروح القدس أن خطاياكم قد غُفرت؟
يخبركم بهذا من فم الكاهن.
إذًا قد وضح الموضوع، ولم يعد فيه لبس وهو...
أ) الله هو الذي يغفر الخطايا. يغفرها روحه القدوس.
بـ) الروح القدس يأخذ من استحقاق دم المسيح ويغفر.
جـ) والروح القدس يعلن مغفرة الخطايا من فمِ الكاهن.
د) وذلك بالنسبة إلى الخاطئ التائب، المستحق دم المسيح بتوبته.
هـ) وتوبته يتأكد منها الكاهن عن طريق اعترافه عليه.
و) وحينئذ يصلي طالبًا من الله أن يغفر له. ثم يقول له: "الله يحاللك". "الله يحاللك من فمي بروحه القدوس"...
34- وعمومًا، فإن غالبية الذين يرفضون الاعتراف على الكاهن، ويقولون إنهم يعترفون على الله مباشرة، لا يرفضون الاعتراف عقيديًا، إنما يهربون منه خجلًا، والله يريد لهم هذا الخجل، حتى لا يعودوا إلى خطاياهم مرة أخرى.
هذا الذي يقول إنه يريد أن يعترف على الله بخطيته، قد ارتكب هذه الخطية أمام الله بدون مبالاة ولم يخجل، كما خجل يوسف الصديق من قبل (تك39: 9). ويريد أن يعترف أمام الله وحده، لكي يهرب مرة أخرى من الخجل.
35- نحن لا نمنعه من الاعتراف أمام الله، فهذا واجب. إنما يضاف إلى هذا الاعتراف أمام الكاهن. ليس من أجل الخجل فقط، وإنما لأجل الإرشاد أيضًا، ولكي يسمح له الكاهن بالتناول من الأسرار المقدسة، إذا تأكد من توبته.
36- والذي يعترف على الله وحده بخطاياه، ربما توجد أمور لا يعتبرها خطايا، وبالتالي لا يعترف بها. فإن كشفها للكاهن في الاعتراف يظهر له أنها خطية.
وفي ذلك قال الكتاب: "تُوجَدُ طَرِيقٌ تَظْهَرُ لِلإِنْسَانِ مُسْتَقِيمَةً وَعَاقِبَتُهَا طُرُقُ الْمَوْتِ" (أم14: 12؛ 16: 25). وهذه الطريق التي عاقبتها طرق الموت، كيف سيعترف بها أمام الله، ما دامت تبدو في فهمه البشري مستقيمة؟!
37- إن الآباء الرسل، حينما تقبلوا من الناس اعترافاتهم (أع19: 18) إنما كانوا يقومون في نفس الوقت بخدمة المصالحة.
أي مصالحة الناس مع الله. هذه الخدمة التي قال عنها القديس بولس الرسول: "وَأَعْطَانَا خِدْمَةَ الْمُصَالَحَةِ.. إِذًا نَسْعَى كَسُفَرَاءَ عَنِ الْمَسِيحِ، كَأَنَّ اللهَ يَعِظُ بِنَا. نَطْلُبُ عَنِ الْمَسِيحِ: تَصَالَحُوا مَعَ اللهِ" (2كو5: 18- 20).
والمصالحة لا تأتي بالوعظ فقط، إنما تأتي أيضًا بمعرفة النفس وحروبها وسقطاتها، وإرشادها إلى كيف تصطلح مع الله.
لأن كثيرين يعترفون لله بخطاياهم، وفي نفس الوقت لا يعرفون كيف يتخلصون منها ويتوبون. وسر الاعتراف في الكنيسة نسميه سر التوبة...
38- إن مغفرة الخطايا هي بدم المسيح. وقد سفك المسيح دمه عن العالم كله. ومع ذلك فإن العالم كله لم ينل الخلاص. فليس الجميع مستحقين لهذا الدم. واستحقاق الدم يلزم له الإيمان والمعمودية والتوبة.
والكاهن أمين على كنوز هذه المغفرة التي قدمها دم المسيح، يقدمها للمستحقين عن طريق الإيمان والمعمودية أولًا (مر16: 16) وعن طريق التوبة بعد ذلك (لو13: 3). والتوبة يلزمها الاعتراف، حسب قول الكتاب: "مَنْ يَكْتُمُ خَطَايَاهُ لاَ يَنْجَحُ وَمَنْ يُقِرُّ بِهَا وَيَتْرُكُهَا يُرْحَم" (أم 28: 12).
39- ومن غير المعقول أن يغفر الكاهن خطايا لا يعرفها.
أو ينقل إلى حساب المسيح، خطايا لا يعرفها، لكي يمحوها بدمه. أو أن يسمح بتناول شخص من الأسرار المقدسة، بدون أن يتأكد من توبته... لهذا كله ارتبط الاعتراف بالمغفرة. وأخيرًا إن كان الله قد منح الكاهن هذا السلطان، فلماذا يغار البعض لله، كأن سلطانه قد اُغتصب.
هذا ما سنرد عليه في الفصل المقبل إن شاء الله.
وبعد
وبعد... بعد كل الذي قلناه عن سلطان الحل والربط، مؤيدًا بأسانيد من الكتاب المقدس، وبأمثلة مما فعله الرسل الأطهار، وما كان سائدًا في أيامهم، نريد أن نسأل سؤالًا مهمًا وهو:
ما ذنب رجال الكهنوت، إن كان الله قد سلمهم هذا السلطان؟
وقال لهم: "كُلُّ مَا تَرْبِطُونَهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَرْبُوطًا فِي السَّمَاءِ وَكُلُّ مَا تَحُلُّونَهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَحْلُولًا فِي السَّمَاءِ" (مت18: 18) كما قال لهم أيضًا: "مَنْ غَفَرْتُمْ خَطَايَاهُ تُغْفَرُ لَهُ وَمَنْ أَمْسَكْتُمْ خَطَايَاهُ أُمْسِكَتْ" (يو20: 23).
ما ذنبهم إن مارسوا هذا السلطان، أو هذه المسئولية؟
إنسان وضعه الله في مسئولية أن يعاقب أو أن يعفو، بناء على معرفته بوصايا الله، لأَنّ مِنْ فَمِ الْكَاهِنِ تطْلُبُ الشَّرِيعَةَ (ملا2: 7). إن مارس هذا الشخص حدود مسئوليته هذه، فما ذنبه؟
أكان يستطيع هؤلاء الناس حينما قال لهم الرب: ما تحلونه يكون محلولًا... وما تربطونه يكون مربوطًا.. أكانوا يستطيعون أن يقولوا: حاشا لنا يا رب أن نمارس سلطانك قل لنا كلامًا غير هذا!!
هل يغار الله من أولاده؟
هل يغار الله من أولاده؟
غيرة خاطئة
1- الذين ينكرون الكهنوت، يغارون لله غيرةً خاطئة..!
ويظنون أننا نأخذ مجدَ الله، ونعطيه للكهنوت!
ويحتجون بقول الله: ".. مَجْدِي لاَ أُعْطِيهِ لِآخَر.." (إش42: 8). كما لو كنا نحن نمنح الكهنوت صفات أو ألقابًا ليست له! أو نمنحه سلطانًا واختصاصات ليست له، أو نقابله باحترام وتوقير يليق بالله وحده، ولا يجوز منحه للبشر!
وفي هذا الفصل نريد أن نبحث هذه الغيرة في ضوء التعليم الكتابي، في ضوء كلام الله نفسه، ونرى هل هي غيرة عن معرفة أم لا (رو10: 2) "لأَنِّي أَشْهَدُ لَهُمْ أَنَّ لَهُمْ غَيْرَةً للهِ وَلَكِنْ لَيْسَ حَسَبَ الْمَعْرِفَةِ".
2- تذكرني غيرة هؤلاء الإخوة بغيرة يشوع لموسى (عدد 11).
حدث أن الله أمر موسى النبي أن يختار سبعين رجلًا من الشيوخ المشهورين بالمعرفة لكي يحملوا معه ثقل الشعب، فلا يحمل ذلك وحده. وقال له: "... فَأَنْزِل أَنَا وَأَتَكَلمَ مَعَكَ هُنَاكَ وَآخُذَ مِنَ الرُّوحِ الذِي عَليْكَ وَأَضَعَ عَليْهِمْ فَيَحْمِلُونَ مَعَكَ ثِقْل الشَّعْب" (عد11: 16، 17).
وحدث كما أمر الرب. ونزل الرَّبُّ في سحابة وكلم موسى.
وأخذ من الروح الذي عليه وجعله على السبعين رجلًا الشيوخ. "فَلمَّا حَلتْ عَليْهِمِ الرُّوحُ تَنَبَّأُوا وَلكِنَّهُمْ لمْ يَزِيدُوا" (عد11: 25). "وَبَقِيَ رَجُلانِ فِي المَحَلةِ اسْمُ الوَاحِدِ أَلدَادُ وَاسْمُ الآخَرِ مِيدَادُ فَحَل عَليْهِمَا الرُّوحُ... فَتَنَبَّئَا فِي المَحَلةِ" (عد11: 26) فركض غلام وأخبر موسى ويشوع. فغار يشوع لموسى، وأراد ردعهما. ولكن النبي العظيم موسى، وبخ تلميذه يشوع على هذا قائلًا له:
"هَل تَغَارُ أَنْتَ لِي؟ يَا ليْتَ كُل شَعْبِ الرَّبِّ كَانُوا أَنْبِيَاءَ إِذَا جَعَل الرَّبُّ رُوحَهُ عَليْهِمْ" (عد11: 29).
هكذا كان موسى النبي أعلى من مستوى الغيرة... فلماذا نقول إذًا عن الله - في كل عظمته التي لا تقاس؟! - أيغار الله؟! أو هل نغار نحن لله، كأن مجد الله في خطر من جهة الكهنوت وكرامته؟! كلا طبعًا، بل أقول لهؤلاء الذين يغارون لله:
إن الله أعظم من أن يغار، فالغيرة هي للصغار...
3- على أنني أحب أيضًا أنْ لا أترك هذه القصة التي غار فيها يشوع لموسى، بدون ملاحظة هامة، ترينا مدى إكرام الله لأولاده ومعاملته لهم بمعاملة ترتفع جدًا عن مستوى الغيرة. إننا ولا شك نقف مبهوتين من جهة قول الله لموسى عن الشيوخ:
"آخُذَ مِنَ الرُّوحِ الذِي عَليْكَ وَأَضَعَ عَليْهِمْ..." (عد11: 17).
ويكرر الكتاب نفس العبارة عن الله أنه بعد أن تكلم مع موسى: "أَخَذَ مِنَ الرُّوحِ الذِي عَليْهِ وَجَعَل عَلى السَّبْعِينَ رَجُلًا الشُّيُوخَ.." (عد11: 25). حقًا إن في هذا لعجبًا...
الله مُعطي كل موهبة، يأخذ من الروح الذي على موسى، ويعطي للشيوخ!!
أليس الله هو الذي أعطى موسى هذا الذي يريد الآن أن يأخذ من الروح التي عليه؟! أليست مواهب الله بلا حصر، وبإمكانه أن يعطي هؤلاء الشيوخ من عنده مباشرة، كما أعطى موسى من قبل؟! نعم. كل هذا سليم منطقيًا ولاهوتيًا. ولكن... ولكن ماذا؟ الإجابة هي: إن الله أراد في هذا الموقف أن يكرم موسى أمام الناس. وكيف؟
موسى هو الذي يختار الشيوخ، وأيضًا يأخذون من الروح الذي عليه. وبهذا يصيرون خاضعين له، وليسوا مساوين. وبهذا يتمجد موسى أمامهم وأمام الناس، بيد الله...
4- هنا يبدو واضحًا تمامًا، أن الله لا يغار من أولاده، وإنما على العكس هو يعظم أولاده، ويكرمهم ويظهرهم ويمجدهم. وسنشرح كل هذا بالتفصيل، حتى لا يعود أحد فيغار لله غيرة خاطئة، ويغار له من أولاده! ومن مجد، الله نفسه أعطاه لهم!!
5- على أن الذين يغارون لله من الكهنوت يقولون: كيف يمكن للبشر أن يأخذوا وظائف الله وألقابه؟!
كيف يُلقب أحدهم بأنه كاهن، والكاهن الوحيد هو المسيح؟
كيف يُلقب أحدهم بسيد أو أب أو معلم، بينما الله هو السيد، وهو الأب وهو المعلم؟
كيف يصيرون رعاة، بينما المسيح هو الراعي الصالح (يو 10).
كيف يغفرون الخطايا، بينما لا يغفر الخطايا إلاَّ الله؟
كيف يصيرون واسطة بين الله والناس، بينما لا يوجد سوى وسيط واحد هو يسوع المسيح (1تي2: 5).
كيف...؟ كيف...؟ كيف...؟ بأسئلة عديدة أجبنا على الكثير منها في الفصول السابقة، وسنجيب عن الباقي في الفصل الأخير من هذا الكتاب. أما الآن فنعرض لإجابة عامة وهي:
ألقاب المسيح لتلاميذه
6- يحتجون ويقولون: كيف تؤخذ ألقاب السيد المسيح وتعطى للبشر؟! وكما رأينا في كتب ظهرت حديثًا: البعض يعتبرون هذا تجديفًا!! والبعض يسميه: "ضلالات شيطانية"! حسبما تسمح رقة ألفاظهم في التعبير! والأمر الذي أريد أن أقوله هو:
إن الكتاب أعطى بعض ألقاب السيد المسيح للناس،
والسيد المسيح نفسه أعطى بعض ألقابه للناس...
السيد المسيح أعطى بعض ألقابه للشعب كله، لكل جماعة المؤمنين. بينما بعض ألقابه أعطاها لوكلائه من الرسل ولخلفائهم من بعدهم، حسب المسئولية الملقاة عليهم. وسنضرب أمثلة لهذا كله، لنرى بماذا يرشدنا التعليم الكتابي:
7- لقب المسيح باعتباره الراعي
قال السيد المسيح: "أَنَا هُوَ الرَّاعِي الصَّالِحُ وَالرَّاعِي الصَّالِحُ يَبْذِلُ نَفْسَهُ عَنِ الْخِرَافِ" (يو10: 11). وكرر نفس عبارة: "أَمَّا أَنَا فَإِنِّي الرَّاعِي الصَّالِح" (يو10: 14). بل حدد الأمر وقال عن الخراف: "فَتَسْمَعُ صَوْتِي وَتَكُونُ رَعِيَّةٌ وَاحِدَةٌ وَرَاعٍ وَاحِدٌ" (يو10: 16).
فهل معنى ذلك أن مَن يلقب نفسه راعيًا، يكون معتديًا على ألقاب المسيح، ناسبًا إياه لنفسه؟!
وهنا نقول: كم من خادم في البروتستانتية يقول إنه: "راعي كنيسة كذا"، ولا يرى أنه "يَرْتَئِيَ فَوْقَ مَا يَنْبَغِي" (رو12: 3). ولا يتعبه ضميره مطلقًا، حينما يسمع السيد المسيح يقول عن رعاية الشعب: "أنا هو الراعي... أنا هو الراعي". ولا تتعبه عبارة: "راعٍ واحد"... ولا يأتي هنا بذكر الحق الكتابي!
"لأَنَّ الْحَرْفَ يَقْتُل" (2كو3: 6). وما أخطر استخدام الآية الواحدة في تفسير الكتاب...
إن السيد المسيح الذي قال: "أنا هو الراعي"... قال للقديس بطرس الرسول: "ارْعَ خِرَافِي ... ارْعَ غَنَمِي" (يو21: 15- 17). مكررًا لقب الرعاية لبطرس ثلاث مرات...
وبطرس الرسول الذي يقول عن السيد المسيح: "لأَنَّكُمْ كُنْتُمْ كَخِرَافٍ ضَالَّةٍ، لَكِنَّكُمْ رَجَعْتُمُ الآنَ إِلَى رَاعِي نُفُوسِكُمْ وَأُسْقُفِهَا" (1بط2: 25). هو نفسه يقول للرعاة في نفس الرسالة: "ارْعَوْا رَعِيَّةَ اللهِ الَّتِي بَيْنَكُمْ نُظَّارًا (أو أساقفة)، لاَ عَنِ اضْطِرَارٍ بَلْ بِالاِخْتِيَارِ" (1بط5: 2). والقديس بولس الرسول يقول لأساقفة أفسس: "اِحْتَرِزُوا إذًا لأَنْفُسِكُمْ وَلِجَمِيعِ الرَّعِيَّةِ الَّتِي أَقَامَكُمُ الرُّوحُ الْقُدُسُ فِيهَا أَسَاقِفَةً لِتَرْعُوا كَنِيسَةَ اللهِ الَّتِي اقْتَنَاهَا بِدَمِهِ" (أع 28:20).
8- ها نحن نرى أن لقب: الراعي، أُطلق على المسيح وعلى الرسل والأساقفة. ولكنه للمسيح بمعنى، وللرعاة من البشر بمعنى آخر.
المسيح هو الراعي بطبيعته. وهم رعاة بتكليف منه، كمجرد وكلاء الله (تي1: 7).
المسيح هو الراعي للكل، حتى للرعاة أنفسهم. ولذلك هو "راعي الرعاة". الكاهن يرعى شعبه، شعب المسيح. ولكنه أمام المسيح هو معهم واحد من خرافه... ولذلك يقول القديس بطرس عن السيد المسيح إنه: "رئيس الرعاة". أما الرعاة فيقول لهم: ".. صَائِرِينَ أَمْثِلَةً لِلرَّعِيَّةِ، وَمَتَى ظَهَرَ رَئِيسُ الرُّعَاةِ تَنَالُونَ إِكْلِيلَ الْمَجْدِ الَّذِي لاَ يَبْلَى" (1بط5: 3، 4).
9- إن لقب الراعي هو لقب لله منذ القديم.
ولذلك يقول في سفر حزقيال النبي: "أَنَا أَرْعَى غَنَمِي وَأُرْبِضُهَا يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ. وَأَطْلُبُ الضَّالَّ، وَأَسْتَرِدُّ الْمَطْرُودَ، وَأَجْبِرُ الْكَسِيرَ، وَأَعْصِبُ الْجَرِيح..." (حز34: 15، 16). ويقول داود النبي: "اَلرَّبُّ رَاعِيَّ فَلاَ يُعْوِزُنِي شَيْءٌ" (مز23: 1).
ومع ذلك نرى الكتاب يقول إن الله: "وَهُوَ أَعْطَى الْبَعْضَ أَنْ يَكُونُوا رُسُلًا، وَالْبَعْضَ أَنْبِيَاءَ، وَالْبَعْضَ مُبَشِّرِينَ، وَالْبَعْضَ رُعَاةً وَمُعَلِّمِينَ" (أف4: 11).
هو الذي أعطى. فلماذا نغار نحن له ولألقابه؟!
على أن العبارة الأخيرة من (أف4: 11) تنقلنا إلى لقب آخر من ألقاب السيد المسيح، أطلق عليه، وعلى تلاميذه.
10- المسيح هو المعلم
هكذا كان الكل يلقبونه: "أَيُّهَا الْمُعَلِّمُ الصَّالِحُ" (مت19: 16).
والسيد المسيح نفسه قال لتلاميذه حينما غسل أرجلهم: "أَنْتُمْ تَدْعُونَنِي مُعَلِّمًا وَسَيِّدًا وَحَسَنًا تَقُولُونَ لأَنِّي أَنَا كَذَلِكَ. فَإِنْ كُنْتُ وَأَنَا السَّيِّدُ وَالْمُعَلِّمُ قَدْ غَسَلْتُ أَرْجُلَكُمْ فَأَنْتُمْ يَجِبُ عَلَيْكُمْ أَنْ يَغْسِلَ بَعْضُكُمْ أَرْجُلَ بَعْضٍ" (يو13: 13، 14).
فعلى الرغم من أن السيد المسيح هو المعلم، وعلى الرغم من قوله لرسله ولخلفائهم - وليس لكل الشعب - وَلاَ تُدْعَوْا مُعَلِّمِينَ لأَنَّ مُعَلِّمَكُمْ وَاحِدٌ الْمَسِيحُ" (مت23: 10)... على الرغم من كل هذا: "وَهُوَ أَعْطَى الْبَعْضَ أَنْ يَكُونُوا رُسُلًا... وَالْبَعْضَ رُعَاةً وَمُعَلِّمِينَ" (أف4: 11).
11- نكرر ونقول: اللقب واحد، ولكن الاستعمال مختلف.
المسيح هو المعلم بمعنى. ووكلاؤه معلمون بمعنى آخر. والآيات الخاصة بهم كمعلمين كثيرين جدًا (انظر الجزء الخاص بمعلمون – وظائف الكهنوت وألقابه).
المسيح هو المعلم الحقيقي، هو مصدر كل علم ومعرفة. أما الكاهن فهو معلم من حيث هو ينقل تعليم الله للناس، لأَنَّ من فم الْكَاهِنِ تطْلُب الشَّرِيعَةَ (ملا2: 7).
هل يغار أحد للمسيح، من حيث لقبه كمعلم؟! اطمئنوا: لقب المسيح في حصن حصين وبكل حرص مصون...
12- ولكن رسالته كمعلم، عهد بها إلى أُناس أمناء أكفاء أن يعلموا آخرين، أيْضًا (2تي2: 2). وقال لكل منهم: "لاَحِظْ نَفْسَكَ وَالتَّعْلِيمَ وَدَاوِمْ عَلَى ذَلِكَ" (1تي4: 16).
فلا تظنوا إذًا أن لقب المسيح كراع ومعلم، حينما يمنح إلى رجال الكهنوت، يكون مجد الله قد أعطى لآخرين!! كلا، بل إن مجد الله يشعر به الكل، عن طريق التعليم... ننتقل إذًا إلى لقب آخر من ألقاب المسيح...
13- حتى لقب المسيح كابن الله
المسيح هو ابن الله. والآيات في هذا اللقب عديدة جدًا. وكمثال لذلك: استخدم السيد المسيح هذا اللقب في حديثه مع المولود أعمى قائلًا له: "أَتُؤْمِنُ بِابْنِ الله؟" (يو9: 35) فآمن ذلك الأعمى وسجد له (يو9: 38).
ومع ذلك أعطانا نفس اللقب: أبناء الله، إذ قيل: "وأما كل الذين قبلوه، فأعطاهم سلطانًا أن يصيروا أولاد الله" (يو1: 12). وقال القديس يوحنا: "اُنْظُرُوا أَيَّةَ مَحَبَّةٍ أَعْطَانَا الآبُ حَتَّى نُدْعَى أَوْلاَدَ اللهِ!" (1يو3: 1).
14- ولكن نحن أبناء بمعنى. والمسيح ابن الله بمعنى آخر.
نحن أبناء بالإيمان، بالمحبة، بالتبني. أما هو فإنه ابن الله بمعنى أنه من جوهره وله نفس طبيعته لذلك دُعيّ "الابن" (يو8: 36) ودُعيّ الابن الوحيد (يو3: 16، 18؛ يو1: 18؛ يو4: 9).
أخذنا لقب أبناء الله، دون أن يؤثر هذا على السيد المسيح في شيء. وهذا اللقب بالذات ليس فقط للرسل ولرجال الكهنوت، بل هو لجميع الناس. وهناك لقب آخر للمسيح، وفي نفس الوقت أُعطيّ لجميع الناس وهو النور:
15- السيد المسيح هو النور
قال: "أَنَا هُوَ نُورُ الْعَالَم" (يو8: 12) وكرر نفس العبارة: "أنا نور العالم" في (يو9: 5). وقال عن نفسه إنه هو النور "النُّورُ مَعَكُمْ زَمَانًا قَلِيلًا بَعْد" (يو12: 35)... ومع ذلك قال لنا: "أَنْتُمْ نُورُ الْعَالَم... فَلْيُضِئْ نُورُكُمْ هَكَذَا قُدَّامَ النَّاسِ لِكَيْ يَرَوْا أَعْمَالَكُمُ الْحَسَنَةَ وَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ" (مت5: 14، 16)...
فهل تنازل السيد المسيح هنا عن مجده، وأعطاه للناس؟! كلا، بل كما قلنا سابقًا، نقول أيضًا إنه نور بمعنى، بينما المؤمنون نور بمعنى آخر.
16- هو النور الحقيقي، أما نحن فبنوره نعاين النور.
هو الذي ينير لكل إنسان (يو1: 9). لذلك يقول المرتل في المزمور: "اَلرَّبُّ نُورِي وَخَلاَصِي مِمَّنْ أَخَافُ؟" (مز27: 1)... إنه "نُورٍ لاَ يُدْنَى مِنْهُ" (1تي6: 16) وهو النور العجيب (1بط2: 9).
نورنا بالنسبة إلى نور الله، يشبه نور القمر بالنسبة إلى الشمس. فالشمس نورها حقيقي، والقمر يستمد نوره منها.
إذًا هو نور بذاته. أما نحن فننير حينما نستمد نورنا منه. وهو نور ليس فيه ظلمة البتة (1يو1: 5). أما نحن فكثيرًا ما يكتنفنا الظلام بسبب خطايانا. ولذلك فإن يوحنا المعمدان، مع إنه كان عظيمًا أمام الرب (لو1: 15) إلاَّ أن الكتاب قال عنه: "هَذَا جَاءَ لِلشَّهَادَةِ لِيَشْهَدَ لِلنُّورِ لِكَيْ يُؤْمِنَ الْكُلُّ بِوَاسِطَتِهِ. لَمْ يَكُنْ هُوَ النُّورَ بَلْ لِيَشْهَدَ لِلنُّور" (يو1: 7، 8).
لقب أسقف، ولقب مدبر
17- بنفس الوضع نتكلم عن لقب أسقف، ولقب مدبر
قيل عن السيد المسيح: "رَاعِي نُفُوسِكُمْ وَأُسْقُفِهَا" (1بط2: 25). وقيل في الكهنوت: "يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الأُسْقُفُ بِلاَ لَوْمٍ كَوَكِيلِ اللهِ" (تي1: 7). فالمسيح هو الأسقف، لأنه هو الراعي الحقيقي. أما الأسقف فهو بهذه الصفة، لأنه وكيل للمسيح الذي هو أسقف نفوسنا.
وقيل عن المسيح - في الحديث عن بيت لحم: "مِنْكِ يَخْرُجُ مُدَبِّرٌ يَرْعَى شَعْبِي إِسْرَائِيلَ" (مت2: 6). بينما قيل عن رجال الكهنوت: "أَمَّا الشُّيُوخُ الْمُدَبِّرُونَ حَسَنًا فَلْيُحْسَبُوا أاهْلًا لِكَرَامَةٍ مُضَاعَفَةٍ" (1تي5: 17).
18- ولكن ما أعظم الفرق بين المسيح كأسقف ومدبر، وبين رجال الكهنوت...
المسيح هو أسقف الكل، ومدبر الكل. أما رجال الكهنوت فلهم دائرة محدودة. وهم في رعايتهم وتدبيرهم تحت رعاية المسيح وتدبيره. وتنطبق عليهم - كما على الشعب - عبارة: "رَاعِي نُفُوسِكُمْ وَأُسْقُفِهَا" (1بط2: 25). والمسيح راعٍ وأسقف من حيث طبيعته. أما هم فرعاة وأساقفة ومدبرون من حيث أنهم وكلاء الله، استؤمنوا على وكالة (2كو 5).
لقب كاهن
19- بنفس الوضع نتكلم عن لقب كاهن.
قيل عن السيد المسيح إنه: "أَنْتَ كَاهِنٌ إِلَى الأَبَدِ عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادِقَ" (مز110: 4؛ عب5: 6). وقال بولس الرسول عن نفسه: "حَتَّى أَكُونَ خَادِمًا... مُبَاشِرًا لإِنْجِيلِ اللهِ كَكَاهِنٍ" (رو15: 16).
ولكن بين كهنوت المسيح وكهنوت البشر فرقًا جوهريًا.
20- المسيح كاهن باعتبار أنه مقدم الذبيحة، وهو نفسه الذبيحة. أما كهنوت البشر، فإنهم خدام لهذه الذبيحة عينها. أما المسيح فهو الذبيحة.
ولهذا قال عنه القديس بولس الرسول إنه: "إِذْ قَدَّمَ نَفْسَهُ" (عب7: 27). وإنه "بَلْ بِدَمِ نَفْسِهِ، دَخَلَ مَرَّةً وَاحِدَةً إِلَى الأَقْدَاسِ، فَوَجَدَ فِدَاءً أَبَدِيًّا" (عب9: 12). فالمسيح هو الكاهن وهو الذبيحة، وهذا هو الفارق الجوهري بين كهنوته وكهنوت البشر.
كما أن البشر يستمدون كهنوتهم من كهنوت المسيح. لولا أن المسيح ككاهن قدم نفسه ذبيحة، ما كان الكهنوت المسيحي يستطيع أن يقف على مذبح. والمسيح يعطي الغفران بكهنوته وذبيحته. أما الكهنة فيمنحون الغفران بسلطان منه، كوكلاء له على استحقاق دمه...
إذًا عمل البشر ككهنة، لا يتعارض مع عمل المسيح ككاهن، بل على العكس هو استمرار له.
21- بعد أن استعرضنا كيف أن ألقابًا كثيرة للمسيح أُعطيت لتلاميذه، دون المساس بمجده، أقول للذين يغارون لمجد الله أن يعطى لآخر، ما رأيكم في قول السيد المسيح عن تلاميذه، في حديثه مع الآب في (يو 17):
"وَأَنَا قَدْ أَعْطَيْتُهُمُ الْمَجْدَ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي" (يو17: 22).
هل تقفون مبهوتين أمام هذه العبارة؟! لا مانع، قفوا مبهوتين، وأنا أيضًا معكم أقف مبهوتًا أمام محبة الله لأولاده ولخدامه. ولكن لا نغار لله. فالمسيح لم يعطهم المجد الذي كان له عند الآب قبل كون العالم (يو17: 5). وإنما المجد الذي يمكن أن تحتمله طبيعتهم البشرية، كخدام، أعطاهم مجد هذه الخدمة، التي مُسح فيها السيد المسيح كاهنًا وملكًا ونبيًا.
22- سلمهم بعضًا مما قدمه المجوس: ذهبًا ولبانًا ومرًا
فكان لهم المجد في الذهب، في تاج الكهنوت، وفي رئاسة شعبه... وكان لهم مجد اللبان، في عمل الكهنوت وتقديم البخور عن الشعب. وكان لهم مجد المرّ، مجد الصليب الذي يحتملونه في الخدمة. مع الفارق... إذ كان مجد الذهب واللبان والمرّ غير محدود بالنسبة إلى السيد المسيح، بينما هو محدود بالنسبة إلى الكهنوت.
والذين يغارون لمجد الله، ننقلهم بعد إلى نقطتين هما:
أ) المجد الذي يعطيه الله لخليقته.
بـ) والعظمة التي يمنحها الله لخدامه.
الله يمجد خليقته
23- إن الله يمنح مجدًا لخليقته، حتى الجامدة منها.
وفي هذا يقول القديس بولس الرسول: "مَجْدَ السَّمَاوِيَّاتِ شَيْءٌ وَمَجْدَ الأَرْضِيَّاتِ آخَرُ. مَجْدُ الشَّمْسِ شَيْءٌ وَمَجْدُ الْقَمَرِ آخَرُ وَمَجْدُ النُّجُومِ آخَرُ. لأَنَّ نَجْمًا يَمْتَازُ عَنْ نَجْمٍ فِي الْمَجْدِ" (1كو15: 40، 41). حتى زنابق الحقل أعطاها الله في جمالها مجدًا لم يكن لسليمان الملك. وفي ذلك قال الرب: "تَأَمَّلُوا زَنَابِقَ الْحَقْل... وَلاَ سُلَيْمَانُ فِي كُلِّ مَجْدِهِ كَانَ يَلْبَسُ كَوَاحِدَةٍ مِنْهَا" (مت6: 28، 29).
بل تأملوا الملابس الكهنوتية التي أمر الله أن تُصنع لهارون رئيس الكهنة بالذهب والأسمانجوني... لِلْمَجْدِ وَالْبَهَاءِ (خر28: 40).
الله هو الذي اختار بنفسه هذه الملابس لكاهنه، واختار نوع قماشها وزينتها وطريقة تفصيلها، وأمر أن الذين يقومون بصنعها يكونون مملوءين من روح الحكمة. وهكذا قال لموسى النبي:
"وَاصْنَعْ ثِيَابًا مُقَدَّسَةً لِهَارُونَ أَخِيكَ لِلْمَجْدِ وَالْبَهَاءِ. وَتُكَلِّمُ جَمِيعَ حُكَمَاءِ الْقُلُوبِ الَّذِينَ مَلَأْتُهُمْ رُوحَ حِكْمَةٍ أَنْ يَصْنَعُوا ثِيَابَ هَارُونَ لِتَقْدِيسِهِ لِيَكْهَنَ لِي" (خر28: 2، 3). "فَيَصْنَعُونَ الرِّدَاءَ مِنْ ذَهَبٍ وَأَسْمَانْجُونِيٍّ وَأُرْجُوَانٍ وَقِرْمِزٍ وَبُوصٍ مَبْرُومٍ صَنْعَةَ حَائِكٍ حَاذِقٍ" (خر28: 6). وكذلك الصدرة، "وَتَصْنَعُ عَلَى الصُّدْرَةِ سَلاَسِلَ مَجْدُولَةً صَنْعَةَ الضَّفْرِ مِنْ ذَهَبٍ نَقِيٍّ. وَتَصْنَعُ عَلَى الصُّدْرَةِ حَلْقَتَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ..." (خر28: 22) "وَتَصْنَعُ صَفِيحَةً مِنْ ذَهَبٍ نَقِيٍّ. وَتَنْقُشُ عَلَيْهَا نَقْشَ خَاتِمٍ «قُدْسٌ لِلرَّبِّ». وَتَضَعُهَا عَلَى خَيْطٍ أَسْمَانْجُونِيٍّ لِتَكُونَ عَلَى الْعِمَامَةِ" (خر28: 36، 37). "وَتَكُونُ عَلَى جِبْهَتِهِ دَائِمًا لِلرِّضَا عَنْهُمْ أَمَامَ الرَّبِّ" (خر28: 38). أي أن الله يرضى عن الشعب، حينما ينظر إلى الصفيحة الذهب التي على جبهة هارون المكتوب عليها "قدس للرب".
أي مجد هذا أعطاه الله لهارون في ملابسه وفي شفاعته؟! وليس هارون فقط، بل يقول الرب عن أولاد هارون: "وَلِبَنِي هَارُونَ تَصْنَعُ أَقْمِصَةً وَتَصْنَعُ لَهُمْ مَنَاطِقَ وَتَصْنَعُ لَهُمْ قَلاَنِسَ لِلْمَجْدِ وَالْبَهَاءِ. وَتُلْبِسُ هَارُونَ أَخَاكَ إِيَّاهَا وَبَنِيهِ مَعَهُ وَتَمْسَحُهُم.." (خر28: 40، 41).
فهل المجد الذي أحاط الله به هارون، أنْقَصَ من مجد الله؟! أم الله فرح بهارون وأولاده، وألبسهم المجد والبهاء؟
وإلى هذه الدرجة بلغ اهتمام الله بكهنته وبرئيس كهنته.
أتريد أنت أن تصف هارون بالكبرياء والعظمة، وهو في ملابس الذهب والأرجوان والأسمانجوني؟! إذًا عليك أن تصف زنابق الحقل بهذه التهمة أيضًا، لأنه ولا سليمان في كل مجده كان يلبس كواحدة منها..!
وما ذنب هارون وما ذنب الزنبقة، أن الله ألبسهما هكذا؟!
إن كان الله يعطي بهاء لزنابق الحقل، أفلا يعطي خدمه ووكلاءه؟! بل هو يعطي بالأكثر.
24- بل انظروا المجد الذي أعطاه لموسى وإيليا على جبل التجلي.
حتى أن القديس بطرس الرسول قال: "... نَصْنَعْ هُنَا ثَلاَثَ مَظَالَّ. لَكَ وَاحِدَةٌ وَلِمُوسَى وَاحِدَةٌ وَلِإِيلِيَّا وَاحِدَةٌ" (مت17: 4). ولكن هذا المجد يعطيه الله لخادمين له، قدما له الذبائح من قبل... إنه مجد يحسب كعربون لأمجاد القيامة، التي سنكون فيها كَمَلاَئِكَةِ الله فِي السَّمَاءِ (مت22: 30).
25- ومن أمثلة المجد الذي أعطاه الله لخليقته، المجد الذي أعطاه للملائكة "الْمُقْتَدِرِينَ قُوَّةً" (مز103: 20) الذي يقال عن الواحد منهم إنه ملاك نور (2كو11: 14)، بكل مواهبهم وجمالهم ونقاوتهم...
26- والمجد كما أعطاه الله للقديسين، أعطاه كذلك للتائبين.
انظروا إلى الخاطئة يهوذا (في سفر حزقيال)، هذه التي كانت مطروحه بدمها، كيف طهرها الله وقال لها: "فَحَمَّمْتُكِ بِالْمَاءِ وَغَسَلْتُ عَنْكِ دِمَاءَكِ وَمَسَحْتُكِ بِالزَّيْتِ" ليس هذا فقط، بل يقول أيضًا: "وَأَلْبَسْتُكِ مُطَرَّزَةً ... وَحَلَّيْتُكِ بِالْحُلِيِّ... وَتَاجَ جَمَالٍ عَلَى رَأْسِكِ. فَتَحَلَّيْتِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَلِبَاسُكِ الْكَتَّانُ وَالْبَزُّ وَالْمُطَرَّزُ... وَجَمُلْتِ جِدًّا جِدًّا فَصَلُحْتِ لِمَمْلَكَةٍ. وَخَرَجَ لَكِ اسْمٌ فِي الأُمَمِ لِجَمَالِكِ، لأَنَّهُ كَانَ كَامِلًا بِبَهَائِي الَّذِي جَعَلْتُهُ عَلَيْكِ يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ" (حز16: 9- 14).
أي مجد هذا، أن يُلقي الله بهاءه على البشر، ليكون جمالهم كاملًا ببهائه؟!
27- ولكن ليس هذا غريبًا على الله عندما خلق الإنسان قال: "نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا"، "فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ" (تك1: 26، 27).
هذا هو أول مجد، أن الإنسان خُلق على صورة الله.
28- ومن المجد الذي مجد الله به الإنسان، صنع العجائب.
وهي معجزات عظم الله بها أولاده في أعين الناس، وكانت وسيلة لنشر أو تثبيت الإيمان. ونحن نرى في معجزة شق الأردن أن الله قال ليشوع بن نون قبلها: "الْيَوْمَ أَبْتَدِئُ أُعَظِّمُكَ فِي أَعْيُنِ جَمِيعِ إِسْرَائِيلَ لِيَعْلَمُوا أَنِّي كَمَا كُنْتُ مَعَ مُوسَى أَكُونُ مَعَكَ" (يش3: 7). وسمح الله أن معجزة شق البحر الأحمر لا تكون بيده الإلهية مباشرة، وإنما بيد موسى...
على أني لا أرى في الكتاب المقدس كله آية تدل على تمجيد الله لأولاده بالمعجزات، أكثر من قول السيد المسيح لتلاميذه:
"مَنْ يُؤْمِنُ بِي فَالأَعْمَالُ الَّتِي أَنَا أَعْمَلُهَا يَعْمَلُهَا هُوَ أَيْضًا.." (يو14: 12).
الكتاب المقدس مملوء بالمعجزات. وهناك سجل بالمواهب ذكره بولس الرسول (1كو 12) ولم يكن ضد مجد الله في شيء أن يتمتع أولاده بهذه المواهب التي أعطاهم الله إياها...
29- إن المجد لم يطلبه أولاد الله، بل هو الذي أعطاه.
ولو كان الله يرى في ذلك شيئًا ضده، ما كان يعطي. ولكن هوذا الرسول يقول: "..وَالَّذِينَ دَعَاهُمْ فَهَؤُلاَءِ بَرَّرَهُمْ أَيْضًا. وَالَّذِينَ بَرَّرَهُمْ فَهَؤُلاَءِ مَجَّدَهُمْ أَيْضًا" (رو8: 30). ويقول: ".. إِنْ كُنَّا نَتَأَلَّمُ مَعَهُ لِكَيْ نَتَمَجَّدَ أَيْضًا مَعَهُ" (رو8: 17).
30- ومن أروع أنواع المجد، ذلك المجد العتيد الذي نناله في القيامة وفي العالم الآخر، مجد الأبدية:
يقول بولس الرسول: "أَنَّ آلاَمَ الزَّمَانِ الْحَاضِرِ لاَ تُقَاسُ بِالْمَجْدِ الْعَتِيدِ أَنْ يُسْتَعْلَنَ فِينَا" (رو8: 18). ولعل أولى بشائر هذا المجد الجسد الروحاني الذي سنقوم به "عَلَى صُورَةِ جَسَدِ مَجْدِهِ" (في3: 21). هذا "الَّذِي دَعَانَا إِلَى مَجْدِهِ الأَبَدِي" (1بط5: 10). دعانا إلى ملكوته ومجده (1تس2: 12).
وعن جسد القيامة يقول بولس الرسول: "يُزْرَعُ فِي هَوَانٍ وَيُقَامُ فِي مَجْدٍ... يُزْرَعُ جِسْمًا حَيَوَانِيًّا وَيُقَامُ جِسْمًا رُوحَانِيًّا... وَكَمَا لَبِسْنَا صُورَةَ التُّرَابِيِّ سَنَلْبَسُ أَيْضًا صُورَةَ السَّمَاوِيِّ" (1كو15: 43، 44، 49).
وبطرس الرسول يقول عن نفسه: "... شَرِيكَ الْمَجْدِ الْعَتِيدِ أَنْ يُعْلَنَ" (1بط5: 1)... ويقول للرعاة: "وَمَتَى ظَهَرَ رَئِيسُ الرُّعَاةِ تَنَالُونَ إِكْلِيلَ الْمَجْدِ الَّذِي لاَ يَبْلَى" (1بط5: 4).
الله يعظم خليقته
يشهد السيد المسيح لعظمة يوحنا المعمدان الكاهن فيقول: "لَمْ يَقُمْ بَيْنَ الْمَوْلُودِينَ مِنَ النِّسَاءِ أَعْظَمُ مِنْ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ" (مت11: 11). بل العجيب في يوحنا هذا، أن يقال عنه أثناء البشارة بمولده إنه: "يَكُونُ عَظِيمًا أَمَامَ الرَّبِّ.." (لو1: 15). يمكن أن يكون عظيمًا أمام الناس، أما عبارة: "عظيمًا أمام الرب" فتدل على تواضع كبير من الله، ومحبته لأولاده تجعلهم عظماء أمامه، وهم تراب ورماد.
32- وهوذا إبراهيم أبو الآباء، يقول له الرب: "فَأَجْعَلَكَ أُمَّةً عَظِيمَةً وَأُبَارِكَكَ وَأُعَظِّمَ اسْمَكَ وَتَكُونَ بَرَكَةً" (تك12: 2).
والكتاب يشرح لنا الكثير عن عظمة إبراهيم، وعن شفاعته في أهل سادوم (تك 18)، وعن أن لعازر المسكين "حَمَلَتْهُ الْمَلاَئِكَةُ إِلَى حِضْنِ إِبْرَاهِيم" (لو16: 22). كما يحدثنا الكتاب عن نسل إبراهيم، وقول الرب لهذا القديس: "وَتَتَبَارَكُ فِيكَ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ" (تك12: 3).
33- ولا ننسَ العظمة التي وهبها الله للسيدة العذراء.
هذه الوحيدة التي قال لها الرب: "اَلرُّوحُ الْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ وَقُوَّةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ فَلِذَلِكَ أَيْضًا الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللهِ" (لو1: 35). وشعرت القديسة مريم بأن القدير صنع معها عجائب، لذلك قالت: "َهُوَذَا مُنْذُ الآنَ جَمِيعُ الأَجْيَالِ تُطَوِّبُنِي.." (لو1: 48، 49).
وبلغ من تكريم الله للقديسة العذراء، إنه بمجرد وصول سلامها إلى أذني أليصابات، أن أليصابات امتلأت من الروح القدس، وارتكض الجنين بابتهاج في بطنها! (لو1: 41، 44).
34- وعظم الرب من شأن موسى النبي جدًا...
وصنع على يديه معجزات وعجائب عديدة. بل إنه بلغ من المجد الذي أسبغه الرَّبُّ على موسى أن قال له: "أَنَا جَعَلْتُكَ إِلَهًا لِفِرْعَوْنَ" (خر7: 1)!! ولما تقوّلت مريم وهارون على موسى، قال الرب لهما مدافعًا عنه:
"إِنْ كَانَ مِنْكُمْ نَبِيٌّ لِلرَّبِّ فَبِالرُّؤْيَا أَسْتَعْلِنُ لهُ. فِي الحُلمِ أُكَلِّمُهُ. وَأَمَّا عَبْدِي مُوسَى فَليْسَ هَكَذَا بَل هُوَ أَمِينٌ فِي كُلِّ بَيْتِي. فَمًا إِلى فَمٍ وَعَيَانًا أَتَكَلمُ مَعَهُ... وَشِبْهَ الرَّبِّ يُعَايِنُ" (عد12: 6- 8). وضرب الرب مريم بالبرص عقابًا لها لأنها تكلّمت على موسى...
35- وأعطى الرب عظمة، حتى للعامة أيضًا...
فقال: "وَأَمَّا مَنْ عَمِلَ وَعَلَّمَ فَهَذَا يُدْعَى عَظِيمًا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ" (مت5: 19). وقال عن المتضعين أيضًا إنهم هم: "الأَعْظَمُ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ" (مت18: 4). والمرأة الكعنانية، على الرغم من أنها من شعب لعنه أبونا نوح بعد الطوفان، إلاَّ أن السيد المسيح وجد فيها شيئًا حسنًا، فقال لها: "عَظِيمٌ إِيمَانُكِ" (مت15: 28).
36- ووصفَ الله بالعظمة، حتى الطبيعة والمدن.
فوصف الشمس والقمر بعبارة: "النُّورَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ" (تك1: 16) وجعل أحدهما لحكم النهار والآخر لحكم الليل. وقال عن نينوى: "الْمَدِينَةِ الْعَظِيمَةِ" لمجرد إنها كانت مدينة ذات شعب كبير (يون4: 11).
37- بعد هذا نتكلم عن العظمة التي منحها الله للكهنوت..
شرحنا في الأبواب السابقة السلطان الذي منحه الله للكهنوت، حتى أن رجال الكهنوت يمكن أن يمنحوا الروح القدس للناس، وأن يمنحوهم أيضًا المغفرة. وذكرنا الألقاب والاختصاصات التي اسندها الله لرجال الكهنوت، وما خصهم به الله من دعوة واختيار وإرسالية ومسحة... إلخ. ونذكر هنا مثالًا ورد في سفر الرؤيا:
رأى القديس يوحنا حول العرش الإلهي "أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ شَيْخًا جَالِسِينَ مُتَسَرْبِلِينَ بِثِيَابٍ بِيضٍ، وَعَلَى رُؤُوسِهِمْ أَكَالِيلُ مِنْ ذَهَبٍ" (رؤ4: 4).
مَن هؤلاء الذين يمكنهم الجلوس في حضرة الله، وعلى رؤوسهم أكاليل، بينما الملائكة وقوف قدامه، الشاروبيم والسارافيم (إش6: 2).
ويتابع الرائي حديثه عن هؤلاء الكهنة، بأن لَهُمْ جَامَات (مباخر) مِنْ ذَهَبٍ مَمْلُوَّةٌ بَخُورًا هِيَ صَلَوَاتُ الْقِدِّيسِينَ (رؤ5: 8) يرفعونها إلى الله...
ولقب العظمة يلصقه الله برئيس الكهنة، فيقول عنه: "الْكَاهِنَ الْعَظِيمَ" (زك3: 1)، وأحيانًا يقول عنه: "الْكَاهِنُ الأَعْظَم" (لا21: 10).
إذًا لا تغاروا لله، فألقاب العظمة، هو الذي يمنحها لأولاده، دون أن تؤثر هذه على عظمته هو.
38- حقًا إن العظمة الطبيعية هي لله وحده. ولكنه من تواضعه منح العظمة لأولاده. ولكن بين عظمة الله والناس فروقًا.
عظمة الله غير محدودة. أما عظمة البشر فمحدودة. وإذا قورنت بالله تكون لا شيء قدامه...
عظمة الله طبيعية بحكم لاهوته. أما العظمة بالنسبة إلى الإنسان، فهي إما مُكتسبة أو هي منحة من الله. وعلى أية الحالات، ليست هي مِنه، من ذاته، لأنه تُراب ورماد...
عظمة الله هي عظمة شاملة. أما الإنسان ففي زاوية معينة.
عظمة الله هي عظمة حقيقية تتصف بالكمال والقدسية والدوام، بعكس الإنسان في كل هذه الصفات...
39- إذًا لا داعي مطلقًا لأن يغار البعض لله من عظمة يسبغها هو على بعض عبيده، ويبقون على الرغم من ذلك عبيدًا كما هم. فعظمتهم ومجدهم، كلها أمور نسبية، في المقارنة مع إخوتهم. أما أمام الله فهم خدامه. وكل إكرام منه لهم يزيدهم تواضعًا قدامه...
40- وأخيرًا نقول لكل مَن يغار لله من الكهنوت...
- الله يريد أن يعطي غيرك. فلماذا تتذمر على عطاياه؟!
- الله يمجد أولاده. فماذا يضايقك أنت من هذا؟!
- الله لا يحسب هذا انتقاصًا لمجده. فما سبب الغيرة؟!
- أتريد أن تكون ملكيًا أكثر من الملك نفسه؟!
- أتود أن تحسب عطايا الله ومواهبه ضد مجده؟!
ما هو سر غيرتك على مجد الله؟ أهو قوله تبارك اسمه: "مَجْدِي لاَ أُعْطِيهِ لِآخَر" (إش42: 8). إذًا لنبحث معنى هذه الآية.
معنى: مجدي لا أعطيه لآخر؟
41- المقصود به بلا شك، هو مجد اللاهوت.
فالله قد منحنا أمجادًا كثيرة، وأنواعًا كثيرة من العظمة. وكلها لا تُقاس بعظمة الله غير المحدودة ومجده غير المحدود. الشيء الوحيد الذي لا يمكن منحه للبشر هو مجد اللاهوت، هذا الأمر الذي اشتهى الشيطان أن يناله، قائلًا في قلبه: "أَصِيرُ مِثْلَ الْعَلِيِّ" (إش14: 14). وهذا الذي أغرى به الشيطان أبوينا الأولين، قائلًا لهما: تصيران مثل الله (تك3: 5).
وتكملة الآية (إش42: 8)، تدل على أنها ضد عبادة الأصنام، إذ قال الله: "أَنَا الرَّبُّ هَذَا اسْمِي .. وَمَجْدِي لاَ أُعْطِيهِ لِآخَرَ وَلاَ تَسْبِيحِي لِلْمَنْحُوتَاتِ (أي للتماثيل المنحوتة)".
43- وكل الإصحاحات التالية من سفر إشعياء تدور في هذا المعنى، كأن يقول الرب: "لِكَيْ تَعْرِفُوا وَتُؤْمِنُوا بِي وَتَفْهَمُوا أَنِّي أَنَا هُوَ. قَبْلِي لَمْ يُصَوَّرْ إِلَهٌ وَبَعْدِي لاَ يَكُونُ. أَنَا أَنَا الرَّبُّ وَلَيْسَ غَيْرِي مُخَلِّصٌ" (إش43: 10، 11) "أَنَا الأَوَّلُ وَأَنَا الآخِرُ وَلاَ إِلَهَ غَيْرِي" (إش44: 6) "أَنَا الرَّبُّ وَلَيْسَ آخَرُ. لاَ إِلَهَ سِوَايَ... أَنَا الرَّبُّ صَانِعُ كُلِّ هَذِهِ" (إش45: 5، 7).
44- ولا يمكن لأحد أن يدعي بأن الكهنوت أخذ مجد اللاهوت. وكل ما يعمله، إنما يعمل كوكيل لله مفوض منه.
الكهنوت.. خدمة
الكهنوت.. خدمة
الكهنوت خدمة
1- ذكرنا في الفصول السابقة أن الكهنوت دعوة إلهية واختيار ومسحة، وأنه لجماعة مميزة بأعمال مميزة، وأن رجال الكهنوت دُعوا ملائكة وسفراء ووكلاء ورعاة وآباء ومدبرين، وأنهم تمتعوا بألقاب كانت للمسيح نفسه. وأن الله منحهم الرئاسة على شعبه، والسيادة، وسلطان الحلِّ والربطِ، وجعلهم بركة ويمنحون البركة.
حتى أن البعض بدأ يغار لله من الكهنوت...
لذلك نقول في هذا الفصل إنهم مجرد خُدّام.
هم خدام لله، فيما هم وكلاء وسفراء. وهم خدام للكلمة، وخدام للمذبح، ولهم خدمة المصالحة، وخدمة الروح، وخدمة الأقداس، وخدمة السرائر الإلهية.
2- نقول إنهم خدام، لكي تكون لهم روح الاتضاع أمام السلطان الذي وهبهم إياه. ونقول خدام حتى يهدأ الذين (يغارون لله)...
3- وهكذا نرى القديس بولس الرسول يقول لأهل كورنثوس: "مَنْ هُوَ بُولُسُ وَمَنْ هُوَ أَبُلُّوسُ؟ بَلْ خَادِمَانِ آمَنْتُمْ بِوَاسِطَتِهِمَا" (1كو3: 5).
فالقديس بولس يرى نفسه مجرد خادم، وعمل الرسولية الذي يقوم به هو عمل خدمة. لذلك حينما احتاج للقديس مرقس الرسول، أرسل إلى القديس تيموثاوس قائلًا له: "لُوقَا وَحْدَهُ مَعِي. خُذْ مَرْقُسَ وَأَحْضِرْهُ مَعَكَ لأَنَّهُ نَافِعٌ لِي لِلْخِدْمَةِ" (2تي4: 11).
4- ولذلك لما كان يهوذا الإسخريوطى واحدًا من الاثني عشر قبل خيانته، قال عنه الرسل: "إِذْ كَانَ مَعْدُودًا بَيْنَنَا وَصَارَ لَهُ نَصِيبٌ فِي هَذِهِ الْخِدْمَةِ" (أع1: 17). وصلى الرسل وعملوا قرعة. فاختار الرب متياس "لِيَأْخُذَ قُرْعَةَ هَذِهِ الْخِدْمَةِ" (أع1: 25).
5- إذًا كان الآباء الرسل هم خدام العهد الجديد.
وفي هذا يقول القديس بولس الرسول: "بَلْ كِفَايَتُنَا مِنَ اللهِ. الَّذِي جَعَلَنَا كُفَاةً لأَنْ نَكُونَ خُدَّامَ عَهْدٍ جَدِيدٍ" (2كو3: 5، 6).
وسمى الرسول خدمتهم: خِدْمَةُ الرُّوح... خِدْمَةُ الْبِر (البركة) (2كو3: 8، 9).
الكهنوت خدمة لله
6- هو هكذا منذ القديم. لذلك قيل في سفر إشعياء:
"أَمَّا أَنْتُمْ فَتُدْعَوْنَ كَهَنَةَ الرَّبِّ تُسَمُّونَ خُدَّامَ إِلَهِنَا" (إش61: 6). كما قيل في الصوم الذي صامه الشعب أيام يوئيل النبي: "نَاحَتِ الْكَهَنَةُ خُدَّامُ الرَّبِّ" (يوء1: 9).
7- ونفس الوضع في العهد الجديد، يقول القديس بولس:
"... نُظْهِرُ أَنْفُسَنَا كَخُدَّامِ اللهِ، فِي صَبْرٍ كَثِيرٍ" (2كو6: 4). ويقول أيضًا: "ظَاهِرِينَ أَنَّكُمْ رِسَالَةُ الْمَسِيحِ، مَخْدُومَةً مِنَّا.." (2كو3: 3). وواضح من هذه الآية أن الكهنوت هو خدمة نفوس. وحينما يقارن بولس الرسول خدمته بخدمة باقي الرسل يقول: "أَهُمْ خُدَّامُ الْمَسِيحِ؟ أَقُولُ كَمُخْتَلِّ الْعَقْلِ: فَأَنَا أَفْضَلُ..." (2كو11: 23).
خدمات ثلاث
الكهنة هم خدام الله، خدام المسيح. ولكن فيمَ يخدمونه؟ إنها خدمات عديدة نذكر من بينها خدمة المذبح، وخدمة الكلمة، وخدمة المصالحة.
8- فمن جهة خدمة المذبح
قيل في سفر يوئيل النبي: "تَنَطَّقُوا وَنُوحُوا أَيُّهَا الْكَهَنَةُ. وَلْوِلُوا يَا خُدَّامَ الْمَذْبَحِ. ادْخُلُوا بِيتُوا بِالْمُسُوحِ يَا خُدَّامَ إِلَهِي لأَنَّهُ قَدِ امْتَنَعَ عَنْ بَيْتِ إِلَهِكُمُ التَّقْدِمَةُ وَالسَّكِيبُ" (يوء1: 13).
وقيل عن زكريا الكاهن: "فَبَيْنَمَا هُوَ يَكْهَنُ فِي نَوْبَةِ فِرْقَتِهِ أَمَامَ اللهِ. حَسَبَ عَادَةِ الْكَهَنُوتِ أَصَابَتْهُ الْقُرْعَةُ أَنْ يَدْخُلَ إِلَى هَيْكَلِ الرَّبِّ وَيُبَخِّرَ... فَظَهَرَ لَهُ مَلاَكُ الرَّبِّ وَاقِفًا عَنْ يَمِينِ مَذْبَحِ الْبَخُورِ... وَلَمَّا كَمِلَتْ أَيَّامُ خِدْمَتِهِ مَضَى إِلَى بَيْتِهِ" (لو1: 8، 9، 11، 23).
وقال القديس بولس الرسول: "لأَنَّ كُلَّ رَئِيسِ كَهَنَةٍ يُقَامُ لِكَيْ يُقَدِّمَ قَرَابِينَ وَذَبَائِحَ..." (عب8: 3). والمسيح كرئيس كهنة قدم ذبيحة، "بدم نفسه" (عب9: 12) "... لِيُبْطِلَ الْخَطِيَّةَ بِذَبِيحَةِ نَفْسِهِ" (عب9: 26).
9- ومن جهة خدمة الكلمة، خدمة الإنجيل
قال الآباء الرسل عند سيامة الشمامسة السبعة: "وَأَمَّا نَحْنُ فَنُواظِبُ عَلَى الصَّلاَةِ وَخِدْمَةِ الْكَلِمَة" (أع6: 4).
وهنا تظهر أهمية خدمة الكلمة في عمل رئاسة الكهنوت.
ولما تحدث لوقا الإنجيلي عن مصادر معلوماته، قال: "كَمَا سَلَّمَهَا إِلَيْنَا الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ" (لو1: 2) أي الآباء الرسل...
وخدمة الكلمة هي خدمة الإنجيل. وفي ذلك يقول بولس الرسول: "... بِالإِنْجِيلِ. الَّذِي صِرْتُ أَنَا خَادِمًا له" (أف3: 6، 7). وقال إنه اؤتمنَ على الإِنجيل (1تس2: 4).
خدمة الكلمة هي خدمة الكرازة، وخدمة التعليم.
وعنها قال المسيح لتلاميذه: "وَاكْرِزُوا بِالإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا" (مر16: 15). وقال بولس لتلميذه تيموثاوس الأسقف: "اكْرِزْ بِالْكَلِمَة... وَبِّخِ، انْتَهِرْ، عِظْ بِكُلِّ أنَاةٍ وَتَعْلِيمٍ... اعْمَلْ عَمَلَ الْمُبَشِّرِ. تَمِّمْ خِدْمَتَكَ" (2تي4: 2، 5).
10- أما عن خدمة المصالحة
فيقول القديس بولس الرسول: "اللهِ، الَّذِي صَالَحَنَا لِنَفْسِهِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، وَأَعْطَانَا خِدْمَةَ الْمُصَالَحَةِ... وَوَاضِعًا فِينَا كَلِمَةَ الْمُصَالَحَةِ. إِذًا نَسْعَى كَسُفَرَاءَ عَنِ الْمَسِيحِ، كَأَنَّ اللهَ يَعِظُ بِنَا. نَطْلُبُ عَنِ الْمَسِيحِ: تَصَالَحُوا مَعَ اللهِ" (2كو5: 18- 20).
11- وخدمة المصالحة بين الله والناس، تشمل المناداة بالإيمان والتوبة.
وعمل التوبة هو موضوع طويل، يشمل الوعظ والاعتراف، والإرشاد، وقيادة الناس في الطريق الروحي السليم.
12- بل المصالحة مع الله تشمل أعمال الرعاية كلها...
الخدمة عمل المسيح والملائكة والرسل
13- لا يتهاون أحد بعمل الخدمة، منقصًا من قدره. فقد قيل عن السيد المسيح إنه خادم. السيد المسيح الذي هو سيد كل أحد، قال عن نفسه في الإنجيل: "أَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ" (مت20: 28؛ مر10: 45). وقال عنه بولس الرسول إنه: "رَئِيسَ كَهَنَةٍ، خَادِمًا لِلأَقْدَاسِ" (عب8: 1، 2).
14- ونفس لقب خادم اطلق أيضًا على الملائكة فقيل: "الصَّانِعُ مَلاَئِكَتَهُ رِيَاحًا وَخُدَّامَهُ نَارًا مُلْتَهِبَةً" (مز104: 4).
وقيل عن الملائكة: "أَلَيْسَ جَمِيعُهُمْ أَرْوَاحًا خَادِمَةً مُرْسَلَةً لِلْخِدْمَةِ لأَجْلِ الْعَتِيدِينَ أَنْ يَرِثُوا الْخَلاَصَ!" (عب1: 14).
15- ولقب خادم اُطلق على الآباء الرسل الأطهار كخدام عهد جديد، وقد ذكرنا أمثلة كثيرة. وقد اطلق أيضًا على الأنبياء فقيل عن موسى النبي: "وَمُوسَى كَانَ أَمِينًا فِي كُلِّ بَيْتِهِ كَخَادِمٍ" (عب3: 5).
ولكي نوضح كرامة لقب خادم، نذكر الحقيقة الآتية:
وكلاء وخدام
16- كون الكهنة ورؤساء الكهنة والرسل كانوا خدامًا، لا يمنع أنهم كانوا في نفس الوقت وكلاء لله، وسفراء له. إنهم أمامه خدام، وأمام الشعب وكلاء الله. وفي هذا المعنى يقول القديس بولس الرسول: "هَكَذَا فَلْيَحْسِبْنَا الإِنْسَانُ كَخُدَّامِ الْمَسِيحِ وَوُكَلاَءِ سَرَائِرِ اللهِ. ثُمَّ يُسْأَلُ فِي الْوُكَلاَءِ لِكَيْ يُوجَدَ الإِنْسَانُ أَمِينًا" (1كو4: 1، 2).
17- وهنا يوجد جمع بين لقبي خدام، ووكلاء. وكذلك في (لو12).
"فَقَالَ الرَّبُّ: فَمَنْ هُوَ الْوَكِيلُ الأَمِينُ الْحَكِيمُ الَّذِي يُقِيمُهُ سَيِّدُهُ عَلَى خَدَمِهِ لِيُعْطِيَهُمُ الْعُلُوفَةَ فِي حِينِهَا؟. طُوبَى لِذَلِكَ الْعَبْدِ الَّذِي إِذَا جَاءَ سَيِّدُهُ يَجِدُهُ يَفْعَلُ هَكَذَا! بِالْحَقِّ أَقُولُ لَكُمْ إِنَّهُ يُقِيمُهُ عَلَى جَمِيعِ أَمْوَالِهِ" (لو12: 42- 44).
وفي هذا النص يوجد جمع بين لقب وكيل، وعبد.
18- كذلك جمع الرسول بين خدمة المصالحة، ولقب سفراء...
فقال: "وَأَعْطَانَا خِدْمَةَ الْمُصَالَحَةِ... إِذًا نَسْعَى كَسُفَرَاءَ عَنِ الْمَسِيحِ... نَطْلُبُ عَنِ الْمَسِيحِ: تَصَالَحُوا مَعَ اللهِ" (2كو5: 18، 20).
أسئلة في الكهنوت
أسئلة في الكهنوت
1) الكهنوت والبركة
سؤال: هل يمكن أن تؤخذ بركة من إنسان؟ أليس أن الله هو مصدر البركة؟ أم نحن البشر الخطاة! فكيف يمكن لإنسان خاطئ أن يمنح البركة لغيره؟
الجواب
1- لا جدال أن الله هو مصدر كل بركة...
وهو الذي بارك آدم وحواء (تك1: 28) وبارك نوحًا وبنيه (تك9: 1). "وَبَارَكَ اللهُ الْيَوْمَ السَّابِعَ وَقَدَّسَه" (تك2: 3). والله هو الذي بارك أبانا أبرام، وقال له: "أُبَارِكَكَ وَأُعَظِّمَ اسْمَكَ... وَتَتَبَارَكُ فِيكَ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ" (تك12: 2، 3). وبارك الرب أيوب الصديق في آخرته (أي42: 12). كما أمر الله أن تتلى بركاته على جبل جرزيم أمام كل الشعب (تث27: 12) ووردت قائمة هذه البركات في سفر التثنية.
وفي العهد الجديد نرى السيد المسيح يبارك تلاميذه (لو24: 50). ونراه أيضًا يبارك الأطفال (مر10: 16). ويبارك الخبز في سفر الإفخارستيا (مت26: 26).
2- ولكن بركة الله لا تمنع مطلقًا بركة البشر للبشر...
وسنذكر أمثلة عديدة جدًا في هذا المقال. وسنضرب أولًا أمثلة من بركة الآباء البطاركة، أي رؤساء الآباء أمثال نوح وإبراهيم وإسحاق ويعقوب. وبركة رجال الكهنوت، وبركة الأنبياء والأبرار. بل أيضًا بركة الفقراء، وبركة الدعاء من كل أحد، وبخاصة بركة الوالدين.
3- وسنرى أن البركة الممنوحة من رجال الله، هي بركة ممنوحة من الله نفسه.
وستوضح ذلك الأمثلة التي سنذكرها إن شاء الله.
وبنفس الوضع: اللعنة التي كانت تصدر من رجال الله، كانت تعتبر لعنة صادرة من الله نفسه. ومثال ذلك لعنة نوح لكنعان (تك9: 25)، التي ظلت سائدة عبر الأجيال حتى في حديث السيد المسيح مع المرأة الكنعانية (مت15: 22، 26).
بركة الآباء البطاركة
4- لقد بارك أبونا نوح ابنيه سام وحام، ولعن كنعان (تك9: 26، 27). وكما قال هكذا كان. أيجوز لنا أن نقول إن أبانا نوح قد تجاوز حدوده حينما بارك سام وحام، وذلك لأنه بشر؟! حاشا...
5- وأبونا إسحاق بارك يعقوب، ثم أعطى بركة لعيسو.
وكلام أبينا إسحاق كان كأنه صادر من فم الله نفسه، وتم كما قال. وأتى السيد المسيح من نسل يعقوب، حسبما باركه أبوه إسحاق قائلًا: "اللهُ الْقَدِيرُ يُبَارِكُكَ ... وَيُعْطِيكَ بَرَكَةَ إِبْرَاهِيمَ لَكَ وَلِنَسْلِكَ مَعَكَ" (تك28: 3، 4).
هل أخطأ أبونا إسحاق حينما قال ليعقوب: "... حَتَّى تُبَارِكَكَ نَفْسِي قَبْلَ أَنْ أَمُوتَ" (تك27: 4)؟ وحينما قال عنه أيضًا: "نَعَمْ وَيَكُونُ مُبَارَكًا!" (تك27: 33).
لقد كانت بركة إسحاق ليعقوب مطابقة لقول الرب لرفقة وهي حبلى: "فِي بَطْنِكِ أُمَّتَانِ وَمِنْ أَحْشَائِكِ يَفْتَرِقُ شَعْبَانِ... وَكَبِيرٌ يُسْتَعْبَدُ لِصَغِيرٍ" (تك25: 23).
ولهذا فيما كان القديس بولس الرسول يتحدث عن رجال الإيمان، قال: "بِالإِيمَانِ إِسْحَاقُ بَارَكَ يَعْقُوبَ وَعِيسُو مِنْ جِهَةِ أُمُورٍ عَتِيدَةٍ" (عب11: 20).
6- وبالمثل "بِالإِيمَانِ يَعْقُوبُ عِنْدَ مَوْتِهِ بَارَكَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنِ ابْنَيْ يُوسُفَ" (عب11: 21). "وَضَعَ يَدَيْهِ بِفِطْنَةٍ" (تك48: 14) اليمنى على رأس أفرايم الصغير، واليسرى على رأس منسى البكر. ولم يغير الوضع حينما ساء ذلك في عيني يوسف أبيهما، أن تكون اليد اليسرى على البكر... وكما فعل يعقوب هكذا كان إذ "قَدَّمَ أَفْرَايِمَ عَلَى مَنَسَّى" "وَبَارَكَهُمَا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ" (تك48: 20).
وكما بارك يعقوب أولاده الأسباط الاثني عشر، هكذا كان.
أيجرؤ أحد أن يلوم أبانا يعقوب في كل البركة التي منحها لأولاده (تك 49). ويقول له: "البركة من الله وحده"! كيف تؤخذ بركة من إنسان؟!
7- والآباء لم يباركوا فقط، إنما أيضًا كانوا بركة.
وهكذا قال الله لأبينا إبراهيم، ليس فقط: "أُبَارِكَكَ وَأُعَظِّمَ اسْمَكَ" وإنما أيضًا: "وَتَكُونَ بَرَكَةً" (تك12: 2).
هكذا كان أبونا إبراهيم بركة للعالم كله. كما كان إيليا النبي بركة في بيت أرملة صرفة صيدا (1مل 17). وكان أليشع النبي بركة في بيت المرأة الشونمية (2مل 4). وكان يوسف الصديق بركة في بيت فوطيفار. ويقول الكتاب هنا عبارة جميلة ودقيقة وهي: "أَنَّ الرَّبَّ بَارَكَ بَيْتَ الْمِصْرِيِّ بِسَبَبِ يُوسُفَ" (تك39: 5).
ويكمل الوحي قوله عن بركة يوسف في بيت فوطيفار: "وَكَانَتْ بَرَكَةُ الرَّبِّ عَلَى كُلِّ مَا كَانَ لَهُ فِي الْبَيْتِ وَفِي الْحَقْلِ. فَتَرَكَ كُلَّ مَا كَانَ لَهُ فِي يَدِ يُوسُفَ" (تك39: 5، 6)
عبارة "فَتَكُونُونَ بَرَكَةً" قالها الرب أيضًا لبيت يهوذا (زك8: 13).
8- إن الذي يرفض البركة من رجال الله هو الخاسر.
بل إنه لم يصل إلى مستوى عيسو الذي رفع صوته وبكى، وقال لإسحاق:
"بَارِكْنِي أَنَا أَيْضًا يَا أَبِي!"، "أَلَكَ بَرَكَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَطْ يَا أَبِي؟ بَارِكْنِي أَنَا أَيْضًا يَا أَبِي!" (تك27: 34، 38). على الرغم من كل أخطاء عيسو، كان يؤمن ببركة أبيه إسحاق.
بركة الكهنوت
9- نذكر مثالًا هو بركة موسى وهارون الكاهنين (مز99: 6).
يقول الكتاب: "فَنَظَرَ مُوسَى جَمِيعَ الْعَمَلِ وَإِذَا هُمْ قَدْ صَنَعُوهُ. كَمَا أَمَرَ الرَّبُّ هَكَذَا صَنَعُوا. فَبَارَكَهُمْ مُوسَى" (خر39: 43).
ونود أن نقول بالنسبة إلى هارون وبنيه ملاحظة هامة:
10- كان هارون وبنوه يباركون الشعب بأمر إلهي
يقول الكتاب: "وَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى قَائِلاً: قُل لِهَارُونَ وَبَنِيهِ: هَكَذَا تُبَارِكُونَ بَنِي إِسْرَائِيل: يُبَارِكُكَ الرَّبُّ وَيَحْرُسُكَ. يُضِيءُ الرَّبُّ بِوَجْهِهِ عَليْكَ وَيَرْحَمُكَ... فَيَجْعَلُونَ اسْمِي عَلى بَنِي إِسْرَائِيل وَأَنَا أُبَارِكُهُمْ" (عد6: 22- 27).
11- إذًا بركة الكهنة هي استمداد لبركة الله على الشعب.
يباركون الشعب قائلين له: "يباركك الرب".
بركة الكهنة إذًا هي صلوات إلى الله لأجل الشعب.
12- وهم قنوات من خلالها يوصل الله بركته للشعب. أو هم وكلاء لله يوصلون بركته للناس.
الله هو الذي اختار هذه القنوات بنفسه. وهو الذي أمرهم بمباركة الشعب، ووضع على ألسنتهم البركة التي يقولونها. وأمرهم أن يوصلوا هذه البركة قائلين للشعب: "يباركك الله". وتكون هذه البركة من الله، من فم الكاهن. تمامًا ككلمة الحل والمغفرة، مع تنوع التفاصيل.
13- هل نحتج ونقول:
كيف يباركون الشعب وهم بشر؟! الله هو الذي أمرهم بهذا... أم هل نحتج ونقول: إذًا ليسوا هم الذين يباركون وإنما الله... ليكن. ولكن الله شاء أن تكون بركته عن طريقهم. وهو- تبارك اسمه - الذي استخدم هذا التعبير: "هكذا تباركون (الشعب)... وأنا أباركهم" (عدد6: 22، 27).
ونفس المعنى نراه في مباركة ملكي صادق الكاهن لأبينا إبراهيم.
يقول الكتاب عن ملكي صادق في مقابلته لأبرام: إنه "أَخْرَجَ خُبْزًا وَخَمْرًا. وَكَانَ كَاهِنًا لله الْعَلِيِّ. وَبَارَكَهُ وَقَالَ: مُبَارَكٌ أَبْرَامُ مِنَ اللهِ الْعَلِيِّ مَالِكِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ" (تك14: 18، 19).
ومعلمنا القديس بولس الرسول يتأمل هذا الحادث التاريخي في عمق، ويستخرج منه عقيدة عن أفضلية الكهنوت الذي بطقس ملكي صادق على الكهنوت الهاروني فيقول:
"لأَنَّ مَلْكِي صَادِقَ هَذَا، مَلِكَ سَالِيمَ، كَاهِنَ اللهِ الْعَلِيِّ، الَّذِي اسْتَقْبَلَ إِبْرَاهِيمَ رَاجِعًا مِنْ كَسْرَةِ الْمُلُوكِ وَبَارَكَهُ... وَبِدُونِ كُلِّ مُشَاجَرَةٍ: الأَكْبَرُ يُبَارِكُ الأَصْغَرَ" (عب7: 1، 7).
ملكي صادق بارك أبرام. وكيف باركه؟ بقوله له: مبارك أنت من الله. إذًا الله هو الذي يبارك، عن طريق الكاهن وصلاته. والكاهن قناة شرعية لتوصيل البركة.
15- ورجال الكهنوت لا يباركون الأشخاص فقط، وإنما السرائر المقدسة أيضًا. وفي ذلك يقول القديس بولس الرسول: "كَأْسُ الْبَرَكَةِ الَّتِي نُبَارِكُهَا أَلَيْسَتْ هِيَ شَرِكَةَ دَمِ الْمَسِيحِ؟" (1كو10: 16).
ذكرنا الآن أمثلة من بركة رؤساء الآباء، وبركة رجال الكهنوت، ننتقل إلى نقطة أخرى في مباركة البشر للبشر وهي:
بركة الأنبياء والأبرار
16-خرج شاول الملك لكي يباركه صموئيل النبي (1صم13: 10). ونقرأ أيضًا عن مباركة داود النبي لهدورام (1أي18: 10). وقد ذكر لنا الكتاب أن سليمان الملك بارك الشعب (1مل8: 14؛ 2أي6: 3) طبعًا بصفته مسيحًا للرب. ونقرأ عن أن ياهو "فَصَادَفَ يَهُونَادَابَ بْنَ رَكَابٍ يُلاَقِيهِ، فَبَارَكَهُ" (2مل10: 15).
ولعل من الأمثلة الواضحة للبركة
17- مباركة سمعان الشيخ للسيدة العذراء ويوسف النجار
وقيل عن سمعان الشيخ أنه "سِمْعَانُ كَانَ بَارًّا تَقِيًّا ...وَالرُّوحُ الْقُدُسُ كَانَ عَلَيْه" (لو2: 25). وأنه بارك العذراء ويوسف (لو2: 33، 34).
18- ومن نصوص الكتاب الواضحة عن بركة البشر للبشر...
"بِبَرَكَةِ الْمُسْتَقِيمِينَ تَعْلُو الْمَدِينَة.." (أم11: 11).
"اَلرَّجُلُ الأَمِينُ كَثِيرُ الْبَرَكَاتِ.." (أم28: 20).
بركات أخرى
19- نذكر في المقدمة بركة الوالدين
سواء قالوا البركة بألسنتهم، أو نال الابن بركة إكرامهم. وفي ذلك يقول بولس الرسول: "أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ، الَّتِي هِيَ أَوَّلُ وَصِيَّةٍ بِوَعْدٍ" (أف6: 2). ولعل المقصود هو البركة التي ذكرت في الوصايا العشر "أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ لِتَطُولَ أَيَّامُكَ عَلَى الأَرْضِ" (خر20: 12).
20- هناك بركة أخرى هي بركة خدمة الفقراء والمساكين.
ولعل أمثلتها قول أيوب الصديق في حديثه عن خدمته للمساكين: "بَرَكَةُ الْهَالِكِ حَلَّتْ عَلَيَّ.." (أي29: 13). أي أن الشخص الذي كان يهلك، أو كان في حكم الهالك وأنقذته، هذا بركته حلّت عليَّ.
وهنا بركة، سواء كلمة دعاء من الفقير أو طالب المعونة، تكون بركة للإنسان أو مجرد بركة الخدمة ذاتها ولو في الخفاء...
21- بركة دعاء من أي أحد.
كقول الرسول: "بَارِكُوا عَلَى الَّذِينَ يَضْطَهِدُونَكُمْ. بَارِكُوا وَلاَ تَلْعَنُوا" (رو12: 14). ولعله قد أخذ هذا من قول الرب في العظة على الجبل: "أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ" (مت5: 44).
وفي هذا المعنى يقول القديس بطرس الرسول: "غَيْرَ مُجَازِينَ عَنْ شَرٍّ بِشَرٍّ أَوْ عَنْ شَتِيمَةٍ بِشَتِيمَةٍ، بَلْ بِالْعَكْسِ مُبَارِكِينَ" (1بط3: 9).
22- فإن كان الإنسان يمكن أن يتلقى كلمة بركة من أي إنسان، حتى ممن قد أساء هو إليه، فكم بالأولى كلمة البركة من الكاهن الذي استؤمن من الله على منح البركة؟!
إذًا عبارة: "كيف نأخذ بركة من إنسان" لا تتفق مع الحق الإنجيلي. ومن ناحية أخرى، فإن مباركة الكهنة للشعب عبارة عن وصية أمر بها الرب. وإن لم ينفذوها يكونون مقصرين ومخطئين.
23- والعجيب أن الذين يحتجون على منح الكاهن للبركة، كثيرًا ما يقول كل منهم لمن يخاطبه "الرب يباركك". وقد يقولها في حديثه مع أحد الآباء الكهنة القسوس، أو أحد الأساقفة، ككلمة دعاء...
2) الكهنوت والسيادة
سؤال: كيف ندعو بعض رجال الكهنوت بعبارة (سيدنا)، بينما لا يوجد سوى سيد واحد هو الله. وقد قال السيد المسيح: "وَأَمَّا أَنْتُمْ فَلاَ تُدْعَوْا سَيِّدِي لأَنَّ مُعَلِّمَكُمْ وَاحِدٌ الْمَسِيحُ" (مت23: 8)؟
الجواب
1- قال السيد المسيح هذه العبارة في مجال نقده لكبرياء الكتبة والفريسيين، الذين "فَيُعَرِّضُونَ عَصَائِبَهُمْ وَيُعَظِّمُونَ أَهْدَابَ ثِيَابِهِمْ. وَيُحِبُّونَ الْمُتَّكَأَ الأَوَّلَ فِي الْوَلاَئِمِ وَالْمَجَالِسَ الأُولَى فِي الْمَجَامِعِ. وَالتَّحِيَّاتِ فِي الأَسْوَاقِ وَأَنْ يَدْعُوَهُمُ النَّاسُ: سَيِّدِي سَيِّدِي!" (مت23: 5- 7). ثم قال بعد ذلك مباشرة: "وَأَمَّا أَنْتُمْ فَلاَ تُدْعَوْا سَيِّدِي..." (مت23: 8).
قال لهم هذا، ليلغي قيادة الكتبة والفريسيين وسيادتهم، تمهيدًا لوضع نظام لقيادات كنسية جديدة، لا علاقة لها بهؤلاء السادة محبي الظهور...
2- وقال هذه العبارات لرسله القديسين، وليس لكل الشعب.
"لاَ تُدْعَوْا سَيِّدِي ... وَلاَ تَدْعُوا لَكُمْ أَبًا عَلَى الأَرْض... وَلاَ تُدْعَوْا مُعَلِّمِينَ" (مت23: 8- 10). فالرسل وخلفاؤهم من رؤساء الآباء، ليس لهم على الأرض معلم أو أب أو سيد.. أما باقي الشعب فلهم...
وقد شرحنا هذه النقطة في الكلام عن رجال الكهنوت كمعلمين وكآباء. (انظر الجزء الخاص بالكهنوت وظائفه وألقابه - معلمون). ونتكلم الآن عن كلمة "سادة"، فنقول:
3- إن السيادة منحها الله للإنسان منذ البدء، لأنه صورته ومثاله (تك1: 26).
فقال لآدم وحواء: "اثْمِرُوا وَاكْثُرُوا وَامْلأُوا الأَرْضَ وَأَخْضِعُوهَا وَتَسَلَّطُوا عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى كُلِّ حَيَوَانٍ يَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ" (تك1: 28). بل قال الله قبل خلق الإنسان: "نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا فَيَتَسَلَّطُونَ..." (تك1: 26).
وهذه السلطة ذاتها، وهذه السيادة، كما منحها الله لآدم وحواء، منحها أيضًا لنوح وأولاده، بعد الفلك (تك9: 2).
الإنسان كصورة لله هو سيد، وكوكيل له على الأرض هو سيد. وسيادة الإنسان لا تتعارض مع سيادة الله إطلاقًا، ولا تنافسها.
إنها منحة من الله، وليس منافسة له، وتمارس باتضاع.
4- وأمامنا مثال هو يوسف الصديق، منحه الله ألقاب السلطة والسيادة والأبوة، دفعة واحدة، وسلك في ذلك باتضاع.
يقول يوسف الصديق إن الله "جَعَلَنِي أَبًا لِفِرْعَوْنَ وَسَيِّدًا لِكُلِّ بَيْتِهِ وَمُتَسَلِّطًا عَلَى كُلِّ أَرْضِ مِصْرَ" (تك45: 8).
وما أكثر الأمثلة في الكتاب المقدس، التي منح فيها الله بعض أولاده أن يكونوا سادة بغير كبرياء..
5- هل تعجبون من أن الله جعل يوسف أبًا لفرعون، وسيدًا لكل بيته؟! هوذا ما هو أكبر من هذه، أعني قول الرب لموسى: "أَنَا جَعَلْتُكَ إِلَهًا لِفِرْعَوْنَ" (خر7: 1) وقوله أيضًا لموسى عن هارون: "وَهُوَ يَكُونُ لَكَ فَمًا وَأَنْتَ تَكُونُ لَهُ إِلَهًا" (خر4: 16).
طبعًا كلمة "إلهًا" هنا لا تعني اللاهوت الذي هو طبيعة الله وحده - تبارك اسمه - إنما تعني السيادة، بأسلوب فيه لون واضح من التمجيد... فهل تتعجبون من هذا المجد الذي لعبده موسى، الذي قال عنه في مجال آخر لتمجيده: "إِنْ كَانَ مِنْكُمْ نَبِيٌّ لِلرَّبِّ فَبِالرُّؤْيَا أَسْتَعْلِنُ لهُ. فِي الحُلمِ أُكَلِّمُهُ. وَأَمَّا عَبْدِي مُوسَى فَليْسَ هَكَذَا بَل هُوَ أَمِينٌ فِي كُلِّ بَيْتِي. فَمًا إِلى فَمٍ وَعَيَانًا أَتَكَلمُ مَعَهُ... وَشِبْهَ الرَّبِّ يُعَايِنُ" (عد12: 6- 8).
6- نأخذ مثالًا للسيادة في البركة التي أخذها يعقوب أبي الآباء، حيث قال له فيها: "لِيُسْتَعْبَدْ لَكَ شُعُوبٌ وَتَسْجُدْ لَكَ قَبَائِلُ. كُنْ سَيِّدًا لإِخْوَتِكَ وَلْيَسْجُدْ لَكَ بَنُو أُمِّكَ" (تك27: 29).
إنها سيادة، وسجود. ومع ذلك كانت بركة. ولم تتعارض مع روح الاتضاع، ولا مع سلطان الله وسيادته.
وطبعًا السجود هنا، هو سجود الاحترام، وليس سجود العبادة.
ونلاحظ أن السيادة التي منحها الله ليعقوب على إخوته، لم يستخدمها في كبرياء، ولا هي افقدته اتضاعه. بل إنه - وهو السيد - سجد إلى أخيه سبع مرات إلى الأرض، "وَسَجَدَ إِلَى الأَرْضِ سَبْعَ مَرَّاتٍ حَتَّى اقْتَرَبَ إِلَى أَخِيهِ" (تك33: 3).
7- السيادة إذًا في الكهنوت، لا تمنع الاتضاع. وهي نابعة من أن الأسقف هو وكيل لله (تي1: 7). فكل احترام مقدم له، إنما هو مقدم لمركزه هذا ووضعه. أليس هو الشخص الذي بوضع يده يُنال الروح القدس؟
والسيادة هنا ما هي إلاَّ طاقة للتنظيم في الكنيسة، وليست مطلقًا للتسلط، كما كان يحدث مع الكتبة والفريسيين.
3) سجود العبادة، وسجود الإكرام
سؤال: هل يليق السجود لإحدى رتب الكهنوت، كما يفعل البعض؟ أليس السجود هو لله وحده حسب تعليم الكتاب؟
الجواب
1- تعود الناس أن يسجدوا للأسقف احترامًا، باعتباره وكيل الله، "الأُسْقُفُ... كَوَكِيلِ الله" (تي1: 7). فهم يسجدون لله في شخصه. ومثال ذلك:
ومثال ذلك أنهم يستقبلون الأسقف بلحن إب أورو pouro... "يا ملك السلام، أعطنا سلامك" بينما ملك السلام هو المسيح. ولكنهم يقولون هذا اللحن في وجود الأسقف، للترحيب به، باعتباره وكيلًا للمسيح.
وبالمثل حينما يصلي الأسقف الإنجيل، يرتلون لحن "أقسم الرب ولن يندم، أنك أنت هو الكاهن إلى الأبد على طقس ملكي صادق" (مز110) بينما هذا اللحن هو للسيد المسيح، وهذا المزمور نبوءة عنه. ولكن اللحن يقال في وجود الأسقف باعتباره الوكيل الذي يمثل المسيح... ويشبه ذلك عزف السلام الجمهوري في وجود مندوب أو ممثل لرئيس الجمهورية، حتى لو كان ضابطًا صغيرًا...
2- والسجود للأسقف هو سجود احترام، وله أمثلة في الكتاب.
وكثير من الأساقفة يمتنعون عن قبول هذا السجود، فيحترمهم الشعب بالأكثر بسبب تواضعهم، ويتمسكون بالسجود بالأكثر. فيضطر هؤلاء أن يستسلموا لهذا الواقع، وفي قلوبهم يعتقدون أنهم تراب ورماد.
3- ولبحث الموضوع لاهوتيًا وكتابيًا نقول إن هناك نوعين من السجود: سجود عبادة وسجود احترام. وسجود العبادة هو لله وحده.
وعن سجود العبادة قال الكتاب عن الأصنام: "لا تَسْجُدْ لهُنَّ وَلا تَعْبُدْهُنّ" (تث5: 9). وقال أيضًا: ".. لِلرَّبِّ إِلَهِكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ" (مت4: 10). وفي كلا النصين يقترن السجود بالعبادة والآيات كثيرة. ولا خلاف في أن سجود العبادة لله وحده.
أما سجود الاحترام، فأمثلته كثيرة في الكتاب. وقد صدر من قديسين يعتبرون أمثلة عليا في الإيمان: سجدوا لغيرهم، أو قبلوا السجود.
قديسون يسجدون لبشر
5- أبونا إبراهيم مثلًا، أبو الآباء والأنبياء: لما اشترى من بني حث أرضًا لمقبرة، ليدفن زوجته سارة، يقول الكتاب: "فَقَامَ إِبْرَاهِيمُ وَسَجَدَ لِشَعْبِ الأَرْضِ لِبَنِي حِثَّ... فَسَجَدَ إِبْرَاهِيمُ أَمَامَ شَعْبِ الأَرْضِ" (تك23: 7، 12).
فهل كان سجود أبينا إبراهيم لبني حث ضد الإيمان؟!
حاشا فأبونا إبراهيم من أبرز الأمثلة في الإيمان بشهادة الكتاب (عب11: 8- 10).
6- وأبونا يعقوب أبو الآباء "سَجَدَ إِلَى الأَرْضِ سَبْعَ مَرَّاتٍ حَتَّى اقْتَرَبَ إِلَى أَخِيهِ" (تك33: 3). وكذلك سجدت زوجتاه وجاريتاه وأولادهن لعيسو. فهل خرجوا جميعًا عن الإيمان؟! حاشا.
7- وموسى النبي خرج لاستقبال حميه يثرون، وسجد وقبله (خر18: 7).
8- وداود النبي سجد أمام شاول الملك لأنه مسيح الرب (1صم24: 8). وقال له: "يَا سَيِّدِي الْمَلِكُ" فهل أخطأ موسى النبي العظيم؟ وهل أخطأ داود النبي العظيم، وخرجا عن الإيمان؟!
إن سجود آبائنا إبراهيم ويعقوب وداود وموسى، أمام بشر، كان مجرد احترام وتوقير. ومن المحال أن نتهم إيمان هؤلاء الأنبياء العظام الذين شهد لهم الرب بنفسه.
قديسون سجدوا لملائكة
9- وهناك قديسون سجدوا أيضًا لملائكة. فإبراهيم أبو الآباء رأى ثلاثة رجال، فركض لاستقبالهم من باب الخيمة وسجد إلى الأرض (تك18: 2). وكانوا الرب وملاكين. وما كان أبرام وقتذاك يعرف أن الرب بينهم، وإلاَّ ما كان يقول لهم: "وَاغْسِلُوا أَرْجُلَكُمْ وَاتَّكِئُوا تَحْتَ الشَّجَرَةِ، فَآخُذَ كِسْرَةَ خُبْزٍ، فَتُسْنِدُونَ قُلُوبَكُمْ ثُمَّ تَجْتَازُونَ" (تك18: 4، 5).
10- ولما "جَاءَ الْمَلاَكَانِ إِلَى سَدُومَ مَسَاءً وَكَانَ لُوطٌ جَالِسًا فِي بَابِ سَدُومَ. فَلَمَّا رَآهُمَا لُوطٌ قَامَ لِاسْتِقْبَالِهِمَا وَسَجَدَ بِوَجْهِهِ إِلَى الأَرْضِ" (تك19: 1).
ولم يعترض الملاكان إطلاقًا على سجود لوط لهما.
إنه سجود احترام. ولو كان سجود عبادة، لمنعاه حتمًا.
11- وبلعام لما أبصر ملاك الرب واقفًا "فَخَرَّ سَاجِدًا عَلى وَجْهِهِ" (عدد22: 31). وحتى لو كان بلعام مخطئًا، لم نسمع أن الملاك منعه من السجود أو وبخه على ذلك، بل وبخه على أنه ضرب أتانه (عدد22: 32).
12- إن الملاك الذي سجد له يوحنا، امتنع تواضعًا.
ومن المحال أن نظن أن هذا الرسول العظيم الذي كان من أعمدة الكنيسة، قد خرج عن الإيمان بسجوده للملاك! بل إنه لما منعه الملاك من السجود له (رؤ19: 10) عاد فسجد للملاك مرة ثانية (رؤ22: 8).
أنبياء يتقبلون السجود
13- ورجال الله القديسون: كما سجدوا لغيرهم، فإنهم أيضًا تقبلوا من غيرهم السجود، ولم يمتنعوا، ولم يعتبروه عبادة.
داود النبي العظيم: سجدت له أبيجايل (1صم25: 23)، وسجد له الرجل العماليقي (2صم1: 2). وسجد له مفيبوشث بن ناثان (2صم9: 6، 8). وسجدت له المرأة التقوعية (2صم14: 4). وسجد له صيبا غلام مفيبوشث (2صم16: 4). وسجد له شمعي بن جيرا (2صم19: 18). وسجدت له زوجته بَثْشَبَعُ (1مل1: 16، 31).
سجد له كل هؤلاء احترامًا، كمسيح للرب. وقبل داود منهم هذا السجود، ولم يعتبره عبادة. بل سجد له ناثان النبي.
14- قيل عن ناثان النبي إنه: "فَدَخَلَ إِلَى أَمَامِ الْمَلِكِ (داود) وَسَجَدَ لِلْمَلِكِ عَلَى وَجْهِهِ إِلَى الأَرْضِ" (1مل1: 23). وهنا نرى نبيًا يسجد أمام نبي آخر هو ملك ومسيح للرب.
فهل أخطأ هذان النبيان؟ أم أنه سجود احترام؟
15- وأرونة اليبوسي سجد لداود "فَخَرَجَ أَرُونَةُ وَسَجَدَ لِلْمَلِكِ عَلَى وَجْهِهِ إِلَى الأَرْضِ" (2صم24: 20). وقيل أيضًا عن أخيمعص بن صادوق الكاهن إنه قال للملك داود: سلام، "وَسَجَدَ لِلْمَلِكِ عَلَى وَجْهِهِ إِلَى الأَرْضِ" (2صم18: 28).
16- دانيال النبي قبل السجود من نبوخذ نصر الملك.
يقول الكتاب: "حِينَئِذٍ خَرَّ نَبُوخَذْ نَصَّرُ عَلَى وَجْهِهِ وَسَجَدَ لِدَانِيآل" (دا2: 46). ولم يمتنع دانيال عن قبول السجود.
17- وإيليا النبي قَبلَ السجود من رئيس الخمسين الثالث.
"... فَصَعِدَ رَئِيسُ الْخَمْسِينَ الثَّالِثُ وَجَاءَ وَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ أمَامَ إِيلِيَّا، وَتَضَرَّعَ إِلَيْهِ وَقَالَ لَهُ: يَا رَجُلَ الله، لِتُكْرَمْ نَفْسِي وَأَنْفُسُ عَبِيدِكَ هَؤُلاَءِ الْخَمْسِينَ فِي عَيْنَيْكَ" (2مل1: 13).
18- وأليشع النبي قَبلَ السجود من المرأة الشونمية.
وذلك بعد إقامته ابنها من الموت: "فَأَتَتْ وَسَقَطَتْ عَلَى رِجْلَيْهِ وَسَجَدَتْ إِلَى الأَرْضِ، ثُمَّ حَمَلَتِ ابْنَهَا وَخَرَجَتْ" (2مل37:4).
19- ومن أمثلة الاحترام، سجود الملك سليمان لأمه بثشبع.
"فَدَخَلَتْ بَثْشَبَعُ إِلَى الْمَلِكِ سُلَيْمَانَ لِتُكَلِّمَهُ عَنْ أَدُونِيَّا. فَقَامَ الْمَلِكُ لِلِقَائِهَا وَسَجَدَ لَهَا وَجَلَسَ عَلَى كُرْسِيِّهِ، وَوَضَعَ كُرْسِيًّا لأمِّ الْمَلِكِ فَجَلَسَتْ عَنْ يَمِينِهِ" (1مل2: 19).
وسليمان الملك، وإن كان قد سجد لبثشبع لأنها أمه، فإنه من الناحية الأخرى اقتبل السجود من أدونيا، الذي رشحه البعض للمُلك (1مل1: 53).
20- ويوسف الصديق قبل سجود إخوته له.
"فَأَتَى إِخْوَةُ يُوسُفَ وَسَجَدُوا لَهُ بِوُجُوهِهِمْ إِلَى الأَرْضِ" (تك42: 6). وسجدوا له مرة أخرى (تك43: 26). ومرة ثالثة (تك44: 14) ومرة رابعة (تك50: 18).
ولم يوبخهم على السجود، ولم يمتنع. كان ذلك شيئًا طبيعيًا كعلامة احترام. أما لو خرج عن هذا المعنى إلى العبادة، لرفضه يوسف الصديق بلا شك.
سجود بأمر من الله
21- سجود إخوة يوسف له، كان بوحي من الله. وكان مؤيدًا برؤى إلهية حكاها يوسف لوالديه وإخوته. فالأمر إذًا متفق مع مشيئة الله، وبتدبير منه.
قال لإخوته عن حلمه: "وَإِذَا حُزْمَتِي قَامَتْ وَانْتَصَبَتْ فَاحْتَاطَتْ حُزَمُكُمْ وَسَجَدَتْ لِحُزْمَتِي" (تك37: 7). وقال لأبويه: "إِنِّي قَدْ حَلُمْتُ حُلْمًا أَيْضًا وَإِذَا الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَأَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا سَاجِدَةٌ لِي... فَانْتَهَرَهُ أَبُوهُ وَقَالَ لَهُ: "مَا هَذَا الْحُلْمُ الَّذِي حَلُمْتَ! هَلْ نَأْتِي أَنَا وَأُمُّكَ وَإِخْوَتُكَ لِنَسْجُدَ لَكَ إِلَى الأَرْضِ؟" (تك37: 9، 10).
22- ومن البركة الإلهية التي نالها يعقوب أبو الآباء، أن يسجد له إخوته، وتسجد له شعوب وقبائل. هكذا كانت البركة: "لِيُسْتَعْبَدْ لَكَ شُعُوبٌ وَتَسْجُدْ لَكَ قَبَائِلُ. كُنْ سَيِّدًا لإِخْوَتِكَ وَلْيَسْجُدْ لَكَ بَنُو أُمِّكَ" (تك27: 29).
23- ولئلا يظن البعض أن بركة سجود الغير، أو طاعته وخضوعه، كانت في العهد القديم فقط، نأخذ مثلًا واضحًا له في العهد الجديد، في سفر الرؤيا. وذلك في الرسالة إلى ملاك كنيسة فيلادلفيا، حيث قال له الرب عن القائلين إنهم يهود، وهم ليسوا يهودًا بل يكذبون: "هَئَنَذَا أُصَيِّرُهُمْ يَأْتُونَ وَيَسْجُدُونَ أَمَامَ رِجْلَيْكَ، وَيَعْرِفُونَ أَنِّي أَنَا أَحْبَبْتُكَ" (رؤ3: 9).
وما دام هؤلاء سيسجدون لراعي كنيسة فيلادلفيا، بأمر إلهي وبمشيئة إلهية، إذًا مثل هذا السجود ليس خطية.
أنواع سجود أخرى
24- وهناك سجود أمام الهياكل والمذابح والأماكن المقدسة.
يقول داود النبي: "قُدَّامَ الآلِهَةِ أُرَنِّمُ لَكَ. أَسْجُدُ فِي هَيْكَلِ قُدْسِكَ" (مز138: 1، 2). ويقول أيضًا: "أَمَّا أَنَا فَبِكَثْرَةِ رَحْمَتِكَ أَدْخُلُ بَيْتَكَ. أَسْجُدُ فِي هَيْكَلِ قُدْسِكَ بِخَوْفِكَ" (مز5: 7).
ونحن حينما نسجد أمام الهيكل أو المذبح، أترانا نعبد الهيكل أو المذبح؟! حاشا. وإنما هو احترام للمواضع المقدسة. كما قال رئيس جند الرب ليشوع: "اخْلَعْ نَعْلَكَ مِنْ رِجْلِكَ لأَنَّ الْمَكَانَ الَّذِي أَنْتَ وَاقِفٌ عَلَيْهِ هُوَ مُقَدَّس" (يش5: 15).
25- هناك سجود آخر للتوبة أو للاعتذار.
مثل المطانيات، يسجد بها شخص لآخر، اعتذارًا، أو يعبر بها عن توبته لله. وهذا خارج نطاق الكهنوت.
26- الأسقف أو البطريرك الذي يسجد له الناس، هو أيضًا يسجد لهم.
وذلك قبل بداية القداس قائلًا للشعب: "أخطأت سامحوني".
إذًا ينبغي أن نفهم السجود، بالروح لا بالحرف، لأن الحرف يقتل.
4) أهو سلطان للرسل فقط؟
سؤال: بماذا نرد على القائلين بأن السلطان أُعطى للرسل فقط؟
الجواب
في الواقع أن هذا الأمر لا يستقيم إلاَّ لو كانت الديانة المسيحية هي لعصر الرسل فقط، وليست لكل العصور.
والذي يقول بهذا، إنما يهدم المسيحية دون أن يقصد، ويوقف كل الممارسات والعقائد والتعاليم التي كانت موجودة أيام الرسل. وتكون المسيحية قد انتهت بنياحة القديس يوحنا الإنجيلي، آخر مَن رقدَ من الاثني عشر...
أما لو كانت المسيحية هي لكل العصور، فلا بد أن يستمر ما كان يعمله الرسل. يسلمونه لخلفائهم، وهم للأجيال التي بعدهم، بنفس السلطان.
وسنضرب عدة أمثلة في هذا الموضوع:
1- التعليم
السيد المسيح قال للرسل: "مُعَلِّمَكُمْ وَاحِدٌ الْمَسِيحُ" (مت23: 8، 10). ولكن السيد المسيح المعلم، سلم التعليم للرسل، وقال لهم: "اذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَم... وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ" (مت28: 19، 20).
والرسل تلمذوا خلفاءهم. بولس الرسول مثلًا تلمذ تيموثاوس، وتيطس، ولوقا، وتيخيكس، وآخرين.
ثم قال لتيموثاوس مثلًا: "لاَحِظْ نَفْسَكَ وَالتَّعْلِيمَ وَدَاوِمْ عَلَى ذَلِكَ" (1تي4: 16) "اعْمَلْ عَمَلَ الْمُبَشِّرِ. تَمِّمْ خِدْمَتَكَ" (2تي4: 5). وكيف ذلك؟
"وَمَا سَمِعْتَهُ مِنِّي بِشُهُودٍ كَثِيرِينَ، أَوْدِعْهُ أُنَاسًا أُمَنَاءَ، يَكُونُونَ أَكْفَاءً أنْ يُعَلِّمُوا آخَرِينَ أيْضًا" (2تي2: 2).
أي أن المسيح سلم التعليم للرسل.
وبولس استلم من الرسل ومن المسيح.
وبولس سلم تيموثاوس.
وتيموثاوس أودع نفس التعليم لأناس أمناء.
وهؤلاء الأمناء كانوا أكفاء أن يعلموا آخرين أيضًا.
وجيل يمضي، وجيل يجيء. والكنيسة باقية بنفس التعليم.
2- الإفخارستيا
المسيح سلّم الرسل هذا السر، قائلًا لهم: "هذا هو جسدي. هذا هو دمي. اصنعوا هذا لذكري". وسلّم ذلك لبولس أيضًا. وبولس يقول: "لأَنَّنِي تَسَلَّمْتُ مِنَ الرَّبِّ مَا سَلَّمْتُكُمْ أَيْضًا" (1كو11: 23).
وتسليم تقديم جسد الرب ودمه، لازم لاستمرار السر.
وهذا الاستمرار هو أمر إلهي، قال فيه الرب: "اصنعوا هذا لذكري". ولا يمكن أن يصنعه إلاَّ الذين ائتمنوا على هذا السر. وواضح أن الرَّبّ سلمه لرسله القديسين، فينتقل بطبيعة الحال إلى خلفائهم، أي إلى رجال الكهنوت.
ومن المحال أن يكون جسد الرب ودمه لعصر الرسل فقط.
وإلا تكون الأجيال كلها قد حُرمت من بركات هذا السرّ التي ذكرناها في الباب السادس، ووردت في (يو 6). وكذلك من الناحية السلبية تتعرض كل الأجيال لقول الرب: "الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَمْ تَأْكُلُوا جَسَدَ ابْنِ الإِنْسَانِ وَتَشْرَبُوا دَمَهُ فَلَيْسَ لَكُمْ حَيَاةٌ فِيكُم" (يو6: 53).
إذًا اختصاص تقديم جسده ودمه، مستمر لاستمرار التعليم.
ننتقل إلى نقطة أخرى، وهي:
3- المعــمودية
من المحال أن تكون المعمودية قاصرة على العصر الرسولي وحده، وذلك لعلاقتها بالخلاص "مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ" (مر16: 16).
وأيضًا بسبب الإنذار الذي ذكره الرب في حديثه لنيقوديموس (يو3: 5).
ولعلاقتها بمغفرة الخطايا، حسب قول القديس بطرس لليهود في يوم الخمسين: "تُوبُوا وَلْيَعْتَمِدْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عَلَى اسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ لِغُفْرَانِ الْخَطَايَا..." (أع2: 38). وكذلك لعلاقة المعمودية بالميلاد الثاني (يو3: 5؛ تي3: 5).
فما دامت المعمودية لها علاقة بالخلاص، وبمغفرة الخطايا، وبالميلاد الثاني، إذًا لا بد أن تستمر عبر الأجيال، ولا يمكن أن تكون قاصرة على العصر الرسولي. والمعمودية لم يعهد بها الله إلاَّ لرسله، وبالتالي لخلفائهم لتستمر.
قال لهم: "تَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ.. وَعَمِّدُوهُم... وَعَلِّمُوهُمْ" (مت28: 19، 20).
ولم يعهد بهذه المسئولية لعامة الشعب. فلكي تستمر، لا بد أن تستمر في خلفاء الرسل، وخلفائهم في المسئولية.
ويكفي لأهمية استمرارها، قول الرسول عن المعمودية: "لأَنَّ كُلَّكُمُ الَّذِينَ اعْتَمَدْتُمْ بِالْمَسِيحِ قَدْ لَبِسْتُمُ الْمَسِيح" (غلا3: 27).
هل يمكن حرمان الأجيال كلها من هذه البركة، حينما يقول البعض إن وصايا المسيح للرسل كانت لعصرهم فقط؟! نضيف نقطة أخرى وهي:
4- منح الروح القدس
هل يمكن أن جيلًا من الأجيال يمكن أن يعيش بدون الروح القدس؟! محال... وكيف إذًا كان يُمنح الروح القدس؟ كان ذلك عن طريق الآباء الرسل وليس أفراد الشعب، كما حدث بالنسبة إلى السامرة:
"وَلَمَّا سَمِعَ الرُّسُلُ ... أَنَّ السَّامِرَةَ قَدْ قَبِلَتْ كَلِمَةَ اللهِ أَرْسَلُوا إِلَيْهِمْ بُطْرُسَ وَيُوحَنَّا... حِينَئِذٍ وَضَعَا الأَيَادِيَ عَلَيْهِمْ فَقَبِلُوا الرُّوحَ الْقُدُس" (أع8: 14، 17).
ولم نسمع إطلاقًا أن عامة الشعب كانوا يمنحون الروح القدس. ونفس الوضع، نراه في منح الروح لأفسس (أع19: 6).
5- سلطان المغفرة والإرشاد، والحل والربط.
سلطان المغفرة الذي منحه السيد المسيح للآباء الرسل (يو20: 23) هل كان خاصًا بعصر واحد يتمتع به... يتمتع بالإرشاد الروحي، وإراحة النفوس عن طريق الاعتراف. وأما باقي العصور، فلا...!
إن المسيحية هي المسيحية، ديانة لكل الشعوب، ولكل العصور...
والذي أعطى الآباء الرسل، إنما أعطى لقيادة الخدمة في أشخاصهم، لكي يتمتع به كل الناس...
كان لا بد لتنظيم الكنيسة من سلطان الحلِّ والربط، ليس فقط من أجل المغفرة والعقوبة، إنما أيضًا من أجل سلطة التقنين والتشريع، بما لا يتعارض مع كتاب الله. وقام الرسل بواجبهم.
وفي كل جيل، تظهر أمور جديدة تحتاج إلى معرفة رأي الدين فيها، وتحتاج إلى كلمة من الكهنوت الذي له سلطان الحل والربط (مت18: 18)، والذي "مِنْ فَمِهِ يَطْلُبُونَ الشَّرِيعَةَ لأنه رَسُولُ رَبِّ الْجُنُودِ" (ملا2: 7).
فهل تبقى الكنيسة بلا قيادة بعد عهد الرسل؟! وهل يُبطل سلطان الحل والربط؟ وهل يُبطل التقنين والتشريع؟ وهل نترك الشعب حيارى لا يعرفون أين هو الخير وأين هو الشر؟... حاشا أن يحدث هذا في كنيسة الله، التي كل شيء فيها يسير بلياقة وحسب ترتيب (1كو 14: 40).
إن كان الرسول قد قال لأهل كورنثوس: "أَمَّا الأُمُورُ الْبَاقِيَةُ فَعِنْدَمَا أَجِيءُ أُرَتِّبُهَا" (1كو11: 34)، فإنه قال لتلميذه تيطس أسقف كريت: "تَرَكْتُكَ فِي كِرِيتَ لِكَيْ تُكَمِّلَ تَرْتِيبَ الأُمُورِ النَّاقِصَةِ، وَتُقِيمَ فِي كُلِّ مَدِينَةٍ قُسُوسًا كَمَا أَوْصَيْتُكَ" (تي1: 5).
يتضح من هنا أن سلطان الترتيب الذي كان للرسول، قد اشترك فيه تلميذه أيضًا. وهنا جيل يسّلم جيلًا.
6- سلطان وضع اليد
السيد المسيح بنفسه أقام خدّامًا. وتركهم يقيمون خدامًا من بعده، يتولون مباشرة الاختصاصات التي عهد بهم إليهم.
وهكذا وُضعت اليد على بولس وبرنابا (أع13: 3).
وبولس وضع اليد على تلميذه تيموثاوس أسقف أفسس، قائلًا له: "أذَكِّرُكَ أنْ تُضْرِمَ أيْضًا مَوْهِبَةَ اللهِ الَّتِي فِيكَ بِوَضْعِ يَدَيَّ" (2تي1: 6).
وتيموثاوس وضع اليد على آخرين. وقال له بولس: "لاَ تَضَعْ يَدًا عَلَى أحَدٍ بِالْعَجَلَةِ، وَلاَ تَشْتَرِكْ فِي خَطَايَا الآخَرِينَ" (1تي5: 22).
وكما كلف بولس تلميذه تيموثاوس، أن يكون حريصًا في وضع يده في إقامة القسوس، كذلك كلف تلميذه تيطس أسقف كريت، أن يقيم في كل مدينة قسوسًا (تي1: 5).
وهكذا تسلسل وضع اليد من المسيح، إلى بولس، إلى تيموثاوس وتيطس وغيرهما، إلى آخرين. هكذا مع باقي الرسل.
كان لا بد أن السلطان ينتقل من الرسل عبر الأجيال، لكي تستمر الرئاسة الكنسية، ويستمر عمل الكهنوت، وتستمر الخدمة، وتستمر النعم الإلهية التي تأتي عن هذا الطريق.
7- الرسل هم الأساس
جاء السيد المسيح يبني الملكوت، ووضع أساسًا هو الرسل. ولكن لا يمكن أن يبقى الأمر عند مستوى الأساس فقط دون أن يكمل البناء، ولا بد أن يستمر. وفي هذا يقول القديس بطرس الرسول: "كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضًا مَبْنِيِّينَ كَحِجَارَةٍ حَيَّةٍ، بَيْتًا رُوحِيًّا، كَهَنُوتًا مُقَدَّسًا، لِتَقْدِيمِ ذَبَائِحَ رُوحِيَّةٍ مَقْبُولَةٍ عِنْدَ اللهِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ" (1بط2: 5).
وكيف يُبنى هذا البيت الروحي الكهنوتي المقدس؟
يقول القديس بولس الرسول: "مَبْنِيِّينَ عَلَى أَسَاسِ الرُّسُلِ وَالأَنْبِيَاءِ، وَيَسُوعُ الْمَسِيحُ نَفْسُهُ حَجَرُ الزَّاوِيَة" (أف2: 20).
إذًا الرسل هم مجرد الأساس، وليسوا كل البناء.
ولا يمكن ترك الأساس بدون بناء عليه.
من هنا انتقلت الاختصاصات من الرسل إلى خلفائهم، ليتم البناء.
5) ويلٌ لي إن كنت لا أبشر
سؤال: لماذا تخصون الكهنة بالتعليم؟ لماذا لا يقوم بالتعليم كل مَن له غيرة؟ ويقول أيضًا كما يقول الكتاب: "فَوَيْلٌ لِي إِنْ كُنْتُ لاَ أُبَشِّرُ" (1كو9: 16).
الجواب
الذي قال: "ويلٌ لي إن كنت لا أبشر" هو بولس الرسول. وليس كل إنسان هو بولس الرسول.
ولماذا قال الرسول هذا الكلام؟ إنه يقول: "إِنْ كُنْتُ أُبَشِّرُ فَلَيْسَ لِي فَخْرٌ إِذِ الضَّرُورَةُ مَوْضُوعَةٌ عَلَيَّ..." (1كو9: 16). ونسأله: لماذا يرى الضرورة موضوعة عليه، فويل له إن كان لا يبشر.
يجيب الرسول: "فَقَدِ اسْتُؤْمِنْتُ عَلَى وَكَالَةٍ" (1كو9: 17)...
إنه كوكيل لله، قد استؤمن منه على هذا العمل، أن يبشر. ومن هنا كانت الضرورة موضوعة عليه، من حيث مسئوليته كوكيل...
إذًا لا تنتزع آية واحدة من فصل، دون أن نقرأ الفصل كله، ونعرف من الذي يتكلم؟ ولماذا يقول هذا؟ وهل نحن في نفس موقفه؟!
اسأل نفسك يا صاحب السؤال: هل استؤمنت على وكالة؟
هل هناك ضرورة موضوعة عليك؟
تقول: وماذا عن الغيرة المقدسة ومحبة الناس؟
أقول لك: اذهب إلى الكنيسة لكي ترسلك، لكي يصبح وضعك شرعيًا. وهذا هو تعليم نفس الرسول إذ يقول: "كَيْفَ يُؤْمِنُونَ بِمَنْ لَمْ يَسْمَعُوا بِهِ؟ وَكَيْفَ يَسْمَعُونَ بِلاَ كَارِزٍ؟ وَكَيْفَ يَكْرِزُونَ إِنْ لَمْ يُرْسَلُوا؟" (رو10: 14، 15).
من هنا كانت خطورة مَن يكرز، دون أن ترسله الكنيسة!
أولئك الذين يعلمون في الكرازة والتعليم، إذ قد نَصبوا أنفسهم لذلك "دون أن يُرسلوا". فإن حدث أن الكنيسة قد أرسلتك لكي تكرز، حينئذ يمكنك أن تقول: "ويلٌ لي إن كنت لا أبشر".
وإن لم ترسلك الكنيسة، استمع لقول يعقوب الرسول: "لاَ تَكُونُوا مُعَلِّمِينَ كَثِيرِينَ يَا إِخْوَتِي، عَالِمِينَ أَنَّنَا نَأْخُذُ دَيْنُونَةً أَعْظَمَ!. لأَنَّنَا فِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ نَعْثُرُ جَمِيعُنَا" (يع3: 1). الذين يشتغلون في التعليم من خارج الكنيسة "دون أن يُرسلوا" يمكن أن يقعوا في بدع وأخطاء، ويعثرون، ويأخذون دينونة أعظم. هذا هو الحق الكتابي وتعليم الرسول.
ولمَا تقارن نفسك ببولس الرسول الذي أرسله السيد المسيح (أع9: 15) وأرسلته الكنيسة (أع13: 3)، وأرسل من الروح القدس (أع13: 4)، وافرزه الله من بطن أمه (غلا1: 15، 16).
وهنا أسأل: كيف يستريح ضميرك أنك مرسلٌ من الله؟
الذي ترسله الكنيسة يقول: الكنيسة التي أخذت سلطانًا من الله، هي قد أرسلتني. ومن لا يسمع للكنيسة يكون كالوثني والعشار (مت18: 17).
قد يدعي شخص ويقول: الروح القدس هو أرسلني!
مَن أدراك أن الروح القدس هو الذي أرسلك؟! وبخاصة إن كنت تحطم عقائد الكنيسة...! إذًا اسمع ماذا يقول الحق الكتابي... يقول:
إن الروح القدس حينما أراد إرسال برنابا وشاول، قال للرسل: "أَفْرِزُوا لِي بَرْنَابَا وَشَاوُلَ لِلْعَمَلِ الَّذِي دَعَوْتُهُمَا إِلَيْهِ" (أع13: 2).
"صَامُوا حِينَئِذٍ وَصَلُّوا وَوَضَعُوا عَلَيْهِمَا الأَيَادِيَ ثُمَّ أَطْلَقُوهُمَا. فَهَذَانِ إِذْ أُرْسِلاَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ انْحَدَرَا إِلَى سَلُوكِيَةَ" (أع13: 3، 4).
هكذا كان الإرسال من الروح القدس، عن طريق الكنيسة.
فالذي يرسل هكذا، يقول: ويلٌ لي إن كنت لا أبشر.



