من يغلب
يركز قداسة البابا شنوده في المحاضرة على عبارة «من يغلب» الواردة في سفر الرؤيا، ويؤكد أن الحياة الروحية هي طريق جهاد دائم، وصراع مستمر ضد الخطيّة والعالم والشيطان. الغلبة ليست حلمًا بعيدًا، بل دعوة مقدَّمة لكل إنسان بنعمة الله، بشرط أن يشترك الإنسان بإرادته وجهاده.
أولًا: معنى الغلبة في الحياة الروحية
يوضّح قداسة البابا شنوده الثالث أن القديس هو إنسان جاهد وغلب. الكنيسة المنتصرة في السماء تضم الذين غلبوا، بينما الكنيسة المجاهدة على الأرض تسير في طريق الانتصار. وما دام المسيح قال: «من يغلب»، فهذا يعني وجود حرب روحية حقيقية.
ثانيًا: المسيح الغالب نموذجًا وقدوة
المسيح هو الغالب في كل شيء: غلب التجربة، غلب الشيطان، غلب الخصوم، غلب الخطيّة بالفداء، وغلب الموت بالقيامة. لذلك يقود المؤمنين «في موكب نصرته»، ويمنح الغالبين وعودًا سماوية عظيمة مثل الأكل من شجرة الحياة، والثياب البيضاء، والجلوس معه في عرشه.
ثالثًا: الغلبة علامة القوة الداخلية
الغلبة الحقيقية ليست غلبة الآخرين، بل غلبة النفس. الضعيف يغضب وينفعل، بينما القوي ثابت كالجبَل، لا تهزّه الإهانة ولا العثرة. والشرّ لا يجب أن يغلب الإنسان، بل الإنسان يغلب الشر بالخير كما قال الكتاب.
رابعًا: أمثلة كتابية للغالبين
يعرض البابا أمثلة عديدة:
-
إبراهيم الذي غلب مشاعر الأبوة والطبيعة في تقديم ابنه.
-
يوسف الذي غلب التجربة.
-
دانيال والثلاثة فتية الذين غلبوا التهديد والموت.
-
القديس أثناسيوس الذي غلب البدع والهرطقات رغم الاضطهاد.
كلهم غلبوا لأن الله كان معهم، ولأن إرادتهم كانت ثابتة.
خامسًا: الغلبة تبدأ من الداخل
الخاطئ هو «إنسان مغلوب من نفسه». فإذا كان القلب قويًا لا تقوى عليه التجربة، ولا تدخل إليه فكرة خاطئة. النفس القوية هي «جنة مغلقة» لا تنفتح للشر، وتغلب الأفكار والشهوات منذ بدايتها قبل أن تتحول إلى عادة أو طبيعة.
سادسًا: وسائل الغلبة الروحية
يشرح البابا أن الغلبة تتم عبر:
-
البعد عن المؤثرات السلبية.
-
التمسك بوسائط النعمة: الصلاة، التأمل، الكتاب المقدس، سير القديسين، الترتيل، محاسبة النفس.
-
الحرص والتدقيق والاتضاع ومعرفة الأخطاء.
-
الإمساك بكلمة الله لأنها «حية وفعالة» وتواجه التجربة كما فعل المسيح على الجبل.
سابعًا: الجهاد مع النعمة ومحبة الله
الغلبة لا تتم بدون الله، لكن الله لا يعمل بدون إرادة الإنسان. لذلك يجب الجهاد مع النعمة، وعدم الاستسلام. ومحبة الله حين تملأ القلب تجعل الإنسان محصّنًا ضد الخطيّة، فلا يجد الشيطان مجالًا للدخول أو التأثير.




