من هو الراعي؟

من هو الراعي؟[1]
الراعي الحقيقي، راعي الكل، هو الله نفسه.
وهذا ما يوضحه لنا الكتاب المقدس. فمزمور الراعي، يقول فيه داود النبي: “اَلرَّبُّ رَاعِيَّ فَلاَ يُعْوِزُنِي شَيْءٌ. فِي مَرَاعٍ خُضْرٍ يُرْبِضُنِي. إِلَى مِيَاهِ الرَّاحَةِ يُورِدُنِي. يَرُدُّ نَفْسِي. يَهْدِينِي إِلَى سُبُلِ الْبِرِّ” (مز23: 1- 3).
ويركز سفر حزقيال النبي على أن الله هو الراعي. فيقول فيه السيد الرب: “أَنَا أَرْعَى غَنَمِي وَأُرْبِضُهَا يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ. وَأَطْلُبُ الضَّالَّ، وَأَسْتَرِدُّ الْمَطْرُودَ، وَأَجْبِرُ الْكَسِيرَ، وَأَعْصِبُ الْجَرِيحَ” (حز34: 15، 16).
ويقول الرب أيضًا: “هَئَنَذَا أَسْأَلُ عَنْ غَنَمِي وَأَفْتَقِدُهَا… أَفْتَقِدُ غَنَمِي وَأُخَلِّصُهَا مِنْ جَمِيعِ الأَمَاكِنِ الَّتِي تَشَتَّتَتْ إِلَيْهَا… أَرْعَاهَا فِي مَرْعًى جَيِّدٍ…” (حز34: 11 ــــــ 14).
وإنجيل الراعي (يو10) الذي يُتلى في يوم سيامة البطريرك، يقول فيه السيد الرب: “أَنَا هُوَ الرَّاعِي الصَّالِحُ وَالرَّاعِي الصَّالِحُ يَبْذِلُ نَفْسَهُ عَنِ الْخِرَافِ”، “أَمَّا أَنَا فَإِنِّي الرَّاعِي الصَّالِحُ وَأَعْرِفُ خَاصَّتِي وَخَاصَّتِي تَعْرِفُنِي” (يو10: 11، 14). ويقول في هذا الإصحاح أيضًا: “خِرَافِي تَسْمَعُ صَوْتِي وَأَنَا أَعْرِفُهَا فَتَتْبَعُنِي. وَأَنَا أُعْطِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً وَلَنْ تَهْلِكَ إِلَى الأَبَدِ وَلاَ يَخْطَفُهَا أَحَدٌ مِنْ يَدِي” (يو10: 27، 28).
والقديس بولس الرسول يقول: “رَاعِيَ الْخِرَافِ الْعَظِيمَ، رَبَّنَا يَسُوعَ” (عب 13: 20) ويقول عنه القديس بطرس الرسول: “… لَكِنَّكُمْ رَجَعْتُمُ الآنَ إِلَى رَاعِي نُفُوسِكُمْ وَأُسْقُفِهَا” (1بط2: 25).
ومع أن الله هو الراعي، فقد دعا البعض رعاة.
وكلّفهم أن يقوموا بعمل الرعاية. فكيف ذلك؟
وفي ذلك يقول عنه القديس بولس الرسول: وَهُوَ أَعْطَى الْبَعْضَ أَنْ يَكُونُوا رُسُلًا، وَالْبَعْضَ أَنْبِيَاءَ، وَالْبَعْضَ مُبَشِّرِينَ، وَالْبَعْضَ رُعَاةً وَمُعَلِّمِينَ…” (أف4: 11).
والسيد المسيح نفسه قال لبطرس: “اِرْعَ خِرَافِي. اِرْعَ غَنَمِي” (يو21: 15، 16). والقديس بطرس الرسول يقول للشيوخ شركائه في المجد العتيد أن يُعلن: “ارْعَوْا رَعِيَّةَ اللهِ الَّتِي بَيْنَكُمْ نُظَّارًا… صَائِرِينَ أَمْثِلَةً لِلرَّعِيَّةِ، وَمَتَى ظَهَرَ رَئِيسُ الرُّعَاةِ تَنَالُونَ إِكْلِيلَ الْمَجْدِ الَّذِي لاَ يَبْلَى” (1بط5: 2-4).
والقديس بولس الرسول يقول لأساقفة كنيسة أفسس: “اِحْتَرِزُوا إذًا لأَنْفُسِكُمْ وَلِجَمِيعِ الرَّعِيَّةِ الَّتِي أَقَامَكُمُ الرُّوحُ الْقُدُسُ فِيهَا أَسَاقِفَةً لِتَرْعُوا كَنِيسَةَ اللهِ الَّتِي اقْتَنَاهَا بِدَمِهِ” (أع20: 28).
إن كان الله هو الراعي، فبأي معنى يُدعى بعض البشر رعاة.
يدعى البعض راعيًا، الشخص الذي يسكنه الله، ويرعى الناس من خلاله.
الشخص الذي يقول مع القديس بولس الرسول: “أَحْيَا لاَ أَنَا بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ” (غل2: 20)، ويقول معه أيضًا: “لاَ أَنَا، بَلْ نِعْمَةُ اللهِ الَّتِي مَعِي” (1كو15: 10).
ويدعى راعيًا من يسكن فيه الروح القدس، ويعمل فيه عمل الكهنوت.
ولذلك فإن السيد المسيح لما منح التلاميذ نعمة الكهنوت، نفخ أولًا في وجوههم، وقال لهم: “أقْبَلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ. مَنْ غَفَرْتُمْ خَطَايَاهُ تُغْفَرُ لَهُ وَمَنْ أَمْسَكْتُمْ خَطَايَاهُ أُمْسِكَتْ” (يو20: 22، 23).
والروح القدس الذي في الكاهن، الذي يقوم ـــ من خلاله ــــ بعمل الرعاية. وكان هذا واضحًا جدًا في الكنيسة أيام الرسل.
وهكذا فإن السيد المسيح أمرهم ألا يبدأوا الخدمة، إلا بعد أن “تُلْبَسُوا قُوَّةً مِنَ الأَعَالِي” (لو24: 49). وقال لهم: “لَكِنَّكُمْ سَتَنَالُونَ قُوَّةً مَتَى حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَيْكُمْ وَتَكُونُونَ لِي شُهُودا…” (أع1: 8).
وبعمل روح الله فيهم، كانوا يرعون الشعب.
الله هو الراعي الحقيقي. وأيضًا يدعى راعيًا من كان “كَوَكِيلِ اللهِ” (تي1: 7).
وفي هذا المعنى قال القديس بولس الرسول: “قَدِ اسْتُؤْمِنْتُ عَلَى وَكَالَةٍ” (1كو9: 17).
ووكلاء الله هؤلاء عهد لهم الله بإتمام عمله في الرعاية وفي الهداية، في الكرازة وفي التعليم. فقال لهم: “اكْرِزُوا بِالإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا” (مر16: 15). وقال لهم أيضًا: “اذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآبِ وَالاِبْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ. وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ” (مت28: 19، 20).
إنهم وكلاؤه. حملوا رسالته. وكان يرعى الناس بهم.
وكانوا وكلاء السرائر الإلهية. وقال عن وكالتهم ووكالة خلفائهم: “مَنْ هُوَ الْوَكِيلُ الأَمِينُ الْحَكِيمُ الَّذِي يُقِيمُهُ سَيِّدُهُ عَلَى خَدَمِهِ لِيُعْطِيَهُمُ الْعُلُوفَةَ فِي حِينِهَا؟ طُوبَى لِذَلِكَ الْعَبْدِ الَّذِي إِذَا جَاءَ سَيِّدُهُ يَجِدُهُ يَفْعَلُ هَكَذَا!” (لو 12: 42، 43).
الراعي يمثل الله نفسه
الخاطئ يعترف على الله بخطاياه، في سمع الكاهن.
ويأخذ الحِل من الله، من فم الكاهن.
الكاهن إذن بالنسبة إلى التائب يمثل الله نفسه في قبول توبة التائبين، وفي مغفرة خطاياهم، بحكم السلطان الذي أخذه من الله (يو20: 23). وأيضًا بالسلطان الإلهي في قول الرب لوكلائه هؤلاء “كُلُّ مَا تَرْبِطُونَهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَرْبُوطًا فِي السَّمَاءِ وَكُلُّ مَا تَحُلُّونَهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَحْلُولًا فِي السَّمَاءِ” (مت18: 18).
والكاهن في أحد التحاليل السرية التي يقولها في ختام القداس الإلهي يقول: “يكونون محاللين من فمي بروحك القدوس”. أي أن روح الله هو الذي يمنحهم الحِل، ولكن من فم الكاهن.
ومن الأمور الجميلة، التي لا تفوتنا ملاحظتها في صلاة التحليل، أن الكاهن يضع يده على رأس التائب المعترف، ويصلي قائلًا: “عبدك يا رب هذا، المنحني برأسه تحت يدك، أرزقه رحمتك، واقطع كل رباطات خطاياه…”.
فلا يقل “المنحني برأسه تحت يدي، بل تحت يدك. لأن يد الكاهن هنا تمثل يد الله، أثناء قراءة التحليل.
والكاهن كما يمثل الله في تقبُل سر التوبة، يمثله أيضًا في سرّ الإفخارستيا:
إنه يمثل السيد المسيح الكاهن الأعظم، الذي أخذ خبزة على يديه الطاهرتين، وشكر، وبارك وقال: خذوا “اشْرَبُوا مِنْهَا كُلُّكُمْ” (1كو11: 23 ــــــ 25) (مت26: 26 ــــــ 28).
والكاهن أيضًا يمثل الله في منح البركة:
لا شك أن البركة تصدر من الله، وهو مانح البركات، كما منح بركته منذ البدء لآدم وحواء (تك1)، ثم لأبينا نوح وأولاده (تك9)، ثم لأبينا إبراهيم ونسله (تك12). وهو الذي قال في موضوع العشور: “أَفْتَحُ لَكُمْ كُوى السَّمَاوَاتِ وَأُفِيضُ عَلَيْكُمْ بَرَكَةً حَتَّى لاَ تُوسَعَ” (ملا3: 10). وهو الذي أمر بالبركات تقال على جبل جرزيم (تث27: 12). وقائمة البركات في (تث28) هي صادرة من الله، كما في عبارة “يَأْمُرُ لكَ الرَّبُّ بِالبَرَكَةِ…” (تث28: 8).
وكما يقول القديس بولس الرسول: “مُبَارَكٌ اللهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي بَارَكَنَا بِكُلِّ بَرَكَةٍ رُوحِيَّةٍ…” (أف1: 3).
بل إن السيد المسيح نفسه يقول للذين عن يمينه في اليوم الأخير: “تَعَالَوْا يَا مُبَارَكِي أَبِي رِثُوا الْمَلَكُوتَ الْمُعَدَّ لَكُمْ مُنْذُ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ” (مت25: 34).
ومع أن البركة من الله، فقد أعطى الكهنة أن يباركوا الشعب.
وفعل ذلك منذ القديم، كما ورد في سفر العدد:
“وَأَمَرَ الرَّبُّ مُوسَى: قُل لِهَارُونَ وَبَنِيهِ: هَكَذَا تُبَارِكُونَ بَنِي إِسْرَائِيل: يُبَارِكُكَ الرَّبُّ وَيَحْرُسُكَ. يُضِيءُ الرَّبُّ بِوَجْهِهِ عَليْكَ وَيَرْحَمُكَ. يَرْفَعُ الرَّبُّ وَجْهَهُ عَليْكَ وَيَمْنَحُكَ سَلامًا” (عد6: 22 ـــــــ 26).
إنها إذن بركة من الله، ولكنها تخرج من فم الكاهن.
والذي يسمع البركة من فم الكاهن، ويفرح ويشعر أنها بركة من الله نفسه. وكذلك من يسمع كلمة دعاء من فم الكاهن، يفرح ويوقن أنها بركة من الله. وهكذا فرحت حنة زوجة ألقانة، لما سمعت من عالي الكاهن أن الله سيعطيها سؤل قلبها. ومضت وفضّت صومها، “وَلَمْ يَكُنْ وَجْهُهَا بَعْدُ مُغَيَّرًا” (1صم1: 17، 18).
ونفس الوضع نقوله، حينما يقول الكاهن للشعب: السلام لجميعكم.
الله هو مصدر السلام، وهو رئيس السلام (إش9: 6). وهو الذي قال: “سلاَمًا أَتْرُكُ لَكُمْ. سلاَمِي أُعْطِيكُمْ” (يو14: 27). وقد وصف في أكثر من موضوع بأنه “إِلَهُ السَّلاَمِ” (رو15: 33) (رو16: 20) (1تس5: 23) (2تس 3: 16) (عب 13: 20).
بل قيل إنه “هُوَ سَلاَمُنَا، الَّذِي… نَقَضَ حَائِطَ السِّيَاجِ الْمُتَوَسِّطَ. أَيِ الْعَدَاوَةَ” (أف2: 14). وقيل: “سَلاَمُ اللهِ الَّذِي يَفُوقُ كُلَّ عَقْلٍ يَحْفَظُ قُلُوبَكُمْ وَأَفْكَارَكُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ” (في4: 7).
ومع ذلك فقد أعطى رسله وكهنته أن يمنحوا السلام.
نجد هذا في غالبية كتابات الآباء الرسل، التي كثيرًا ما تبدأ بعبارة “نعمة لكم وسلام”.
إن النعمة والسلام من الله. ولكن وكلاءه يوصلونها إلى الناس. فيقول القديس بولس الرسول: “نِعْمَةٌ لَكُمْ وَسَلاَمٌ مِنَ اللهِ أَبِينَا وَالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ” (أف1: 2) (1كو1: 3) (2كو1: 2).
والكاهن في كل قداس يكرر عبارة “السلام لجميعكم” بل يكررها في صلاة الشكر، وفي كل صلاة طقسية. إنه يمثل الله، أو ينوب عن الله في منح السلام لشعبه.
وقد أمر ربنا يسوع المسيح تلاميذه بقوله: “وَأَيُّ بَيْتٍ دَخَلْتُمُوهُ فَقُولُوا أَوَّلاً: سَلاَمٌ لِهَذَا الْبَيْتِ” (لو10: 5).
وكأن الرب يقول في كل هذه الحالات: إنه سلامي الذي أمنحه للناس. ولكنه يصل إليهم من أفواهكم، لأنكم وكلائي على الأرض “وُكَلاَءِ سَرَائِرِ اللهِ” (1كو 4: 1).
الأسقف هو الراعي. ولأنه يمثل السيد المسيح، فحينما يدخل إلى الكنيسة يرتلون له لحن أب أورو الخاص بالمسيح:
لحن أب أورو ⲡⲟⲩⲣⲟ “يا ملك السلام، اعطنا سلامك..”، خاص بالسيد المسيح. ولكنه يُقال في دخول الأسقف، لأنه يمثل السيد المسيح على الأرض…
وحينما يُقرأ الإنجيل، يرتلون المزمور الخاص بالسيد المسيح، وهو: “أَقْسَمَ الرَّبُّ ولَنْ يَنْدَم، أنَّكَ أنْتَ هُوَ الكاهِنُ إلَي الأبدِ عَلَي طَقْسِ مَلْكي صادَق” (مز110: 4). ثم يقولون بعدها للأسقف: “الرب عن يمينك يا أبانا الطوباوي الأنبا…”.
وسفر ملاخي يلقب الكاهن بأنه رسول رب الجنود.
فيقول: “…لأَنَّ شَفَتَيِ الْكَاهِنِ تَحْفَظَانِ مَعْرِفَةً وَمِنْ فَمِهِ يَطْلُبُونَ الشَّرِيعَةَ لأَنَّهُ رَسُولُ رَبِّ الْجُنُودِ” (ملا2: 7).
وعظمة الكهنة يظهرها سفر الرؤيا.
فيقول القديس يوحنا الرائي إنه رأى عرش الله في السماء… “وَحَوْلَ الْعَرْشِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ عَرْشًا. وَرَأَيْتُ عَلَى الْعُرُوشِ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ شَيْخًا جَالِسِينَ مُتَسَرْبِلِينَ بِثِيَابٍ بِيضٍ، وَعَلَى رُؤُوسِهِمْ أَكَالِيلُ مِنْ ذَهَبٍ” (رؤ4: 4) “وَلَهُمْ كُلِّ وَاحِدٍ قِيثَارَاتٌ وَجَامَاتٌ مِنْ ذَهَبٍ مَمْلُوَّةٌ بَخُورًا هِيَ صَلَوَاتُ الْقِدِّيسِينَ” (رؤ5: 8).
[1] مقال: قداسة البابا شنوده الثالث “صفحة الرعاية – مَن هو الراعي؟”، الكرازة: 20 يوليو 2001م.



