من حق الشعب أن يختار راعية

من حق الشعب أن يختار راعية[1]
تقدير الله للحرية
من حق الناس أن يختاروا الشخص الذي يثقون به، ويطمئنون إليه، ويعهدون إليه بروحياتهم يرعاهم، ويهتم بها. والله نفسه يحب هذه الحرية، ولا يرغم إنسانًا على أمر ضد إرادته، ولا يسيره على الرغم منه ولو إلى الخير. إن الله من فرط تقديره للحرية، وهبنا حرية نستطيع بها أن نكسر وصاياه. كان الله يعلم أن الإنسان أن وهب الحرية سيخطئ، وتحتاح مغفرة خطيئته إلى أن يتجسد الله، يخلي ذاته ويأخذ صورة عبد، ويتعب ويهان ويضرب ويبصق عليه ويصلب ويموت ويقبر ويقوم. ومع ذلك رضى الله أن يُعطي الإنسان الحرية، وأن يدفع ثمنها تجسدًا وصلبًا وموتًا..
الرب ينفذ رغبة الشعب:
وسفر صموئيل الأول يعطينا أروع مثل ينفذ به الله رغبة الشعب. أراد الشعب أن يكون له ملك. وكان الله ضد هذه الفكرة. وكان تعيين ملك لهم، معناه رفضهم الله الذي يحكمهم مباشرة، ورغبتهم في تعيين إنسان بدلًا منه. وقد أظهر لهم الله أنه ضد الفكرة، وشرح لهم مساوئها. ومع ذلك عندما أصر الشعب على طلبه، نفذ الله هذا الطلب، وهو ضده.. وأمثلة تنفيذ الرب لرغبات شعبه وأولاده كثيرة في الكتاب المقدس.
الشعب هو الذي يختار رعاته:
من حق الشعب أن يختار كل رجال الإكليروس: ليس فقط أصحاب درجة الأسقفية والقسيسية، وإنما حتى الشمامسة أيضًا. وفي هذا يضع لنا سفر أعمال الرسل مبدءًا هامًا وهو:
اختاروا أنتم.. فنقيمهم نحن (أعمال6).
كان يمكن للرسل أن يعينوا شمامسة للشعب. وما كان أحد سيعترض، لأن الرسل مشهود لهم بالقداسة وصنع المعجزات، وموضع ثقة الجميع واحترامهم. ولكنهم مع ذلك قالوا للشعب: “انتخبوا أنتم أيها الرجال الأخوة سبعة رجال منكم.. فنقيمهم نحن على هذه الحاجة”. الشعب هو الذي يختار، رجالًا مملوئين من الروح القدس والحكمة. والرسل هم الذين يضعون اليد. وهذا الأمر واضح في قوانين الرسل والدسقولية وباقي القوانين الكنسية.
تقول الدسقولية عن سيامة الأسقف (الباب 36):
“فليقم الأسقف باختيار الشعب كله إياه كمشيئة الروح القدس. ويقام في يوم الأحد، وكل الناس متقفون على إقامته، وكل الشعب والكهنة يشهدون له”. وفي طقس السيامة، تقول الدسقولية: “ويضع الأساقفة أيديهم عليه قائلين.. ويقول الشعب كله آمين.. ومن بعد هذا فليقبله الأساقفة، ويقول كل الإكليروس والشعب: مستحق مستحق مستحق. ويقبلونه كلهم ويدعون له بالسلامة”. وقوانين الرسل تنص على هذا أيضًا. فقد ورد في الكتاب الأول: قانون 21 “يقسم الأسقف كما بدأنا وقلنا: يختار من كل الجماعة بلا خطية“. ولا يسام ألا “إذا ذكروا وارتضوا به“.
والقانون 52 يشرح هذه الموافقة في طقس السيامة فيقول: يجب للأسقف أن يقسم كما بدأنا وقلنا، وبأمر كل الشعب معًا، اصطفاء حسنًا مقدسًا في كل شيء. قد اصطفاه الشعب. هذا إذا ذكر ورضوا به، يجمتع كل الشعب والقسوس والأساقفة.. في يوم الأحد. وليسأل الكبير الذي فيهم القسوس والشمامسة ويقول: “أهذا الذي ارتضيتموه أن يكون لكم رئيسًا؟”. فإذا قالوا: “نعم”، فليسألهم أيضًا ويقول: “أهذا يستحق هذه التقدمة الجليلة، وإنه أقام كل شيء حسنًا، وله الصلاح في الله..”، فإذا أجابوا كلهم معًا وقالوا “إنه هكذا بحق.. فليسألوا أيضًا ثالث دفعة: “هل هو يستحق هذه الرئاسة؟”.. فإذا قالوا ثالث دفعة أنه مستحق، فليصافحوه كلهم بأيديهم..
والقانون 21 ينص على أنه “يجمتع كل الشعب معًا والقسوس والشمامسة يوم الأحد. وكل الأساقفة يمشون إلى بعضهم بمسرة، ويصعون أيديهم عليه”.
والقانون الثاني لابوليدس ينص على أن: “الأسقف يختار من جميع الشعب” وأنه يُسام “في الأسبوع الذي يقسم فيه الذي يقول كل الإكليروس والشعب أنا نؤثره..”.
واستمرت الكنيسة على هذا المبدأ في كل عصورها. ففي قوانين كيرلس بن لقلق “لا يقسم أسقف إلا من كان عارفًا، وعملت له تزكية بحسن السيرة والصلاحية لذلك، واشتهر بها، ورضى به شعبه الذي يقدم عليه”.
وفي كتاب “الجوهرة النفيسة في علوم الكنيسة” للعلامة يوحنا بن زكريا (ابن السباع) في طقس سيامة الأسقف “في صباح يوم الأحد يقف الأسقف الجديد في إحدى زوايا الكنيسة، وشمعة متقدة أمامه”. ويرسل البابا البطريرك ثلاثة من الأساقفة فيمسكونه “ويدورون به الكنيسة كلها. حتى ينظره كل شعب الكنيسة ليعرفه. وإن كان أحدهم يعرف بأن عليه شيئًا رديئًا أو عليه قضية تمنعه عن تتميم الرسامة، فمعه إذًا بأن يعرضها في الحال، حتى يرجع إلى الحق أفضل من الاستمرار على الضلال. ومتى ظهر عدم وجود شيء عليه، يوصلونه إلى هيكل الله، ويضع البابا يده عليه”. “وإذا تعرض له أحد، وذكر عنه إنه لا يصلح للأسقفية، فليئؤخر أمره ثلاثه أشهر ويكشف عنه فيها بمحضر من خصمه أو في غيبته. فإن ثبت عليه سبب يمنع من تقدمته منع، وإلا فليتقدم. أما خصه الذي اتهمه ولم يثبت عليه ما ذكر، فليبعد من البيعة إن كان كاهنًا. وإن كان من الشعب فليؤدب كما يجب”.
إلى هذا الحد كانت قوانين الكنيسة حريصة على اختيار الشعب ورضاه.
فما هي الطريقة التي يعبر بها الشعب عن اختياره؟
الأنبا شنوده
[1] مقالة لنيافة الأنبا شنوده أسقف التعليم: من حق الشعب أن يختار راعية، بمجلة الكرازة يناير فبراير 1965




