مشاركة الإنسان للطبيعة الإلهية
في هذه المحاضرة اللاهوتية العميقة، يتناول قداسة البابا شنوده الثالث موضوع “شركاء الطبيعة الإلهية”، موضحًا سوء الفهم المنتشر حول هذه العبارة، ومؤكدًا أن المقصود بها ليس اشتراك الإنسان في جوهر اللاهوت أو صفاته الإلهية الخاصة، بل في القداسة والعمل الإلهي بحسب النعمة.
🔹 التفسير الصحيح للآية
العبارة مأخوذة من رسالة بطرس الثانية (1:4): «لكي تصيروا بها شركاء الطبيعة الإلهية هاربين من الفساد الذي في العالم بالشهوة».
ويشرح البابا أن النص لا يعني أن الإنسان يشارك الله في لاهوته أو جوهره، لأن ذلك يؤدي إلى تعدد الآلهة، بل أن المؤمن يشارك في الطبيعة الإلهية من خلال الشركة في العمل الصالح والقداسة.
🔹 استحالة الاشتراك في اللاهوت
يؤكد البابا أن صفات الله مثل الوجود في كل مكان، وعدم المحدودية، والعلم بكل شيء، والقدرة المطلقة، لا يمكن للإنسان أن يشترك فيها، لأنها صفات تخص اللاهوت وحده. الإنسان يبقى خليقة محدودة، والله وحده هو الخالق الأزلي.
🔹 معنى الشركة الحقيقية
الشركة تكون على مستويين:
-
شركة في العمل: كما يقول بولس الرسول “نحن عاملان مع الله”، أي أن الله يعمل معنا وفيّنا.
-
شركة في الصورة الإلهية: أي الاشتراك في القداسة والنقاوة، لأن الله خلق الإنسان على صورته. فالمؤمن يشترك في صفات الله الأخلاقية (كالقداسة والمحبة)، وليس في جوهره الإلهي.
🔹 التبني والبنوة
يفرق البابا بين التبني والبنوة الحقيقية.
فالمسيح وحده هو “الابن الوحيد” لأنه من جوهر الآب، أما نحن فـ أبناء بالتبني، أي بنعمة الله، لا بالطبيعة. وهذه البنوة التشريفية هي من محبة الله الذي يدعونا أولاده دون أن نصير آلهة.
🔹 معنى كلمة “إله” في الكتاب المقدس
يوضح البابا أن لفظ “إله” لا يعني دائمًا “اللاهوت”. ففي سفر الخروج قال الله لموسى: “جعلتك إلهًا لفرعون”، أي سيدًا عليه، وليس بمعنى أنه صار إلهًا في الجوهر. كذلك المزمور يقول “أنتم آلهة وبنو العلي”، أي رؤساء وسادة، لا آلهة حقيقية.
🔹 التقديس والتأليه
عندما يتحدث الآباء عن “تأليه الإنسان”، فالمقصود تجديد الطبيعة البشرية وعودة الصورة الإلهية التي فُقدت بالخطيئة، لا أن يصير الإنسان إلهًا في ذاته. فالمسيح يؤله الإنسان بمعنى أنه يعيده إلى القداسة الأولى ويجعله مشابهًا لصورة ابنه، لا مشاركًا في لاهوته.
🔹 عمل الروح القدس في الإنسان
الروح القدس يسكن في المؤمن نعمةً وليس أقنومًا. لذلك يمكن أن يحزن الإنسان الروح أو يطفئه، مما يثبت أن السكنى هي علاقة تقديس وليست اتحادًا أقنوميًا كالذي في تجسد المسيح.
🔹 التواضع أمام الله
يختم البابا بالتأكيد أن الإنسان، مهما نال من النعمة أو القداسة، يبقى عبدًا لله، كما قال السيد في المثل “هلم أيها العبد الصالح والأمين”. ويذكّر بكلمات الملاك في الرؤيا: “أنا عبد معك”. فالمؤمن لا يصير إلهًا، بل إنسانًا مملوءًا نعمةً وقداسة على صورة الله.



