مساكنك محبوبة أيها الرب إله القوات

نتأمل اليوم في قول المزمور “مساكنك محبوبة أيها الرب إله القوات. تشتاق وتذوب نفسي للدخول إلى ديار الرب” (مز83: 1)
مساكنك محبوبة أيها الرب إله القوات1
أول ما يتبادر إلى ذهن المتأمل في هذا المزمور سؤال:
ماهي مساكن الله المحبوبة؟
إنها قد تكون السموات، أو سماء السموات، لأنها مسكن الله. وقد تكون أيضا الكنيسة المقدسة لأنها تدعى بيت الله. وقد تكون مساكن الله هي قلب المؤمن. لأن قلب الإنسان هو هيكل الله، وروح الله يسكن فيه.
ان الانسان القديس يفرح بالمواضع المقدسة، والمكان الذي يحل فيه روح الله. ويفرح أيضا بأماكن القديسين ومواضع سكناهم.
يتبارك بهذه الأماكن التي قدسها الله بنفسه، ويكون لها تأثير عميق في نفسه، وتصبح مزارا له… حقًا إن الله موجود في كل مكان، “للرب الأرض وملؤها، المسكونة وكل الساكنين فيها”. ولكن هناك مواضع خاصة باركها الرب، ولها ذكريات مقدسة، وقد تمجد فيها الرب أو عمل فيها عملًا إلهيًا معينًا… فما هي هذه الأماكن.
+ مساكن الرب الرهيبة:
أول موضع في العالم كله تسمى باسم “بيت الله”، ورد في قصة يعقوب أبي الآباء، حيث رأى سلمًا واصلًا بين السماء والأرض، والملائكة صاعدة وهابطة عليه. وهناك كلمه الله وقال له “ها أنا معك، وأحفظك حيثما تذهب..” (تك 28: 15).
ودعا يعقوب هذا المكان” بيت ايل” أي “بيت الله”. وقال “ما أرهب هذا المكان، ما هذا إلا بيت الله، وهذا باب السماء”!! ودشن المكان بالزيت، ونذر فيه نذرا، وصار مكانًا له ذكرياته.
ونسمع أيضا عن ” أرض مقدسة للرب، عندما ظهر الرب لموسى في العليقة، وكلمه من النار وقال له “اخلع حذاءك من رجليك، لأن الموضع الذي أنت واقف فيه أرض مقدسة” (خر3: 5).
“فغطى موسى وجهه، لأنه خاف أن ينظر إلى الله”. ولا شك أنه كانت في قلبه نفس عبارة يعقوب “ما أرهب هذا المكان” …
ونفس الوضع يمكن أن نقوله عن “جبل الله حوريب”… هناك سلم الرب الشريعة لموسى. ” كان الجبل كله يدخن من أجل أن الرب نزل عليه بالنار، وصعد دخانه كدخان الأتون، وارتجف كل الجبل جدا” (خر19: 18). وخاف الناس من الاقتراب إلى الجبل” من يمس الجبل يقتل قتلًا”.
“وكان المنظر هكذا مخيفا حتى قال موسى: أنا مرتعب ومرتعد” (عب12: 21). وانطبق عليه أيضا قول يعقوب “ما أرهب هذا المكان”.
– نفس الهيبة والمخافة يمكن أن نقولها عن سائر أماكن الله المقدسة في العهد القديم ومواضع حلوله، مثل تابوت العهد وقدس الأقداس. مواضع رهيبة.. من يمس التابوت يموت. أما قدس الأقداس فلا يستطيع أحد أن يدخله، إلا رئيس الكهنة، مرة واحدة في السنة.
إن كان الأمر إذن بهذه الرهبة فمن أين أتت عبارة داود النبي “مساكنك محبوبة أيها الرب إله القوات…”؟
+ مساكنك محبوبة:
هنا مرحلة الحب الإلهي التي وصل إليها القديسون. فيقول داود النبي “فرحت بالقائلين لي إلى بيت الرب نذهب” ويقول “واحدة طلبت من الرب وإياها ألتمس، أن أسكن في بيت الرب كل أيام حياتي، لكي أنظر إلى نعيم الرب وأتفرس في هيكله”. ويقول أيضًا “تشتاق وتذوب نفسي للدخول إلى بيت الرب”، “الجلوس على عتبة بيت الرب خير من السكنى في مظال الأشرار”.
وتصبح السكنى في بيت الرب بركة، فيقول داود للرب “طوبى لكل السكان في بيتك، يباركونك إلى الأبد.. “
وينادي هؤلاء قائلًا “ها باركوا الرب يا عبيد الرب، القائمين في بيت الرب، في ديار بيت إلهنا. في الليالي ارفعوا أيديكم أيها القديسون وباركوا الرب. يبارككم الرب من صهيون الذي صنع السماء والأرض…
صارت لمساكن الرب المحبوبة، فرحة في قلوب الناس.
فما هي هذه المساكن المحبوبة؟ ان أولها – ولا شك – السماء.
+ الســــــــماء:
“سماء السموات للرب” إنها عرش الله. وما هذه الأرض التي نعيش عليها سوى. موضع قدميه..
من هنا كان تأمل القديسين المفرح في السماء. تسبح قلوبهم في مسكن الله، وكرسيه، وملائكته في السماء الثالثة، وفي سماء السموات، في أورشليم السمائية، وفي ملكوت السموات. في مجمع الملائكة والقديسين، وفيما هما يأملون كل هذا، يقولون” مساكنك محبوبة أيها الرب إله القوات. تشتاق وتذوب نفسي للدخول إلى ديار الرب”…
ومن محبة القديسين للسماء، مسكن الله المحبوب، كانوا يشتهون الانطلاق اليها.
فيقول بولس الرسول “لي اشتهاء أن انطلق وأكون مع المسيح، فذاك أفضل جدًا، وهكذا عاش القديسون: “أقروا بأنهم غرباء ونزلاء على الأرض” وصاروا “يبتغون وطنا أفضل، سماويا”، “المدينة التي لها الأساسات، التي صانعها وبارئها الله” (عب11) وكأنهم يرتلون في كل ذلك:
مساكنك المحبوبة، السماء، أجمل من الأرض، عشرة الملائكة فيها أجمل من عشرة البشر، ونور السماء وطهارتها أنقى من ظلمة الأرض ودنسها…
وهكذا أصبحت الرحلة إلى السماء، رحلة مبهجة لأبناء الله…
+ الكنيسة:
لما كان الناس لا يستطيعون أن يذهبوا الى السماء بسرعة، فمن محبتهم للسماء، جعلوا الكنيسة على هيئة السماء، تذكرهم بها…
قبة الكنيسة ترمز للسماء. وكما أن السماء مملوءة بالنجوم والكواكب، كذلك ملئت الكنيسة بالأنوار. والنجف الكبير في الكنيسة يمثل الأنوار العظيمة في السماء كالشمس والقمر. وكما أنه توجد ملائكة في السماء، كذلك دعي رعاة الكنائس ملائكة، كما قيل “ملاك كنيسة افسس، ملاك كنيسة سميرنا” … وكما أن مشيئة الله منفذة في السماء، كذلك نحرص أن تكون الكنيسة منفذة لمشيئته…
الانسان الداخل إلى الكنيسة، يشعر أنه داخل إلى السماء.
يترك خارجها العالم والعالميات، ويدخل إلى الكنيسة روحًا طاهرة وهو يرتل “ببيتك تليق القداسة يا رب”… ولما كان لا يوجد في السماء سوى الأطهار، كذلك لم يكن يسمح بدخول الكنيسة إلا للقديسين، أما الخطاة فيعزلون خارجا.
الكنائس هي مساكن الله المحبوبة، لأنك فيها تلتقي بالله، وفيها تتطهر، وفيها تنال عمل الروح القدس من خلال الأسرار المقدسة.
وفيها تنال مغفرة الخطايا، وتنال سلامًا لقلبك وبركة. وتعيش في جو روحي سماوي، جو الصلاة، والعبادة، والألحان والتراتيل، والبخور، والطقوس بكل ما فيها من عمق، وما فيها من عمل سري.
وفي الكنيسة تخلو الى الله، تدخل بيته، وتدعوه الى بيتك. وتعيش ولو قليلًا في جو بعيد عن المادة، وعن العالم ومشغولياته.
وفي كل تلك النعم، تصرخ من أعماقك “مساكنك محبوبة أيها الرب إله القوات. تشتاق وتذوب نفسي للدخول إلى ديار الرب”.
كانت الكنيسة قديما مفتوحة على الدوام، وعدد كهنتها كان كبيرا. وفي أي وقت دخلت تجد كاهنا للخدمة. وأنوارها كانت دائما متقدة. ويوجد خادم يسمى (القندلفت) وظيفته الاهتمام بالقناديل وإيقاد السرج.
مساكنك محبوبة أيها الرب إله القوات. في كل مرة أحب أن أتقابل مع نعم الروح القدس وبركات الكهنوت، أدخل إلى الكنيسة. وفي كل مرة أشتاق إلى بركة القديسين، ادخل إلى الكنيسة…
+ الأديرة والقلالي:
مساكن الله المحبوبة يمكن أن تطلق على الأديرة، وعلى قلالي الرهبان ومغاراتهم حتى لو لم توجد فيها كنائس.
لذلك إذا دخل إنسان إلى قلاية راهب، غالبا يخلع حذاءه خارجها، أو في ركن إلى جوار الباب من الداخل.
إن هذه القلالي سكنها الرب، وتقدست بالمزامير والصلوات، والألحان، والمطانيات، وحياة الآباء الطاهرة.. لمدة طويلة..
فرق كبير بين السكنى في دير جديد أو قلاية جديدة، وبين السكنى في قلاية رفعت فيها آلاف الصلوات والمزامير على مدى سنوات طويلة مضت، أو قرون عديدة.
لذلك بالنسبة إلى القلالي الجديدة، أو حتى البيوت الجديدة، يوجد طقس كنسي لتكريس المساكن الجديدة. يرفع فيه البخور، ويصلى على ماء، ويرش في المكان. وهكذا تسبق الصلاة السكنى فيه…
عندما ندخل إلى دير قديم، بكنائسه القديمة التي رفعت فيها مئات القداسات من قبل، نصيح من أعماقنا “مساكنك محبوبة أيها الرب إله القوات”…
محبوبة، لأنها أماكن بوركت بالصلوات. أماكن فيها الهدوء، والسكون، والتأمل، وعمل الروح القدس، وترف عليها أرواح القديسين…
+ قلب الإنسان:
قال الكتاب “أنتم هياكل لله، وروح الله ساكن فيكم”. إذن فالقلوب الطاهرة المفتوحة للرب، هي مساكن محبوبة له. لأنه يقول:
“إن أحبني أحد، يحفظ كلامي، ويحبه أبي، وإليه نأتي، وعنده نصنع منزلا” (يو14: 23). وهكذا يكون القلب مسكنا للثالوث الأقدس …
ونحن ننظر إلى هذا القلب ونقول “مساكنك محبوبة أيها الرب إله القوات. تشتاق وتذوب نفسي للدخول إلى ديار الرب”…
تشتاق نفسي أن أدخل إلى هذا القلب، وأرى محبته لله، وعمل الله فيه… أبصر مشاعره الملتهبة، وأدرك كم يرتاح الرب فيه. لأنه هو القائل في المزمور:
“ههنا موضع راحتي الى أبد الأبد. ههنا أسكن لأني اشتهيته”.
إنني عندما أنظر إلى أيقونات القديسين، أقول في نفسي: هذه هي مساكن الرب المحبوبة. هنا في هؤلاء وجد الرب مكانا يسند فيه رأسه.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث بمجلة الكرازة السنة السادسة – (العدد الثلاثون) 25-7-1975م



