مذكرات كاهن الجزء الأول – القمص بطرس جيد
| الكتاب | مذكرات كاهن الجزء الأول |
| المؤلف | القمص بطرس جيد روفائيل |
| دار نشر | كنيسة السيدة العذراء بالزيتون/ رقم 1021 |
| الطبعة | الثالثة، يناير 2023م |
| رقم الإيداع بدار الكتب | 26438 / 2022 |
| الترقيم الدولي | 978-977-86437-5-6 |
مقدمة قداسة البابا شنوده
مقدمة قداسة البابا شنوده
كتاب "مذكرات كاهن" عبارة عن ذكريات يرجع بعضها إلى أكثر من أربعين سنة، وبعضها
فهي ليست ما فعله الخادم، إنما هي عمل الله معه، ومع غيره، حتى تظهر الخدمة بوضعها الصحيح، الذي قال فيه القديس بولس الرسول عن خدمته مع أبولوس: "نَحْنُ عَامِلاَنِ مَعَ اللهِ"(1كو9:3).
وبهذا يكون الكتاب صورًا من حياة الإيمان، في الخدمة.
وغالبية الكتاب عن خدمات (لجنة البر) في كنيسة العذراء بالزيتون، في محيط الإخوة الفقراء، وسط احتياجاتهم الكثيرة وإلحاحاتهم.. وكيفية حل إشكالاتهم، بروح العطف والشفقة وطول الأناة، وليس بالتعالي عليهم، أو الملل من ضغوطهم وكثرة طلباتهم، أو من حيل بعضهم التي تلجأ إلى الكذب أحيانًا.
وهنا يعطي الكتاب فكرة عن روح الخادم، وما ينبغي أن يتصف به من قلب مشفق جدًّا، مع طول أناة لا تضيق بأحد.
فخدمة الفقراء ينبغي أن تسبقها محبة الفقراء، وتقدير ظروفهم، ومعاملتهم كإخوة أحباء، والعمل على إراحتهم بكافة السبل، وعدم صرف أحد منهم مكسور الخاطر، أو مجروح المشاعر، أو يائسًا.
والكتاب الذي بين يديك غني جدًّا من هذه الناحية: فيه حب عجيب، وفيه احتمال عجيب. وفيه مواقف يبدو فيها الفقير كأنه يتحكَّم في المواقف، والخادم يحتمل في صبر؛ لأن كثيرًا من الفقراء صارت لهم في مشاكل حياتهم بعض العقد، يلزمنا احتمالها لنحل مشاكلهم.
وهذا الكتاب يقدم صورة جديدة نادرة في خدمة الفقراء.
فغالبية مكاتب الخدمة الاجتماعية في الكنائس والجمعيات تقدم معونات شهرية. وهذه المعونات لا تحل مشكلة الفقير من جذورها. فتبقى مشكلته، وتبقى المعونة مستمرة. وهي معونة لا تكفيه، فيلجأ إلى أكثر من كنيسة أو جمعية، كما يلجأ إلى أكثر من حيلة، لكي يعيش.
ولكن هذا الكتاب يقدم منهجًا جديدًا في الخدمة هو:
كيف تجعل الفقير يقف على قدميه، قادرًا بدون معونة مستمرة.
ويحتاج الأمر إلى فحص حالته وظروفه، ومعرفة نوع العمل الذي يمكنه أن يقوم به، هو وأولاده، بحيث يكون له عمل، أو مصدر رزق ثابت يغطي كل احتياجاته، ولا يعوزه في المستقبل إلى معونة شهرية من كنيسة أو من جمعية.
وهكذا ترى في الكتاب، عشرات من الأفكار والمشروعات.
تصلح أن تكون منهجًا في الخدمة، لأن المشروع الذي يناسب شخصًا مُعيَّنًا قد لا يناسب غيره.. وتقف أمام هذه الحلول العملية مشكلة الفقير الذي يرفض العمل، ويفضل أن يأخذ معونات ثابتة دون أن يتعب نفسه! ومشكلة أخرى هي الفقير الذي تقدم له مشروعًا، فيبدد رأس ماله، ثم يعود إليك ليعرض إشكاله من جديد!
كيف التصرف مع هؤلاء المعقدين؟ الإجابة في هذا الكتاب.
بقي أن أقول إن مؤلف الكتاب يتميز بأسلوب شيق جدًّا، يجذبك من أول سطر أن تستمر في القراءة حتى تصل إلى نهاية المقال. وهو لا يخلو في غالبية موضوعاته من روح المرح، مع وضع القاعدة الروحية مُثبَتة بآيات من الكتاب المقدس أو قصص وأقوال القديسين.
والكتاب مجموعة مقالات مستقلة، كل منها قصة أو مجموعة قصص.
وهكذا يكون سهل القراءة، تتخيَّر منه ما تشاء، وقتما تشاء. ولا تحتاج أن تقرأ فصولًا لمتابعة المعنى.
يسرني أن هذا الكتاب قد ظهر، وتهنئتي للقارئ العزيز بوصول هذا الكتاب بين يديه. وشكرًا للقمص بطرس جيد الذي قدم لنا كل هذه الخبرات والذكريات وقصص الإيمان.
والكتاب ليس نافعًا فقط للكهنة والخدام، إنما لكل أحد.
وإلى اللقاء في الجزء الثاني منه إن شاء الله، لقراءة مزيد من الخبرات والذكريات وقصص الإيمان.
وليستخدم الرب هذا الكتاب بركة للكثيرين.
البابا شنوده الثالث - 8 مايو 1983م
عيد القيامة المجيد
وعيد مار مرقس الرسول
هذا الكتاب
هذا الكتاب
سبق أن صدر هذا الكتاب في مايو 1983م، ثم طُبِع مرة أخرى في يوليو 1997م، وها نحن
وكان القمص بطرس جيد – نيح الله روحه - قد بدأ في كتابة هذه المذكرات لأول مرة 1976م في مجلة الكرازة تحت عنوان "هؤلاء يعملون"، الذي كان قداسة البابا شنوده الثالث قد خصصه لنشر أخبار الخدمة الإيجابية الفعالة كل أسبوع سواء عن طريق الكنائس أو الهيئات أو الجمعيات أو الأفراد.. وكان أول مقال في "هؤلاء يعملون" عن نشاط طلبة الكلية الإكليريكية في الخدمة القروية، ثم تحدث في العدد الثاني عن نشاط العاملين في تدريس اللغة القبطية مثل الدكتور إميل ماهر وتلاميذه.. وفي العدد الثالث نشر قداسته عن لجنة البر بالزيتون التي أسسها القمص بطرس جيد، وفي العدد الرابع كتب قداسته تحت عنوان كبير "مذكرات كاهن" قائلاً:
"تحدَّثنا في العدد الماضي تحت باب (هؤلاء يعملون) عن عمل لجنة البر بالزيتون، وعن مَثل لرعاية الفقراء بإنشاء مشروع يكتسبون منه رزقهم، أفضل من منحهم معونات ليعيشوا بالتسول.. نذكر لكم اليوم مثالاً آخر لهذه المشروعات "2 ماسح الأحذية"...". ومن وقتها توالى نشر مذكرات كاهن بقلم القمص بطرس جيد في مجلة الكرازة، ليرى الجميع عمل الله في كنيسته وكيف تمجَّد مع إخوته الأصاغر من خلال خدَّامه المُمثَّلين في القمص بطرس جيد وأعضاء لجنة البر، والأحباء الذين تأثروا بقراءة هذه المقالات وشاركوا ماديًّا وعمليًّا في هذه الخدمة الجليلة.
وقام القمص بطرس جيد بطباعة هذه المذكرات في كتابين بناءً على طلب من قداسة البابا شنوده الثالث، الذي شجعه على نشر عمل الله في الخدمة لمجد اسمه. ولتكون هذه المذكرات بمثابة مُرشد لكل خادم وكاهن بل ولكل كنيسة في العالم، فهذه المذكرات ليست قصصًا أو معجزات فحسب؛ بل هي منهج روحي وعملي في مساعدة الفقراء ماديًّا واجتماعيًّا ونفسيًّا.
كما ستتعجَّب عزيزي القارئ عندما تتطلع على هذه المذكرات وكيف كان قدس أبونا بطرس جيد يحل لكل أحد يأتي إليه مشكلته غنيًّا كان أو فقيرًا، شابًّا، فتاة، أو طفلًا، مريضًا، خاطئًا، عاجزًا! لقد كان صورة المسيح الذكية، كان مثلاً مُشرِّفًا في الكهنوت يشهد عنه الرب يسوع قائلاً: "هذا ابني حبيبي سُرَّت به نفسي"... ويجيبه قدس أبونا بطرس: "أحبك يا رب يا قوتي.. ليس لنا لكن لمجد اسمك القدوس".
كتب القمص بطرس جيد حوالي 290 مذكرة بخلاف التفاسير والعظات، ونشر في حياته منها مائة مقال على جزأين، وها نحن أبناؤه في كنيسة السيدة العذراء بالزيتون نواصل نشر هذه المذكرات في كتب صغيرة تباع في كل المكتبات المسيحية، وقد طلب إلينا الكثيرون إعادة طبع هذين الجزأين وقد أعطانا الله هذه النعمة الآن أن نقدمهم في أربعة كتب كل كتاب يضم 25 مقالاً.
نتمنى لكم أخذ خبرة روحية وعملية في الخدمة عند قراءة هذه المذكرات.. وبصلوات أمنا السيدة العذراء ومثلث الرحمات قداسة البابا شنوده الثالث، والمتنيح القمص بطرس جيد، وصلوات قداسة البابا المعظم الأنبا تواضروس الثاني.
20 يوليو 2022م
الذكرى السادسة والعشرون للقمص بطرس جيد
القمص بطرس بطرس جيد
كاهن كنيسة السيدة العذراء بالزيتون
القمص بطرس جيد في سطور
القمص بطرس جيد في سطور
† من مواليد 13/8/1918م بأسيوط. تأثَّر في بداية حياته بالاستماع لعظات نيافة الأنبا
† كان عظيمًا في حبه للرَّب، وكان قويًّا في إيمانه، وكانت خدمته التي امتدت لحوالي 60 عامًا حافلة بالإنجازات في شتَّى المجالات.
† نَذر الذهاب ماشيًا من بنها إلى الكلية الإكليريكية في مهمشة بالقاهرة للبدء في دراسته بها، ولكن لاقته السيدة العذراء في الطريق في صورة سيدة جميلة تستقل سيارة، وأفهمته أنها ستتحمَّل نذره عنه وأوصلته إلى الكلية واختفت عن ناظريه بعدها.
† كان من أوائل دفعة الكلية الإكليريكية عام 1940م. كما حصل على ليسانس الآداب قسم الفلسفة، وماچستير التربية في علم نفس.
† بدأ خدمته بخدمة القرية؛ في قرى الصعيد بعد عام 1940م، واهتم بإنشاء مدارس أولية قبطية تُعلِّم القراءة، والكتابة، والألحان، واللغة القبطية كتعليم إلزامي في ذلك الوقت.
كما اهتم بحالة المدرسين والطلبة الفقراء في تلك المدارس، ورعاهم روحيًّا وماديًّا، وكتب مذكراته عن الخدمة والرعاية الروحية والاجتماعية والتعليمية في كتاب نشره في الخمسينيات بعنوان "مذكرات مفتش".
† اهتم بالفن القبطي وتدريب أول مجموعة من الأطفال، طاف بهم المرحوم "حبيب بك جورجي" ربوع أوروبا ناشرًا فنّهم القبطي كأبناء للفراعنة.
† عمل بالتدريس لفترة وكان يهتم بنفسية الطُّلاب، فكان ينشئ عيادات نفسية لهم يستمع إلى مشاكلهم، فانتظم الطلاب بالدراسة وقلَّت المشاجرات بينهم، واختفت الكلمات البذيئة التي كانت تُكتَب على الجدران سرًّا. كما كان يهتم بالعمل الفردي للطلبة ليبتعد بهم عن الإلحاد أو الغواية، إلى معرفة الله.
† سيِمَ كاهنًا في 12/7/1972م، على مذبح السيدة العذراء بالزيتون حسب طلب القمص قسطنطين موسى الذي كان يعرفه منذ أن كان طالبًا بالكلية الإكليريكية، وذلك في وقت خدمة القمص قسطنطين موسى كمسئول عن طلبة الكلية الإكليريكية.
† اهتم بالتعليم وتسليم الإيمان واعتُبِر من وعَّاظ الكنيسة القديرين، في وقت ندرَ فيه الوعاظ الدارسون، وكانت عظاته تشدُّ الكثيرين من كل الفئات والمستويات، وتدخل إلى القلوب وتنخس الضمائر وتدعو إلى التوبة، كما كانت تتسم بالسلاسة والسهولة مع العمق الروحي.
كان يفسّر أصعب الآيات بأسهل العبارات. وكانت له اجتماعات أسبوعية منتظمة بالكنيسة. دُعِيَ لكثير من الإيبارشيات لإلقاء عظاته إلى جانب الاشتراك في النهضات الروحية، وكان أحيانًا يُلقي عظتين في كنيستين متنوعتين في نفس اليوم لامتلاء جدول مواعيده بالعظات.
† رُقِّيَ للقمصية في 14/11/1975م، للاشتراك في المجلس الإكليريكي للكهنة وللأحوال الشخصية.
† هو أول من أنشأ لجنة البر لرعاية الفقراء الذين أحبهم جدًّا، ورعاهم على مبدأ التنمية الموازي للخدمة الاجتماعية، وساعد الفقراء في عمل مشاريع تنموية لرفع مستوى معيشتهم.
كما أسَّس بالكنيسة فكرة المشروعات التي تعمل تحت مظلة الكنيسة، وتضم عددًا من أبناء الكنيسة كفرصة للعمل وكمصدر للتدريب على مهن مفيدة مثل مشغل التفصيل، التريكو، أنوال لعمل السجاد اليدوي، مصنع الشمع، والعديد من المشروعات.
† اهتم بالتربية الكنسية، وكان يُعلّم بنفسه في فصول إعداد الخدمة، واهتم بتدريس الطلبة بنفسه لرفع مستواهم التعليمي.
† كُلّف من قِبل قداسة البابا شنوده الثالث بتسليم طقس الكنيسة القبطية للأسقفين الفرنسيين – الأنبا مرقس (نيح الله نفسه) - والأنبا أثناسيوس – واستمر في متابعتهما لسنوات طويلة، وساعده في ذلك الوقت المتنيح القس أنجيلوس ميخائيل كمدرس للغة الفرنسية.
† دَرَّس بالكلية الإكليريكية كأستاذ لعلم الوعظ والدين المقارن والكتاب المقدس واللغة العربية، واشترك بالتدريس في معهد الكتاب المقدس ومعهد الدراسات القبطية. وكان يستخدم في تدريسه أسلوبًا تربويًّا شيقًا ويهتم بالتدريب العملي تحت إشرافه.
† قام بكتابة مؤَلَّفٍ بعنوان "مذكرات كاهن" نُشِرَ بمجلة الكرازة؛ وضع فيه خبراته الرعوية لكي تكون فائدة للأجيال من الخدام.
† انتُخِب عضوًا في المجلس الملي العام للأقباط الأرثوذكس لعدة دورات. كما مَثَّل الكنيسة القبطية في أحد المؤتمرات المسيحية بقبرص.
† اهتم بخدمة تكريس الشباب والشابات في كنيسة السيدة العذراء بالزيتون، ورسموا كهنة أو مكرسات للخدمة.
† كان أبًا حنونًا لأبناء الجمعيات الخيرية من الأيتام، وكان يهتم بالاحتفال بذكرى رسامته كل عام بين هؤلاء الأطفال، ويدعو الشعب إلى تدعيم الأنشطة الموجودة بهذه الجمعيات. وكانت أعظم أوقاته هي التي يقضيها مع الفقراء. قام برعاية الجمعيات الخيرية في الزيتون وكان يدبِّر أمر اجتماع شهري لهم لحل مشاكلهم.
† اهتم بالتعمير في الكنيسة وكان أبرزها كاتدرائية السيدة العذراء بالزيتون، التي تُعتَبر إحدى المزارات الدينية العالمية. وأيضًا إنشاء دُور للمسنين والمسنات، والمغتربين والمغتربات، لخدمة الشعب، ومستشفى العذراء الخيري لعلاج المرضى بأسعار رمزية ومجانًا للفقراء وغير القادرين، كما بنى العديد من مباني الخدمة بالكنيسة.
ووضع مع بعض من الاستشاريين تخطيطًا لجميع مباني الخدمة الموجودة حاليًا بالكنيسة، التي تم بناؤها بعد نياحته بالرسومات التي وضعها قبلها بعدة سنوات.
† كانت له علاقات طيبة برجال الدين من كل الطوائف، وأيضًا من رجال الدين الإسلامي، ورجال السياسة، والمجتمع المدني.
† تميَّز بالحكمة التي ساعدته في حل الكثير من المشاكل الأسرية والاجتماعية، كما تميَّز باللطف الشديد والمحبة الفائقة لكل من يقابله، وأحبَّه الجميع حتى الذي كان يلقاه لأول مرة. ونظرًا لما كان يتمتع به من أبوة حانية، كان أب اعتراف لعدد كبير من أبناء الشعب، ولبعض الآباء الكهنة.
† كان دائم الافتقاد للشعب، عطوفًا على الذين سقطوا ممسكًا بأيديهم حتى يقوموا من سقطتهم.
† اهتمَّ بالافتقاد داخل منطقة الكنيسة وفي أي حي من أحياء القاهرة، كان يلبي الدعوة لزيارة أبنائه حتى في فترة مرضه في أيامه الأخيرة.
† اهتمَّ بخدمة الأسر المستورة التي كان يرعاها بنفسه والتي أخرجت العديد من الأطباء والمهندسين، والمهنيين الممتازين في مهنهم.
† وكان مثالاً في فهمه لرسالة الكهنوت، فكان يرفض أخذ أي مقابل لأي خدمة روحية.
† كان مثالًا في وداعته وتواضعه وزهده في الحياة. وكان القريب منه لا يلاحظ أي مظهر من مظاهر تعظُّم المعيشة، ولم يُعرَف عنه أبدًا أنه حاول استغلال قرابته لقداسة البابا شنوده الثالث لتحقيق أي مكاسب خاصة، حتى في مجال الخدمة.
† رقدَ في الرَّبِّ في 20/7/1996م، حضر مراسم الصلاة قداسة البابا شنوده الثالث مع العديد من الأساقفة والكهنة، وكبار الشخصيات الرسمية المسيحية والإسلامية، والآلاف من أفراد الشعب المسيحي الذين بكوه تأثُّرًا عند دفن جثمانه بمزار أسفل كاتدرائية السيدة العذراء بالزيتون.
بركة صلاته فلتكن معنا آمين.
هؤلاء يعملون
هؤلاء يعملون[1]
عن لجنة البر
بعد تجلي السيدة العذراء بالزيتون، اتَّجهت الأبصار إلى كنيسة العذراء بالزيتون. فأخذ الناس يفدون إليها من كل حدب وصوب، طلبًا للبركة، فلا ينقطع سيل الزائرين ليلًا ونهارًا.. هذه ظاهرة.
وظاهرة أخرى: معجزات الشفاء التي ما زالت تتم بشفاعة السيدة العذراء للكثيرين، فيأتون ويقدمون نذورهم مشفوعة بالشكر والتسبيح لله.
وظاهرة ثالثة: هي كثرة الوافدين من ذوي الحاجات.. وقد قامت (لجنة البر) في كنيسة العذراء بالزيتون، بعمل مسح شامل لفقراء المنطقة.
وارتفع عدد الأسر التي تعولها الكنيسة، وفي مدى ثلاث سنوات، من مائة وخمسين أسرة إلى (أربعمائة أسرة)، تأخذ رواتب شهرية.
أمَّا خير وسيلة لرعاية هذه الأسر: فهي تحويلها من أُسر محتاجة إلى أُسر مُنتِجة، قادرة على العمل والكسب.. واستطاعت لجنة البر في غضون هذه السنوات الثلاث، وبنعمة الله، أن تنفذ 76 مشروعًا، ولكل مشروع منها ملف خاص بالكنيسة.
ومعظمها مشروعات صغيرة قد لا يزيد رأس مال الواحد منها على بضعة جنيهات، وبدأ أول مشروع بإنشاء (مشغل العذراء) وأُنفق في إعداده ألفان من الجنيهات، والهدف منه تعليم الفتيات مهنة تقيهن شر الحاجة: من حياكة وتطريز وأشغال إبرة وأعمال التريكو والكاناڤاه وما إليها. وإذا تزوجت فتاة قدَّم لها المشغل ماكينة خياطة هدية.
وها نحن هنا نقدم نماذج لمشروعات البر، عسى أن تكون حافزًا للكنائس الأخرى، أن تحذوَ حذوها، وتنهج نهجها، وتُضيف عليها.
وفي ميدان الخدمة متَّسع للجميع.
مشروع بقالة
جاءني رجل يجُر رجليه جرًّا.. وأخذ يسرد مأساته: ولأول مرة التقيت برجل يبكي كالأطفال.
إنه يملك محل بقالة، ومرض مرضًا عضالًا طالت مدته، وأكل المرض رأس مال الدُّكَّان.
ويضيف الرجل: أنه رب أسرة مكونة من تسعة أفراد. بنوه الخمسة، وزوجته، ووالده وأمه. وجميعهم يعيشون من دخل الدُّكَّان، فأتى المرض على كل ما يملك، وأصبح الدُّكَّان خاويًا على عروشه.
ثم أضاف الرجل: أنه جاء إلى الكنيسة بعد أن نفد الزاد، ولم يجد الأطفال في هذا اليوم طعامًا للغداء، وبعضهم باتوا جياعًا.
فطمأنته، وكنت على وشك أن أقوم برفع بخور عشية الأحد، وكنيسة العذراء ترفع بخور عشية على مدار أيام الأسبوع، وألقيت عظة وأهبت بالسامعين أن يعينوا أخًا لهم مشرفًا على الهلاك.
ودار (الطبق) لجمع التبرعات، فجُمِع في هذه الأمسية ثمانون جنيهًا!
وأُعلِن المبلغ على الشعب، وعند خروجي من الكنيسة إلى المكتب زادت التبرعات وبلغت مائة جنيه.. وتبرعت لجنة البر بثلاثين جنيهًا، فأصبح المجموع مائة وثلاثين جنيهًا.
وهنا تقدَّم صاحب الشكوى بفرح بالغ ومد يده لاستلام المبلغ المنشود، ولكن فرحته زالت عندما قلت له بحزم: لا.
بهذا المبلغ ستقوم لجنة من الكنيسة بشراء كل ما يلزم للمتجر. وتفضيل الأشياء السريعة الطلب: كالجبن والزيتون والمربات والخبز والسكر وما إليها.
وقبل الرجل الوضع. وأخذ ما يكفي غذاء يومه. ووضعت المبلغ أسفل الهيكل، وطلبت للرجل بركة العذراء.. وتمر الأيام، وما أسرع أن تمر الأيام!
وينقضي عام وذات يوم وأنا خارج من صحن الكنيسة، جاءني رجل يلح في طلبي يريد أن يسر لي خبرًا هامًا، وكأنه لا يطيق الانتظار، كان هو صاحب الدُّكَّان.
فتبادر إلى ذهني أنه عاد وأكل رأس ماله.. ويريد مبلغًا آخر!
ولكنه قال لي شيئًا مختلفًا تمامًا، لم يدُر بخلدي إطلاقًا.
قال: يا أبانا حلَّت بركة العذراء، امتلأ الدُّكان بالخير وفاض. وأنا أعيش مع تسعة من أفراد أسرتي، في خير وستر.
ثم مد يده إلى جيبه وأخرج رزمة من أوراق البنكنوت: وهو يقول: جئت يا سيدي أُسَدّد الدين الذي في عنقي للسيدة العذراء، حتى تتمكن قدسكم من إنشاء مشروع آخر لرجل آخر تورط مثلي.
وبعد تفكير: قلت له معك حِل: أضف هذا المال إلى رأس مال الدُّكَّان.. وعُد إليَّ بعد عام، وستجدني في انتظارك.. إذا كان في العمر بقية.
وفي الزيتون الآن، ما زالت أسرة مكونة من تسعة أفراد تعيش في ستر وكفاية، بمشروع باركته السيدة العذراء، واشترك فيه أفراد الشعب في إحدى العشيات!
[1] مقال للقمص بطرس جيد روفائيل، نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 30 يناير 1976م
ماسح الأحذية
ماسح الأحذية[1]
تحدثنا في العدد الماضي تحت باب (هؤلاء يعملون) عن عمل لجنة البر بالزيتون، وعن مَثل لرعاية الفقراء بإنشاء مشروع يكتسبون منه رزقهم، أفضل من منحهم معونات ليعيشوا بالتسول. نذكر اليوم مثالًا آخر لهذه المشروعات.
إنه شاب عاطل كان يُكثِر التردد على كنيسة السيدة العذراء بالزيتون يطلب صدقة. وهذا الشاب تبدو عليه سيماء العافية، وإن كان يبدو عليه الذل والفاقة[2] ويلبس أسمالًا بالية[3].
قلت له: يا ابني ابحث عن عمل يُغنيك عن شر السؤال.. ولا تركن إلى خبز الكسل (أم27:31).
قال: يا أبي بحثت كثيرًا عن عمل دون جدوى، وأنا الآن لا أجد قوت يومي.. فسألته: أي عمل تتقنه؟ قال: لا أتقن أي عمل، ولا أعرف مهنة.
فصرفته حتى أفكر له في عمل.. وظل الشاب يتردد على الكنيسة: وفي كل مرة يسألني سؤالًا تقليديًّا: هل بحثت لي يا أبي عن عمل أعيش منه؟ وأنا أجيب: الرَّب يدبر.
وذات يوم أرشدني الرب إلى فكرة طارئة لمشروع كان فيه الإنقاذ لهذا الشاب العاطل.
قلت للشاب: وجدت لك عملاً مناسبًا! (ماسح أحذية).. وأخذت أشرح له الطريقة كما يزاولها أصحابها.
ثم قدمت له أول أساس للمشروع (خمسة قروش)! أخذ الشاب يديرها في يده في حيرة.
قلت له: اذهب إلى أقرب مقهى واطلب طلبًا (قهوة أو شايًا) بقرشين. وادع ماسح أحذية يمسح لك الحذاء، وتأمله جيدًا.. وقدم له باقي الخمسة قروش!
الخطوة الثانية في المشروع، اشترينا له علبة فاخرة مطعَّمة بالزجاج، مزيَّنة بالألوان وفُرشًا وبويات، عدة كاملة.. وكرسيًّا صغيرًا مبطنًا بجلد مزركش للجلوس.. وتكلَّف المشروع ستة جنيهات!
وقلت له: اذهب يا بني ببركة العذراء، ولا تكن عالة على أحد. ولم يمر الشاب يطلب صدقة بعد هذا اليوم مطلقًا.
ولمحته بين المصلين وهو يلبس ثوبًا قشيبًا[4]، وحذاء لامعًا، ويتبرَّع في صندوق الكنيسة.
وذات يوم استوقفته وسألته: كيف الحال؟
أجاب: الحمد لله.. خير حال.
كم دخلك اليومي من مسح الأحذية؟
أجاب في المتوسط خمسة وسبعون قرشًا (تزيد ولا تقل).
وهنا أخذت أحرر وأحسب دخل الشاب في الشهر، فوجدته يربو على موظف جامعي! وقلت في نفسي عجبًا! مشروع رأس ماله ستة جنيهات يدر دخلاً شهريًّا يربو على عشرين جنيهًا، ويغلق باب الحاجة، ويفتح باب الرزق.. إنها بركة السيدة العذراء حالة الحديد.
إنها الفكرة الصائبة أن تحوّل الفقراء إلى عاملين منتجين، بدلاً من متسولين عاطلين؛ وهكذا تقيهم مذلة السؤال، وتحفظ لهم ماء الوجه!
[1] مقال للقمص بطرس جيد روفائيل، نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 6يناير1976م.
[2] الفاقة: الفقر والحاجة.
[3] أسمال بالية: ثياب قديمة تدل على الفقر والحاجة.
[4] قشيب: نظيف أو جديد
مشروع زواج
مشروع زواج[1]
مشروعات لجنة البر بالزيتون
تقوم لجنة البر بمشروعات من نوع آخر، بالإسهام في زواج (إخوات يسوع)، وإعداد منزل الزوجية بقدر ما تسمح به الإمكانيات.
+ وتفتح لهم أبواب الكنيسة على مصاريعها دون قيد.
+ وكل ما تطلبه في مقابل ذلك، أن يداوم الزوجان على الاعتراف والتناول والتقدم للأسرار.
+ وفي مثل هذه الأفراح تعم فرحة غامرة. ويحضرها دائمًا كل رجال الصف الثاني بالكنيسة، كما تُشرف عليها وتتولى تنظيمها سيدات لجنة البر.
+ غير أن أعجب ما في الأمر أن لجنة البر تعد بالإسهام في النفقات، في الوقت الذي لا تملك فيه شيئًا: "كَفُقَرَاءَ وَنَحْنُ نُغْنِي كَثِيرِينَ"(2كو10:6). وكل ما هنالك أننا نلجأ للشعب، ويغطي الشعب كل النفقات ببركة السيدة العذراء التي تتولَّى تجهيز بناتها.
وقد عقدنا في شهر واحد أربع زيجات! واعتقد البعض أن لدى (لجنة البر) منجمًا يدر ذهبًا.
وبعض الزيجات تكون (خاطفة)، لا تقبل الإبطاء.. وإلاَّ كان في الإبطاء كل البلاء.
وأذكر من هذا النوع أنه طُلِب من لجنة البر تجهيز فتاة فورًا وقيل لي: هذه الفتاة يلزم أن تتزوج فورًا.. بل كان يجب أن تتزوج منذ شهرين. ويتهددها أكثر من خطر. والخطر الأكبر إذا أفلت العريس.. وإذا أفلت العريس فهيهات أن يعود!
+ والعريس يطلب (حجرة نوم)، وحجرة النوم مطلوبة من لجنة البر، ولجنة البر وافقت ورحَّبت.. مع أنها لم تكن تملك شيئًا، تشتري به شيئًا. عملاً بمبدأ الإيمان وهو: "وَالإِيقَانُ بِأُمُورٍ لاَ تُرَى"(عب1:11).
أسرعت أفاوض أحد النجارين بالزيتون فطلب في الأقل القليل 400 جنيه. غير أن نجارًا طيب القلب ألمَّ بالمشكلة وأبعادها، وأراد أن يُسهم في عمل الخير بطرف خفي.. فطلب جزءًا من ثمن الأخشاب وتنازل عن الباقي (إكرامية) لسيدتنا العذراء واكتفى بمبلغ 130 جنيهًا. على أن تُسلَّم الحجرة في مدى خمسة عشر يومًا.
+ وهنا بقيت الخطوة الحاسمة، أن أعرض المشكلة على الشعب ليُسهم فيها، وبعد صلاة عشية الاثنين، وبعد إلقاء العظة، قلت للشعب: نُريد أن نزوِّج فتاة لها ظروف صعبة. ومرَّ الطبق. وجمع الطبق سبعين جنيهًا.
وضعت النقود تحت المذبح، واتجهت إلى أيقونة السيدة العذراء داخل الهيكل، وقلت: يا أم النور، شدي حيلك معنا، بقى ستون جنيهًا!
والكلمة بعد في فمي، دخل رجل فاضل من الباب الجانبي للهيكل وأفرغ ما في محفظته وقدم خمسين جنيهًا، وقال: هذا يا أبي كل ما معي.. خذه لجهاز العروسة.
وللمرة الثانية التجأت إلى أيقونة السيدة العذراء وقلت: يا أم النور جمعنا 120 جنيهًا وبقيت عشرة. والكلمة بعد في فمي، دخل رجل فاضل من الباب الجانبي للهيكل. وقال في استحياء: اعتذر ليس معي سوى عشرة جنيهات.. أخذتها، وقلت: شكرًا يا أم النور كملت المائة والثلاثون جنيهًا.
ولم تنتهِ القصة عند هذا الحد: لقد حدثت مفاجأتان لم تكونا في الحسبان.
المفاجأة الأولى: لم أكن قد عملت لها حسابًا، وهذا يعني أن الله يدبر لأولاده كل شيء وما يفوتنا التفكير فيه، تدبره العناية الإلهية.
+ دقَّ جرس التليفون بمنزلي: سيدة فاضلة تعرض ثوب الزفاف، وتتبرع به للكنيسة!
+ دقَّ التليفون للمرة الثانية في نفس اليوم: وكانت المفاجأة الثانية.. أحد تجار الحديد بالسبتية كان حاضرًا وقت العظة، ولم يكن يحمل وقتها نقودًا، يعرض (شيكًا) على بياض.. ويطلب أن أكتب فيه إلى 500 جنيه.
قلت له: شكرًا.. لقد أعددنا للفتاة كل شيء، ولا ينقصنا الآن شيء، واحتفظ بالشيك معك لمناسبة تالية، والرب يعوضك.
وهكذا دائمًا الإنسان في التفكير والرب في التدبير.. تُرى من هم أصحاب الفضل في هذا المشروع؟! هل هو الشعب الوفي، الأفراد الذين حضروا العشية دون استعداد وأفرغوا ما في جيوبهم؟!
هل هما الرجلان الفاضلان اللذان دلفا من باب الهيكل الجانبي، وأفرغا ما في جيبوهما؟! هل هي السيدة المحسنة التي ساهمت بثوب الزفاف؟!
هل هو المحسن الخفي الذي عرض شيكًا على بياض إلى 500 جنيه مصري؟! أم هل هم كل هؤلاء مجتمعين معًا؟!
وكنيستنا ستظل بخير، ما دام فيها هؤلاء الأشخاص الأفاضل الذين انطوت قلوبهم على الرحمة. وما دام فيها الشعب الأصيل، الطيب القلب، الذي ورث هذه الطيبة عن الآباء والأجداد.
[1] مقال للقمص بطرس جيد روفائيل، نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 13 فبراير 1976م
الثلاثة أكشاك
الثلاثة أكشاك[1]
من مشروعات لجنة البر الزيتون (5)
مقدمة
إنه شاب مكافح من ضاحية الزيتون، جاهد وشقَّ طريقه في الحياة، وتخطى الأسَنة والصعاب، واستطاع أن يواصل تعليمه في (كلية الهندسة) وأن يمد يده بالمساعدة، في ذات الوقت لأسرته، فنجح أيَّما نجاح.
وإذا كانت النفوس كبارًا |
| تعبت في مرادها الأجسام |
نصائح
وإني أنتهز هذه المناسبة لأقدم لأبنائي الشبان بعض النصائح:
+ أيها الشاب لا تدع في حياتك وقت فراغ، فكل ساعة لها وزنها ولها قيمتها.
+ لا تحتقر عملًا مهما بدا صغيرًا، ما دام العمل شريفًا، ولا يعيبك أن تعمل، بل يعيبك أن تظل عالة على ذويك وأنت قادر على العمل.
+ إن الذين كافحوا ونجحوا، صعدوا سلم النجاح بالكفاح، درجة درجة.. وتذكر أن داود النبي انتقل من راعي غنم إلى ملك متربع على عرش.
والقصة التي أسوقها اليوم: قصة شاب افتتح (كشكًا) في أحد ميادين مصر الجديدة، يبيع الصحف والمثلَّجات وبعض الخردوات، واتخذ الكتاب صديقًا ورفيقًا وأنيسًا وجليسًا، لا يكاد يفرغ من المبيع حتى ينكبَّ على الكتاب، يعب العلم عبًّا، ويرتشف مناهل الثقافة.. ويعود آخر اليوم وجيبه عامرًا بالمال، وقلبه عامرًا بالأمل! وفي طريقه إلى بيته، يقضي حوائج الأسرة.
وتدور الأيام دورتها ويحصل الشاب على الثانوية العامة (من الكشك) بتقدير ويدخل كلية الهندسة.
أثلج قلبي هذا النجاح فأخذت أزفُّ إلى هذا الشاب المكافح التهنئة، وعنَّ لي أن أساله عن إيراد الكشك في الشهر، قال لي: مبلغ يتراوح بين 50 إلى 70 جنيهًا مصريًّا.
ويتوالى النجاح، وينجح الشاب في السنة الأولى بكلية الهندسة، ثم يحقق الشاب نجاحًا آخر، لقد افتتح (كشكًا) ثانيًا في الزمالك.. وهكذا أخذ الشاب يقفز من نجاح إلى نجاح.. وأخذ (كشك الزمالك) يتفوق على (كشك مصر الجديدة)!
وتسألني مَن هو أسعد إنسان بنجاح هذا الشاب؟
بكل تأكيد إنها أمه.. ولا عجب: "اَلابْنُ الْحَكِيمُ يَسُرُّ أَبَاهُ، وَالابْنُ الْجَاهِلُ حُزْنُ أُمِّهِ"(أم1:10). جاءت إليَّ الأم متهللة الأسارير، ثغرها يفتر عن ابتسامة عذبة تُعبر عن سعادة الدنيا كلها.. قالت لي الأم: صلِّ يا أبانا من أجل ابني، ليحميه الرب من كيد العدو ببركة السيدة العذراء.. ويكمل له النجاح.
وهنا حقَّق الشاب نجاحًا آخر بنجاحه في كلية الهندسة من أولى هندسة إلى السنة الثانية.. ولم تقف سعادة الأم عند حد.. ولو اجتمعت سعادة الدنيا كلها لاجتمعت في قلب هذه الأم.
ثم مرَّ عام وتغير الحال.
جاءت الأم كاسفة البال.. ودموعها تسيل على وجهها.. رأيتها أشقى أم في هذا العالم.. وأخذت تقول لي في ضراعة: أنقذ ابني يا أبي.. لقد ضاع مستقبله!
لقد فتح الشاب (كشكًا) ثالثًا.. نجح، ولم ينجح.. نجح في الأكشاك، ورسب في كلية الهندسة من شدة الإنهاك، وانشغل الشاب بجمع المال عن تحصيل العلم.. وهكذا عاقه المال عن تحقيق الهدف.
وسرعان ما دعوته وقلت له: أريد منك يا بني أن تتثقف وتتسلح بسلاح العلم فتحصل على بكالوريوس في الهندسة، وليكن المال مطية لبلوغ النجاح، ولا تجعله هدفًا، فالمال أفضل عبد، وأسوأ سيد.
وأخذنا نبحث عن حل، وانتهى بنا المطاف إلى الحلول الآتية:
+ يترك الشاب الكشك الأول.. يديره أبوه.
+ والكشك الثاني يديره رجل مُعيل معروف له.
+ وتولَّتني حيرة عند ذكر الكشك الثالث، ولكن الشاب أسرع يقول: أما الكشك الثالث فقد وهبته للسيدة العذراء بشرط!
ثم أردف يقول: بشرط أن تعين له يا أبي شابًّا مكافحًا يتم فيه دراسته، ويعول في ذات الوقت أسرته!
فسرحت بخاطري.. وقلت إن ثلاثة أكشاك تعلمنا ثلاث حكم:
الحكمة الأولى تتمثل في واجب كل شاب نحو الأسرة، والكشك الثاني الواجب من نحو الغير، والكشك الثالث يمثل الواجب من نحو الكنيسة!
وما زالت هذه (الأكشاك الثلاثة) تترك في نفسي ثلاثة انطباعات:
1- الشباب قوة هائلة، ولديه طاقة جبارة، ولكنه يحتاج إلى القيادة وحسن التوجيه.
2- يبدأ الانحراف عندما يغرينا نجاح مؤقت عن الوصول إلى نهاية الهدف.
3- كلما تذكرت معاناة الأم.. فرحتها بنجاح الابن، وشقاءها وتعاستها بإخفاقه، أقول في نفسي دائمًا: لا شيء يعادل حب الأم! لا شيء يعادل حب الأم!
[1] مقال للقمص بطرس جيد روفائيل، نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 20 فبراير 1976م
مشروع مكتبة
مشروع مكتبة[1]
أسرة هانئة
أسرة هانئة تعيش في الصعيد في رغد من العيش، وفي كنف أب رحيم لا يألو جهدًا في توفير أسباب السعادة والطمأنينة لأفراد الأسرة، يشتغل تاجرًا في مخلَّفات الجيش، كما يدير مصنعًا للنيكل وورشة موبيليات، يتدفق المال من بين يديه.. تتسع تجارته فيستعين بأحد أبنائه ويشركه معه في تجارته، بينما الابن الثاني يدرس في القاهرة.
المأساة
لم تكن الأسرة تدري ما يخبئه لها المستقبل.
وذات يوم بينما الأب والابن يعالجان إحدى العاديات، إذا بها تنفجر فيهما، ويستحيلان في لحظة إلى أشلاء متناثرة تملأ أرجاء المتجر.
وتزلزل المأساة أركان الأسرة.. وشر ما في المأساة، أن يترك الابن القتيل زوجة شابة وطفلاً رضيعًا.
ويقع الخبر على الابن الثاني في القاهرة وقوع الصاعقة؛ فيصاب نفسيًّا بعتامة سوداء وشرود فكر.
وتكر عجلة الزمان، وعندما انتهى الابن من دراسته، كانت الأسرة قد أتت على آخر قرش من الثروة التي تركها الأب، وانتقلت الأسرة إلى القاهرة، مكونة من الأم، وابنة، وزوجة الابن، والطفل الصغير.
وحطَّت الأسرة رحالها بالمطرية قرب الزيتون. وانتقلت مسؤولية الأسرة إلى كنف الابن. غير أن المأساة أخذت تُلاحق هذا الابن ملاحقة الظل، وأخذت تلح عليه، فيفشل في كل عمل يُسنَد إليه.
اشتغل الشاب بتحصيل الاشتراكات في إحدى الكنائس، ولكن رصيد الاشتراكات هبط إلى الحضيض، وضاع التحصيل بغير (تحصيل).. وغني عن البيان.. أن يُفصَل الشاب من عمله.
وجاء إليَّ الشاب بالزيتون ينوء كاهله بعبء عظيم. وجلس صامتًا لا يقوى على الكلام.
ولكن شكرًا لله؛ لقد وَفَّق الشاب إلى عمل كمدرس بإحدى المدارس الأجنبية ذائعة الصيت، ومن محاسن الظروف أنه كانت تربطني بالإدارة وشائج (روابط) المودة.. فقمت بالتوصية عليه، ولكن لم يُتِم هذا الشاب عامه الدراسي، لأن الطلبة غدوا أيضًا بدون (تحصيل) ثقافي! ومما زاد الطين بلة أن وقع المدرس المذكور في أخطاء جسمية أثناء التصحيح في إحدى نوبات الشرود.. ولولا إلمام الإدارة بظروفه، ولولا التوصية عليه، لانتهى الأمر بدخوله مجلس تحقيق.. وهكذا لم يلبث أن غدا للمرة الثانية على قارعة الطريق.
كانت مشكلة هذا الشاب أنه صُدِم في مصرع والده وأخيه.. وأخذت المأساة تلح عليه، وتلاحقه وتزلزل كيانه.. فيفقد التركيز لدرجة أنه أيضًا فقد الرغبة في الحياة، وهكذا فشلت محاولة أخرى لإنقاذه.
المشروع
جاء إليَّ الشاب بالزيتون يائسًا مهمومًا يجر أثقاله، فأخذت أُسرّي عنه وأبعث فيه الأمل.
وتعلَّمت من الكهنوت: أن كل فرد يحمل ثقله.. وعلى الكاهن أن يحمل أثقال الجميع!
كانت الابنة قد تزوجت، كما تزوجت أرملة الابن المتوفي، وبقيت له الأم تعيش من كَدّه.. وكان لا بدَّ من محاولة أخرى لإنقاذ الشاب وأسرته.
قلت للشاب ما رأيك في (مشروع مكتبة) تستقبل الغادي والرائح، وتجتذب الداني والقاصي، وتشد إليها الأعداد المكتظة بأحد شوارع القاهرة الرئيسية.. وكنت قد لمحت بالشارع الرئيسي دُكَّانًا متهدِّمًا تزدريه العين، قد تداعى تحت وطأة أقدام الزمن.
وسرعان ما قام الشاب بإخراج المشروع إلى حيز التنفيذ وإعداده ليكون (مكتبة)، وفي سرعة خاطفة امتدت يد العمران إلى هذا الدُّكَّان الخَرِب، وعاد إليه شبابه؛ فازدهى وازدهر ومسح الطلاء آثار القِدَم.
وقدَّمت للشاب دفعة أولى 30 جنيهًا، ثم 20 جنيهًا، ولكنها ذابت في خضم النفقات، وظللت بجواره أحثه وأشجعه.
وأنهك الشاب نفسه في إعداد المكتبة بكل خفقات قلبه، وخلجات نفسه.. وهكذا دخل الشاب في صراع مع الزمان، وانشغل بهذا الصراع عن مصرع أبيه وأخيه.. وحلَّ الكفاح محل الأسى والنواح، وحلَّ الأمل مكان الفشل، وعادت إلى الشاب الرغبة في الحياة.
ومر عام وسألت الشاب: كم تكلَّف إعداد المكتبة؟
قال: 500 جنيه.. وعدت أسأل: ما أهم المشروعات التي حققتها؟
قال حصلت على شقة صغيرة مفروشة للسكنى مع والدتي.. وبالقرب من المكتبة.. ثم عاد يقول: إن كل ما يسعدني أن أرى أمي بالقرب مني.. وأضاف الشاب: أنا أعيش ببركة والدتي وهي تدعو لي في كل صباح..
وأردف: لقد تكلَّفت المكتبة مئات الجنيهات.. فاستدنت، وأخذت أدفع شبح الفقر فتدربت على صناعة الشمع وبيعه، وصناعة الصلبان من البلاستيك. وحصلت على ماكينة تطريز للبدرشيل ستكون معدة في القريب. ثم أراني مجموعة من الأباجورات من صنعه.
قلت: مَن علَّمك كل هذا؟ قال: علَّمني الزمان! قلت حقًّا إن الزمان مُعلّم خبير، والدنيا مدرسة واسعة، والعمل يأسو (أَسَا الجرْحَ والشيءَ: أَصلحه) كل الجراح.
وأبصرتُ الدموعَ تُشرق مِن عينيه وهو يقول: أتعلم يا أبي أنه مرت عليَّ أيام سوداء.. كنت أبيت وأمي على الطوى.. من غير طعام؟
قلت: ما أهم مشروع تفكر فيه الآن؟ قال: سأحضر ابن أخي من الصعيد، وأتعهده بالعناية. إن أمي وابن أخي هما كل ما لي في الحياة. وهنا ألقيت بصري على المكتبة، فوجدتها ما زالت خاوية.. قلت للشاب: ما هو تقديرك لإيراد المكتبة إذا اكتملت؟ قال: مبلغ شهري يتراوح بين 100 جنيه إلى 150 جنيهًا.
قلت له: من الآن ستتبرع (لجنة البر) لك كل أسبوع بمائة كتاب من سلسلة العقائد والطقوس التي تصدرها أسبوعيًّا.. فترة تقف فيها على رجليك، بالإضافة إلى مجموعة زاخرة من الصلبان والهدايا والأيقونات.
وبعد، فالحياة صراع.. ومصائب الدنيا أكثر من نبات الأرض!
والمكتبة في حاجة إلى تعضيدك أيها القارئ لتنقذ أسرة: شابًّا وأمًّا وطفلاً يتيمًا من الضياع، وبهذا يكتمل المشروع!
[1] مقال للقمص بطرس جيد روفائيل، نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 27 فبراير 1976م
عمل الله
عمل الله[1]
حدَّثتك أيها القارئ عن مشروعات لجنة البر وقدمت لك نماذج منوعة، علها تكون حافزًا للمضي في الخدمة.. فالحصاد كثير والفعلة قليلون (مت37:9).
وقبل أن أسترسل، وأقدم لك نماذج لمشروعات أخرى، أرى لزامًا عليَّ أن أذكر لك أولاً سر نجاح هذه المشروعات.
والحقيقة أن سر نجاح أي خدمة في الكنيسة بكل تأكيد يرجع إلى (يد الله) العاملة فينا وبنا، وأن العمل في الواقع إنما هو (عمل الله).
وها أنا أنقل لك بعض الاختبارات أو اللقطات السريعة من مجال الخدمة.. فلقد رأيت يد الله، وأريدك أن تراها معي.. وسترى أن كل خطوة نخطوها بإذنه وتوفيقه، فبه نوجد ونتحرك ونحيَا (أع28:17).. وكلما مددنا أيدينا وشرعنا في البناء، فلنتذكر الآية التي تقول: "إِنْ لَمْ يَبْنِ الرَّبُّ الْبَيْتَ، فَبَاطِلاً يَتْعَبُ الْبَنَّاؤُونَ"(مز1:127).
1- قصة الأسمنت
عندما فكرنا في إقامة مشروع (مشغل العذراء بالزيتون)، تخيَّرت حجرتين فسيحتين في أرض الجراچ المواجه للكنيسة.. كانت الحجرتان خربتين، وفيهما أكوام مكدَّسة من الأنقاض والأتربة.
وكان الهدف من المشروع: إتاحة الفرصة للفتيات الفقيرات ليتعلمن: أشغال الإبرة والخياطة والتطريز والتريكوه والكروشيه والكاناڤاه:
- فيحصلن على مرتبات يُعِلنَ بها أسرهن.
- ويجدن مهنة تعينهن على المعيشة، ولا غرو فقد قيل: (إن صنعة في اليد تغني عن الفقر). وإذا تزوجت فتاة؛ قدَّم لها المشغل ماكنية خياطة هدية العرس.
ولم نحزن مطلقًا عندما تترك فتيات كثيرات العمل بالمشغل، ويقمن في بيوتهن بعمل مستقل يدر عليهن ربحًا وفيرًا، كنا نضع أخريات في مكانهن.
وقبل أن تلتحق فتاة بالمشغل، عليها أن تمر بمشروعين آخرين تابعين للجنة البر:
(أ) مشروع محو الأمية، وتعلم القراءة والكتابة.
(ب) تعلم الخياطة، والحصول على دبلوم خياطة بتقدير.
وتشرف على المشروعين سيدتان فضليان من المتطوعات، هما السيدة روزيت والسيدة ڤيولا.
وقد تخرج حتى الآن من حملة الدبلوم 150 مائة وخمسون فتاة على ثلاث دفعات.
وعندما وُضِع مشروع المشغل موضع التنفيذ، اعترضتنا عقبة كؤود.. وهي الحصول على الأسمنت، وكان في ذلك الوقت متعذرًا للغاية، ويحتاج إلى تصريح وانتظار طويل.. وهكذا أوقِفَ المشروع.
وبينما أنا في حيرة، مال عليَّ أحد أعضاء المجلس الملي الكرام، يعرض عليَّ دون مقدمات إحدى المشكلات.. قال: لدينا كمية من الأسمنت زادت على حاجة البناء، نخشى أن يتلف الأسمنت إذا تُرك.. ثم سألني: ألا تجد لهذا الأسمنت تصريفًا؟
كنت كغريق يعثر على قارب النجاة. فقلت له على الفور: هوِّن عليك، مشكلتك حلها جاهز، والتصريف عندي.
قال العضو: حسنًا، سيصلك الأسمنت غدًا صباحًا، إن شاء الله، ليكون في حوزتك وتحت تصرفك.. ثم أضاف: والأسمنت هدية لسيدتنا العذراء.
وهكذا فتح المشغل أبوابه، بعد أن تم البناء، وغطى الأسمنت حاجة البناء، وفاض وزاد.
وبعد ألا ترى معي أيها القارئ العزيز (يد الله).. تمتد في أحلك الأوقات: لتدبر كل شيء.. وترتب كل شيء.. ولا يفوتها شيء.. مهما بدا صغيرًا!
2- رجل يطاردني
تعول لجنة البر شهريًّا طائفة أخرى من ذوي الحاجة أسميتهم (عائلات لا تستطيع السؤال) سيأتي الحديث عنها فيما بعد.. ويسمونهم في اللغة الفرنسية (الفقير الخجول) C'est la dignité d'un pauvre timide. وأخفيت هذا المشروع تمامًا عن الشعب، فلم يعلم أحد عن أمر هذه الأسر شيئًا. ومثل هذه العائلات يكتشفها الكاهن وتسترها حيطان البيوت، وللبيوت أسرار، والأسرار دفينة في صدر الأب الكاهن.
وذات مرة أقبل أول الشهر يتهادى، واكتشفت أنني لا أملك قرشًا واحدًا لهذه الأسر، وكان عددها ست أسر.. فأقلقني هذا الخاطر هنيهة ولكنني سرعان ما ألقيت برجائي على الله.
وفي طريقي إلى الهيكل لأفرش المذبح استعدادًا للقداس الثاني، ازدحم الناس حولي فرجوتهم الانتظار ريثما أنتهي من القداس.
غير أن رجلاً لحوحًا ظل يطاردني في غير هوادة.. قدمه مع قدمي، إذا نزلت نزل معي، وإذا صعدت صعد معي.. إذا توجَّهت إلى الهيكل جدَّ في إثري. وهو يقول: مهلًا يا أبي.. دقائق معدودات.. فرجوته هو الآخر الانتظار.. وبينما كنت في طريقي من المعمودية إلى الهكيل سدَّ الطريق في وجهي ثم أسرع ومد يده وقدم لي ظرفًا مغلقًا.. تأملت الظرف فوجدت مكتوبًا عليه (عائلات لا تستطيع السؤال).. وانتهز الرجل الفرصة وأفلت وفَرَّ، ولم أقف له على أثر.
بعد القداس سلَّمت الظرف للأخصائية الاجتماعية فأحصت ما فيه.. فوجدنا بداخله المبلغ المطلوب للست أسر. لا يزيد قرشًا ولا ينقصه قرش!!
فتولاني العجب! قلت في نفسي: من أين عرف؟! لماذا ظل يطاردني؟! لماذا فر؟!
وزال عجبي، وانقشعت السحابة عن عيني عندما تذكرت: أن اليد التي امتدت، لم تكن يد إنسان؛ بل يد الله.. وأن العمل هو (عمل الله)!
[1] مقال للقمص بطرس جيد روفائيل، نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 5 مارس 1976م
يَدُ الله
يَدُ الله[1]
من مشروعات لجنة البر
تحدَّثنا في العدد الماضي عن بعض المشاعر والانطباعات أثناء الخدمة، ونقلت إليك أيها القارئ العزيز بعض التأملات والاختبارات والأحاسيس، وهنا أنقل لك جانبًا آخر لتكتمل الصورة.
وقديمًا حال البحر الأحمر دون العبور، فأمر الرب موسى أن (يمد يده) بالعصا، فإذا بالبحر ينشق نصفين.
وهذا ما يحدث دائمًا؛ عليك لتجتاز الصعاب أن (تمد يديك) لعمل الخير.. والرب يعمل على يديك عملاً عظيمًا، والكل يتم بقدرة الله، لأن عمل الخير هو عمل الله، واليد التي تُساندك: هي (يد الله).
وها أنا أقدم لك بعض القصص في هذا المجال.
دموع فتاة
تعود بي الذكرى إلى أحد أيام الثلاثاء، وأنا أخصص يوم الثلاثاء من كل أسبوع لحل المشكلات في كنيسة السيدة العذراء بالزيتون، ويعاونني في هذا المضمار، بعض أراخنة الشعب، وأحد المحامين من رواد التربية الكنسية؛ حتى يمكن تغطية الجوانب القانونية.
مرَّ بنا الوقت سريعًا، ونحن منهمكون في حل المشاكل، وأخذت عقارب الساعة تزحف نحو الساعة الحادية عشرة مساء.. وظلت فتاة تنتظر دون ملل، وعندما جاء دورها، طلبت أن تذكر مشكلتها بيني وبينها على انفراد؛ فأخلى الجميع المكان.
قلت: نعم يا ابنتي تحدثي وأنا مستمع إليكِ وفي خدمتك. لم تتكلم الفتاة، لكن انحدرت دموعها، وظلت فترة تبكي في صمت، فاحترمت شعورها. وأخيرًا تكلَّمت الفتاة:
وجهت لي سؤالًا عجيبًا: هل أنا متكبرة يا أبي؟! قلت لها: اكشفي لي يا ابنتي عن كل ما يتعبك، لا تخفي شيئًا. قالت: أنا طالبة في معهد.. ولا أملك غير ثوب واحد، وأبي عاطل، ولي ستة إخوة، بلى الثوب فرتقته[2] مرارًا.. أحيانًا أتغيَّب عن الجامعة أيامًا لأنني محرجة، ألوم نفسي دائمًا، وأسأل نفسي: هل هي كبرياء نفس؟!
فلم أرد، ولم أسمع سؤالها؛ فقد كانت نفسي تدمي. ثم عادت الفتاة تكرر السؤال: وهنا تنبَّهت وهوَّنت عليها.. وطلبت منها أن تعود لمقابلتي بعد أسبوع.
يا للشقاء! كان البؤس مرتسمًا على وجه الفتاة، وأخذت التعاسة تُضيف أعوامًا إلى عمرها.
وبعد خروج الفتاة، أغلقت الباب، ومِلتُ قليلاً على درج المكتب.. وأحسست بقطرات راحة يدي.. ولم تكن دموع الفتاة!
وفي اليوم التالي حدثت مفاجأة لم أحسب لها حسابًا.. إن الله يتدخل دائمًا وبسرعة، جاء لي خطاب مُسجَّل من خارج مصر (من أمريكا).. لقد سمع بعض أبنائنا في الخارج بنشاط لجنة البر في خدمة إخوة يسوع.. فأرسلوا لي 26 طردًا تحمل أفخر الثياب، واشترطوا أن أستلم الطرود بنفسي من المطار.
ثم عادت الفتاة بعد أسبوع.. ولم تعد تشعر الفتاة بحرج بعد هذا اليوم أبدًا! ولم يعد يشعر بالحرج أيضًا إخوتها الستة. ولم يعد يشعر بالحرج أيضًا كل أبنائي وبناتي الذين يدرسون في الجامعة من إخوة يسوع!
تُرى أي يد امتدت لتُرسل الثياب والطرود؟! وأي يد... غير (يد الله).
الحلق الذهبي
ما يدعو إلى التأمل تدبير الله العجيب.
إن كل ما يجري حولنا من أحداث يؤكد لنا هذه الحقيقة الناصعة.
والله في تدبيره، لا تفوته صغيرة أو كبيرة من حياتنا.
نتأكد من هذه الحقيقة كلما تأملنا الطيور في أعشاشها، والرب يرزقها قوتها.. وزنابق الحقل تنمو، والله يلبسها حُلَّة من البهاء.
وهذه قصة فتاة ساهمت لجنة البر في تكاليف خطوبتها؛ لأنها من أخوات يسوع، واشترط العريس حلقًا ذهبيًّا معينًا أحضرناه لها وتكلَّف 18 جنيهًا مصريًّا.
أخذته الفتاة، وكادت تطير به فرحًا، وكانت كلما سارت تحسَّست مكان الحلق، وكأنها تريد أن تطمئن أنه ما زال في أذنيها!
وذات يوم وهي تتحسس حلقها في الطريق لمحتها سيدة، فاستوقفتها وأطرت على ذوقها في اختيار الحلق.
وأخذت السيدة تتحسسه بدورها.. مُظهِرة إعجابها، وبعد قليل اكتشفت الفتاة أن الحلق ليس في أذنيها، وأن السيدة التي أعجبت به قد نشلته، وانخرطت الفتاة في بكاء مرير، وتوسلت أن نحضر لها حلقًا آخر، لن تتحسَّسه مطلقًا.. ومرت شهور.
ومنذ شهر جاءتني سيده ثرية تأخذ رأيي في مشكلة تُحيّرها.. اشترت هذه السيدة حلقًا للشغالة هدية تشجيعًا لها، وقبل أن تُسلمه لها، ساءت العلاقات بين السيدة والشغالة، فطردتها من خدمتها لسوء سلوكها.
وتستطرد السيدة: لقد خرج الحلق من ذمتي يا أبي.. فماذا أفعل به؟
وهنا بادرت وسألت السيدة عن ثمن الحلق.. ولدهشتي قالت: 18 جنيهًا!!
قلت للسيدة على الفور: وجدتُ لكِ الحل، وهو أن تُسلميه لفتاة مخطوبة نُشل حلقها، وكان ثمنه أيضًا 18 جنيهًا والأفضل أن تسلميه بيدك.
وما زلت في حيرة من هذا التوافق العجيب والتدبير الإلهي المحكم.. ضاع حلق ثمنه 18 جنيهًا من فتاة بائسة، فأرسل الرب حلقًا بنفس الثمن على الفور.
امتدت يد النشالة لتأخذ الحلق.. وامتدت يد الله المُحبَّة لترد الحلق..
ويحدث دائمًا كلما امتدت يد بالأذى، أن تمتد يد الله لتحول الشر إلى خير!!
إنها (يد الله) التي تصنع كل هذا!
[1] مقال للقمص بطرس جيد روفائيل، نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 12مارس 1976م
[2] رتق الثوب: إِصْلاحُ فَتْقِهِ
إنقاذ شاب ضال
إنقاذ شاب ضال[1]
أحيانًا كثيرة لا تكون الرؤية واضحة، فينتشر ضباب كثيف يحجب عنا الطريق، فنلجأ إلى الله ليلهمنا الرشد والسداد.. وفي أحيان أخرى نكون في مفترق الطريق تكثر حولنا الشعاب.. فنقع في حيرة: أي طريق نختار؟!
وهوذا بولس نفسه يقول: كلما أردت أن أفعل الخير، أجد الشر حاضرًا أمامي (رو7: 18)! ونحن في حاجة إلى الحكمة ونحن نفعل الخير.. وإذا كان من المهم أن نفعل الخير، فالأهم هو كيف نفعل الخير؟ وفي جميع الأحوال علينا أن نتمهل.. حتى يبدو لنا أول خيط من النور.. نسير وراءه.. وفي هذه القصة التي أسردها لك أيها القارئ العزيز، أحاطني ضباب كثيف فلم أرَ بصيصًا من النور!
قصة الشاب
يوم الثلاثاء هو اليوم المخصص لحل المشاكل، وأستعين في حل المشاكل، ببعض الأراخنة، وبطبيب وبمحامٍ.
قصدني شاب وطلب لقاءً سريعًا، وكان جليًّا أنه يعاني من مشكلة مُلحَّة، وكان من الواضح أنه قد تورط، وكان يبدو هائجًا.. فسألته: هل تريد لقاءً خاصًّا؟ قال: هذا لا يهم.
ويبدو أن بعض الأراخنة عندما رأوه ثائرًا مهتاجًا، فضلوا أن يكونوا في هذا اللقاء معي.
أخذ الشاب يتحدث في صوت كقصف الرعد، وكان مما قاله: إنه مجرم أثيم، ارتكب جرائم يعاقب عليها القانون المدني.
وقال إن ضميره لم يعاقبه، لأنه لم يكن له ضمير يحاسبه، أو بمعنى آخر كان له ضمير ومات منذ وقت بعيد.
وأصرَّ الشاب أن يُعد جرائمه.. وبعد أن انتهى من حديثه، حسبت حسبة بسيطة فوجدته يستحق 80 عامًا سجنًا، لو عُوقب على كل جريمة على حدة.
+ ثم أخذ الشاب يقول هادرًا: لقد طردني الجميع فماذا تقول أنت؟ وأخذ ينظر إليَّ شذرًا.
وانتفض أحد الأراخنة وهو أكثرهم انفعالاً بالموقف.. وكان وكيلاً لإحدى المدارس الثانوية وقال: اطرده يا أبانا.
ثم مد يده في عصبية إلى التليفون يريد أن يطلب البوليس، وفي ذات الوقت هاج الشاب، وماج، وأرغى وأزبد، وسرعان ما اجتمع حولنا فراشو الكنيسة، في انتظار إشارة مني للانقضاض على الشاب.
وبذلت محاولة كبيرة للسيطرة على الموقف، واتجه الجميع بأبصارهم نحوي في دهشة بالغة عندما بادرت الشاب بهذا السؤال: ماذا تريد يا بني؟
قال: أسكن في منزل منذ ثلاثة شهور ولم أدفع إيجارًا، أريد فورًا إيجار ثلاثة أشهر، وفي الحال!
+ وهنا سأله الأرخن الثائر متهكمًا: وماذا تريد أيضًا؟
+ قال الشاب: أريد فراشًا، سريرًا، ومرتبة، ولحافًا لأنني أنام على الأرض.
+ وعاد أرخن آخر يقول له: قل لا تنسى شيئًا، وماذا تريد أيضًا؟
+ قال الشاب: أريد أدوات مطبخ، ووابور جاز، وعدة حلاقة، لأنني لم أحلق منذ أسبوع!
+ وهنا قلت له: هذه الأمور في الدرجة الثانية، المهم عندي أي عمل تتقنه؟ كيف تريد أن تشق طريقك في الحياة؟ وتبدأ حياة الشرف والاستقامة فكر في المشروع.
+ وهنا قال الشاب: لقد تذكَّرت.. أريد أيضًا نفقات استخراج أوراق (رخصة قيادة) سيارات، لأنني في هروبي من رجال الأمن تعلَّمت القيادة.. صاح الأعضاء في صوت واحد: يا أبانا لا تنفق أموال الفقراء والأيتام على هذا المتشرد.. اطرده، أو اتركه لنا نتصرف فيه.
كان عقلي يعمل بسرعة.. أين طريق الخير؟ شعرت بضباب كثيف.. هل أعينه أم أتركه؟ هل أصدقه، أم أكذبه؟
شيءٌ واحد أعجبني في هذا الشاب.. كان صريحًا، شاعرًا بالذنب، نعت نفسه بالإجرام، وقال إنه يستحق الشنق جزاءً وفاقًا لما اقترف.. والندم والشعور بالذنب خطوة نحو الرجوع عنه.. وهنا صرخ الشاب في وجهي: أتستطيع إنقاذي، وإلاَّ سأعود مجرمًا وسفَّاحًا؟
وضرب الشاب بجمع يده على زجاج المكتب الذي أمامي حتى كاد يهشمه. وهنا تحرك الفراشون، وبإشارة واحدة أرجعتهم.
أخيرًا قلتُ للشاب: سأستخرج لك رخصة القيادة يا بني.. وسأدفع لك الإيجار المتأخر.. سأشتري لك لوازم حجرة النوم والمطبخ. وسأدعو لك ببركة السيدة العذراء، ولكنني أطلب منك شيئًا واحدًا: أن تقطع صلتك بالماضي وتعيش منذ الآن ابنًا لله.. هل تعدني؟ وأخذته من يده داخل الكنيسة، وأوقفته أمام أيقونة العذراء؛ ليقطع عهدًا مع الله.
وهناك قال الشاب في صرامة: سأرد للعذراء كل ما آخذه، وسأعتبره دينًا، وأعدك أنك لن ترى وجهي بعد اليوم محتاجًا.
ومرَّت الأيام.. وانقضت ثلاث سنوات وذات يوم وأنا أقود سيارتي، حاولت سيارة أجرة أن تقطع عليَّ الطريق فتوقفت، ونزل شاب أنيق، وقال: بارك يا أبي هذه السيارة.. وكانت تُزينها صور العذراء.
ثم رنا إليَّ بنظرة فاحصة وابتسم وقال: ألا تعرفني؟!
يا إلهي! كان هو ذات الشاب الذي كان ضالًّا فاهتدى.. وفقيرًا فاغتنى.. وشريرًا فعرف طريق الله!
+ وقبل أن أتركه ابتسم الشاب وقال: لقد وعدت وأوفيت.
+ قلت: وفيت ماذا؟!
قال إن الدين الذي كان في عنقي منذ ثلاث سنوات، رددته للسيدة العذراء!
[1] مقال للقمص بطرس جيد روفائيل، نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 19 مارس 1976م
ربحت 40 فدانًا
ربحت 40 فدانًا[1]
تعوَّدت في العشيَّات أن ألقي محاضرة دينية. وفي كل محاضرة أتلقي أسئلة أقوم بالرد عليها.. ولكن سؤالاً واحدًا عجزت عن الرد عليه، وسأظل عاجزًا عن الإجابة مهما درست، لأنه لا يوجد فيه سبيل للاجتهاد والبحث.
وهذا السؤال يعجز عن الرد عليه أي عالم من علماء الكنيسة، ويعجز عن الرد عليه العلماء مجتمعون، على مر العصور.
وستتبين أيها القارئ هذا وأنت تقرأ هذه القصة التالية.
ولقد حدَّثتك سابقًا عن مشروعات لجنة البرِ بالزيتون، وأنا أضيف، أنه ليس من الضروري أن يكون المشروع خاصًّا بمنطقة الزيتون.
فأينما وُجِدَ محتاج فهو ابن للكنيسة، والسيدة العذراء أم للجميع، والأم تمد يدها بالعون لأولادها أينما كانوا، في أي مكان، وأي مشروع ينجح في أي مكانٍ ما، هو نجاح للكنيسة الجامعة.. وأي ربح في هذا السبيل هو ربح عام.
سؤال مُعجّز
عندما خرجتُ من الكنيسة ذات مساء وكانت الساعة العاشرة مساءً. وجدت اثنين في انتظاري، دفعاني دفعًا إلى عربة فاخرة وهما يبتسمان، ويقولان: لقد (نشفنا) من البرد، ونحن في انتظارك.. وكان الاثنان زوجًا وزوجة.. واتجهت بنا السيارة، تنهب الأرض نهبًا.. إلى أحد الأحياء الراقية في القاهرة، إلى عمارة رائعة يملكها الرجل. وكان كل شيء حولي ينطق بالثراء.
وبعد تحية قصيرة ابتدرني الاثنان بسؤال.. عقد لساني من الدهشة: قال الاثنان في صوت واحد: قل لنا يا أبانا مَن منا يموت أولاً؟!
قلت لهما: صدقوني لا أعرف.. ولا يوجد إنسان يعرف.
ومن ثنايا هذا السؤال الغريب، وقفت على قصة مثيرة.
قال الاثنان: لقد اتفقنا أن نوجه لك هذا السؤال، ونعمل بما تُشير به.. وما تبديه من رأي نلتزم به.
قال الرجل: اسمع يا أبانا القصة.. إنني تخطَّيتُ السبعين عامًا، ولم أرزق ولدًا، وزوجتي تصغرني بكثير.. اقترنت بها وكانت أجمل امرأة في صعيد مصر.. ظل زواجنا ترفرف عليه أجنحة السعادة، ولم يعكر صفو سعادتنا أي مُكدِّر؛ إلَّا أمل لم يتحقق فلم نُرزَق نسلاً.. لم نختلف أبدًا، واختلفنا اليوم.. بعد أن برز هذا السؤال: مَن منا يموت أولاً؟! وانقلبت حياتنا جحيمًا.
وهنا وجه الزوج سؤالاً لزوجته: مَن منا يتكلَّم أولاً؟! واتفقنا أن تبدأ الزوجة أولاً فلا يقاطعها الرجل.. ثم يتكلم الرجل فلا تقاطعه الزوجة، واحترم الزوج الاتفاق، ولم تحترمه الزوجة!
قالت الزوجة: لقد كتب لي 40 فدانًا، وقصرًا.. وبعد أن خدمته عمرًا طويلاً، وأفنيتُ زهرة شبابي، وكنتُ له نعم الزوجة الوفية؛ يريد اليوم أن يجردني من الميراث.. هل توافقه على هذا يا أبي؟!
ثم تكلَّم الزوج، فقال: لم أنجب من زوجتي، وأنا الأكبر سنًّا.. فإذا بادرني الموت قبلها ورثتني، ثم يؤول الميراث إلى أهلها بعد موتها.. إن أولاد أخي هم عصب.. وأولى بثروتي.. أهلي أولى من أهلها وأحق بالميراث.
ولم تدعه الزوجة يكمل الحديث؛ بل أخذت تقاطعه في كل كلمة.. وأخذ الاثنان يحتدَّان، وأنا أطلب من الله الصبر والإلهام.. لقد أشرفت الساعة على الثانية وعشرة دقائق، وغدوت في منتصف الليل.
قلت: مهلًا سأقول رأيي في هذه المشكلة.. هل تحترمانه؟
قال الاثنان: لقد أخذنا عهدًا أن نعتبر ما تقوله، كأن الله قاله على لسانك: قلت: ومَن يخرج عن هذا الاتفاق؟ قالا: يكون خارجًا عن طاعة الله.. وأسرعت الزوجة تقول: مستدركة إنما (خليك) مع الضعيف يا أبانا!
وهنا صاح الزوج مقاطعًا: لا تحاولي التأثير على أبينا! ثم استدرك: ليست النساء ضعيفات.. نحن معشر الرجل الضعفاء معهن!
قلت لهما: كفى.. اسمعا الحُكم!
قلت: تبقى الأربعون فدانًا في حوزة الزوجة.. وهنا ابتهجت الزوجة وأشرق وجهها عن ابتسامة عريضة، واغتمَّ الزوج جدًّا، ولكنني استدركت: تبقى الأربعون فدانًا في حوزة الزوجة تستمتع بريعها مدة حياتها، إذا مات الزوج أولاً.. ثم تؤول الأربعون فدانًا (للكنيسة) بعد انتقال الزوجة.. وتُسجَّل الوصية على هذا النحو.
ثم مِلتُ على الزوج وقلت: أريد أن أنقل لكم هذه الأفدنة إلى ملكوت السموات ليكون لك 20 فدانًا، ولزوجتك 20 فدانًا.
فنصيب الرجل كنصيب المرأة في السماء: "لاَ تَكْنِزُوا لَكُمْ كُنُوزًا عَلَى الأَرْضِ.. بَلِ اكْنِزُوا لَكُمْ كُنُوزًا فِي السَّمَاءِ"(مت6: 19، 20). مرت فترة صمت حرجة.. ثم قال الزوج: قبلت وسأسجل.. وصمتت الزوجة ثم قالت: وأنا أيضًا قَبلت.
وربحت 40 فدانًا للكنيسة الجامعة!!
[1] مقال للقمص بطرس جيد روفائيل، نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 26 مارس 1976م
ماكرة وماكران وماكر
ماكرة وماكران وماكر[1]
ما أكثر الجموع الزاخرة من المحتاجين الذين نَكَّلت بهم مصائب الدنيا، فأذلَّتهم ودفعتهم للحاجة والسؤال، فأسرعوا يلوذون بصدر الأم، ويقرعون باب الكنيسة، وتدافعوا إلى (لجنة البر) زَرافات ووُحْدانًا[2]، يبثون شكواهم.
فهذه امرأة عجوز لا عائل لها، تطلب قوتًا وكساءً وغطاءً، وهذه أرملة ضاقت بها وبأولادها السبل، وهذا شيخ فانٍ لا يجد قوت يومه، وهذه عائلة تستتر وراء الحيطان يمنعها الحياء من السؤال، وهي معرضة للانهيار التام. وأسرة عجزت مواردها عن دفع الإيجار يهددها المالك بالطرد. وذاك شاب مكافح عاجز عن مواصلة العلم، ومن ورائه أسرة تعقد عليه الآمال، وتلك عروس من أسرة معدمة لا تجد ثوب الزفاف!
هذه الفئات جميعها نعالجها بطريقة (الأنبا أبرآم).. أو بطريقة من (اليد لليد).. ونتعامل معها بهذه الآية: "مَنْ سَأَلَكَ فَأَعْطِهِ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَقْتَرِضَ مِنْكَ فَلاَ تَرُدَّهُ"(مت42:5).
بين هذا الخِضَم، هناك فئة أخرى يمكن تسميتها (أدعياء الحاجة) يندسون بين المحتاجين، يتخذون من السؤال مهنة.
أقدم لك منهم القصص الآتية: (ماكرة، وماكران، وماكر). والمشكلة هي: مَن يسأل منهم، وهو غير ذي حاجة، هل نعطيه؟
ماكرة
سيدة فارعة الطول، زوجها عاطل.. لديها أولاد قُصَّر، تأخذ إعانة شهرية من لجنة البر، لأن زوجها عاجز عن العمل، والسيدة لا تكف عن السؤال.
تقصد لجنة البر عدة مرات في الشهر الواحد، ضجت منها الأخصائية الاجتماعية.. وكنت آمرها في كل مرة أن تعطيها.
قلت للأخصائية: عليكِ أن تتحمليها لمدة عام.. وقمت على الفور بتحويلها إلى المشغل وتعليمها فن التفصيل.. وحصلت السيدة على دبلوم تفصيل بدرجة امتياز.. وأصبح في إمكانها أن تشتغل في البيت وتكون من (الأسر المنتجة).
ذات يوم عرضت علينا السيدة أن نشتري لها (ماكينة خياطة) وتمتنع عن استلام الإعانة الشهرية.. وتكلَّفت الماكينة 50 جنيهًا.
التقيت بها في الكنيسة، وبعد انتهاء الصلاة سألتها عن دخلها الشهري من ماكينة الخياطة، قالت: 30 جنيهًا وفي بعض الشهور يصل إلى 60 جنيهًا.
لقد تدفَّق عليها الخير ببركة السيدة العذراء، فاغتبطت لهذه النتيجة أيما اغتباط.
ثم مرت سنتان، وفوجئت بالسيدة تأتي إلى لجنة البر تطلب الإعانة الشهرية وقدرها جنيهان ونصف، بحجة أن أعصابها قد تعبت من الخياطة.. وأن رعاية الأولاد تستنفد كل وقتها!
وليست مصادفة أن تأتي السيدة بعد سنتين.. وبالتحديد بعد 20 شهرًا.. حيث يكون مجموع ما اقتطع منها من الإعانة الشهرية 50 جنيهًا، يعادل ثمن ماكينة الخياطة.
وكان رد لجنة البر بسيطًا وواضحًا: ترجع الماكينة.. فترجع الإعانة الشهرية. فلم تجد السيدة ما تقوله، بعد أن انكشف الغطاء.. عن هذا الدهاء.. وهذه سيدة تريد أن تحتفظ بالماكينة والإعانة معًا، إنها ماكرة، لأنه رغم ما يتدفق عليها من خير وفير، تريد أن تعيش، ولا تترك فرصة لغيرها ليعيش.
وفي يقيني أن مبلغًا يأخذه شخص لا يستحق، إنما يسلبه من شخص آخر يستحق!
ماكران
يقولون إن المصائب لا تأتي فرادى!
وهذا رجل عاطل.. وكان من بين أولاده واحد يعمل.. أصيب في حادثة بُتِرَت فيها ذراعه.. وجاء الأب وابنه إلى (لجنة البر) يعرضان الذراع المقطوعة.
وأردف الرجل: إن ذراع ابنه قُطِعَت.. ولكن رجاءه في الرب لم ينقطع!
ثم أضاف أن الله يقطع من ناحية، ويصل من ناحية أخرى.. وغمز إليَّ بعينه.. وكان يقصد بالطبع أن هذه الصلة ستأتي عن طريق (لجنة البر)!
ثم أسمعنا الرجل عظة بليغة في الصبر، واحتمال مشقات الحياة، وقبول التجارب من الله بشكر.. وكانت من أبلغ العظات التي سمعتها، لدرجة تصاغرت نفسي أمام إيمان هذا الرجل، وقلت في نفسي: ولا في كل الزيتون يوجد إيمان مثل هذا!! لقد كانت لكلمات هذا الرجل فعل السحر.. حتى كادت تدمع لها العيون.
وكان التحرك سريعًا؛ فقررنا أن نشتري للابن أطرافًا صناعية، ونقدم له مبلغًا من المال كنواة لعمل مشروع.
ولقد كلَّفتنا الأطراف الصناعية 28 جنيهًا، واستقر الرأي أن نكملها إلى 40 جنيهًا.
أخذها الرجل وابنه شاكرين. وانثنى الرجل يسبح بحمد الله ويتلو علينا قبل خروجه الآية: "اِحْسِبُوهُ كُلَّ فَرَحٍ يَا إِخْوَتِي حِينَمَا تَقَعُونَ فِي تَجَارِبَ مُتَنَوِّعَةٍ"(يع2:1). وفعلاً كان الرجل (فرحًا) جدًّا!!
وطيلة أسبوع كامل ونحن نتحدث عن إيمان هذا الرجل.
وحدث أن دُعِيَت لإلقاء عظة في كنيسة مار جرجس بمصر الجديدة، وبعد العظة جلستُ بين الأعضاء.. وإذا بواحد منهم يقول: لك عندي مفاجأة يا أبانا.
قد جاء إلينا رجل (مؤمن) أسمعنا أبلغ عظة عن الصبر والتجارب، ومسكين ابنه مقطوع الذراع.. واتفقنا أن نعطيه 30 جنيهًا لشراء أطراف صناعية. وهنا صاح المستشار رمسيس مرقس: إذا لم تخني الذاكرة، فقد شاهدت هذين الاثنين عندك في الزيتون يا أبانا.
وقلت على التو: أين الرجل؟ قيل لي: في الخارج.. قلت: آتوني به فورًا.. وحالما تبين (الماكران) جلية الأمر.. شدَّ الرجل ابنه، وانطلق الاثنان إلى الشارع لا يلويان على شيء.
سأل أحد الأعضاء: أين ذهبا؟ قلت ربما كانت كنيسة الزمالك في حاجة إلى عظة عن التجارب والصبر. هذان (ماكران).. الأب وابنه، اتَّخذا من السؤال مهنة ليحققا مزيدًا من الثراء على حساب الفقراء.
ماكر
أشرف الرجل على الستين، وجاء يمد يده في صوت خافت لا تكاد تتبينه.
وكان يمتاز بابتسامة تشعرك أنه رجل أخنى عليه الدهر، وأرغمته الحاجة للسؤال، وكنا نشعر بالحرج ونحن نقدم له.
وكلَّفتُ الأخصائية الاجتماعية أن تلح عليه في معرفة العنوان: فقال لها إنه في شبرا.
ولما عدنا وضيَّقنا عليه الخناق وقلنا إننا سنبعث بخطاب إلى أقرب كنيسة مجاورة له لتقدم لنا تقريرًا عنه.. عاد وقال إنه يسكن في الزيتون! وقدم العنوان.
ولم يدر بخلده أن الأخصائية الاجتماعية ستفاجئه في مسكنه ذات يوم.
وكانت المفاجأة مذهلة.. وإذا بالعنوان ڤيلا، وهو يقيم بها وحده.. ولمحت الأخصائية بسرعة وهي واقفة بالباب (الفريچيدير، بيك آب، وتلفزيون).
واعتذر الرجل بأن الڤيلا تملكها (خالته).
وعادت الأخصائية تقدم التقرير.. وأضافت: لقد فاجأته يا أبانا؛ فلم يجد فرصة لكي يرتدي (الروب دي شامبر)! وكان معلَّقًا.
والعجب العجاب أنني رأيته بعد عدة أيام في فناء الكاتدرائية، ينتظر قدوم البابا المعظم، وعرفت أنه زائر مزمن، لا يكف عن مد اليد.. فلما فاجأته ارتبك، ولم يجد شيئًا يقوله غير هذه الكلمات.
كيف حالك يا أبانا؟
قلت: وكيف حال الڤيلا الأنيقة وثراؤها؟
فأطرق الرجل إلى الأرض.. ولكن هل تاب عن التسول؟ لا أظن.
يقولون: رُبَّ ضارة نافعة.
بعد هذه الأحداث اتصلت بالقائمين على الخدمة الاجتماعية في مصر الجديدة بكنيستي مار مرقس ومار جرجس، واتفقنا على إعادة توزيع الفقراء حسب المناطق، وأن يُعرَض كل مشروع كبير على الكنائس الكبرى الثلاث، فلا يحدث تكرار، وتتضامن الكنائس الثلاث فيما عدا هذا من أوجه البر.
وهكذا حققنا كثيرًا من الفوائد.. وحينما خلوت إلى نفسي، قلت: شكرًا (للماكرة، وللماكِرَين، وللماكر). وقد يأتي خير كثير.. من وراء شرّ كبير.
وفي يقيني أن عملية البر بالكنائس في حاجة إلى تدعيم وتنظيم.
[1] مقال للقمص بطرس جيد روفائيل، نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 2 أبريل 1976م
[2] أي جاؤوا بأعداد كبيرة
أعظم 4 تبرعات
أعظم 4 تبرعات[1]
في عام 1953م أصدرت كتابًا يحمل اسم "مذكرات مفتش"، وكنتُ أقوم بالتفتيش على المدارس القبطية، سجَّلت فيه ما مر بي من انطباعات.
وكان بين ما ذكرت حادثة طفل صغير ترك في نفسي انطباعًا قويًّا.. ما زال أثره باقيًا.
كنت أقوم بالتفتيش على مدرسة إلزامية في صعيد مصر.. وجاء الشتاء يحمل بردًا قارسًا، وكان بأحد الفصول تلميذ فقير يلبس ثوبًا ممزقًا ويرتعش من وقرِّ البرد، فرق لحاله تلميذ آخر في ذات الفصل يلبس ثوبين للتدفئة.. (فخلع ثوبه) وألبس أخاه الفقير!
وقلت وقتذاك: إن الطفل الذي خلع ثوبه، خلع معه حب الذات، ونفَّذ وصية السيد: "وَمَنْ أَخَذَ رِدَاءَكَ فَلاَ تَمْنَعْهُ ثَوْبَكَ أَيْضًا"(لو29:6)، وأن هذا الطفل حمل إلينا ثرات آبائنا الأقباط عبر الأجيال.
ومنذ عام 1953م إلى الآن، وأنا ألتقي بأطفال يحملون نفس التراث، وأقدم لك اليوم نماذج منهم.. التقيت بهم في الزيتون.
المناسبة
لا تمس لجنة البر مليمًا واحدًا من التبرعات المقدمة لكنيسة السيدة العذراء بالزيتون، ولا تمس شيئًا من داخل الكنيسة.. ولكنها تقوم بمشروع مستقل، بتوزيع إيصالات أسميتها (غذاء الفقير)، وهذه الإيصالات تصدرها الكنيسة وتُشرف على حصيلتها، تحولها الكنيسة إلى لجنة البر، وقيمة الإيصال خمسة وعشرون قرشًا.
ومن هذه القروش تقوم لجنة البر بتنفيذ المشروعات التي بلغت حتى كتابة هذه السطور 90 مشروعًا، وتكلَّفت ألوف الجنيهات.
هذه طريقة.. والطريقة الثانية، جمع التبرعات أثناء العشيات بعد العظة في المناسبات، والالتجاء إلى الشعب.. وتقوم لجنة تابعة للجنة البر برصد التبرعات في سجل خاص.
طالب يتبرع بثمن ثوبه
عرضت في إحدى العشيات على الشعب أن يساهم في تزويج إحدى أخوات يسوع.. وكان الظرف حرجًا ومُلحًّا.. فتقدَّم طالب صغير، رقيق الحال، بالتبرع بمبلغ 475 قرشًا وكان يبدو عليه سيماء الفقر، ويلبس بنطلونًا رثًّا.. كان هذا الطفل جالسًا يستمع إلى العظة، وفي نهاية العظة اندفع وأخرج ما في جيبه وقدم 475 قرشًا وطلب تذاكر (غذاء الفقير)!
غير أن المحصِّل شك في الأمر، وأرسل يأخذ مني الرأي.. فطلبت منه أن يتمهل حتى أصرف الشعب، ثم حضر الغلام أمامي وسألته على جلية الأمر.
قال الغلام: هذا المبلغ طلبته من أبي لشراء (بنطلون) وأخيرًا قلت في نفسي: إذا دفعت ثمن البنطلون للفقير بارك الرب في البنطلون الذي ألبسه، فيعيش عامًا آخر! وبمراجعة الطفل وجدته قد عقد العزم! وهنا سألني واحد من الأعضاء: ماذا نكتب أمام اسم المتبرع؟
قلت: اكتب (أعظم متبرع) و(أعظم تبرع)!
وهذا الطفل الذي فضَّل الفقير على نفسه، وهو بعد غَضٌّ صغير، إنما يحمل إلينا أيضًا تراث آبائنا الأقباط الأمجاد، الذي ينتقل إلينا جيلاً بعد جيل.. هذا التراث الذي يجب علينا أن نصونه ونحميه، ونفتخر به.
ماذا أدفع؟
أحد أبنائي في الاعتراف: سألني ماذا أدفع للرب؟ قلت له:
- تدفع النذور: عملاً بالآية: "إِذَا نَذَرْتَ نَذْرًا ِللهِ.. فَأَوْفِ بِمَا نَذَرْتَهُ"(جا4:5).
- وتدفع البكور: وهو أول مرتب تحصل عليه باعتباره أنه بكر المرتب.
ج) وتدفع العشور: وهو عُشر الإيراد الكلي باعتباره الحد الأدنى.
وتدور الأيام دورتها، ويُتِمُّ الشاب تعليمه، ويُعيَّن الشاب مهندسًا في إحدى الشركات بالقاهرة. وفي إحدى العشيات، ونحن نجمع لأسر منكوبة، تقدَّم الشاب المذكور، يحمل ظرفًا مكتوبًا عليه 34.15 أربعة وثلاثون جنيهًا وخمسة عشر قرشًا وعبارة (بكر المرتب).
ولم تثر الجنيهات اهتمامي بل أثارتها القروش.. كان هذا الشاب أمينًا للرَّبِ، فوضع المرتب كما أخذه، ولم يستلمه بل سلَّمه للرب.
وشاء الله أن تُعيَّن أخته قرب القاهرة بعد شهور، فتأتي بظرف آخر داخله المرتب، وتسلمه للكنيسة (لمشروع المكفوفين).. وهو مشروع معد للتنفيذ - قريبًا إن شاء الله - والاثنان ابن وحيد وابنة وحيدة لأرملة فقدت زوجها في أوج الشباب، وربَّت أولادها في مخافة الله.
قلت في نفسي: أخوان من أسرة واحدة.. وفرعان من شجرة أينعت وأثمرت.. باركهما يا رب واحفظهما.. وهذا وعد الله لكل أسرة متدينة يكون: "بَنُوكَ مِثْلُ غُرُوسِ الزَّيْتُونِ حَوْلَ مَائِدَتِكَ"(مز3:128).
تبرُّع ثالث
موظف لديه عهدة، اختلسها عدو الخير.. جاء الزوج وزوجته وأولادهما وهم من خارج القاهرة بتوصية خاصة، وارتموا على أرض الكنيسة في حالة يُرثَى لها إما أن تُرَدَّ العهدة وإما الحبس.
عرضت الموضوع على الشعب في إحدى العشيات.. وجمعنا له 200 جنيه مصري تسلَّمها الزوج المنكوب من يد قداسة البابا شنوده، مع البركة والدعاء.
غير أن أعجب ما في هذه التبرعات، تبرُّع طفلة صغيرة كانت تقف بجوار أمها.. رأت أمها تدفع.. ولم يكن معها شيء تدفعه، فخلعت سلسلة وصليبًا تلبسهما لتقدمهما، وابتسمت الطفلة وابتسمت الأم.. وتقدَّمت الأم تنفذ مشيئة الطفلة، وتقدم سلسلة وصليبًا من ذهب للكنيسة.
أترى: كم تساوي هذه السلسلة وهذا الصليب؟ حسب قول الكتاب: "كُلُّ الْجَوَاهِرِ لاَ تُسَاوِيهَا"(أم11:8)!
وما هو جزاء من يمد يده بالعطاء؟
أضعافًا في هذا العالم.. بركة.. وصحة.. وسلامًا، وفي الدهر الآتي الحياة الأبدية!
قبل الطبع
قبل أن أقدم هذه المذكرات للمطبعة، وصلني خطاب من أم تُجيد الفرنسية أكثر من إجادتها للعربية، تقول فيه:
أنا أم لطالبات كنَّ تلميذات لك في كلية ساكركير.. قرأت قصة الفتاة ذات الثوب الواحد، وبكيت كثيرًا.. قمت وجمعت أفخر ثياب بناتي.
على أن تُقدَّم البدلة لوالد الفتاة.. والثياب لإخواتها الستة.. وكلما تذكَّرت التبرعات المقدمة إلى لجنة البر.. أذكر دائمًا 4 أعظم تبرعات.. وليست العظمة في قيمتها؛ لكن العظمة في الدوافع الإنسانية إليها.
+ أذكر الطفل الصغير الذي تبرع بثمن ثوبه.
+ أذكر الأخوين اللذين قدما باكورة كدّهما.
+ أذكر الطفلة الصغيرة التي سحبت من فوق صدرها السلسلة والصليب.
+ أذكر السيدة الفاضلة التي جمعت ثياب بناتها وزوجها، وقدمتها لأسرة بائسة.
وأقف على مذبح السيدة العذراء: وأقول يا رب عوضهم.. عوض الفانيات بالباقيات.
وعوض الأرضيات بالسماويات.. بيوتهم ومخازنهم املأها من كل الخيرات! وكما ذكروك يا رب اذكرهم!
[1] مقال للقمص بطرس جيد روفائيل، نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 9 أبريل 1976م
الفقير الخجول Le pauvre timide
الفقير الخجول[1] Le pauvre timide
هل تعرف الفتاة ما تجرُّه على نفسها من محن، وما تجرُّه على أهلها إذا انساقت وراء الطيش ونزق[2] الشباب؟
إن بعض الأمهات والآباء قد لا يتحملون الصدمة.. فالصدمة القوية تكون قاتلة. وهكذا تجني الفتاة على أعز من لها في الوجود، فوق أنها تجني على نفسها.
وأسوأ ما في الأمر، أنه قلَّما تفيق الفتاة لترى هول ما فعلت.. إلَّا متأخرًا!؟
ولدينا فتاة من عائلة طيبة والدها يحتل مركزًا مرموقًا. وكان يحمل لقب (البكاوية). تربَّت بمدارس أجنبية ونالت ثقافة لغوية عالية.. أي أنها كانت تُجيد اللغات الأجنبية أكثر من اللغة العربية.. ولكنها لم تتم تعليمها، فقد جذب جمالها وثقافتها أحد أبناء (باشوات) مصر.. وهكذا انزلقت الفتاة.
وأفاقت الفتاة عندما أخذها الزوج ابن الباشا، وألقاها وأولادها الثلاثة على قارعة الطريق، وطلَّقها ثلاثًا! وتبرَّأ منها ومن أولاده منها، وقطع كل صلة له بها.
وتلفَّتت المسكينة حولها، فلم تجد أحدًا بجانبها.. ولم يبقَ أحد من الأسرة يساندها، بعد أن مات الأب منذ سنوات حزنًا وكمدًا! ولحقته الأم.. وهكذا وجدت نفسها على قارعة الطريق؛ أشبه ما تكون بغريق!
وساطة صديق
وصلت هذه المأساة أسماع صديق لي يقطن بحي الدقي، حاول معاونتها والبحث لها عن عمل دون جدوى.. لقد سُدَّت في وجه هذه السيدة السبل.. وأخيرًا نقل إليَّ بدوره المأساة وهو يسأل هل من طريق؟!
قلت: نعم الطريق واحد هو طريق العمل، تعمل السيدة وتعول نفسها وأولادها.
ولكن كيف تعمل، وهي تجيد لغة ولا تحمل مؤهلًا؟ وسنها أشرف على الأربعين؟!
قلت له: نصلي والرب يهيئ الطريق.
طريق العمل
يشاء الله أن يخلو عمل متواضع بإحدى الكليات الفرنسية التي كنت أعمل بها.. وظيفة عاملة تليفون، ويشترط أن تجيد العاملة اللغة الفرنسية إجادة تامة. وكانت تقوم بهذه الوظيفة فتاة يتيمة يسر لها الله الزواج؛ فخلا المكان وكانت تتقاضى مرتبًا زهيدًا قدره ستة جنيهات.
اتصلت بالرئيسة la mère superièure
وبعد وساطة قبلت الرئيسة أن تشتغل هذه السيدة في الوظيفة الخالية. ولكنني عدت وقلت للرئيسة إن السيدة تعول ثلاثة أولاد فلا يجديها نفعًا هذا المرتب الضئيل.. قالت الرئيسة: حسنًا نرفع المرتب من 6 إلى 8 جنيهات.
قلت: ومن أجل خاطري؟ قالت: نرفع المرتب من 8 إلى 10 جنيهات.
قلت: ومن أجل خاطر المسيح؟
قالت: نرفع المرتب من 10 إلى 12 جنيهًا!
كيف أمكن زيادة الإيراد؟
ماذا تجدي 10 أو12 جنيهًا لأسرة مكونة من أربعة أفراد، تدفع إيجارًا، وتعلم ثلاثة أبناء في المدارس، يحتاجون إلى غذاء وكساء وتعليم؟!
لقد ألمَّ المدرسون والمدرسات بالمأساة، فأمكن تكملة العشرة جنيهات إلى ثلاثين جنيهًا شهريًّا؛ وانتعشت السيدة ماديًّا وروحيًّا.. وذات يوم أسرَّت إليَّ بخبر أطربني.. أنها والأولاد يداومون على التناول من الأسرار المقدسة.. بعد أن أتمُّوا بقية الأسرار (المعمودية).
كارثة جديدة في الطريق
لقد ثار الشيطان عندما رأى الفريسة تفلت من بين يديه، فشرع سهمه وأصاب الابنة الكبرى بداء عضال.. قرحة في المعدة تتطلب عملية عاجلة، وتكلَّف العلاج 250 جنيهًا، أمكن تدبيرها من بعض الأسر الكريمة.
وحالما استردَّت الابنة الكبرى صحتها، سقط الولدان الباقيان صريعي الحمى.. بينما الامتحانات في نهاية العام على الأبواب، وأوشكت الأم أن تتداعى. ولكن نعمة الرب تدخَّلت واجتازت الأسرة هذه الأمراض بسلام.
مشكلة جديدة
غير أن الأسرة واجهت مشكلة جديدة.. لقد شاء الله بعد عدة سنوات أن أنال نعمة الكهنوت التي لا أستحقها، ولست أهلاً لها.. وطالما هربت منها.. فمن يجمع لهذه الأسرة المنكوبة في أول كل شهر؟
ولكنني طمأنت السيدة، أن (لجنة البر) بكنيسة السيدة العذراء بالزيتون، ستسد هذا الفراغ. وستنضم إلى (الأسر التي لا تستطيع السؤال) أو (الفقير الخجول)، وستقوم لجنة البر بالإنفاق على الأولاد في المدارس.. مع الكساء، والمعونة الشهرية الثابتة.
والآن وأنا أكتب هذه الكلمات.. تعيش الأم وإشراقة من الأمل تغطي وجهها.. لقد انقشع الظلام، وذهب بددًا[3] ليبدو أول خيط من فجر الأمل لقد دارت الأيام دورتها.. وتُشرِف الابنة الكبرى على التخرج من إحدى الكليات.. ويُشرِف الابن الثاني على التخرج من كلية أخرى.
لقد فقدت السيدة أمها لتجد أمًّا أخرى تضمها وتترفق بها.. وهذه الأم هي (الكنيسة). لقد فقدت أباها.. لتجد بجوارها آباءً كثيرين روحيين يرعونها.
ترى لو لم تحتضنها الكنيسة.. كيف كان حالها ومالها؟ وفي أي طريق كانت تسلك؟ وفي أي طريق كانت تسير سفينة حياتها؟!
وعندما يتخرَّج أولادها، سيخلو مكان (توجد أسر لا تستطيع السؤال)؛ لتشغله أسرة أخرى أخنى عليها الدهر.
وموعدك أيها القارئ العزيز في العدد القادم، لأقدم لك صورًا أخرى (لأسر لا تستطيع السؤال).. وفي يقيني أن واجب الكنيسة الأول أن تبحث عن هذه الأسر، التي عضَّها الفقر بنابه وهي تموت خجلاً.. قبل أن تمد يدها بالسؤال.. وكم في الحياة من المآسي التي تملأ بالدموع المآقي.
[1] مقال للقمص بطرس جيد روفائيل، نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 16 أبريل 1976م
[2] النَّزَقُ: الخِفَّةُ والطيش في كلِّ أَمر
[3] تبدد
أسر لا تستطيع السؤال
أسر لا تستطيع السؤال[1]
عرفته رجلًا عليلًا ثقل عليه المرض، ولكنه على الرغم من وطأة المرض؛ كان يحمل قلبًا طيبًا ونفسًا راضية. ولم يكن يستطيع أن يمشي كبقية الناس، بل كان يجر رجليه وراءه جرًّا، ويتوكَّأ على عصا.
وكان مصابًا (بانزلاق غضروفي حاد).. عاصرته زميلاً لي في التعليم بإحدى المحافظات.
إنه شخص مؤمن تجسَّمت فيه الطيبة ومكارم الأخلاق، رغم ما كان فيه، لم يكن يشكو أبدًا.. وتأملاته الروحية من وراء التجربة كانت تشدني إليه وتأسر لُبّي، فأحببته.. وكان لقائي به يمسح ما بنفسي من وعثاء[2] الطريق، ومشاق الانتقال كل يوم.
مـأساته
كان لهذا الزميل شقيق واحد وهو توأم حياته.. وكان ملتصقًا به، ومات الشقيق في سن مبكرة بحادث أليم.. فكان موت أخيه كمن ينزع منه أحشاءه، وذات يوم وهو يرفع شيئًا ثقيلًا.. أحس بشيء يتكسَّر في فقرات ظهره، وتبين بعد هذا أنه أصيب بانزلاق غضروفي، وشبه شلل جزئي، ولم يستطع أن يمشي كبقية الناس، وهكذا كانت الطَّامَّة (الكارثة) طامتين: فقدان الشقيق، وفقدان الصحة.
ما اسمه؟
لم أتعود في هذه المذكرات أن أكتب أسماءً أو أمكنة مبالغة في التخفي والكتمان.. فلا يرقى إلى الأشخاص ذهن القارئ.
ولكنني أستميح القارئ عذرًا هذه المرة، إذا ذكرت اسمه (أيوب).. وأيوب ليس اسمه الحقيقي.. بل أفضل اسم ينطبق عليه، ويستحقه بجدارة.
لقد عاشرته ثلاث سنوات.. أخذ المرض يُثقل عليه يومًا بعد يوم فكان ينتزع نفسه في كل خطوة.. وبعد أن تركته واستقر عملي بالقاهرة، بلغني أن وطأة المرض ثقلت عليه، فأجَّر رجُلًا يحمله خلفه على دراجة، ينقله إلى المدرسة كل يوم ويعود به!
ومرة سقطت به الدراجة في منحدر فتهشَّم تمامًا، ومن يومها صار قعيد الفراش.
أين كنت ألتقي به؟
لم أعدم وسيلة ألتقي به فيها.. وكان لقائي به في المستشفيات..
قيل لي إنه في مستشفى (المنيرة)، فقصدته وأخذت أواسيه، ولم تفارقه ابتسامته.. ثم انتقل إلى (قصر العيني) فذهبت إليه، وهناك وقفت على خبر عجيب.. كان لا بد له أن يأخذ حقنة أسفل العنق، ففشل طالب الطب أن يعطيها له، وغرق الصديق في دمه وصار أشبه (بالذبيحة).. فذهب هذا المسكين إلى مدير المستشفى بدمه.. وكانت النتيجة أن رسب طالب الطب في الامتحان.
وجمع الصديق ثيابه، وفَرَّ من مستشفى قصر العيني، ولاذ من الغنيمة بالإياب!
ثم انتقل إلى مستشفى (أم المصريين) فقصدته.. ثم انتقل إلى مستشفى (دار السلام) فشددت إليه الرحال.
وكان هذا الصديق الراحل.. كلما سمع بطبيب عالمي قادم إلى مصر.. سلَّم نفسه إلى مشرطه، وعرفت أن عدد العمليات التي أُجرِيت له بلغت اثنتي عشرة عملية جراحية!
ومرة سألته: ألا تخشى العمليات؟ قال لي: لقد تعودتها! ثم أردف وهو يبتسم: لا يخشى شيئًا من يحس بوجود الله معه.. ثم قال: إنني سأعيش عمري، وحياتي وضعتها في يد القدير.. والموت راحة وربح.
عجيب كان هذا الصديق، لا تفارقه ابتسامته.. وعندما انتقل قيل إنه مات وهو يبتسم!
قصدت أيها القارئ العزيز أن أصف لك كل هذا لتحس نعماء الله عليك.. وأن بين نعم الله عليك.. نعمة الصحة!
فالصحة تاج على رؤوس الأصحاء.
الكارثة
انتقل هذا الصديق إلى السماء، وترك معاشًا قدره تسع جنيهات! بعد خدمة في وزارة التربية والتعليم قرابة 25 عامًا.. وترك زوجة وثلاثة أبناء: ابنًا أكبر، وابنة وسطى، وابنة صغرى.
وسر هذا المعاش الضئيل قانون – أزاحه الله منذ أربعة أشهر – وهذا القانون يقول: (لا يضم في المعاش، إلا ما يضم في الدرجة)، وراح ضحية هذا القانون كثيرون ممن اشتغلوا في التعليم الحر بعقد خاص، ولم يكونوا على درجات.
ويسكن الصديق الراحل في منزل إيجاره ستة جنيهات ونصف.
ومما يزيد المأساة أن والده انتقل قبله بعام واحد دون معاش، وترك الأم دون عائل فدخلت الأم في المعاش بنسبة 8/1 وبحسبة صغيرة يتبقى لهذه العائلة المنكوبة بعد دفع الإيجار ومعاش الأم (خمسون قرشًا) طيلة الشهر.
علاج المشكلة
- أمكن إيجاد عمل للزوجة في إحدى مدارس رياض الأطفال قرب منزلها.
- أحسّ الابن الأكبر والابنة الكبرى بالمسؤولية، ونجحا في الثانوية العامة بمجموع أعلى من 85% ودخلا كلية الطب.
- انضمَّت الأسرة بعد سيامتي كاهنًا إلى (الأسر التي لا تستطيع السؤال)، وقامت لجنة البر بالإنفاق على الأولاد.. والمساهمة في أعباء المعيشة، وكل النفقات.
- خُطِبَت الفتاة أثناء الدراسة، فساهمت لجنة البر في النفقات.
- أمكن حل مشكلة كبيرة وهي (كتب كلية الطب)، ويبلغ ثمنها عشرات الجنيهات.
بسمات
1- وأنا أكتب هذه المذكرات.. سيتخرج الابن الأكبر في كلية الطب في أكتوبر القادم، وستتخرج شقيقته في كلية الطب بعده بشهور، وستعلو بسمة على وجه الولدين الدكتور، الدكتورة!
2- ستبتسم الأم عندما ترى مشكلتها في طريق الحل، وستلتقط أنفاسها بعد طول جهاد وعناء.
3- سوف يبتسم كل أعضاء لجنة البر بأسرة منكوبة استطاعت أن تقف على قدميها، وسيخلو مكان في (الأسر التي لا تستطيع السؤال)؛ لتشغله أسرة أخرى ضاقت بها السبل.
4- سأبتسم أنا شخصيًّا.. عندما أذكر ما قاله لي الصديق ذات يوم: كان لي شقيق واحد وفقدته.. وقد عوضني الله لتكون أنت الصديق والشقيق.
ولعلني يا صديقي الراحل أكون، بعون الله، قد وفيت وعدًا.. وحفظت عهدًا!
5- وسوف يبتسم الصديق الراحل في فردوس النعيم، وفي مثواه الأخير.. والذين انتقلوا يحسون ويعرفون حيث تخلد الذاكرة.. وتزداد المعرفة.
6- وستبتسم الكنيسة بلقاء ابنين ناجحين.. ينضمان إلى ميدان الخدمة الفسيح.
ترى أيها القارئ العزيز.. لو تخلَّت الكنيسة عن هذه الأسرة المنكوبة، وهي لا تستطيع السؤال، كيف كانت ستواجه الحياة.. بخمسين قرشًا؟!
وماذا سيكون مصير الزوجة والأولاد.. وهم كريشة في مهب الريح؟!
وأعود وأقول: وكم في الحياة من تجارب.. وكم تزخر الحياة بالنوائب!
[1] مقال للقمص بطرس جيد روفائيل، نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 23 أبريل 1976م
[2] وعثاء: المشقة والتعب
من أرشيف لجنة البر
من أرشيف لجنة البر[1]
فَضَّل الكتاب العطاء على الأخذ.. وبعد نشر (مذكرات كاهن) تقدم البعض ليعطوا.. وتقدم كثيرون جدًّا ليأخذوا.. والذين تقدموا.. البعض منهم أخذ والبعض لم يأخذ: "تَطْلُبُونَ وَلَسْتُمْ تَأْخُذُونَ، لأَنَّكُمْ تَطْلُبُونَ رَدِيًّا"(يع3:4).
ولعل القارئ يسره أن أقدم له عينات (مقبولة) وأخرى (مرفوضة) وبهذا ندرس أسلوبًا عمليًّا للخدمة.. كما ندرس ألوانًا شتى من نفسيات متباينة.
1- عرض من أمريكا
وصلني الخطاب من الابن المبارك السيد (ن.غ.م) من USA الولايات المتحدة الأمريكية، ويقول فيه بالحرف الواحد: قرأت في مجلة الكرازة عن مساعدات كنيسة السيدة العذراء بالزيتون للأسر المحتاجة، وكيف تحولها إلى أسر منتجة فتهلَّلت من الفرح، لأنني منذ مدة طويلة وأنا أفكر في هذا المشروع.
ولكن لماذا لا يتم تحويل كل الأسر الفقيرة إلى أسر منتجة؟!
إن مشروع (الأكشاك) مشروع رائع، ومن السهل أن تتولاه أرملة لا تعرف أي مهنة. وكذلك لا بدَّ من تشجيع الفقراء على تعلم المهن الحرفية.. مثل النجارة والحدادة، فالعمل شرف.
أبونا بطرس: أنا أكتب هذا الخطاب لأضع تحت تصرفكم 500 خمسمائة دولار، لتحويل الأسر الفقيرة إلى أسر منتجة، وأنا أعتقد أنه ربما كان من الأفيد أن أرسل لكم بدلًا من المبلغ الأدوات الآتية.
مقصات كهربائية لتحويل مشغل العذراء بالزيتون إلى مشغل تجاري، أجهزة إلكترونية، ماكينات رش دوكو، أجهزة كهربائية من السهل على أي مهندس في مصر أن يُدرب الشباب عليها، أخيرًا اذكرني يا أبتاه في صلواتكم.
وأنا من رأي الابن المبارك: وأفضل إرسال آلات تصنيع تحول العاطلين إلى عاملين.
وقد أسرعت بوضع الخطاب على مذبح السيدة العذراء.. مع الدعاء له ببركة العذراء، والتوفيق والنجاح في المهجر.
وإنه لما يسعد الكنيسة أن يرتبط أبناؤنا في الخارج بها، ويفكروا في تقدُّمها وازدهارها ويمدوا إليها يد العون من وراء البحار. ولا شك أن ارتباط الابن بأمه هو أقوى وأقدس ارتباط.
2- كشك فاخر
لقد قرأت مقالتك يا أبانا في الكرازة عن موضوع (الأكشاك الثلاثة) وأرجو أن تصحح العدد، لقد أعددت لك كشكًا رابعًا!
قالت هذه العبارة دكتورة تملك عيادة نفسية وطبية بالقرب من ضاحية الزيتون وأخذتني في عربتها وهي تقول: لقد أعددت لك مفاجأة، فرأيت كشكًا رائعًا ما فيه من أخشاب لا يقل عن مائة جنيه.. وبه 3 نوافذ، وسقف متحرك.
وشاء الله عندما أعود إلى الكنيسة أن أجد رجلاً معيلاً، مقطوع الرجل.. وفي رقبته زوجة وأولاد، يطلب أن أبحث له عن مشروع.
فقلت له يا بني: سمح أن تُقطَع رجلك، ولكنه لم يسمح أن يُقطَع رزقك فهو لا ينسى أحدًا، وإن شاء الله يكون هذا الكشك الفاخر من نصيبك، أنت وزوجتك وأولادك.
وعندما ألمَّت الدكتورة بحالة الرَجُل المقطوع الرِجل، أضافت الدكتورة التي امتلأ قلبها بفعل الخير: لن أسلم الكشك فارغًا يا أبتي، وسأسلمه مملوءًا بالأدوات والخردوات، وكل ما تشتهيه العين.
3- صاحب الأكشاك الثلاثة
طالب كلية الهندسة الذي سبق وحدثتك عنه أيها القارئ العزيز في مقال (الأكشاك الثلاثة)، الذي شقَّ طريقه عن طريق الجهاد والعمل، واستطاع أن يبيع في الكشك، ويدرس في كلية الهندسة ويعول في ذات الوقت أسرته، ويفتح كشكًا في مصر الجديدة، وكشكًا ثانيًا في الزمالك، وكشكًا ثالثًا، ويفل كل كشك إيرادًا 70 سبعين جنيهًا في الشهر.
وهذا الطالب أخذ يطفو على مسرح الأحداث، ثم جاء إليَّ يقول: أعددت كشكًا جديدًا هدية لقداسة البابا شنوده الثالث، ليختار له بنفسه عاطلاً ومعيلاً.
4- صدى مقال الأربعين فدانًا
تقدَّمت سيدة فاضلة متدينة، وطلبت مني لقاءً خاصًّا بالكنيسة.. ثم ابتدرتني بهذا السؤال: إذا كان من الممكن تحويل 40 فدانًا إلى فردوس النعيم.. ألا يجوز تحويل عمارة إلى الفردوس؟
قلت هذا ممكن بكل تأكيد، إنما يُخشَى أن يعارضك ذووك، الورثة بالذات.. قالت: عرضنا الأمر فيما بيننا واتفقنا، أما الورثة فسيرثون معنا في السماء.. قلت لها: اصبري يا سيدتي حتى ينتهي العيد.
قالت: لم يعد لي صبر.. عجِّل يا أبي وأسرع فخير البر عاجله، واعرض الأمر على قداسة البابا ولن يستريح بالي حتى يتم التسجيل، نريد أن ننقل العمارة إلى هناك.. من دار الفناء الى دار البقاء.
وهنا تذكَّرت قول الرَّبُّ يسوع: "مَمْلَكَتِي لَيْسَتْ مِنْ هذَا الْعَالَمِ"(يو36:18)، إن الذي يريد أن يملك مع المسيح، لا يملك على الأرض.. حيث يفسد السوس والصدأ وحيث ينقب السارقون ويسرقون (مت19:6).
وأعتقد الآن أن الذين يدخلون السماء هم (الأغنياء)!! أقصد الأغنياء في الإيمان.
5- صدى مقال (مشروع مكتبة)
قدمت لي الأخصائية الاجتماعية ظرفًا مغلقًا، ظننته يحوي مشكلة فوجدت بداخله 50 جنيهًا لصاحب المكتبة كما جاء في الكرازة، 50 جنيهًا لمشروعات لجنة البر - (أسر لا تستطيع السؤال).
وقد قامت لجنة البر بتنفيذ رغبة المتبرع، وتوصيل الأمانة إلى صاحب المكتبة، وأضافت عليها عشرين جنيهًا أخرى ليكون المجموع سبعين جنيهًا بدلًا من خمسين.. وتحويل المبلغ إلى الأسر التي لا تستطيع السؤال.
وأعجب ما في الأمر.. لم يترك المتبرع عنوانًا ولا اسمًا؛ ليظل اسمه مجهولاً بين الناس معروفًا عند الله.
وهؤلاء الذين يقدمون، سوف يقدم الرَّب لهم. وهؤلاء الذين يعطون، حتمًا سوف يأخذون.
فالخير لا يضيع أينما وضع.. ومن المحال أن يكون الرب مديونًا.
"طُوبَى لِلَّذِي يَنْظُرُ إِلَى الْمَسْكِينِ. فِي يَوْمِ الشَّرِّ يُنَجِّيهِ الرَّبُّ. الرَّبُّ يَحْفَظُهُ وَيُحْيِيهِ.. الرَّبُّ يَعْضُدُهُ وَهُوَ عَلَى فِرَاشِ الضُّعْفِ"(مز41: 1 - 3).
6- عروض أخرى من الأرشيف
مدرسون أوائل يعرضون أن يقدموا دروسًا خاصة مجانية لطلبة الشهادات، وطلبة الثانوية العامة قسمي أدبي وعلمي، في دروس التقوية التي تعدها لجنة البر في مختلف المواد.. رغم ما عليهم من ضغوط.
وكلهم يكررون عبارة واحدة (تكفينا بركة العذراء).
وسيدات من كرائم الأسر، زوجات وزراء ووكلاء وزارات ومستشارين وأعيان يرجون أن تكلفهم الكنيسة بأي خدمة.. ويطلبن ويلححن في الطلب أن يُسمَح لهن بالاشتراك في مسح الكنيسة وتنظيفها!
وشخص رقيق الحال، يرجو ويلح أن أسمح له أن يقوم متبرعًا بتعليم إخوة يسوع القراءة والكتابة ويشترك في محو الأمية.
وبجانبي طبيب عيون أغلق عيادته، وصيدلي أهمل صيدليته، ومحاسب ترك مكتبه، الكل يخدمون في لجنة البر.
وبجانبي فتيات، يردن تقديم ذواتهن للرهبنة.. ولحياة التكريس.
هؤلاء جميعًا يقدمون للذي قدم لهم ذاته ذبيحة على الصليب، ويطلبون شفاعة السيدة العذراء شفيعة الجنس البشري.
"وهؤلاء جميعًا يا رب الذين قدموا هذه القرابين.. والذين قدمت عنهم، والذين قدمت بواسطتهم، والذين يريدون أن يقدموا وليس لهم، أعطهم كلهم يا رب الأجر السماوي".
[1] مقال للقمص بطرس جيد روفائيل، نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 30 أبريل 1976م
من أرشيف لجنة البر(2)
من أرشيف لجنة البر(2)[1]
ما علاج شخص ارتكب خطأ؟
في رأيي علاج من ارتكب خطأ، هو مواجهة الخطأ.. وتحمل النتائج فهذا أدعى إلى التقويم والإصلاح.
وعندما يواجه الشخص الخطأ، يصل إلى هذه الحقيقة: "أن الْخَطِيَّة خَاطِئَة جِدًّا"(رو13:7).. إن الذي يضع يده في النار، لا بد أن تلسعه النار.. ومن يلقِ بنفسه من شاهق، لا بد أن يتحطم. لهذا يهرب البعض من ارتكاب الأوزار خوفًا من نتائجها الوخيمة.
أمَّا أن يخطئ شخص، ويترك غيره يتحمل مغبة (نتيجة) ما فعل، ويأتيه الحل سهلًا دون معاناة.. فهذا الطريق السهل فيه من الضرر أكثر مما فيه من الفائدة، ولا يُستَبعد أن يعود المخطئ إلى خطأِه مرة ثانية وثالثة.
وأقدم لكم أمثلة لأشخاص لجأوا إلى الحل السهل (لجنة البر بالزيتون)، لتحمل عنهم أوزارهم.. وترفع عنهم أثقالهم.. دون أن يحركوها بأصابعهم.. وبعض الذين رفضوا: محتاجون، ولكنهم يمكنهم تدبير أمورهم.
1- طلب متواضع
بينما نحن منهمكون في فحص الحالات المعروضة بلجنة البر، يشترك معنا الدكتور چورچ لوقا طبيب العيون، والأستاذ فكري عبد السيد، والأستاذ فائق، والأخصائية الاجتماعية الآنسة تريز، دخل رجل يطلب في أدب جم عرض مشكلة يقول إنها: لا تحتمل الإبطاء.
فوجهنا إليه الأسئلة التالية:
- ما عملك؟ وما دخلك الشهري؟
- قال: أعمل سائقًا لسيارة أجرة.. ودخلي جنيهان.
- وهنا أسرعت الأخصائية الاجتماعية وسألته في الشهر؟! قال: بل في اليوم.
- قلنا له: هذا معناه أن دخلك في الشهر ستون جنيهًا.. فما هي مشكلتك؟
- قال: إن لي سيارة ملاكي. وهي مركونة حاليًا لأن الموتور في حاجة إلى إصلاح، كما أنها تحتاج إلى (دوكو).
- ثم مال على اللجنة وقال: إنني أطلب مبلغًا (متواضعًا) ويكفي 150 جم (مائة وخمسون جنيهًا) فقط!! ثم إنني رب أسرة!
- فبحثنا في لجنة البر، فلم نجد بندًا (للدوكو)! ولكن وجدنا بنودًا للفقراء.. والأرامل.. والأيتام.. والمعدمين.. والمتورطين!
قلت للسائق: وجدت لمشكلتك حلًّا!
فابتهج الرجل، وتوقع أن نسلمه رُزمة من الأوراق المالية.. وهذا لا يكلفنا في نظره، غير حركة بسيطة، تفتح الخزانة فيسيل منها المال، ويصلح الحال!
قلت له: هب أن دخلك 40 أربعون جنيهًا في الشهر.. هل كنت تعيش أم تموت جوعًا؟
قال: كنت أعيش طبعًا.
قلت حسنًا: تنفق 40 جنيهًا مصريًّا من دخلك في الشهر، وتدَّخر 20 جنيهًا مصريًّا، وبما تدَّخر تصلح حالك.. شهران للموتور.. وشهر للدوكو.. وهكذا تنتهي مشكلتك.
وهنا غاضت الابتسامة من وجهه وقال: سمعت أنكم تفعلون الخير!!
قلت له يا بني: هذا هو الخير.. أن تعيش وتدع غيرك يعيش.. الخير أن تتحمل المسؤولية.. وتواجه الحياة، ولا تركن إلى الحل السهل.. وتترك معونة لجنة البر لمن هم أكثر حاجة.. لأرملة أو يتيم!
2- مع خطيبته
قدم إلى لجنة البر شاب في عنفوان شبابه، ممتلئ صحة ويفيض شبابًا.. وكان بصحبته خطيبته: وقال إنني خاطب وهذه خطيبتي. وقعنا في ورطة.. التجأت خطيبتي إلى أب الاعتراف.. فقال لها: الحل عند (لجنة البر بالزيتون)، وأرشدنا الكاهن إلى قدسك.
قلت: نعم.
قال: أخذت من مال الدولة 400 جنيه مصري، وكنت مؤملاً أن أسددها بعد وقت.
قلت: في كم شهر اختلست الأربعمائة جنيه؟
قال: في أربعة شهور.
قلت له: فيمَ كنت تنفق مائة جنيه كل شهر فوق مرتبك؟ فارتبك.. ولم يحر جوابًا.. وفهمت. ورفع الشاب وجهه وقال: أخطأت يا أبي وأسأت التصرف.
قلت له: والعلاج أن تتحمل خطأك.. فازداد غمًّا.
قلت له: ومع هذا فلك عندي حل.. وهنا رفع الشاب وجهه وابتسم.. وقال لخطيبته: ألم أقل لك إن الحل عند أبينا بطرس!
قلت له: الحل في نظري أن تشترك معنا في حل المشكلة.
تدخل في (جمعيتين) كل جمعية تدفع لها عشرة جنيهات شهريًّا.. أي تدفع 20 جنيهًا مصريًّا شهريًّا.. وتحصل على 240 جنيهًا مصريًّا شهريًّا. تدفعها فورًا وتسدد دينك.. ثم أرشدته لوسائل أخرى لا يتسع لها المجال.. لتغطية الدين!
قلت له: هل هذا ممكن؟
قال ممكن. ولكنه قال معترضًا: في هذه الحالة يبقى لي من المرتب شيء ضئيل.. فأعيش في ضيق.
قلت: نعم يا بني، تعيش في ضائقة سنة أو سنتين، ولا تمد يدك إلى مال حرام.. ويكون هذا درسًا لك. وتتعلم أن الأمانة كنز لا يفنى، وتنتظرك خطيبتك حتى تقف على قدميك.. ونظرت إلى خطيبته: فأومات بالإيجاب.
ولكن الشاب عاد ورنا بنظره إلى الخزانة بجواري، وقال لي: ألا يوجد حل آخر يا أبي؟
قلت له: كلا، هذا هو الحل الوحيد أن تتحمل المسؤولية.
3- شاب جامعي
تقدَّم شاب جامعي يعرض مشكلته.. قال: يا أبي أعتقد أن مشكلتي تستدر عطفك.. فأنت يا أبي لديك أبناء في الجامعة ولا شك أنك تعطف على من هو في منزلة أبنائك.
قلت له: تحدَّث يا بني، واعتبر نفسك ابنًا خاصًّا لي.
قال: أنا أدرس في الجامعة بالقاهرة.. ووالدي في بلد آخر، أرسل لي ثلاثين جنيهًا مصروفات مدرسية وكتب.. (وضاعت) مني المصروفات، وأنا الآن في مأزق حرج. هل يرضيك أن تضيع عليَّ السنة؟
قلت له: كيف ضاعت الثلاثون جنيهًا؟ لعلك أنفقتها؟ قل.. لا تُخفِ عني شيئًا.. فأحنى الشاب رأسه.. وقال هو كذلك.
قلت له: وأنت تشرب سجائر.. هذا واضح من رائحة فمك.
قلت له إذًا الثلاثون جنيهًا لم تضع.. ولكنك (أضعتها)! فأومأ بالإيجاب.
قلت له: أجبني بصراحة، هل والدك مقتدر، ويستطيع أن يدفع مبلغًا آخر؟
قال لي: نعم، ولكنني أموت من الإحراج وأفضل أن أنتحر ولا أسأله ثانية.
قلت له: وجدت لك حلًّا!
وتأملته فوجدته مبتهجًا، وقال: هذا ما توقعته.. إنك يا أبي طيب القلب حقًّا!
قلت له: اسمع الحل.. أن تواجه أباك بالحقيقة، وهو لن يضن عليك.. وتتخذ من الإحراج والمواجهة درسًا ينفعك في حياتك.
قال: إن أبي سيعنفني ويغضب عليَّ، ويهيج.
قلت: وهذا ما أريده، أن تقبل يا بني تأديب أبيك، فمن لم يؤدبه أبوه، أدَّبَته الأيام والليالي!
أنت يا بني لست في حاجة إلى المال، بقدر ما أنت في حاجة إلى الإصلاح والتقويم. كيف تضيع ثلاثين جنيهًا هي عرق أبيك وكدّه وتعبه، وتبعثرها ذات اليمين واليسار؟!
يجب أن تكون صريحًا مع أبيك، لا تُخفِ عنه شيئًا، عليك أن تواجه الواقع، ولا تهرب منه، هذا يا ابني الدرس الذي أريدك أن تتعلمه.
قال: ولكنك تملك مساعدتي.
قلت: يا بني.. إن مساعدتي لك في الدرجة الأولى تكون في تقويم اعوجاجك وتقوية شخصيتك.. ونحن نساعد من يستحق المساعدة وأنت يا بني تستحق التأديب!
4- عميل البقال
جاء شخص آخر، ودخل إلى لجنة البر.. يعرض مشكلته، قال لي: يا أبتِ ارتبكت جدًّا!! قلت له: اذكر مشكلتك بالتفصيل.
أخرج الرجل (نوتة) من جيبه، كانت نوتة البقال، وقال: سحبت من البقال خمسين جنيهًا، وكل مرة أتأخر في الدفع، يضيف على الحساب مبلغًا كربح، وأنا رب عائلة، وأفكر في الانتحار.
قلت له: يا بني المثل يقول "صبرك على نفسك، ولا صبر الجزار عليك". والسحب من البقال بالأجل أمر غير ديني.. لأن الكتاب يقول: "لاَ تَكُونُوا مَدْيُونِينَ لأَحَدٍ بِشَيْءٍ إِلاَّ بِأَنْ يُحِبَّ بَعْضُكُمْ بَعْضًا"(رو8:13).
وقلت له: هب أنه وافاك الأجل في لحظة لا تعرفها، أتود أن تموت مديونًا؟ وعليك حساب لم توفّه؟!
ثم أن السحب من البقال يجعلك تستسهل الأمر، فتسرقك السكين كما يقولون، وتشعر (بالسكين) في أول الشهر!
وهنا بكى الرجل؛ (فضعفت) أمامه.
وأخرجت عشرين جنيهًا، على أن تُدفَع للبقال، ووضع الرجل يده في يدي وعاهد الله ألَّا يعود للسحب بالأجل.
قلت له: لا تخطئ لئلا يصيبك أشر.. ثم قلت له محذرًا وناصحًا: احذر البقال وإلاَّ جر عليك الوبال[2].. وساء الحال!
[1] مقال للقمص بطرس جيد روفائيل، نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 7 مايو 1976م
[2]الوبال (سوء العاقبة/ شدة وضيق)
قصة لم تنتهِ
قصة لم تنتهِ[1]
أُسر ترعاها لجنة البر روحيًّا
قصة اليوم هي قصة (سيدة) من أسرة عريقة زلَّت.. بعد أن عاشت ردحًا من الزمن ترفل في نعيم الحياة الدنيا.. ثم استيقظ ضميرها لترى هول ما فعلت، وبكلمات قليلة اكتشفت أنها باعت الآخرة بالدنيا.. والأبد بحياة زائلة فانية، وأنها باعت السيد المسيح بعرض زائل.
وهكذا صممت أن تصلح الخطأ.. وفي سبيل إصلاح الخطأ لاقت الأهوال.. وتجشَّمت الصعاب، واجتازت طريقًا وعرًا تحفه المخاطر.
وأعجب ما فيها أنها ثابرت وتحمَّلت، وتركت الباب الواسع لتدخل من الباب الضيق بخطى وئيدة[2].. ولفحتها شمس التجارب والمحن ولكنها مرت في أتون التجربة، ولم تحترق.
قصة ضابط إنجليزي
عندما نرجع إلى الوراء القهقرى.. إلى أعوام خلت.. إلى خمسين عامًا مضت.. كان يعيش في مصر ضابط إنجليزي برتبة كبيرة، عاش في مصر وشرب من مائها العذب فأحبها، وأخذه سحر طبيعتها، وكان يردد دائمًا: أنه يتمنى أن يموت ويُدفَن في ثراها.. وتحت ظل سمائها.
والقصة طويلة ولكنها تنتهي بأن يتزوج الضابط الكبير من فتاة مصرية.. وكانت ثمرة الزواج (طفلة) هي بطلة قصة اليوم، التي تدور من حولها الأحداث.
زلَّة فتاة
نشأت هذه الطفلة منعمة مترفة، ومن البداهة بمكان أن نقول إنها كانت تتكلم الإنجليزية بطلاقة منذ نعومة أظفارها كأحد أبنائها.
ثم شبَّت فتاة تعيش عيشة أرستقراطية. كل ما تطلبه تجده جاهزًا بين يديها، وكانت تغشى الأوساط التي من طبقتها، ولم تكن في هذه الآونة ملتصقة تمامًا بالكنيسة، ثم دارت الأيام دورتها، وفقدت الابنة أباها. وترك لها الأب ثروة تُقدَّر ببضعة آلاف من الجنيهات، أخذت الفتاة تنفق منها ببذخ.. بعد أن تعوَّدت العيش الناعم.
ثم التقت بشاب من غير دينها، أثَّر عليها فتزوجته في غمرة أحزانها بفقد أبيها.
وكان الزوج ثريًّا فهيأ لها كل ألوان الثراء.. وعاشت معه في رخاء، فلم تشعر بفارق كبير من الناحية الاجتماعية: بين حياتها الأولى في بيت أبيها، وبين حياتها الزوجية التي انتقلت إليها.
الطعام البائد
أعدَّ الزوج لزوجته سكنًا فاخرًا. وجهزه بأفخر الرياش، ودفع بضعة آلاف من الجنيهات وحصل على شقة تمليك.. واشترى لزوجته عربة فاخرة ببضعة آلاف أخرى.
وأنجبت الزوجة ولدًا.. ودام هذا الزواج سنوات قليلة.
ثم قام الزوج بمهمة لإحدى الدول العربية، تحقق ربحًا طائلاً أراد أن يضيفه إلى رصيد الزوجة، فلقد كان الزوج يهيم بزوجته حبًّا. وقال لها إنه سيضع الآلاف كلها تحت قدميها عند رجوعه.
ضمير يستيقظ
في المنطقة التي سكنت فيها الزوجة.. قامت السيدات المترددات على الكنيسة، بزيارتها وتوثيق أواصر المعرفة بها، واصطحبنها إلى الكنيسة.
وهنا عرفت الزوجة طريق الله الذي نسيته طويلاً، فانتعش قلبها بنور الإيمان. وأشرق في قلبها حب الله، وهبَّ ضميرها من سبات عميق، واكتشفت الزوجة أنها أثمت في حق نفسها. وفي حق إلهها، وأنها تشرب من ماء ملح أجاج[3].. وأن ملذات العالم لا تُشبِع النفس العطشى إلى الله! وهكذا أحست بسعادة روحية لم تألفها من قبل.
قرار حاسم
تفتَّق ذهن الزوجة عن قرار حاسم، أخذ يلح عليها إلحاحًا، وشجعها على تنفيذه غياب الزوج بعيدًا.
كانت كلمات السيد المسيح ترن في أذنيها فتحدث دويًّا هائلًا: "والرجل الذي معك الآن ليس هو زوجك!"(يو4).. هذا الزواج لم تعقده الكنيسة ولم تباركه، فهي إذًا تعيش في الخطيئة وفي الحرام.
وهنا أثار الشيطان في طريق توبتها عدة خواطر وعقبات: كيف تعيشين؟ وكيف تنفقين؟ وكيف تربين الولد؟ كيف تواجهين الزوج وأنت عزلاء؟
ولكن هذه العقبات لم تقف حائلاً في طريق عزيمة قوية، وإرادة صلبة، وإيمان وطيد، وتسليم كلي لمشيئة الله.
وإذا لم يكن غير الأسنة مركبًا
|
| فما حيلة المضطر إلا ركوبها
|
إن ما فعلته السيدة وما أقدمت عليه، كان أغرب من الخيال!
باعت السيدة شقة التمليك، وكانت مُسجَّلة باسمها، ببضعة آلاف من الجنيهات، وباعت العربة الفاخرة وكانت مُسجَّلة أيضًا باسمها ببضعة آلاف أخرى.. وباعت الأثاث الفاخر.. ثم جمعت الآلاف معًا، وعقدت العزم أن تنفذ الخطة التي تفتَّق عنها ذهنها.. وتهرب بابنها.
وفي غمار هذه الأحداث اكتشفت أنها نسيت أمرًا بالغ الأهمية والخطورة، فأسرعت بتعميد ابنها، وزينت معصمه بالصليب.. ثم انتقلت إلى مكان مجهول تمامًا أخفته عن جميع الناس حتى عن ذويها!
وعاد الزوج الغائب يحمل معه آلاف الجنيهات، ويحمل في قلبه آلاف الآمال العِذاب، يطير به الشوق إلى الزوجة والولد. فلم يجد الشقة.. ولم يجد الزوجة.. ولم يجد الولد!
وعندما طرق الزوج باب شقته لأول مرة بعد عودته.. برز الساكن الجديد يقول له عبارة واحدة: من حضرتك؟
وكاد الزوج يجن ويفقد عقله وهو يرى رجلاً غريبًا في مسكنه.. فعاد يقول للساكن: المهم أنت من حضرتك؟
قال الساكن الجديد: عجبًا! أنا هنا في مسكني!
قال الزوج الثائر: بل هذا مسكني أنا.. وعلا الصياح، وكاد كل واحد منهما يفتك بالآخر، لولا أن تجمع السكان: وانتهى الأمر عند النيابة والبوليس.. وعرف الزوج الحقيقة المُرَّة، فانكفأ راجعًا.. وقد اسودت الدنيا في عينيه. وأخذت الأرض تميد[4] به.
الزوجة ولجنة البر
لجأت الزوجة إلى لجنة البر.. ولم يبقَ هناك أحد يقف بجوارها. فقدَّمت لجنة البر الرعاية للأم والابن. وتم إلحاق الولد بمدرسة خاصة راقية.. وقدَّمت لجنة البر للأم هدية متواضعة: إعفاء الابن من المصروفات في كل مراحل التعليم الابتدائي والإعدادي فيما بعد.
وسرعان ما انضم الابن إلى مدارس الأحد. وقام شباب مدارس الأحد بافتقاده، وتقديم الهدايا له.
ومنذ أربع سنوات، وأنا أعمل كاهنًا في كنيسة السيدة العذراء بالزيتون.. ومنذ أربع سنوات، وأنا ألتقي بالسيدة وابنها في الهيكل. يتقدَّمان كل أسبوع للاعتراف، والتناول، ولم يشذ عن هذا النظام أسبوعًا واحدًا!
وفي كل أسبوع كنت ألتقي بأسعد مخلوقين في العالم.. الأم وفلذة كبدها. وكنت أقول في نفسي دائمًا.. أبعد عنهما يا رب عدو الخير. وبين حين وآخر، كانت الأم تغشاها سحابة قاتمة.. وكانت تحدثني بمخاوفها.
سعادة لم تدُم
أخذ الزوج ينقب عن الزوجة في كل مكان شبرًا شبرًا، وبالغت الزوجة في التخفي، وبالغ الزوج في التحري، وجنَّد كل معارفه، وذات يوم ارتدت الزوجة ثيابها، وألبست ابنها وقالت له: هلم نحضر صلاة العشية في كنيسة السيدة العذراء بالزيتون، ونسمع العظة.
فتحت الباب، فوجدت أغرب مفاجأة زلزلت كيانها، كان الزوج الغائب على عتبة الباب!
مساومة
هم الزوج بالدخول فاعترضت الزوجة طريقه، وهنا ظهر الابن فأخذه في أحضانه، وهو يقبله في جنون.
وأخيرًا قال الزوج: نتفاهم.. فأفسحت له الطريق في حذر وظل الباب مفتوحًا. قالت له الزوجة: لا تفاهم، ديني لا يبارك هذا الزواج هذا قرار نهائي.
تجاهل الزوج ما سمع وقال: أحضرت لكِ عربة فاخرة من أحدث طراز، وأعددت سكنًا فاخرًا وبنيت عمارة ستكون ملكًا لكِ، ومعي لكِ آلاف من الجنيهات، وسأكتب الكل باسمك!
قالت الزوجة لا تتعب نفسك.. لقد اخترت المسيح نصيبًا لي.. أغنى من كل كنوز العالم.
قال: سأحرمك من الولد.
قالت: أفعل ما بدا لك، ولم يجد الزوج بُدًّا من الانصراف، فأسرعت وأغلقت في وجهه الباب!
ثم هرولت إلى الكنيسة منهارة.. تقول: أنقذني يا أبي! ماذا أفعل؟ دبرني.. إنني في محنة.
أمام المحكمة
بعد أن أغلقت الزوجة الباب في وجه الزوج.. لم تعد تفتح له الباب مطلقًا وذهبت محاولاته وتوسلاته أدراج الرياح.
استخدم الزوج آخر ورقة: وهدد برفع الأمر للقضاء.. وحرمان الأم من ابنها، ونور عينيها.
ورفع الأمر للقضاء.. وأمر القضاء برد الابن إلى أبيه.
وهكذا أُسدِل الستار على الفصل الأول من هذه المأساة الدامية.
وبكت الأم كثيرًا.. فتذكرت ما قاله الأسقف لأم أغسطينوس: "ابن هذه الدموع لن يهلك"!
وبلغني منها وهي تبتهل يومًا أمام أيقونة السيدة العذراء أنها سمعت هاتفًا.. وكأن السيدة العذراء تقول لها: "اطمئني سأرجع لك ابنك!".
وبعد أيها القارئ العزيز.. فالقصة لم تنتهِ!!
[1] مقال للقمص بطرس جيد روفائيل، نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 14 مايو 1976م
[2] وئيد: بطيء ومتمهل
[3] أجاج: طعم شديد الملوحة والمرارة
[4] تميد به الأرض: أي دارت
رافع السكين
رافع السكين[1]
تحتل تربية الأولاد المكانة الأولى في الأسرة، وهي مسؤولية كبيرة في عنق كل أب وأم.
والرَّب قديمًا ضرب عالي الكاهن، وقضى عليه بالموتِ، وقضى على بيته بالخراب لمجرد أنه أهمل في تربية أولاده!
وأكبر أثر يتركه الآباء في الأبناء يكون عن طريق القدوة الصالحة.. أو بمعنى آخر سلوك الوالدين أمام الأولاد.
فالأخلاق عمل يُمَارَس وليست نصائح تُسدَى، أو قولًا يُحفَظ.. لهذا يجب أن ندرب أولادنا على السلوك الأخلاقي، واكتساب (عادات أخلاقية).. وعمومًا فإن الطفل الذي ينشأ في بيئة صالحة متدينة، غير الطفل الذي ينشأ في بيئة منحلَّة.. أو بيئة مادية.
وهناك نموذجان للسلوك في تربية الأولاد وكلاهما خاطئ!
الشدة المفرطة، واللين المفرط: فالقسوة تُنشئ إنسانًا معقدًا، حاقدًا على المجتمع، عدوانيًّا متشائمًا... واللين ينشئ شخصًا مدللًا، عاجزًا عن التصرف والاعتماد على النفس: وكلاهما شر.
والطريقة المثلى: مزيج من اللينِ والشدة واستخدام الحزم.. فيوضع اللين في موضعه والشدة في موضعها.. والكتاب المقدس عندما نصح الأبناء أن يطيعوا والديهم في الرب - نصح الآباء أيضًا: "لاَ تُغِيظُوا أَوْلاَدَكُمْ لِئَلاَّ يَفْشَلُوا"(كو3: 20، 21).
ولكل مرحلة من مراحل النمو، أسلوب خاص في التربية.
فإذا سارت التربية في طريق سوي؛ بلغ الطفل مرحلة النضج والشباب، ووجد أباه قد صار ناصحًا وصديقًا.. ورفيقًا شفيقًا.
مثلان
1- مثل قديم
أما المثل القديم، فهو قبل الكهنوت، حيث كانت تربطني منذ الأربعينيات، علاقة وطيدة بشخص روحاني، الآن قد انتقل إلى السماء.. نشأ متدينًا، في بيته وفي عمله، لاحظته فوجدت أنه لم يحدث مرة أن خرج من بيته، أو ركب سيارة، أو بدأ عملًا إلَّا ورشم الصليب! كان يحتل مركزًا رفيعًا، ويشغل وظيفة كبيرة في إحدى الوزارات، وكلما ارتفع ازداد تواضعًا، وكنا نعمل معًا في لجنة السيدات برئاسة مدام نجيب بطرس باشا غالي، وأرادت السيدات توفير بعض المال ليكون رصيدًا.
ولما أُخِذ رأيه: عارض فكرة الرصيد وقلت مُؤمِّنًا على كلامه: "إن الاهتمام بالمال يولد الهمَّ؛ والاهتمام والهمَّ مشتقان من أصل واحد لغويًّا!".
قال: لا فائدة من إقناع السيدات بعدم جدوى الرصيد، دعنا نُبعثر ما جمعته.. وأرسلني لأفتتح بعض المدارس في صعيد مصر، فاستهوتني الفكرة، وافتتحت في عدة سنوات 60 مدرسة من الجيزة حتى أسوان، تُعَلم أبناء الأقباط الدين.
والعجيب أن الأهالي ساهموا في نفقات هذه المدارس.. فلم تكلف كثيرًا. وانهالت التبرعات على جمعية السيدات من كل حدب وصوب. وفي جلسة جمعتني مع الرجل الروحاني (حبيب بك جورجي) قلت معلقًا: إن الأموال في البنوك، كالأموات في النعوش!
قال: والبذرة إن لم تمُت، لا تأتي بثمر. وإذا ماتت، تأتي بثمر كثير.
قلت له: أراك تصلي حتى في الطريق.. فمن علمك الصلاة؟!
قال: رحمها الله.. إنها أمي! كانت سيدة متدينة تصلي، وتسحبني بجوارها على الفراش فأركع بجانبها وأنا في سن الرابعة.. كنت لا أعي شيئًا مما أسمع، ولكن ابتهالات أمي انطبعت في مخيلتي وفي قلبي.. وعندما كبرت، أخذت أركع وأصلي كما كانت أمي، فإذا انشغلتُ وأهملتُ الصلاة، أشعر بيدين تشدانني للصلاة.. هما يدا أمي المتوفاة!
2- المثل الثاني بعد الكهنوت
ذات يوم دق التليفون في كنيسة السيدة العذراء بالزيتون.. أحد الآباء الأجلاء يطلبني بالكاتدرائية في أمر عاجل.. وكانت الساعة العاشرة مساء. فأخذتُ استحث الخطى، ووجدتُ في انتظاري الأب الكاهن ومعه فتاتان تنتفضان..لا بردًا.. بل خوفًا وهلعًا! كانت الفتاتان في أشد حالات الخوف والذعر.
وعرفت أن أباهما (سحب عليهما السكين) وهددهما بالقتل لأنهما يخرجان عن طاعته، وهربت الفتاتان إلى قريبة لهما وأمضيتا ليلة ليلاء.. ثم أسرعتا إلى الكاتدرائية وهما لا تعرفان كيف تمضيان الليلة القادمة.. قلت: هلم بنا نذهب إلى بيت الوالد، قال قدس الأب المرافق: إن والدهما أعدَّ السكين.. ثم أضاف مبتسمًا: وربما أصبح الضحايا أربع!
قلت: إن سكين الأب لا تذبح أبدًا يا أبانا!
سرنا في طريق طويل والسيارة تنهب بنا الأرض نهبًا، خلف سراي عابدين، ثم دخلنا شوارع ملتوية، حتى بلغنا المنزل المنشود، وكانت الساعة أخذت تدق مُعلنة الحادية عشرة.
العقدة
هل خرجت الفتاتان عن طاعة أبيهما؟ هذا سؤال وجهناه إلى الفتاتين أثناء الطريق. فقالت الفتاتان في صوتٍ واحد: لم نخرج عن طاعة أبينا لأن طاعة الأب من طاعة الله.. ولكن أبانا كثير الشكوك والظنون. فإذا تأخرنا في الدراسة أو العمل ساعة واحدة، لعبت بعقله الظنون.. وذهبت كل مذهب.
وهنا أضافت الفتاة الكبرى: لم نخرج نحن عن طاعة الله.. ولكن أبي خرج عن طاعة الله!
ثم ألقت الفتاة بهذه القنبلة: أمي لا تحل لأبي زوجة.. ونخشى أن نكون قد وُلِدنا في الحرام، هذا ما يقلق بالنا ويحطمنا ويبعد بيننا وبين والدينا عاطفيًّا.
ثم عادت الفتاة تكمل الحديث فقالت: إن أمي هي (زوجة أخ) لوالدي.. والدي خرج عن دينه ثم عاد إليه، ثم تحايل مع بعض الطوائف، وعقد على زوجة أخيه وهي لا تحل له، ثم أنجبنا فنحن وإخوتنا ثمرة جريمة، ونخشى على الدوام غضب الله علينا.
قلت لهما: هدِّئا من روعكما.. لقد تعمَّدتما.. وبالمعمودية نصير أولادًا لله وورثة الملكوت، ونولد ولادة جديدة، والولادة الجديدة مُبرَّأة من كل الأوزار.. فمن هذه الناحية لا خوف عليكما.
قالت الفتاتان: لقد ألحفنا[2] على الوالد أن يتوجه إلى الكاتدرائية ويصلح أمره، فصار الوالد يثور لأتفه الأسباب.. ثم سحب علينا السكين فهربنا.
لقاء حار
عندما بلغت الساعة الحادية عشرة قرعنا الباب.. ففتح لنا رجل مقطب الجبين هائج.
فصاح الأب المرافق: كاهنان ضيفان، ومعنا هديتان. جئنا من قِبل قداسة البابا للسؤال وللتحية.
فهدأ خاطر الرجل وانفرجت أساريره.. وقلت: وها هما الهديتان ابنتك (فلانة)، وابنتك (فلانة).
وهنا حدث أمر سريع لم نتوقعه إطلاقًا!!
تلقَّف الأب الابنة الكبرى في أحضانه وأخذ يُقبلها وهو يبكي.. ثم أخذ الابنة التالية وأخذ يقبلها وهو يجهش.. وتأثرنا لهذا المشهد المؤثر فطفرت الدموع إلى عيوننا. قال: لقد سافرت أمس للزقازيق.. أبحث عنكما.. وسألت عنكما في كل مكان حتى حفيت قدماي.
والآن شكرًا لله ولقداسة البابا المعظم الذي أرسلكما إليَّ.
واجتمع شمل الأسرة.. الأم والأب وباقي الإخوة.. وجلسنا في شبه باقة تحفها السعادة، ونهل الجميع من نبع السرور الفياض.
قال الأب: هذا أسعد يوم في حياتي.. كنت أظن أنني فقدت بناتي في حادثة إلى الأبد.. وطفرت دموع الفرح من عينيه.
فملت على قدس الأب المرافق وقلت للمرة الثانية: إن سكين الأب لا تذبح أبدًا يا أبانا!
واطمأن بال الفتاتين بعد التفسير الديني الذي قدمناه لهما.
ودقت الساعة مؤذنة الثانية عشرة.. ونحن لا نريد أن نغادر المكان.. كنا جميعًا في شبه فرح.. نرتشف كؤوس السعادة مترعة[3].. فعادت بي الذكرى إلى قول الكتاب يصف سعادة الأب عند لقاء الابن الضال: "يَنْبَغِي أَنْ نَفْرَحَ وَنُسَرَّ لأَنَّ أَخَاكَ هذَا كَانَ مَيِّتًا فَعَاشَ، وَكَانَ ضَالُا فَوُجِدَ"(لو32:15).
انصرفت الفتاتان، والتف الإخوة حولهما وخلا المكان.
فملنا على الأب ونصحناه أن يحسن معاملة بناته.. ولا يستخدم التهديد بالسكين.. وأن يستميلهن بالمحبة والإقناع.
إن الابن إذا كبر أحسّ بشخصيته، فلا يجديه العنف بقدر ما يجديه الإقناع. وضربنا له موعدًا بالكاتدرائية ليصلح ما أفسده.. ويصلح بالتالي نفسية بناته.
قدَّمت لك أيها القارئ العزيز مثلين متضادين.. قدمت: أمًّا فاضلة دربت ابنها على الصلاة، فنشأ رجلاً من رجال الله.
ووالدًا أساء التصرف في حياته.. واستخدم العنف في تربية الأولاد.. فلما كبر الأولاد اكتشفوا أخطاء الآباء.. والقصتان متضادتان؛ فيهما نور وظلام، صلاح وطلاح، تديُّن وتسيُّب.
ونقرأ عن هذين المثلين في قصة تيموثاوس الذي ربته لوئيس وأفنيكي، فتحوَّل البيت إلى كنيسة.
ونقرأ عن سليمان ابن المرأة المستهترة، التي نفضت عنها ثيابها لتستحم عارية فوق سطح. وهكذا تأثر سليمان بأمه، فأكثر من النساء، وبخَّر في أواخر أيامه للأوثان.
[1] مقال للقمص بطرس جيد روفائيل، نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 21 مايو1976م
[2] ألحف: ألحّ
[3] مُترعة: مملوءة
مشروع دُكَّان تسالي
مشروع دُكَّان تسالي[1]
سيدة متزوجة تقطن حي الزيتون، وزوجها عاطل، وهي من الأسرِ التي ترعاها الكنيسة، دأبت أن تأتي إلى الكنيسة وتلح في رفع الإعانة الشهرية وقدرها 150 مائة وخمسون قرشًا.
وكانت تقول في دعواها: ماذا تجدي هذه القروش لأسرة مكوَّنة من زوج وزوجة وثلاثة أولاد؟
ورغم أنه كان في نيتي رفع الإعانة الشهرية، فضَّلت أن أتريث وأشركها في حل المشكلة.
قلت لها: ابحثي عن مشروع، ابحثي عن دُكَّان، وأنا مستعد لدفع أي مبلغ يُطلب مني في هذا الدُّكَّان.. مائة جنيه، مائتي جنيه! وظلت السيدة تطالب برفع الإعانة. واتخذتُ من جانبي موقفًا ثابتًا.. أطالبها بالبحث عن مشروع.
لقد اكتشفت أن كثيرين من الفقراء يفضلون أن يمروا على عدة كنائس ليطلبوا إعانات، بدلاً من العمل المثمر الدؤوب، ومن واجب الكنيسة أن تدفعهم إلى العمل دفعًا، بدلاً من الاعتماد على خبز الكسلِ.
ولما فهمت هذه السيدة أنه لا أمل في رفع الإعانة.. أخذت تبحث جادة عن مشروع.. وبعد تسعة شهور، جاءت السيدة تقول: إنه يوجد دُكَّان سيخلو أول الشهر في (عزبة شنوده) وهي ضاحية قريبة من الزيتون.. ويتطلَّب إعداد الدُّكَّان مبلغًا كبيرًا من المال.. وللحال، أعلنتُ (حالة الطوارئ)!
وجنَّدت لجنة البر بالزيتون.. للمقابلة والاتفاق السريع.. وقلت لهم: لا يفلت هذا الدُّكَّان بأي ثمن ولو كان باهظًا!
وفعلاً تم الحصول على الدُّكَّان.. وهو في أول شارع جانبي متفرع من الشارع الرئيسي، ومن الأجدى والأنفع أن أقدم للقراء والكنائس الخطوات التي تمت في سبيل تحقيق المشروع وإخراجه إلى حيز التنفيذ:
- دراسة البيئة المحلية
بالمعاينة وجدنا الدُّكَّان يقع موقعًا ممتازًا، قُرب الشارع العمومي، بالقرب منه مدرسة ابتدائية ومدرسة إعدادية.. أي أن هناك جمهرة من التلاميذ يمرون بالدكان صباحًا ومساءً.. كل يوم، في طريقهم إلى المدرسة، وفي طريق العودة منها، وهذه ميزة يمكن أن تُستَغلَّ اقتصاديًّا.
- دراسة أوجه النشاط في المنطقة
- هل توضع في الدُّكَّان (قدرة فول) أو يتحوَّل إلى مطعم؟
وجدنا هذه الفكرة غير صائبة، لأنه يقع بالقرب منه مطعم.. ينال شهرة كبيرة في المنطقة، ويزدحم فيه العمال. فلو وضعت قدرة الفول، لاعتبره المطعم مزاحمًا ومنافسًا، وهكذا يدخل المشروع في مشاحنات وبغضاء، والمفروض أن يسد الدُّكَّان فراغًا في جوٍ يسوده السلام.. والحكمة تقول دائمًا: خذ الجار.. قبل الدار.
بـ) هل يشتغل دكان فاكهة أو خضروات؟
وجدنا هذه الفكرة غير صائبة.. لأنه بالقرب منه دُكَّان فاكهة.. ثم إن الفاكهة في هذه المنطقة مبعثرة على طول الطريق، وتوجد أكوام منها على النواصي، فهذه الفكرة أيضًا مقضي عليها بالفشل.
جـ) هل يستغل دُكَّانًا للتسالي؟
نالت هذه الفكرة استحسانًا تامًّا، بعد مناقشة عدة آراء، على أن يحتوي دُكَّان التسالي على لب، فول سوداني، حمص ملون، دوم، حلوى.
ومما شجع على تنفيذ هذه الفكرة، وجود مدراس ابتدائية وإعدادية.
د) هل تُضاف واجهة للسجائر؟
لا.. لا.. برغم ربح السجائر المضمون. قلنا لا يحتوي الدُّكَّان (منكرًا)!
إن السجائر من الأشياء التي (لا توافق) و(الأشياء التي تتسلط).. وتُفقِد الإنسان إرادته، فوق أنها عادة ذميمة، ويقول في هذا المجال أحد الفلاسفة "خيرُ عادة، ألاَّ تكون للإنسان عادة!".
- إعداد الدُّكَّان للعمل
أ- قسمت الواجهة إلى مربعات زجاجية، وهناك طريقة تُستَخدم من باب الدعاية تملأ الفراغات بالتسالي، وهي ليست مملوءة تمامًا، لأنها مجوفة فارغة من الوسط، وهكذا يبدو كل فاصل زجاجي كالهرم، وهو في الحقيقة هرم مجوف!
ب- طلاء الدُّكَّان بألوان زاهية جميلة تجذب الأنظار.
- الخطوة الهامة في المشروع
هي الصلاة في هذا الدُّكَّان.. ورشّه بماء مُصلَّى عليه، وطلب بركة العذراء.
إن أي عمل لا يباركه الرب لا ينجح، وأي مشروع لا يبدأ بالصلاة مقضي عليه بالفشل. وهنا يخطئ كثيرون عندما يهملون التوجه إلى الله أولاً طلبًا للبركة، إنها مرة واحدة نسى فيها موسى النبي أن يبارك الرب عندما ضرب الصخرة.. وهذه المرة الواحدة حرمته من دخول أرض الميعاد!
زيارة ميدانية
قامت لجنة البر بالزيتون بكامل هيئتها بافتقاد الدُّكَّان.. وتفقد سيره.. والطريقة أن تقف الهيئة من بعيد؛ تراقب عدد العملاء والمترددين وأسلوب المعاملة، حتى تستطيع التوجيه الصحيح.
دعائم النجاح في أي عمل تجاري:
- حسن المعاملة، مقابلة العميل بأدب أو بابتسامة.. وربما كلمة واحدة تعمل عملها، كالترحيب به بكلمة أهلاً! وبعد دفع الثمن بكلمة شكرًا!
- الأمانة التامة.. فهي رأس مال التاجر.
وبحيث تُشعِر المشتري أنك أكرمته وأعطيته أكثر مما أخذت منه: "مَغْبُوطٌ هُوَ الْعَطَاءُ أَكْثَرُ مِنَ الأَخْذِ"(أع35:20).
مشروعات أخرى
- يمكن الاستفادة من هذا الدُّكَّان في خدمة الكنيسة وافتقاد أطفال مدارس التربية الكنسية، ومعرفة أحوال الحي والمحتاجين فيه.
- إضافة ركن للمثلجات.. لا شك أن المثلجات في أشهر الصيف، وهي تشغل معظم أشهر السنة تدر ربحًا ثابتًا.. قد يعادل ربح الدُّكَّان كله.
ج) إضافة بعض الحلوى التي لا تفسد، بأن تكون ملفوفة في الورق أو محفوظة كأنواع البسكويت والعسلية واللبان.
د) إضافة بعض الهدايا واللعب البسيطة.
سؤال هام
أيهما أفضل أن نزود المتجر بكل ما يلزمه دفعة واحدة، أم نقدم له الضروريات التي تنهض به؟ على أن يستكمل المتجر ما يلزمه مع الوقت، من ربحه يضاف إلى رأس ماله؟
إنني أفضل الرأي الثاني، لأنه يتفق مع عملية النمو.. والنمو مظهر من علامات الحياة، ولهذا اكتفينا بتزويد المتجر بالحلوى إلى جانب المسليات.. وأشرنا عليه أن يقتصد من أرباحه ليحصل على صندوق للمثلجات.
إيراد المتجر في الشهر
ظهر أن إيراد المتجر لا يقل عن جنيه في اليوم الواحد.. والمتوسط يبلغ 30 ثلاثين جنيهًا في الشهر!!
ويتعرض المتجر لهزَّتين صيفًا وشتاءً.
الهزَّة الأولى: صيفًا حيث تغلق المدارس.. يعوضها ربح المثلجات التي تروج صيفًا.
الهزة الثانية: شتاءً حيث يقل طلب المثلجات.. يعوضها افتتاح المدارس، ومرور التلاميذ على المتجر في الغدو والرواح.
العشور
أوصينا صاحب المتجر أن يكون أمينًا للرب.. فيُقدم عُشر الأرباح وإنه لأمر يدعو إلى العجب حقًّا! أن عائلة كانت تأخذ إعانة شهرية تُقدَّر بمائة وخمسين قرشًا، تستطيع بعد تنفيذ المشروع أن تقدم عشورًا 300 قرش كل شهر.. أي ضعف الإعانة الشهرية!
وهناك حقيقة أخرى.. يستطيع الزوج والزوجة أن يتناوبا العمل في الدُّكَّان فإذا ذهب الزوج ليغفو قليلاً كلما تعب، وقفت الزوجة تدير المتجر على خير وجه.. وهكذا تكون الحياة شركة بينهما ويتقاسمان حلو الحياة ومُرّها.
تقييم المشروع
بهذا الدُّكَّان.. نغلق بابًا من أبواب الفقر ونفتح بابًا من أبواب الرزق!
وتستطيع الأسرة أن تربي أولادها وتنتشلهم من هوة الفاقة.
وتنقذ الكنيسة أسرة من المذلة والمهانة والسؤال والضياع.
بقى اعتراض واحد
تقول إننا أنفقنا كثيرًا في مشروع واحد، ولكن هذا الإنفاق يهون في سبيل إنقاذ أسرة من هُوَّة الضياع.. والنفس الواحدة غالية جدًّا عن الله.
والرب نفسه يقدم لنا هذا التفسير الرائع أيهما أفضل: "تَخْلِيصُ نَفْسٍ أَوْ إِهْلاَكُهَا؟"(لو9:6).
[1] مقال للقمص بطرس جيد روفائيل، نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 28 مايو 1976م
(1×2=000‚40)!
(1×2=000‚40)![1]
(1×2=000‚40) هذه معادلة تبدو صعبة.
يختلف (علم الحساب) كعلم عن (علم الحساب الإلهي).. في الطريقة والنتيجة.
وخيرُ دليل على هذا أن علم الحساب يقول: (1×2=2) وعلم الحساب الإلهي يقول: (1×2=000‚40)!!
ولقد تقدَّم علم الحساب وتفرع إلى علوم حسابية.. تفرع منه حساب المثلثات.. وحساب اللوغارتيمات.. وحساب التفاضل والتكامل.. ورغم كل هذا فالنتيجة ما زالت واحدة: (1×2=2) هذه حقيقة حسابية علمية ثابتة.
وهناك مشاكل كثيرة في الحياة لا يحلها علم الحساب! ولكنها تُحَل بطريقة (الحساب الإلهي):
وعلى سبيل المثال، اجتمع حول السيد المسيح خمسة آلاف رجل ما عدا النساء والأولاد أي ما يقرب من عشرين ألف نسمة.
وكان عدد الأرغفة الموجود: 5 أرغفة، سمكتين.
وعلم الحساب يقول: ما هذه لكل هؤلاء؟
(والحساب الإلهي) يقول: "بَرَكَةُ الرَّبِّ هِيَ تُغْنِي، وَلاَ يَزِيدُ مَعَهَا تَعَبًا"(أم22:10)!
5 أرغفة أشبعت 5000 رجل ما عدا النساء والأطفال.. وفضل من الكسر اثنتا عشرة قفة مملوءة!!
المرتب الشهري قد لا يكفي حاجة الأسرة ومتطلباتها.. تخرج منه العشور. فتحل البركة.. فيكون ما أُخِذ ليس علامة نقص، بل علامة زيادة.
وهكذا يكفي المرتب ويفيض وتتحول علامة (-) إلى علامة (+)!
والرب يؤكد لنا هذه الحقيقة فيقول: "هَاتُوا جَمِيعَ الْعُشُورِ.. وَجَرِّبُونِي بِهذَا، قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ، إِنْ كُنْتُ لاَ أَفْتَحُ لَكُمْ كُوَى السَّمَاوَاتِ، وَأَفِيضُ عَلَيْكُمْ بَرَكَةً حَتَّى لاَ تُوسَعَ"(ملا10:3).
وأنت أيها القارئ العزيز، درست علم الحساب في المدارس، وبقي أن تدرس معي علم الحساب الإلهي، وها أنا أثبت لك أن (1×2=000‚40).
إن علم الحساب يهتم بالكم والعدد، فيقول هذا قليل.. وذاك كثير..
إن أقل عملة فلسطينية هي الفلس، ويقال رجل (مُفلِس) أي لا يملك فلسًا واحدًا.. وجاء في الإنجيل أن امرأة دفعت في الخزانة فلسين.. وهذا في علم الحساب قليل، أما في علم الحساب الإلهي.. فيقول: هذه المرأة دفعت أكثر من جميعهم.. لأنها من أعوازها دفعت (لو21: 3، 4).
وأقدم لك أيها القارئ العزيز قصتين من واقع الحياة، واحدة قبل دخولي الكهنوت وواحدة بعده.
القصة الأولى: من الأربعينيات
سألني زميل لي مدرس بكلية البنات القبطية ذات يوم أن أقدم له نصيحة.. فقلت له: ادفع العشور!
قال: أريد نصيحة أخرى، قلت له أيضًا: ادفع العشور!
قال: أنا أشغل درجة سادسة مخفضة، وأحصل على مرتب 16 جنيهًا مصريًّا، ومتزوج والمرتب لا يكفي: فكيف أدفع العشور؟ قلت له: ادفع العشور ولا تناقش.
وجرِّب الرب.. ادفع 160 قرشًا هي نصيب الرب.
رجع الأستاذ إلى بيته يتندَّر أمام زوجته بهذه النادرة، وكانت زوجته خادمة بمدارس التربية الكنسية. فقالت: حي هو الرب.. لن تدخل العشور بيتنا بعد هذا اليوم.
استمر الصديق في دفع العشور عامًا كاملاً، ثم حدث أمر لم يكن في الحسبان!
تولَّت وزارة الوفد الحكم، وأراد وزير التربية أن يرفع من شأن المعلمين، فأصدر قرارًا يُعطي الحق لكل من أمضى أربع سنوات في الحصول على درجة تالية.
وهكذا قفز الأستاذ من الدرجة السادسة المخفضة إلى الدرجة الرابعة، من مرتب 16 جنيهًا مصريًّا إلى مرتب قدره 45 جنيهًا مصريًّا، وأصبح له متجمد منذ صدور القانون 400 جنيه مصري.
جاءني الأستاذ متهللًّا وقال: آمنت ببركة العشور وسأظل أدفع 160 قرشًا.
قلت له: لا، لا تغالط الرَّب وأنت مدرس رياضة، العشور الآن 450 قرشًا و40 جنيهًا عُشر المتجمد وقدره 400 جنيهًا.
ودُهشت: كيف أن حساباتنا مع الله تتسم دائمًا بالخطأ!
التقيتُ بالصديق أخيرًا، وعرفت أنه الوحيد من دفعته الذي رُقّيَ إلى درجة (مفتش عام)، وله ثلاثة أولاد في الجامعات يقبضون جائزة التفوق كل شهر، لقد امتلأ البيت بالخير منذ دفع العشور، ولا عجب فالكتاب يقول: "أَكْرِمِ الرَّبَّ مِنْ مَالِكَ.. فَتَمْتَلِئَ خَزَائِنُكَ شِبْعًا"(أم3: 9، 10).
مثل آخر واقعي بعد الكهنوت
ماذا يصنع إنسان يعمل عملًا حرًّا.. ويجتاز أزمة اقتصادية؟ سؤال قدَّمه صديق مهندس من إحدى المحافظات خارج القاهرة له خمسة أولاد.
قلت له: قدم العشور للرب.
وما خير طريقة لتقديم العشور؟ قلت له: تشتري محفظتين وتعزل نصيب الرَّب في محفظة، بنسبة 10%.
ماذا كانت محصلة سنة؟ زاد إيراده زيادة ملحوظة لم تخطر على البال، وقلت للصديق مفسرًا:
هل يعقل أن يكون الإنسان أمينًا للرب، ويكون الله غير أمين معه؟ حاشا!
ولكن، هل اقتصر الأمر على زيادة الإيراد؟
لا، كان الصديق يشكو مرضًا عضالًا. يخشى عليه منه على حياته. فلم يعاوده المرض إطلاقًا! وهذا هو الشقُّ الثاني من بركة العشور.
الشق الأول هو زيادة الخير والبركة.. والشق الثاني الصحة والشفاء من المرض: "طُوبَى لِلَّذِي يَنْظُرُ إِلَى الْمَسْكِينِ. فِي يَوْمِ الشَّرِّ يُنَجِّيهِ الرَّبُّ، الرَّبُّ يَحْفَظُهُ وَيُحْيِيهِ... الرَّبُّ يَعْضُدُهُ وَهُوَ عَلَى فِرَاشِ الضُّعْفِ"(مز41: 1 - 3).
أما البركة الثالثة: النجاح والتوفيق.
كان هذا الصديق يرسب له واحد من أولاده في الامتحان ويعيد العام.. ولأول مرة، بعد دفع العشور، نجح أولاده الخمسة في الامتحانات ودخل اثنان الجامعة: "يَكُونُ كَشَجَرَةٍ مَغْرُوسَةٍ عِنْدَ مَجَارِي الْمِيَاهِ... وَكُلُّ مَا يَصْنَعُهُ يَنْجَحُ"(مز3:1).
وذات يوم، أسرَّ إليَّ الصديق بخبر عجيب.. إحدى القريبات، ذات القربى البعيدة، جاءته مُثقَلة بالأمراض.. لقد مات كل ذويها، ولم تجد أحدًا تأوى إليه.. فحلَّت عليه مُستَعطِفة في حاجة إلى الرعاية والإنفاق.. فقبلها وقام برعايتها، والحدب عليها، هو وزوجته، وكان الاثنان يتناوبان الخدمة بالليل والنهار. كانت المرأة العليلة، لا تستطيع أن تخطو إلا إذا أخذ أحد بيدها.
استمر الحال ثلاث سنوات، ولم تظهر بارقة أمل في الشفاء، وازداد الأمر حدًّا كبيرًا من السوء.. فكانت السيدة الزوجة، تقوم بالتمريض وتنظيف فراشها أيضًا.
قلت للصديق: لا يضعف إيمانك، رعاية هذه المرأة العليلة، تجلب بركة ورعاية الله.. وكله سلف ودين!
لقد سمعت ما أطربني حقًّا.. وكم من قلوب تنطوي على المحبة والمروءة.
لقد بلغ من حدب الزوجين على المرأة العليلة المشلولة.. أنهما عندما ذهبا إلى المصيف.. اصطحباها! حملاها معهما لعلها تشعر في أواخر أيامها ببهجة الحياة! وتعويضًا لها عن وطأة المرض.
كنت أرقب هذه الحالة منذ 4 سنوات.. أخشى ما كنت أخشاه أن يفرغ صبر الزوجين فيكفا عن رعايتها ويتركاها لمصيرها!
ولكن الصديق قال لي ذات يوم:
إنني أعتقد أن الله قد وسَّع في رزقي بسبب هذه المرأة العليلة البائسة التي لا أهل لها.
قلت له: إن بركة رعاية المريض، تمامًا كبركة إطعام الجائع، والرب يقول في اليوم الأخير: "لأَنِّي جُعْتُ فَأَطْعَمْتُمُونِي.. مَرِيضًا فَزُرْتُمُونِي"(مت25: 35، 36).
وهنا تحدث مفاجأة مذهلة لم تكن في الحسبان ويظهر عمل الله.. وبركة الخدمة: هذه المريضة المدنفة[2] في المرض.. التي تبدو في أسوأ أنواع الفاقة، كان لها شقيق واحد أنكرها، ورفضت زوجته خدمتها، وهددت بترك البيت إذا دخلته.
أما عنصر المفاجأة فهو ما ظهر من أن هذه العليلة تملك 35 فدانًا من أجود الأراضي، أصرت أن توقفها على هذا الصديق، ولما حاول الصديق أن يثنيها عن عزمها، وقال لها إن شقيقها أولى بالأرض.. أبت إباءً، وأصرت إصرارًا وكان شقيقها ثريًّا.
وفي جلسة معها قالت لي: مَن هو أخوك؟
إن أخاك من واساك..! ورب أخ لك لم تلده أمك! أخي هو الذي رعاني، وأخذ بيدي، وسهر بجانبي الليالي.. وليس أخًا لي، الذي ألقاني وطردني طرد الكلاب! وتمنى أن يُعجّل الله بموتي.
وفعلاً تم تسجيل 35 فدانًا للصديق! بقي أن نعرف أن ثمن الأرض (40000) من الجنيهات.
حل المعادلة الصعبة: (1×2=000‚40)، أو سر الحساب الإلهي.
2 (اثنان هما الزوج والزوجة) × 1 (في خدمة واحدة هي المرأة العليلة) = 000‚40 هي قيمة الثروة التي حصل عليها الزوجان، وهي بركة الخدمة والعشور.
والآن هل تريد نصيحة؟ هل تريد أن يأخذ الرب بيدك ويوسع في رزقك؟
- قَدم العشور!
[1] مقال للقمص بطرس جيد روفائيل، نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 4 يونيو 1976م
[2] دَنِفَ الْمَريضُ: اِشْتَدَّ مَرَضُهُ وَقَرُبَ أَجَلُهُ
سرحت.. فحُلَّت المشكلة
سرحت.. فحُلَّت المشكلة[1]
- لعل أبلغ وصف.. وصف به الكتاب المال أنه: "أَصْلٌ لِكُلِّ الشُّرُورِ"(1تي6: 10).
- ويستطيع الإنسان إذا تسلَّط عليه حب المال، أن يبيع ضميره، وذويه، وإلهه، والخلود، بأبخس الأثمان.
- لقد تدخَّل المال بين شقيقين يعيشان معًا.. واستطاع المال أن يفسد العلاقات بين الأخوين بعد قرابة 25 عامًا (ربع قرن من الزمان)، كان خلالها البيت واحدًا، والمعيشة واحدة، واللقمة واحدة.
- وعندما دبَّ النزاع بين الأخوين، واستحكمت حلقاته.. هرع الأخوان إلى (لجنة البر بالزيتون).. وطلبا تدخلي لوضع حد لهذه المشكلة.. وقَبلَ الاثنان أن أكون حَكمًا مقسطًا بينهما. ولقد استغرق حل المشكلة تسعة شهور.. وكان كلما مر الوقت زادت المشكلة تعقيدًا.
- وحدث أثناء جلسة صاخبة أن سرحت تمامًا، لأهرب من الضجيج وعندما سرحت، نطقت كلامًا لم أتبيَّنه تمامًا، وندمت عندما تبيَّنتُه! ورغم هذا فالكلام الذي قلته وأنا (سرحان).. كان فيه الحل لأكبر مشكلة صادفتها في خدمتي في الكهنوت حتى اليوم!
وهذا معناه أنه عندما تغيب عقولنا عن التفكير ونصمت نحن؛ عندئذ يتكلم الله!
أحداث القصة
تبدأ القصة منذ خمسة وعشرين عامًا؛ عندما نزح شقيقان من الصعيد، وزحفا إلى القاهرة يسعيان وراء الرزق، واستقر الاثنان في مسكن واحد يواجهان الحياة متعاونين، ومارسا عدة أعمال تجارية، وتأرجح العمل بين الربح والخسارة. وابتسمت لهما الحياة يومًا.. وكشَّرت عن أنيابها أيامًا. كان أول عهدهما بالتجارة أن افتتحا (فرنًا)، ولم تكن لهما خبرة كافية. فاحترقا بنارها... ترك الاثنان الفرن وافتتحا متجرًا، فلم يطب لهما المقام فيه.
وأخيرًا استقر بهما الحال، في تجارة معينة. لا أريد أن أكشف عنها حتى لا أكشف عن شخصيتيهما.. وفي هذه المذكرات أتوخَّى ذكر الواقع تمامًا.. فهي مذكرات من صميم الحياة، ولكنني أهرب من ذكر الأشخاص، حتى لا يرقى إليهم الفكر من قريب أو بعيد.
أعود وأقول، لقد راجت تجارتهما وتدفق الربح، وامتلأ البيت بالخير.. وكان الأخ الأكبر يملك فدانًا وبضعة قراريط، باعها وأسهم بثمنها في تجارة شقيقه، وهكذا رفرفت السعادة على بيت تغمره المحبة ويسوده الوفاق.
المشكلة
عندما تدفَّق المال، هنا فقط بدأت المشكلة! كانت التجارة مسجلة باسم الأخ الأصغر وهو شخص مثقف، والأخ الأكبر أسهم في التجارة دون أن يأخذ على أخيه إيصالًا، وهو شخص بسيط وغير متعلم.
وضاق البيت بالأسرتين بعد أن كَبر الأولاد. ولم يكن للأخ الأكبر مورد، وهو في ذات الوقت يريد أن يؤمن على حياته، ويربي أولاده.
وهنا فقط شعر الأخ الأصغر أن أخاه الأكبر صار عبئًا عليه، يثقل كاهله.. وأسرع الشيطان يقول له: لماذا هذا البلاء؟ لماذا لا تتخلَّص من أخيك فتفوز وحدك بالثراء؟
وإنني أشهد وأنا أكتب هذه المذكرات، أن الأخ الأصغر كان على خُلق كريم، فلما أحسَّ بحرب الشيطان؛ جاء وقال لي: إن الشيطان يحاربني يا أبي! أرجوك أن تقف بجانبي وتحسم الموقف.. أنا لا أريد أن أضحي بأخي ولو ضحيت بنفسي، ولقد وقف أخي معي في السنين العجاف، فلن أتخلى عنه في سنيِّ الرخاء!
وأحس أولاد الابن الأكبر بالنزاع بين أبيهم وعمهم.. وهم من الصعيد، فجاءوا إليَّ يهددون بحمل السلاح، قالوا: لا يأخذ عمنا أبانا لحمًا، ويلفظه عظمًا.. إذا أراد عمنا أن يقضي على أبينا، فسوف نقضي نحن عليه أولًا.. وأقسموا يمينًا مغلظًا، فانتهرتهم.. ثم هدَّأت من ثائرتهم.
وقلت لهم: لا تتدخلوا في الأمر وإلا أفسدتموه، واتركوا الأمر لي.. ليست المشكلة بين أب وعم، بل بين أب وأب، لأن العم والد.
وهكذا شممت رائحة الغدر.. ورأيت بيتين يوشكان على الخراب، وأبصرت الشيطان يطل بوجهه الكالح.. في المشكلة يُثير الأحقاد، ويشعل نار الفتنة.. فعقدت جلسات سريعة.
مرة أجتمع بالأخ الأصغر وزوجته وأولاده، ومرة أجتمع بالأخ الأكبر وزوجته وأولاده. ومن محاسن الظروف.. كانوا جميعًا أبنائي في الاعتراف، الرجال والسيدات.. في الأسرتين.
وبعد جهد جهيد (نامت) الفتنة إلى حين.. وذات يوم قال الأخ الأصغر. لقد ساهم أخي معي بفدان قيمته 500 جنيه مصري وقتذاك، إنني على استعداد أن أدفع له اليوم 2000 جنيه مصري.
وقال الأخ الأكبر: إنني شريكه.. في التجارة والنضال.. وقفت بجانبه ربع قرن من الزمان. فلا يكون له الغُنْم، ويكون لي الغُرْم[2]. إن رأس ماله الآن ألوف مؤلفة، فلا أقبل أن يلهيني بألفين أو 3000، وفي رقبتي أسرة وأولاد.
محاولة جديدة
عقدنا اجتماعًا جديدًا ضمَّ عشرة رجال في حجرة الإدارة بالكنيسة. وبدأ الاجتماع هادئًا. ثم علا الصخب والانفعال. وانتهى الاجتماع بعد ساعة متأخرة من الليل إلى لا شيء.. اتفق الطرفان أن يحضرا إلى الكنيسة، ويعرضا الأمر.. كل يطلب حقه كما يراه.. وفي النهاية يقترح القمص بطرس جيد الحل. وما يقوله يلتزم به الجميع أمام الله.. ووافق الأخوان. ووضعا الإنجيل المقدس شاهدًا. وهكذا حضر 12 رجلاً، 6 رجال يمثلون كل طرف في النزاع، وهرعت إلى الله أطلب منه العون.
إن مهمة الكاهن ليست سهلة، والتوفيق بين القلوب المتنافرة يحتاج إلى صبر، وصلاة، وتدخل الله!
كان الحاضرون 12 رجلاً.. وكنا نستقبل عيد الرسل الاثني عشر.. وأعدَّت الكنائس نهضات روحية.. وكان مطلوبًا مني 15 عظة في 15 يومًا.. فعندما بدأ الاجتماع لست أدري ما دهاني.. وعندما أخذ الرجال يكررون قولًا مُعادًا، سرحت بخاطري لأنجو من الصداع لقد كاد عقلي ينفجر.. وفي وسط هذا الصخب، أخذت أعدُّ بعض العظات وأدون بعض التأملات، وهم يظنون أنني أدون بنود الاتفاق!! سرحت بخاطري وأخذت استعرض حياة الرسل.
- (بطرس) الذي بشر أنطاكيا وتيطس وغلاطية وكبادوكية وآسيا، ومات مصلوبًا ومنكسًا في روما.
- (متياس) الذي اتجه إلى كبادوكية، حيث مات رجمًا بالحجارة.
- (فيلبس) الذي اتجه إلى هيرابوليس بآسيا الصغرى، حيث مات مصلوبًا.
- (برثلماوس) الذي اتجه إلى الهند الشرقية واليمن والأرمن، حيث سلخوا جلده وقطعوا رأسه.
- (توما) الذي بشر الهند ومات شهيدًا بطعنة رمح، وو..
وهنا ارتفع الصياح. ماذا تقول يا أبانا بطرس؟ وعرض واحد منهم رأيًا، وعارضه آخر برأي آخر.
(وسرحت) للمرة الثانية. أخذت أتأمل الحكمة في العدد 12... ومن العجيب كان الحاضرون من الرجال 12!
- عدد آبائنا الرسل 12 رمزًا لعدد أسباط إسرائيل الاثني عشر.
- المدينة المقدسة أورشليم السماوية لها 12 بابًا، وعلى كل باب 12 ملاكًا.
- للسور 12 أساسًا، على كل باب 12 لؤلؤة (رؤ21:21).
- الأربعة والعشرون قسيسًا تكرار (12×2).
- المقدسون الـ 144000 تكرار 12 × 12 × 1000.
وهنا صاح الجميع يريدون أن يسمعوا مني القول الفصل.. صاحوا كم يدفع الأخ الأصغر للأخ الأكبر... وكنت ما زلت سارحًا في سيرة سادتي آبائنا الرسل الــــ 12 فقلت دون وعي: 12000!
ولم أقلها حتى قفز الابن الأكبر من كرسيه وهو يقول: (كلمة حق)!
وجحظت عينا الابن الأصغر.. كان يتوقع كل شيء إلا هذا الرقم الضخم.
وندمت أشدّ الندم لأنني سرحت. وهممت أن أعتذر.. لولا أن الابن الأصغر قاطعني وهو يقول: هذا المبلغ كبير جدًّا يا أبي.. ولكنني أقسمت أن أعتبر ما يقوله أبونا بطرس من الله رأسًا.. قبلت وسأنفذ.. ولو بعت ثوبي.. وكل ما أملك! وهنا صاح آخر: توجد عمارة معروضة للبيع بهذا القدر، وتغل 65 جنيهًا مصريًّا شهريًا.. وهكذا اتفقنا على شراء العمارة وتسجيلها لصالح الابن الأكبر! وقد كان.
وتعانق الأخوان.. وعادت المحبة أقوى مما كان.. واندحر الشيطان!
ومر عام، والتقيت بالأخ الأصغر، قال: مرت عليَّ سنوات كساد. ومنذ عام ارتفعت الأسعار ارتفاعًا جنونيًّا فبعت كل المخزون.
قلت له: كم ربحت؟
قال: 12000!
قلت لقد عوضك الله عن حبك لأخيك فربحت 12000، وربحت أيضًا أخاك!
وما زلت في عجب من هذه المفارقات وهذه المعجزات.. وكيف سرحت فحُلَّت المشكلة!
ولكنني علمت أنه عندما يصمت العقل يسكت التفكير.. وتخرس كل حكمة بشرية.. يتدخل الله ويتكلم الله! فتباركت يا إلهنا الصالح.
[1] مقال للقمص بطرس جيد روفائيل، نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 11 يونيو 1976م
[2] الغُنْم بالغُرْم (مثل): يُضرب لمن يتحمَّل الضَّرر أو الخسارة مقابل الفائدة أو الرِّبح
تحت البلاطة
تحت البلاطة[1]
وصفت (كلمة الله) بصفات كثيرة أكتفي بذكر صفتين منها:
كلمتي لا ترجع إليَّ فارغة (إش11:55).
كلمة الله قوية وفعالة، وأمضى من كل سيف ذي حدين (عب12:4).
وعندما يلقي الكاهن الكلمة، يعطيها الله قوة النماء والإثمار والإثراء.. وهكذا تصل الكلمة إلى شغاف القلب، وحبات الفؤاد، وتثمر، وتعمل عملها في النفوس، فيظهر أثرها، وتطيب ثمارها.
وفي عدد الكرازة السابق، سرحتُ بخاطرى ونطقتُ بكلمة لم أتبينها، وندمت عندما تبينتها، ورغم هذا كان في هذه الكلمة فصل الخطاب، فحُّلَّت مشكلة دامت تسعة شهور.
وقلت إنه عندما تغيب عقولنا عن التفكير، وتصمت كل حكمة بشرية؛ عندئذ يتدخل الله.. ويتكلم الله.
حادث لم يغب عن خاطري
في الأربعينيات كنت ألتقي بشخص ذائع الصّيت. عرف المسيحية وأخذ يُبشر بها، وكان مثقفًا ثقافة عالية. كان يعقد الندوات يصول فيها ويجول: وكان أثيرًا[2] إلى قلبي.
وذات يوم وجَّهت له سؤالًا: كيف اهتديت إلى المسيحية؟!
قال: إنه قسٌ قروي يلبس (عمامة لف)!!
ثم أردف قائلًا: كنت أقوم بواجب العزاء في بطريركية الأقباط الأرثوذكس بالإسكندرية، ووقف كاهن قروي يرثي الفقيد.
كان بسيطًا، ولكنه كان ممتلئًا بالروح.
كان جدب الفكر، لا يملك ناصية البلاغة، فأخذ يردد الآية ولا يضيف عليها جديدًا. وكانت الآية التي أخذ يرددها القس (القروي): قول الرب يسوع: "أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ"(يو6:14).
والعجيب أن الكاهن القروى أخذ يردد هذه الآية في قوة وإصرار.
أنا هو الطريق والحق والحياة.
ماذا يقول الرب يسوع؟
يقول: إنه هو الطريق والحق والحياة.
وما دام الرب يسوع يقول عن نفسه: إنه الطريق والحق والحياة. يكون بكل تأكيد هو الطريق والحق والحياة!
ثم أخذ القس القروي يقول بصوت أخذ يدوي في أرجاء الكاتدرائية:
"الرب يسوع هو الطريق والحق والحياة! ولا أحد غيره هو الطريق، ولا أحد غيره هو الحق، ولا أحد غيره يوصل إلى الحياة"!
ثم عاد الكاهن القروي يسأل من جديد. ماذا قال الرب يسوع عن نفسه؟ قال: إنه هو الطريق والحق والحياة!
هل تؤمن أنه الطريق والحق والحياة؟ إذا آمنت به، عرفت الطريق، وفزت بالحياة.
وهنا يقول العالم الذائع الصيت. كانت هذه أقوى عظة في تأثيرها، سمعتها في حياتي. ولقد انطبعت هذه الآية في نفسي، وتعمَّقَت بقوة في وجداني. وهزت كل كياني.. واقتلعَت كل بذور الشك من نفسي، فخرجت مؤمنًا أن الرب يسوع هو الطريق والحق والحياة.. وهكذا عرفت المسيحية.
مواقف أعجبتني
تأثير الكلمة في أحد أبنائنا بأمريكا.
كان أحد الأبناء المباركين في أمريكا N.G، قد قرأ كلمة في الكرازة وعرض 500 دولار، كما عرض إرسال أجهزة صناعية لمشغل العذراء بالزيتون، تُدار بالكهرباء، وفعلاً أرسل 6 مقصات منها مقصان لكنيسة الزيتون، كما أرسل 200 دولار عن طريق أحد الآباء الكهنة بأمريكا.
وأرسل لي خطابًا وصلني منذ ثلاثة أيام متأثرًا (بكلمة الله) والمقالة الروحية، التي تنشرها مجلة الكرازة لقداسة البابا شنوده الثالث كل أسبوع.
وهذا نص ما جاء في خطابه الأخير بالحرف الواحد:
(ندمت أشدّ الندم أنني عرضت عليك أحدد 500 دولار! وبعد خطابي الذي حددت فيه مساهمتي بمبلغ 500 دولار، رجعت إلى نفسي وندمت: لماذا هذا التحديد؟ والله أعطاني بلا حدود.. إذًا فليكن عطائي أيضًا بغير حدود: لا عشور. ولا نذور. ولا بكور! بعد اليوم كل ما أملك وكل ما يدخل جيبي من الآن سيكون لخدمة اسم الله كما قلت لقداستكم من قبل).
وأضاف في نهاية الخطاب: (سؤال واحد يا أبانا: لماذا لا تمتد هذه المشروعات الخيرية إلى القرى الفقيرة التي لا توجد بها رعاية؟ إلخ).
ما أعظم الأثر الذي تحدثه كلمة الله! كلمة تقال في مصر فتعطي أثرًا في أمريكا. إن المسافات الشاسعة لا تقف حائلاً ولا تقلل من أثر كلمة الله!
يدفع العشور متأثرًا بكلمة.
أرسل آخر يقول: آمنت الآن بدفع العشور بتأثير كلمة واحدة قرأتها في مذكرات كاهن في الكرازة: (من المستحيل أن يكون الله مديونًا).
واقتنعت بيني وبين نفسي، أن ما نعطيه إلى الله سيرده لنا الله حتمًا ومضاعفًا، لأنه يستحيل أن يكون الله مديونًا.
أنتِ يا سيدتي!
تعوَّدت أن أصلي قداس الأحد الأول من كل شهر، منذ عامين، في إحدى كنائس القاهرة الحديثة البناء، في حي من الأحياء الغنية. وأدعو للمساهمة في إتمام البناء.
وفي كل عظة كنت استخدم كلمة الله في حثّهم على العطاء.. وفي كل مرة كنت أسمع عجبًا.. يتقدم الكثيرون ويدفعون (50 جنيهًا مصريًّا - 100 جنيه مصري – 1000 جنيه مصري) في المرة الواحدة.. ومرة سألت أحد الأعضاء عن طريق الدفع بالكنيسة.
قال: وزعنا المطلوب يدفع فلان 3 وآخر 4 وبعدئذ فهمت أن 3 يقصد بها 3000، 4 يقصد بها 4000، فالألف في نظرهم تساوي واحدًا.. على نمط الآية: "أَنَّ يَوْمًا وَاحِدًا عِنْدَ الرَّبِّ كَأَلْفِ سَنَةٍ، وَأَلْفَ سَنَةٍ كَيَوْمٍ وَاحِدٍ"(2بط3: 8).
وإن كنت أنسى فلن أنسى.. أثناء إحدى العظات بهذه الكنيسة، أن وجدت نفسي أقول، متابعًا حثي للشعب على العطاء:
"إنتِ يا ست.. هاتي الفلوس من (تحت البلاطة) وقدميها للرب"!
وبعد العظة لُمتُ نفسي أشدّ اللوم.. كيف أقول هذا القول؟ ونزلت على نفسي بالتقريع واللائمة لخروجي عن العظة.
ولكن حقيقة ما حدث كان عجبًا عجابًا عندما هتفت: (إنتِ يا ست)، كانت إحدى السيدات قد دخلت الكنيسة في ذات اللحظة.. ووقفت على الباب.. وهذه السيدة كانت تحتفظ بمبلغ في بيتها (تحت البلاطة). فاعتبرت أن الروح القدس قد وجَّه إليها هذا الحديث.
قالت: لماذا يوجه لي أبونا بطرس هذه العبارة في ذات اللحظة التي دخلت فيها، ومن أين يعرف؟
ثم غادرت الكنيسة للتو.. وذهبت إلى بيتها لتعود للكنيسة بمبلغ 4000 جنيه مصري، كانت تحتفظ بها (تحت البلاطة)!
وبعد أيها القارئ العزيز.. ليست هناك مصادفات.. ولا فضل لإنسان.. بل هي قوة تأثير (كلمة الله).
وبتأثير هذه الكلمة، قدَّمت لنا الكنيسة كوكب البرية الأنبا أنطونيوس.
الذي كان سبيله إلى الرهبنة كلمة سمعها عند دخوله من باب الكنيسة: إذ سمع الآية: "اِذْهَبْ بِعْ كُلَّ مَا لَكَ وَأَعْطِ الْفُقَرَاءَ، فَيَكُونَ لَكَ كَنْزٌ فِي السَّمَاءِ"(مر21:10)؛ فاعتبر أن الكلمة موجهة إليه شخصيًّا من الله.. فباع كل ما يملك وسلَّم أخته لأحد أديرة الراهبات، وهكذا أنار بنسكه وزهده وسيرته البرية.. والعالم شرقًا وغربًا!
ونذكر بهذه المناسبة الكلمة التي فاه بها طفل صغير، وهكذا تم اختيار أحد الأساقفة القديسين عندما صاح طفل صغير وسط الجمع الحاشد:
أمبروسيوس أسقف! أمبروسيوس أسقف!
فما أعظم كلمة الله! وما أعظم أثرها!
"هكَذَا تَكُونُ كَلِمَتِي الَّتِي تَخْرُجُ مِنْ فَمِي. لاَ تَرْجعُ إِلَيَّ فَارِغَةً، بَلْ تَعْمَلُ مَا سُرِرْتُ بِهِ وَتَنْجَحُ فِي مَا أَرْسَلْتُهَا لَهُ"(إش11:55).
فهل تفتح لها أيها القارئ مغلاق قلبك، وتتخذها سراجًا لرجلك ونورًا لسبيلك؟
[1] مقال للقمص بطرس جيد روفائيل، نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 18 يونيو 1976م
[2] أثيرًا: مفضلاً
مزالق، مآزق
مزالق، مآزق[1]
+ كم يقع الكثيرون في مزالق، والمزالق تؤدي إلى المآزق، وينتهي الأمر كله إلى موقف شائك.. ومعظم المآزق من صنع الشيطان.
+ كنت أتأمل في (المآزق) التي دبرها الشيطان للرب يسوع.. مستخدمًا فيها الكتبة والفريسيين ورؤساء الكهنة، يوم أمسكت امرأة في ذات الفعل: "مُوسَى فِي النَّامُوسِ أَوْصَانَا أَنَّ مِثْلَ هذِهِ تُرْجَمُ. فَمَاذَا تَقُولُ أَنْتَ؟"(يو5:8).
+ إن قال: تُرجَم.. قالوا له: أين شريعة الرحمة التي تنادي بها؟
+ وإن قال: تُرحَم.. قالوا له: أين شريعة موسى التي أمر الله بها؟
+ ورب الحكمة حلَّ المشكلة بقوله: "مَنْ كَانَ مِنْكُمْ بِلاَ خَطِيَّةٍ فَلْيَرْمِهَا أَوَّلاً بِحَجَرٍ!"(يو7:8).
+ ومأزق آخر: هل تعطى الجزية لقيصر؟
+ إن قال: تعُطَى الجزية، قيل: إنه نصير الاستعمار ضد الوطن.
+ وإن قال: لا تُعطَى الجزية، قيل: إنه ثائر ضد قيصر الرومان.
+ ورب الحكمة خرج من المأزق بقوله: "أَعْطُوا مَا لِقَيْصَرَ لِقَيْصَرَ وَمَا للهِ للهِ!"(مر17:12).
+ وها أنا أقدم للقارئ ثلاثة مآزق. قليل من كثير. تلقي ضوءًا على ما يتعرض له الأب الكاهن في حياته الرعوية كل يوم.
+ ولا أقول إنني استخدمت الحكمة في الخروج منها؛ بل أقول إن الرب أخرجنى منها فضلاً منه، ورأفة بضعفي: "دَحَرْتَنِي دُحُورًا لأَسْقُطَ، أَمَّا الرَّبُّ فَعَضَدَنِي" (مز13:118).
المأزق الأول (خُذ هذه)!!
فتاة مثقفة.. وهبها الله مسحة من الجمال تعنى عناية كبرى بمظهرها، قصدتني يوم الثلاثاء، وهو اليوم الذي أخصصه لحل المشاكل، في كنيسة السيدة العذراء بالزيتون، يعاونني الآن فيه محامٍ ومحامية وبعض الأراخنة، أما المشكلات التي تدخل في سر الاعتراف، انفرد بحلها وحدي في حجرة خاصة.
سيل المشاكل في هذا اليوم لم ينقطع، وتمتد الجلسة حتى ساعة متأخرة في نصف الليل.
واستطعنا أن نقدم حلولًا لعشرين مشكلة، وكان بعض أصحاب المشاكل من أماكن نائية، وهم على أهبَّة السفر.
والغريب أنه في هذا الخضم ظلت الفتاة المثقفة مُطرِقة. وطلبت أن تكون مشكلتها آخر مشكلة، فلما جَنَّ الليل[2] تنبَّهتُ لوجودها.
قلت: نعم يا ابنتي، ما هي مشكلتك؟ دفعت إليَّ بلفافة. في هذه اللفافة (مشكلتها).. قدمتها إليَّ برفق وعناية وهي تقول: (خُذ هذه)!! ثم انحدرت دموعها كالسيل.
تأملت اللفافة فوجدت بداخلها طفلة صغيرة رائعة الجمال.. تنظر إليَّ بعينين بريئتين.
قلت: من هذه؟ أجابت، ابنتي! قلت: وأين أبوها؟ قالت: خطبني. وخدعني، ثم كان جبانًا رعديدًا. فتخلى عني. ولا سبيل إلى الوصول إليه.
سألت: وهل الأهل يعرفون؟ قالت: أمي فقط تعرف. وكانت تقف قريبة منها مُطرِقة إلى الأرض. وأبي وأشقائي لا يعرفون، ولو عرفوا لوضعوا حدًّا لحياتي.
لم أجد فائدة في توجيه اللوم إلى الفتاة، إنها أشبه بالغريق الذي قال لمنقذه الذي أخذ يلومه: أنقذني أولًا ثم لمني كما تشاء!
دارت بي الأرض.. لو رفضت أخذ الطفلة وقعت الفتاة في مأزق. ولو أخذتها لوقعت أنا في المأزق، حلان أحدهما مُرّ.
غرقت في حيرة. ومن مراحم الله الواسعة أنه لا يتركنا في الحيرة طويلًا.
فبينما أنا أقدح زناد الفكر، أتلمَّس الوصول إلى مخرج. وقد بدا أمامي الخروج من هذا المأزق بعيد المنال.
دخل حجرة المكتب رجل قادم من سفر بعيد، ومعه زوجته، وقالت الزوجة ضارعة: أتوسل إليك يا أبي أن تقدم لي خدمة لن أنساها لك مدى الحياة! طفلة صغيرة من أحد الملاجئ. أو من أي طريق.
ترث ثروتنا الطائلة، وتفرح قلبينا، أقبل يديك وقدميك. وانحنت السيدة فعلاً، لولا أنني أسرعت وأقمتها.
فاتجه بصري تلقائيًّا إلى اللفة. حيث المولودة الصغيرة. وقلت: طفلة صغيرة جميلة كهذه. فأسرعت الزوجة المحرومة من النسل تقبلها في شوق ونهم. وتقول: نعم، طفلة كهذه، نريدها هدية من أم النور.
إن الأحداث تجري سريعة متلاحقة، تأخذ بعضها برقاب بعض. وبينما أنا في دوامة، دق جرس التليفون دقات متوالية.. هناك شخص يحتضر. ويطلبني أهله للصلاة. فتركت المكتب عاجلاً وطلبت من الجميع الاتنظار، ريثما أعود.
وعدت، ولم أجد الفتاة، ولا الطفلة، ولا الزوجين. وليست لي بهم معرفة سابقة، لقد تبخروا كما يتبخر الضباب، ولم أقف لهم على خبر أو أثر.
فسرحت بخاطرى طويلاً، أتأمل عجائب الله ستَّار العيوب غفَّار الذنوب. المنجّي من الخطوب.
وأخذت أتخيل الطفلة الصغيرة ترفل في النعيم. وقد هيأ لها الله أبًا أفضل من أبيها. وأمًّا تحنو عليها أحنُّ من أمها الأصيلة.. وقلت: شكرًا لك يا رب، وسترك على أولادنا وبناتنا.
وهدفي من هذه القصة أن أشير إلى أمرين.
1- تدبير الله الذي سرعان ما يتدخل، عندما نصل إلى طريق مسدود.
2- تحذير لكل فتاة.. وأنا أقول لك يا ابنتي لا يغرنك قول معسول.
تمسَّكي بالعفة واحرصي عليها حرصك على حياتك. خذي دائمًا جانب الحذر، وتجنبي أي صداقة تبدو لك بريئة مع الجنس الآخر. واسمعي في النهاية قول الكتاب: "ثَلاَثَةٌ عَجِيبَةٌ فَوْقِي، وَأَرْبَعَةٌ لاَ أَعْرِفُهَا. طَرِيقَ نَسْرٍ فِي السَّمَاوَاتِ، وَطَرِيقَ حَيَّةٍ عَلَى صَخْرٍ، وَطَرِيقَ سَفِينَةٍ فِي قَلْبِ الْبَحْرِ، وَطَرِيقَ رَجُل بِفَتَاةٍ"(أم 30: 18، 19).
وهكذا خرجت من المأزق. وبمعنى آخر. أخرجني الله من هذا المأزق. وعندما عدت إلى منزلي بعد منتصف الليل، وجدت مأزقًا آخر ينتظرني بالمنزل!
المأزق الثاني: ضيفان ينتظران.
بينما كنت مشغولًا في حل المأزق السابق بالكنيسة. كان يقرع باب بيتي ضيفان، لما لم يجداني، طلبا الانتظار بالمنزل.
رحَّب بهما ابني الأكبر، ووجه لأحدهما سؤالاً:
ماذا تشرب حضرتك؟ فصاح يقول لزميله ساخرًا: إنه يقول حضرتك! فسأل الثاني: وماذا تشرب سيادتك؟ فصاح الثاني مازحًا: إنه يقول سيادتك! ولم يفهم ابني شيئًا.
وسأله الضيفان: هل أنت وحدك بالمنزل؟
فاعتذر بوجود جماعة من إخوانه يستذكرون معه. وفي منتصف الليل وصلت المنزل مرهقًا، فخفَّ الضيفان لاستقبالي، وأحسست بيدين خشنتين تعصران يدي. وقال الاثنان: والآن نقدم أنفسنا لك.
قال الأول: أنا (ليمانجي) أمضيت في الليمان 15 سنة!
قال الثاني (يُثبت أقدميته): وأنا ليمانجي أمضيت في السجن 20 سنة!
وقال الاثنان معًا: سمعنا أنك (تعمل مشروعات).. فقلت: في خدمتكما.
قال الأول: أنا كنت فاكهيًّا أبيع البطيخ وأحب الكلمة الواحدة، ضايقني واحد وكنت زهقان، ففتحت رأسه بالسكين.
قلت له: أخشى أن نعيد الكرة في المشروع الجديد.
قال: لا، الدنيا علمتنا الأدب، لقد تبنا إلى الله توبة صادقة. اعمل لنا المشروع فلا نعود مطلقًا إلى الجريمة.
قال الثاني: وأنا أفضل كشكًا للحلوى والسجائر والخردوات.
قلت لهما: انصرفا. ونتقابل غدًا في الكنيسة.
قالا: لا أعطنا نقود المشروع الآن.
قلت لهما هامسًا: أنا قسيس فقير لا أملك شيئًا والنقود بالكنيسة وثِقا بما أقول، سأعمل لكما مشروعين. وأطلب لكما بركة العذراء. ولن تعرفا الفقر بعد اليوم.. وطيَّبت خاطرهما.
ولكنهما أصرّا قبل انصرافهما على أخذ (لحلوحين). وفي لغتهما يقصدان (جنيهين).
ووجدت أنني لو أبرزت لكل منهما (لحلوحًا) لساءت العقبى، فأعطيت كلاً منهما نصف جنيه وانصرفا وهما يقولان: باكرًا صباحًا.. كلام دوغري. قلت: إن شاء الله.
وبعد توديعهما، قلت: نجنا يا رب من المآزق. واحمنا من المهالك. وأهدِ عبديك (الليمانجيين).
المأزق الثالث: حله الإغراء.
لكي تخرج من مأزق عليك أن تدرس أخلاق من حولك، وتدرس الموضوع والخلفيات أيضًا معه.
هذا شاب عاشر فتاة معاشرة الأزواج وأنجب ابنًا في الحرام.. والفتاة قريبة له فقيرة، كانت تقيم مع أسرته، ورحلت الأسرة فبقيت في خدمته.
جاءني الشاب بعد أن عاد إليه ضميره يقول ذات يوم: هذه زوجتي. وهذا ابني كيف أتخلى عنهما، وكيف أهرب من وجه الله؟
فهنَّأت الشاب على مروءته. وأخذنا نفكر في إعداد العدة للزواج، مع إثبات حالتهما في العقد. والقيام بإجراء تصادق. ثم انشغلت عن الشاب شهرًا فعاد يقول: لقد زهدت في الفتاة. من أدراني أن أكون الوحيد في حياتها؟!
ولاحظت أن الشاب في فقر مُدقِع. والفقر يدفعه ليقول أي شيء. ليتخلص من التبعات قلت في نفسي: اضرب على الحديد وهو ساخن.
قلت للشاب: ما رأيك؟ تتزوج دون أن تتكلَّف مليمًا. وأقدم لك (نقوطًا) 50 جنيهًا مصريًّا، وأشتري لك جهازًا: سريرًا ودولابًا. وأقدم لزوجتك أفخر الثياب؟! شرط واحد أن يتم العقد خلال أسبوع.
قال: قبلت!
ونجح الإغراء وتم الزواج. وتم عماد نجلهما العزيز.. وهما يعيشان اليوم هانئين.
لقد وسع الله في رزقهما، بعد أن جمعتهما زيجة مباركة، وظللتهما سعادة وارفة.
وهكذا خرجنا من المأزق الثالث: بعد أن تكبَّدنا نفقات كثيرة.
وأعود وأقول: اللهم نجنا من المآزق، ومن المزالق. وذلِّل لنا كل عائق. وأنقذنا من المهالك!
وبعد: فما أعظم الأعباء التي ينوء بها كاهل الكاهن؟!
[1] مقال للقمص بطرس جيد روفائيل، نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 25 يونيو 1976م
[2] جنَّ الليل: اشتد ظلامه
أربعة في الظل
أربعة في الظل[1]
رجعت اليوم – توًّا - من مشروع يقع بالجيزة بين العمرانية والطالبية، وأردت أن أدوِّن انطباعاتي في وقتها، فهو مشروع التو والساعة.
وعندما أذكر هذا المشروع أذكر (4 في الظل).
وهناك أشخاص أدوا خدمات جليلة، والكثيرون لا يذكرونهم لأنهم في الظل!
ونحن نذكر حادثة شفاء الوزير نعمان السرياني، على يد إليشع النبي.. هذا الرجل الذي كان يحتل مركزًا رفيعًا في عصره، ولم ينل نعمة الشفاء فقط، بل نال أيضًا نعمة الإيمان بالله، رب السماء والأرض. ونحن نذكر كل هذا: النبي، والوزير، والملك.
ولكننا لا نذكر أن الفضل في شفائه إنما يرجع إلى فتاة صغيرة (في الظل) كانت تعمل خادمة في بيت الوزير.
وقالت يومًا لسيدتها: "يَا لَيْتَ سَيِّدِي أَمَامَ النَّبِيِّ الَّذِي فِي السَّامِرَةِ، فَإِنَّهُ كَانَ يَشْفِيهِ مِنْ بَرَصِهِ"(2مل3:5).
وفي العهد الجديد، نذكر معجزة الخمس خبزات التي أشبع منها الرب خمسة آلاف رجل، ما عدا النساء والأولاد.
ولا نذكر غلامًا صغيرًا (في الظل)، كان يحمل هذه الأرغفة الخمسة التي باركها الرب، وتمَّت بها المعجزة.
ونسى الملك أحشويروش معروفًا عظيمًا قدَّمه له خادم يقف بالباب (مردخاي)؛ لأنه يعيش (في الظل)، وهو الذي أنقذ الملك من مؤامرة محقَّقَة لقتله.. لولا أن أرسل له الرب أَرَقًا، فجفاه النوم.. فطلب سجل الأعمال، واكتشف معروف الرجل.
عمومًا مَن ينساهم الناس، لا ينساهم الله.
صاحب القصة
عامل متزوج كان يعمل في مصنع طوب، أُصيب بربو، اشتد عليه المرض، وأخذ يهدد حياته، وعجز عن القيام بأي عمل. فماذا يفعل وفي عنقه زوجة وثلاثة أولاد تتراوح أعمارهم بين سنة، وخمس سنوات.
ووجد العامل نفسه عاطلاً يستجدي قوت يومه.. فشدّ رحاله إلى (لجنة البر في كنيسة السيدة العذراء بالزيتون)، يرافقه طبيب شاب شهم هو الذي التقى به في المستشفى وتولى علاجه.. وتولى الطبيب شرح حالة العامل، وقال: إن صحته بلغت حدًّا كبيرًا من السوء لمرضه وعطله.
ولكن أعجب ما في الأمر، أن الطبيب الشاب عرض مشروع كشك للعامل، على أن يقوم بنفقات الكشك من جيبه الخاص.. بشرط أن تدفع لجنة البر المال كله عاجلًا، ويسدده هو آجلًا!
معاينة موقع الكشك
عندئذ قامت (لجنة البر) متجهة إلى الجيزة لمعاينة موقع الكشك، فوجدناه يحتل مركزًا ممتازًا، فهو يقع في وسط مثلث يضم:
1- معهد الباليه، وفيه عدد كبير من الطلاب.
2- معهد علمي كبير، وهو بناء ضخم ممتد.
3- سينما الأهرام، وتزدحم بالرواد خاصة في فصل الشتاء.
4- يمر بالكشك الغادي والرائح، بين العمرانية والطالبية في الجيزة، كما تمتد أمام الكشك ترعة تنتهي عنده.
وفوجئنا بالكشك خاويًا، باستثناء ست علب بسكويت! أو بعض زجاجات البيبسي كولا.. وحول الكشك التف ثلاثة أطفال وأمهم.. وقد هزلوا جميعًا وبرزت عروقهم، واصفرت وجوههم من الفاقة والبؤس.
4 في الظل (1) سيدة فاضلة
عندما توجهنا إلى العمرانية وجدنا الكشك جاهزًا وقائمًا.
وعرفنا من العامل أن امرأة فاضلة فقيرة مثله، تقيم معه في ذات السكن رثت لحاله.. مع أن حالها أولى بالرثاء!
وحز في نفسها أن ترى أولاده يتضورون جوعًا.. فأقرضته مبلغًا تحتفظ به للحاجة.. وكان هذا المبلغ وقدره 45 جنيهًا هو كل ما تمتلكه فقدَّمته له!
هذه المرأة الفقيرة قدَّمت لفقير مثلها كل ما تمتلك.
إنها الفقيرة.. الغنية في نظر الله!
لا يحس بها أحد من الناس لأنها (في الظل) ولكن الله يحس بها.. ويباركها.. وقد ردت لها (لجنة البر) ما دفعته 45 جنيهًا فورًا.
(2) الدكتور الشاب
طبيب شاب يعمل في مستشفى، تعرَّف بهذا العامل البائس وألمَّ بمأساته، فتطوع لعلاجه.. وأحضر له الدواء على نفقته حتى تم شفاؤه، ثم أخذ يفكر له في مشروع يقيه شر الحاجة، وهداه التفكير أن يقيم له (كشكًا) متأثرًا (بمذكرات كاهن) في مجلة الكرازة.
وحسب التكاليف، فوجد الكشك يتكلف 90 جنيهًا. ولما كان لا يملك هذا المبلغ.. رافق العامل إلى لجنة البر بالزيتون، وقدم لنا شيكات بمبلغ 90 جنيهًا، بواقع 5 جنيهات شهريًّا.
فالمشروع في الواقع قام به هذا الطبيب الشهم... وهذه هي الطريقة المُثلى للخدمة. أن يساهم كل فرد فيها قدر طاقته. بدلًا من تحويلها إلى لجنة البر.
وإنه لأمر أدعى إلى الغرابة.. أن يمر مريض عابر بمستشفى، فيتطوع هذا الطبيب الشهم لعلاجه، ثم يفكر له في مشروع يضمن له العيش.. ولم يكتفِ بعلاج المرض، بل بعلاج الحالة الاجتماعية. ولم يطالب غيره بالإنفاق عليه.. بل يتولَّى الإنفاق من جيبه الخاص.
بل، وأدعى في الغرابة، أننا عندما توجهنا إلى الجيزة، أخذ هذا الطبيب الشاب إجازة عارضة، وقام بشراء مستلزمات الكشك بنفسه مرافقًا العامل في عربته الخاصة.. وكأن هذا العامل من أقربائه وذويه!
وأغرب من هذا، وذاك، عندما فكرنا في إقامة مشروع ثانٍ مساند للمشروع الأول يتكلف 85 جنيهًا، ألح الطبيب الشاب أن يقدم شيكات بالمشروع الثاني لولا أنني أشفقت عليه.. واعتذرت عن قبول المبلغ الثاني.
وقلت له مداعبًا: يا بني لا تأخذ لنفسك كل الخير والبركة.. اترك فرصة إلى لجنة البر لتؤدي واجبها نحو (إخوة يسوع)!
بهؤلاء الشباب وأمثالهم تنهض الكنيسة. بالشباب الذي يؤمن بالخدمة، ويساهم فيها. الشباب الذي يعمل، ويكتفي أن يكون (في الظل).. لا يسعى وراء الظهور.
وهل هناك عمل أجلُّ وأجدى من إنقاذ أسرة على شفا الهلاك؟
ألا فليباركك الرب أيها الطبيب الشاب، ويبارك أمثالك.. وليعطك الرب "مِنْ نَدَى السَّمَاءِ وَمِنْ دَسَمِ الأَرْضِ"(تك28:27).
(3) طبيب العيون
أغلق الرجل عيادته وضحَّى برزق يومه. وأخذ واحدًا من أبنائه ليكون في رفقته، ليدربه على عمل الخير ورافقنا في عربته.
وأنا شخصيًّا أطلق على عربة الدكتور لقب (المكرسة)، حيث رافقتنا في خدمات كثيرة.
وإنه لتقليد جميل أن يرافق الأب زوجته وأبناءه إلى الكنيسة.. أو في زيارة ملجأ ليقدموا الهدايا بأيديهم، أو يشتركوا في افتقاد مريض بمستشفى.. لا شك أنهم يشاركونه البهجة والسعادة في عمل الخير، وينفذون الآية: "وَأَمَّا أَنَا وَبَيْتِي فَنَعْبُدُ الرَّبَّ"(يش15:24).
ويدق التليفون في عيادة الطبيب بمصر الجديدة، ويسأل المنتظرون: أين الطبيب؟ فترد الممرضة: ذهب في مهمة عاجلة!
ويشاء الله أن نذهب في الأسبوع السابق، نقصد جهة نائية (بعد الأميرية) ويرافقنا الطبيب بعربته (المكرسة)، لنؤجر دُكَّانًا لشاب.. يُصلح به حاله. وندفع للشاب إيجار سنة مقدمًا، ويأخذ الطبيب في رفقته ولدًا آخر من أولاده.
وأقول للطبيب: والعيادة يا دكتور؟ فيقول: إنها ليست أهم من إخوة يسوع!!
من فاته ميعاد الصباح، فليحضر في المساء، ومن فاته ميعاد المساء فليحضر في الصباح.. أما عمل الخير فلا ينفع معه التأجيل! لأن خير البر عاجله.
وعندما توجهنا لتأجير الدُّكَّان، قال لنا المالك: كل شيء قسمة ونصيب. حضر أمس أناس لاستئجار الدُّكَّان.. وكنت غائبًا، وقالوا سيحضرون اليوم مساءً. أنتم أحق بالدُّكَّان منهم.. وحسبنا أننا لو تأخرنا للمساء، لضاعت فرصة ذهبية على الشاب.
وهكذا تعلَّمت من الخدمة.. كيف أن الله لا يبارك من يعمل عمل الله (برخاوة)!
هذا مثل آخر، لمن يعمل (في الظل)، ولا يحس به الناس.. ولكن يحس به الله.
(4) رجل بالمعاش
عمره بين 60، 70 سنة.
هوايته (الاشتراك في عمل الخير).
انضم أخيرًا إلى لجنة البر.. وقدم لنا سيادته مخزون رأيه.. وثاقب فكره. قال لنا: يمكن تحقيق ثلاثة مشروعات ناجحة، بدلًا من مشروع واحد، إلى جانب مشروع الكشك.
1- مشروع عربة زجاجية للسندويتشات.. نظرًا لموقع الكشك الممتاز بالقرب من السينما حيث تزدحم الجموع.. ويلزم لتحقيق هذا المشروع استخراج رخصة. وحسبنا التكاليف فوجدناها في حدود 85 جنيهًا، وأراد الطبيب الشاب أن يساهم فيها فأعفيناه.
2- مشروع كوم بطيخ، أو أقفاص فاكهة بجوار الكشك.. ويساعد على تحقيق ذلك أن الرجل يعمل وتعاونه زوجته.
وحسبنا التكاليف فوجدناها 15 جنيهًا.
هذا ونحمد الله لدينا بلجنة البر شيخان محنَّكان، يسديان النصح ويعيشان (في الظل) نشكرهما جميعًا.. ومن العجيب أن يبدأ اسماهما بحرف واحد.
خاتمة المطاف
قدمت لك أيها القارئ العزيز (4 في الظل). حققوا لنا ثلاثة مشروعات لعامل عاطل.
ما أشبههم (بالأربعة) الذين حملوا المفلوج، وقدموه إلى رب المجد، والرب نظر إلى مروءتهم وشهامتهم.
ومَن ينظر الله إليه يُغنيه عن نظر الناس إليه!
والتعاون ضروري في عمل الخير.. فاليد الواحدة لا تصفق.
والرب أرسلهم اثنين اثنين. والكتاب يقول: "اِثْنَانِ خَيْرٌ مِنْ وَاحِدٍ.. وَالْخَيْطُ الْمَثْلُوثُ لاَ يَنْقَطِعُ سَرِيعًا"(جا4: 9 - 11). والحقيقة التي لا مراء فيها: أن الأراخنة للكاهن، كالجناحين للطائر، بهما يحلق ويطير.
[1] مقال للقمص بطرس جيد روفائيل، نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 2 يوليو 1976م
تجربة هادفة، مع سيدة مناكفة
تجربة هادفة، مع سيدة مناكفة[1]
أراد سليمان الحكيم أن يصف المعيشة مع امرأة مناكفة فقال: "اَلسُّكْنَى فِي زَاوِيَةِ السَّطْحِ، خَيْرٌ مِنِ امْرَأَةٍ مُخَاصِمَةٍ (مناكفة)"(أم9:21).
ثم عاد وقدم وصفًا آخر وقال عن المرأة المناكفة: إنها (نَخر) في عظام زوجها (أم4:12)..
وألَّف تولستوي الكاتب والفيلسوف قصته عن المرأة المناكفة فقال: إن الشياطين عقدوا مؤتمرًا، وانتدبوا شيطانًا يظهر في المجتمع كأمير ثري.. يتزوج من امرأة مناكفة. وحددوا له ثلاث سنوات، يفتعل بعدها حادثة يموت فيها، ثم يقدم تقريرًا.. ولكن الشيطان المنتَدَب لم يحتمل ثلاث سنوات، وعاد يقدم التقرير بعد ثلاثة أشهر!
وقد يكون من صور المناكفة: عدم الرضا بأي حل، والبحث الدائم عن المتاعب، وإثارة المشاكل.. وعمومًا لا يمكن نجاح أي اتفاق أو تحالف، يعقد مع شخص مناكف!
لقد ذكر الكتاب عن زوجة عيسو المناكفة أنها كانت لإسحاق ورفقة: "مَرَارَةَ نَفْسٍ"(تك35:26)!
وإلى جانب السيدات المناكفات، هناك الكثير من النساء الفضليات اللائي ينطبق عليهن قول الكتاب: "اِمْرَأَةٌ فَاضِلَةٌ مَنْ يَجِدُهَا؟ لأَنَّ ثَمَنَهَا يَفُوقُ اللآلِئَ"(أم10:31)، بها يطمئن قلب زوجها.. فلا يحتاج إلى غنيمة.
وعاد الكتاب يقول: "اَلْمَرْأَةُ الْفَاضِلَةُ (تَاجٌ) لِبَعْلِهَا"(أم4:12).
والكاهن في عمله الرعوي، وفي محاولات الصلح، يلتقي بهؤلاء وأولئك. وفي لجنة البر بالزيتون التقينا بكثيرات مناكفات، ولكن واحدة فاقت الكل. وعلى الرغم من هذا، فهذه المرأة المناكفة قدَّمت لي خدمة عظيمة أعتبرها من أجلّ الخدمات.. كما سيتضح ذلك بأجلى بيان.
(1) هذه السيدة، وأنا أسميها هنا السيدة (ص)، وهذا ليس اسمها، تقدَّمت في ظروف تستدر العطف، فأسرعنا بتقديم معونة عاجلة لها.. ويبدو أن هذه المعونة شجعتها، فألقت عصا الترحال في الزيتون، لا تريد سواها بديلًا... وطالبت بمعونة شهرية في إلحاح، فقيَّدناها ضمن العائلات التي ترعاها الكنيسة.
(2) عادت السيدة (ص) تشكو وتقول: إن (أمعاء) زوجها، انزلقت من بطنه وهو في حاجة إلى رعاية طبية، كما أنها في حاجة مُلحَّة إلى مسكن.. اتفقت مع أحد الأطباء المترددين على الكنيسة، ليقوم برعاية زوجها، فقام الرجل مشكورًا بعلاجه، وكان يشتري له الدواء من جيبه الخاص.
وعرفت السيدة (ص) نمرة تليفون الطبيب، فظلت تلاحقه مرارًا في اليوم الواحد، وتستغيث به.. ثم أخذت تطالبه بمعونة مالية.. وكسوة للأولاد! فكانت النتيجة أن الدكتور أخذ (يستغيث) هو الآخر.. واعتذر لي في أدب جم وهو يقول: إن السيدة (ص) تريد لها طبيبًا متفرغًا!
(3) قمنا بتدبير المسكن في (بدروم) إحدى العمارات بالزيتون، ورجوت صاحب العمارة فوافق مشكورًا، وانتهينا من موضوع السكن.
وكما استغاث الدكتور، استغاث أيضًا صاحب العمارة. لقد تركت زوجته المنزل غضبى بسبب المرأة (ص).
واشتبك السكان فيما بينهم بسببها، واتفقوا على إخراجها قسرًا من العمارة. وهددهم زوج (ص).. وبعد تهديدات ومشاحنات تدخَّل رجال الأمن.
وجاء الجميع إلى الكنيسة يقولون في ضراعة أن أرفع عنهم هذه الغُمَّة.. وانتهى الأمر بالسيدة (ص) أن وجدت نفسها على قارعة الطريق.. ونصحتها أن تكف عن المناكفة.. وتتعلم أن تعيش مع الآخرين في هدوء وسكينة.. فهل استفادت من هذا الدرس؟ يقول سليمان الحكيم: "إِنْ دَقَقْتَ الأَحْمَقَ فِي هَاوُنٍ.. لاَ تَبْرَحُ عَنْهُ حَمَاقَتُهُ"(أم22:27).
(4) ماذا أفعل بأسرة صارت على قارعة الطريق؟
أخبرتني السيدة (ص) وجعبتها لا تفرغ. أن هناك دُكَّانًا يطلب صاحبه 50 جنيهًا كخلو. وقالت إن هذا الدُّكَّان يصلح مبيتًا ومتجرًا.. وبعد معاينته قمنا بتأجيره.
ولم يستقر الحال بها شهرًا حتى استغاث صاحب الدُّكَّان. وقال: أنا مستعد أن أعيد الخمسين جنيهًا.. وأقدم فوقها 50 جنيهًا أخرى. وأعلن السكان في الشارع أنهم على استعداد للمساهمة.. حتى تغادر (ص) شارعهم الآمن.
فلم يعد أحد منهم يسلم من لسانها.. ومناكفاتها.. فعُدت أنصح السيدة (ص) أن تتوب توبة صادقة عن المناكفة ولكن هيهات!
(5) لم أفق حتى أدخلتني السيدة (ص) في مشكلة مع كلية السُاكر كير (Sacré-Cœur).. ولست أدري كيف امتد نشاطها ونفوذها إلى راهبات القلب المقدس؟!
فلقد وصلني خطاب مطول منهن.. أن أرأف بحالة (ص) المنكوبة. وأمد لها يد المساعدة.. وكانت السيدة (ص) قد تفتَّق ذهنها عن مشروع وهمي جديد! على أن تدفع الراهبات 30 جنيهًا وتدفع لجنة البر 50 جنيهًا.
إن توبة السيدة (ص) عمرها قصير دائمًا.
(6) عادت السيدة (ص) تقول: إن (مصارين) زوجها عادت وبرزت من بطنه.. وهناك اثنان من أولادها مرضى.. ولا يوجد قوت بالمنزل، وألحَّت عليَّ، فأرسلت طلبًا إلى الأرخن الفاضل الأستاذ يونان نخلة رئيس جمعية المحبة. فاستجاب (الأستاذ يونان) للخطاب. وقرر للسيدة (ص) إعانة شهرية ثابتة، واعتقدت أن السيدة (ص) ستكف عن المناكفة وتأخذ (هُدنة) بعد أن توفَّر لها الرزق.
(7) ولكنني فوجئت بعد شهور عندما علمت أن السيدة (ص) وجَّهت نشاطها نحو الكاتدرائية، ونجحت في أخذ إعانة شهرية ثابتة. والسيدة (ص) لها طريقة فذة ومبتكرة في بث شكواها، وهي طريقة يستجيب لها الصخر الصلد[2]!
فسرعان ما تنسكب دموعها.. ويهتز جسدها من شدة البكاء، فترى أمامك البؤس مجسَّمًا.. والفقر مجسَّدًا.
وهكذا لم يمر العام حتى كان للسيدة (ص) ثلاثة رواتب شهرية، من ثلاث جهات خيرية!
فهل اكتفت السيدة (ص) بكل هذا.. لقد وجَّهت نشاطها نحو أسقف جليل طيب القلب يتردد على القاهرة، فلجأت إليه ضارعة أن ينقذ (عزيز قوم ذل)!
فلما مدَّ لها يد المساعدة مرة، اعتبرت هذه المساعدة حقًّا صراحًا.. فإذا غاب نيافة الأسقف ثلاثة شهور.. طالبت بإعانة الثلاثة أشهر.. وليس ما يمنع أن تعتبرها أربعة.. وكانت تسألني عن نيافة الأسقف 20 مرة في اليوم الواحد!
لا تكف عن السؤال.. ولا تعف! وأخذت أطلب من الله العون والصبر وهكذا وجدت نفسي قد صرت في (مركز الثقَل) لقد حول نيافة الأسقف المعونة إليَّ.. ووعد أن يسلمها ليدي.. ولا تسأله هي مطلقًا!
(8) استغاثت الأخصائية الاجتماعية بالكاتدرائية.. وقالت: إنها مستعدة أن تعتزل عملها ولا تقابل السيدة (ص).. واتفقت أن ترسل معونتها الشهرية إلى لجنة البر بكنيسة الزيتون كل شهر.
وقالت: اعذرني يا أبي.. السيدة (ص) ستسبب لي انهيارًا عصبيًّا.. وستقضي على حياتي!
(9) عادت السيدة (ص) تعلن التوبة.. وقالت إنها ستكف عن المناكفة، وخدمتها العناية الإلهية فبينما هي تعلن توبتها. جاء رجل ثري يطلب بوابًا فقدَّمت السيدة (ص) له على علاتها! فقبل الرجل وهو يقول: إن الله غفور رحيم.
واستطاعت السيدة (ص) أن تحصل على إيراد من هذه العمارة 13 جنيهًا غير إيراد المناكفة! ونشكر الله عادت مصارين زوجها إلى بطنه واستقر الحال.
(10) قمنا بتوزيع طرود ثياب وصلتنا من أمريكا. واشترط مرسلوها أن أتسلمها بنفسي من المطار، وأوزعها على ذوي الحاجة وقمنا بتوزيع الثياب على 400 عائلة تعولها لجنة البر بالزيتون، وعلى الأسر التي لا تستطيع السؤال، وعلى أبنائنا وبناتنا في الجامعات.
ولم نجد في ال400 عائلة عناءً.. ووجدنا العناء والبلاء مع السيدة (ص)، لقد غيَّرت الثياب لعاشر مرة، ثم ألقت الثياب في وجه الأخصائية.
فثار أعضاء لجنة البر، وطالبوا بطردها، وهددوا بالانسحاب من اللجنة – قالوا لي: يا أبانا كيف تحتمل هذه السيدة؟! قلت: انظروا هذه المرأة إن لها أكبر الفضل عليَّ؛ فنظر الأعضاء في دهشة بالغة.. وهم يقولون: هذه؟!
قلت نعم: إن هذه السيدة أتَّخِذها تدريبًا لي على الاحتمال و(الصبر).. وأقول لنفسي دائمًا كلما حدثتني أن أثور في وجهها.. معنى هذا أنني رسبت وفشلت.
(11) لم أفرغ من الكلام مع الأعضاء حتى دخلت السيدة (ص) مهرولة.. ألحقني يا أبانا بطرس.. زوجي خرجت مصارينه، واندلقت أمعاؤه. وسال الدم. المرتبة لم تعد تصلح إطلاقًا، نريد تنجيد المرتبة..
كلَّفت الأخصائية أن تعد لها مرتبة جديدة، وتكلَّفت 10 جنيهات.. واختلفت السيدة (ص) مع الأخصائية عدة مرات في نوع القماش.. أرجعته للبائع مرتين، وفي كل مرة يخصم ربع متر.
وأخيرًا التقطت الأخصائية أنفاسها.. انتهت من موضوع المرتبة.. ولكن السيدة (ص) عادت ودخلت لجنة البر وفي يدها ورقة بإمضاء أحد أعضاء سكرتارية قداسة البابا.. ترجو عمل مرتبة ثانية.. وتثرثر وتقول: أنا لم أقصد مرتبة واحدة.
فأصدرت أمرًا بالمرتبة الثانية.
(12) وقلت للسيدة (ص): متى تتوبين عن المناكفة؟ ومتى تتقدَّمين للأسرار؟
قالت: طلبًا واحدًا أريد.. وأكف إلى الأبد.
قلت: نعم؟
قالت: أن تدخل لي الولدين الصغيرين كلية خاصة.. وذكرت لي إحدى الكليات، التي يتحرَّج بعض متوسطي الدخل عن التقدُّم إليها لكثرة النفقات.
وهنا تحرَّك أعضاء لجنة البر لمغادرة اللجنة.. لم يستطيعوا الاحتمال.
قلت لهم محذِّرًا: حذار.. سترسبون في امتحان (الصبر).
إن الصبر مُرٌّ لكنه (حلو المذاق) لمن يتعوَّده.. والرب اعتبره شرطًا للخلاص "(من) الَّذِي يَصْبِرُ إِلَى الْمُنْتَهَى فَهذَا يَخْلُصُ"(مت13:24).
والهدف: ما هو علاج المناكفة؟
1- البعد عن موضوع المناكفة، وأبونا إبراهيم أبو الآباء، أراد أن يحسم المناكفة بين عبيده وعبيد لوط ابن أخيه، فلم يجد غير هذا الحل: "إِنْ ذَهَبْتَ شِمَالاً فَأَنَا يَمِينًا، وَإِنْ يَمِينًا فَأَنَا شِمَالاً"(تك9:13).
2- مقابلة المناكفة باللطف واللين والمحبة.
3- وبعد فالشيء الأهم الذي نصنعه مع (المناكف)، أن نصلي من أجله!!
[1] مقال للقمص بطرس جيد روفائيل، نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 9 يوليو 1976م
[2] الصلد: الصلب الشديد




