مذاقة الملكوت؟

يقول داود النبي في المزمور (34: 8):
“ذُوقُوا وَانْظُرُوا مَا أَطْيَبَ الرَّبَّ”.
فما هو تأملنا في قوله هذا؟ وما هي:
مذاقة الملكوت؟[1]
كلنا نعرف أننا سنعيش مع الرب كل حين في الأبدية، كما قال القديس بولس الرسول “وَهكَذَا نَكُونُ كُلَّ حِينٍ مَعَ الرَّبِّ” (1تس4: 17). وهنا يقف أمامنا سؤال هام وهو:
هل جرّبنا أن نعيش مع الرب هنا على الأرض، حتى نُسَر بالحياة معه هناك في الأبدية؟ أم سندخل على حياة لم نألفها، ولم نسعد بها من قبل؟
أي قبل أن ندخل الملكوت، هل سعدنا بمذاقة هذا الملكوت؟
وإن كان أجمل ما في الملكوت، هو التمتع بالله، فكيف نستطيع أن نتمتع بما قاله داود النبي ” ذُوقُوا وَانْظُرُوا مَا أَطْيَبَ الرَّبَّ” (مز34: 8)؟
إذًا من المفروض أن الإنسان يجرب الحياة مع الله.
يجرب على الأرض ما سوف يحياه في السماء.
يختبر هذا ولو بأقل نسبة ممكنة. يبدأ العلاقة مع الله.
وللأسف فإن كثيرين جدًا لم يبدأوا هذه العلاقة، لأنهم لم يعرفوا الله بعد المعرفة الحقيقية، ولا هم اختبروا الحياة معه، وبالطبع لا ذاقوا ولا نظروا الحياة معه.
كل معرفتهم عن الله مجرد معرفة نظرية قرأوها في الكتب أو سمعوها في العظات وفي المحاضرات، أو في كليات اللاهوت، أو فيما يرددونه من بنود قانون الإيمان. أما الله نفسه، فما عرفوه بعد.
لهذا قال ربنا يسوع المسيح “ أَيُّهَا الآبُ الْبَارُّ، إِنَّ الْعَالَمَ لَمْ يَعْرِفْكَ” وقال عن تلاميذه “ وَعَرَّفْتُهُمُ اسْمَكَ وَسَأُعَرِّفُهُمْ، لِيَكُونَ فِيهِمُ الْحُبُّ الَّذِي أَحْبَبْتَنِي بِهِ، وَأَكُونَ أَنَا فِيهِمْ” (يو25:17، 26).
ما أعمق معرفة الله: تبدأ هنا على الأرض ” بَعْضَ الْمَعْرِفَةِ” (1كو12:13). وتكمل هذه المعرفة في الحياة الأخرى بحيث لا تنتهي. كما قال سيدنا يسوع المسيح لله الآب “هذِهِ هِيَ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ: أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ الإِلهَ الْحَقِيقِيَّ وَحْدَكَ” (يو17: 3).
بالمعرفة تحبه، وبحبك له تعرفه. وإن عرفته، تُكوّن علاقة معه. وكلما تكوّن علاقة معه، تعرفه بالأكثر، وتحبه بالأكثر.
فما معنى أن تعرف الله؟ معناه أن تعرف حبه لك، واهتمامه بك، وعمله من أجلك. وتعرف سعيه في كل حين لتكوين علاقة له معك. وكلما تهرب أنت من هذه العلاقة، يسعى هو لمصالحتك!
وهذا هو أعجب ما في الحياة الروحية: أن الله خالق السماء والأرض، يسعى وراء هذا “التراب والرماد” بينما التراب يهرب منه!!
الله يريد أن يُدخلك الملكوت، وأنت منشغل عن الملكوت بأمور كثيرة (لو10: 41). يريد أن يذيقك حلاوته، وأنت لا تشاء إذ أن مذاقك يستريح لأمور أخرى! الله يقرع على بابك (رؤ3: 20)، وأنت لا تفتح! إن مذاقة الملكوت لا تشغلك، ولا هي من أهدافك ورغباتك!!
العجيب أن البعض لا يذوقون الرب، ولا في صلواتهم!
إنهم يقولون ” أَبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ”. وفي تفكيرهم أن الله هناك في السماوات، بعيدًا بعيدًا عنهم! أين منهم قوله عنهم “أَنَا فِيهِمْ” (يو17: 26). أو قول القديس بولس الرسول “أَحْيَا لاَ أَنَا، بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ” (غل2: 20).
لا تقل إن الله في السماء فقط، بل قل له مع الشاعر:
في سماء أنت حقًا إنما كل قلب عاش بالحب سماك
عرشك الأقدس قلب قد خلا من هوى الكل فلا يحوي سواك
وهنا أسألك: هل يشغلك الله؟ ما مدى مشغوليتك به؟
هل تعطيه يومًا في الأسبوع كما أوصانا منذ البدء؟ هذا الذي نسميه “يوم الرب” بحيث نتفرغ لله فيه عملًا من الأعمال لا تعمل فيه (خر20، تث5). أم نستكثر اليوم على الرب؟!
هل تعطي الله بكور يومك، فتبدأ به كل يوم؟ كما تنهي به كل يوم أيضًا، فيكون هو الأول والآخر في أيامك؟ هل تنشغل به أثناء النهار، فتقطع ساعاته بين الحين والآخر بحديث مع الله؟ أم تستثقل الصلاة! وتبرر ذلك بأعذار كثيرة!
وكأنه ليس لك وقت تعطيه لله في الصلاة.
بينما الصلاة هي وقت يعطيه الله لك، لتتمتع به فيه.
إذًا كيف تعيش معه كل الوقت في السماء؟!
عجيب أن الله منشغل دائمًا بنا، ونحن لا نجد وقتًا ننشغل فيه بالله! هو لا ينسانا أبدًا، ونحن دائمًا ننساه!! نضعه باستمرار في آخر قائمة اهتماماتنا، “إن حصل لنا وقت نستدعيه” كما قال فيلكس الوالي لبولس الرسول! (أع24: 25). هو يحبنا كخاصته حتى المنتهى (يو13: 1). ونحن بكل القلب نحب غيره!
حقًا ينطبق علينا ما قاله القديس يوحنا المعمدان عن المسيح:
” فِي وَسْطِكُمْ قَائِمٌ الَّذِي لَسْتُمْ تَعْرِفُونَهُ” (يو1: 26).
وقد نظن أحيانًا في الانشغال بالله، أن العلاقة به هي علاقة كلام أو مجرد علاقة ذهن!
نتكلم عنه، ونؤمن به ذهنيًا، بل قد نعظ عنه أو نعلّم به، دون أن يكون في قلوبنا وفي مشاعرنا، ودون أن نذوق وننظر ما أطيب الرب! ويكون الرب بالنسبة إلينا هو مجرد درس في اللاهوت، أو مجرد أيقونة في الكنيسة!!
متى إذًا ننشغل بالله؟ متى نهتم بأن نكون في حضرته؟ متى نقول له مع المزمور: “عَطِشَتْ إِلَيْكَ نَفْسِي” “اِلْتَحَقَتْ نَفْسِي وَرَاءكَ” (مز1:63، 8).
وقد يخدم إنسان في الكنيسة، ويدرّس في مدارس الأحد، وتكون دروسه مجرد معرفة، يدرّس رحلات بولس الرسول كما يدرّس أستاذ التاريخ حروب نابليون بونابرت! الله ليس فيها، أو هو فيها مجرد اسم، بلا علاقة معه.
متى يأتي الوقت الذي يصبح الله فيه بالنسبة إليك كالنَفَس الخارج من صدرك، وكالنبض الذي في قلبك، وكالدماء التي تجرى في عروقك، وبحيث لا تستطيع أن تستغني عن شيء منها.
حينئذ تشتهي أن تذهب إلى السماء، وتكون مع الرب كل حين. كما قال القديس بولس الرسول “لِيَ اشْتِهَاءٌ أَنْ أَنْطَلِقَ وَأَكُونَ مَعَ الْمَسِيحِ ذَاكَ أَفْضَلُ جِدًّا” (في23:1).
ليس الدين مجرد معلومات. وليس الدين دينًا بدون الله. وليس هو دينًا بدون العلاقة بين الله والناس.
فرق كبير بين أن نقول للناس إن الله خلق الإنسان في اليوم السادس، وبين أن نقول لهم إن الله من فرط محبته – قبل أن يخلق الإنسان، خلق له أولًا الشمس والقمر، خلق له النور، والأرض والماء، والشجر والثمر، والحيوان لخدمته. ومن فرط محبته لما خلق الإنسان، خلق له العقل والضمير، والحسّ بالشعور.
أتمتدحون العقلية الجبارة التي اخترعت سفن الفضاء ووصلت إلى القمر والمريخ، والتي اخترعت الفاكس والكومبيوتر والتليفون المحمول؟ إنه الله الذي وهب الإنسان هذا العقل، وهذه القدرة على الاختراع. فالفضل له أولًا وأخيرًا. مبارك أنت يا رب في كل ما أعطيته لنا. ليتنا نوفي بعضًا من جميلك ونقول لك “مِنْ يَدِكَ أَعْطَيْنَاكَ” (1أي29: 14).
لماذا نفصل العقل البشري عن الله الذي خلقه ووهبه قدراته؟!
مشكلتنا أننا لا ندخل الله في كل شئون حياتنا.
إننا نمتدح العلماء الذين يخترعون دواء يستخلصونه من نبات معيّن. ولكننا للأسف لا نقول: ما أعمق قدرة الله الذي وضع في هذا النبات خواصًا علاجية، ومنح العلماء القدرة على معرفتها واستخلاصها وصنعها كدواء.
للأسف نحن ننسى الله. فلا نكوّن لنا علاقة معه.
أو أننا نجعل علاقتنا بالله مجرد علاقة هامشية.
إننا نكوّن علاقة مع العقل، مع الفكر، مع العلم، مع البشر، مع العلماء. ولكن لا نكوّن علاقة مع الله. لأن الله ليس في اهتمامنا كل وقت. ولا ننسب له كل ما يعمله معنا. نقول ما أمهر ذلك الطبيب في العملية الجراحية التي أجراها. ولا نقول: نشكرك يا رب على اهتمامك ورعايتك، لأن يدك كانت مع يد الطبيب أثناء العملية.
سؤال مهم أحب أن أسألك إياه وهو:
هل الله في داخلك، أم في خارجك؟
ما أجمل قول القديس بولس الرسول “أَحْيَا لاَ أَنَا، بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ” (غل20:2). فهل تستطيع أن تقول مثل هذه العبارة. هذا القديس تعب في خدمته أكثر من جميع الرسل. ومع ذلك يقول “لكِنْ لاَ أَنَا، بَلْ نِعْمَةُ اللهِ الَّتِي مَعِي” ” بِنِعْمَةِ اللهِ أَنَا مَا أَنَا، وَنِعْمَتُهُ الْمُعْطَاةُ لِي لَمْ تَكُنْ بَاطِلَةً” (1كو15: 10).
إنه يعيش دائمًا في دائرة الله ونعمته. يذكر عمل الله معه وفيه، ويكرر عبارة ” لاَ أَنَا”. فهل أنت كذلك: الله فيك، والله يعمل معك، وأنت باستمرار تذكر قوله: ” بِدُونِي لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَفْعَلُوا شَيْئًا” (يو5:15). وهكذا تثبت فيه على الدوام، كما يثبت الغصن في الكرمة، لكي تستطيع أن تأتي بثمر، ويدوم ثمرك.
أم أنت مشغول بأمور عديدة، ما عدا الله! كما قال الرب لمرثا ” أَنْتِ تَهْتَمِّينَ وَتَضْطَرِبِينَ لأَجْلِ أُمُورٍ كَثِيرَةٍ، وَلكِنَّ الْحَاجَةَ إِلَى وَاحِدٍ” (لو41:10، 42). وماذا تُفيدك كل تلك الأمور بدون الله؟! ” مَاذَا يَنْتَفِعُ الإِنْسَانُ لَوْ رَبحَ الْعَالَمَ كُلَّهُ وَخَسِرَ نَفْسَهُ؟!” (مت16: 26). أنظر إلى القديس بولس الرسول الذي قال:
“ خَسِرْتُ كُلَّ الأَشْيَاءِ، وَأَنَا أَحْسِبُهَا نُفَايَةً لِكَيْ أَرْبَحَ الْمَسِيحَ وَأُوجَدَ فِيهِ” (في8:3، 9).
إنها محبة الله، التي تجعل كل شيء في نظر الإنسان نفاية، لكي يربح الرب. ويوجد فيه. ولكن العالم ليس هكذا: إنه مشغول بأشياء تجدها حافلة بأخبار كثيرة ومتنوعة، ومانشيتات ضخمة. ولكن أين الله في حياة الناس؟ هذا ما لا تجده!! تجد أخبار السياسة والاقتصاد والرياضة والفن، بل أخبار الجرائم أيضًا. أما الله فقد لا تجد له خبرًا، ولا يحظى بشيء من ذلك الاهتمام الكبير. لماذا؟
لأن الناس متعتهم في مذاقات أخرى، غير مذاقة الملكوت.
ربما يظن الناس أنه يكفي أن يتذكروا الله فقط في دور العبادة! لماذا؟ أليس الله موجودًا في كل موضع؟! نعم، هو موجود في كل مكان، ولكننا لا نشعر به، لا نحسه، ولا نتذوقه. ولا نشعر بأهميته لنا إلا إذا احتجنا إليه في أمر هام!
وهكذا نطلبه بدافع الاحتياج والضرورة، وليس بدافع الحب.
والعجيب أنه بعد أن يستجيب لطلباتنا، ويمنحنا ما نحتاج إليه، نعود مرة أخرى فننساه!! أين نحن من قول داود النبي:
” بَارِكِي يَا نَفْسِي الرَّبَّ، وَكُلُّ مَا فِي بَاطِنِي لِيُبَارِكِ اسْمَهُ الْقُدُّوسَ”. ” بَارِكِي يَا نَفْسِي الرَّبَّ، وَلاَ تَنْسَيْ كُلَّ حَسَنَاتِهِ” (مز103: 1، 2).
متى إذًا ندخل في مذاقة الملكوت؟ متى نحب الله وملكوته، ونجد سعادتنا فيه. حتى إذا ما وصلنا إلى الأبدية، نجد لها طعمًا.
متى نقول لله كما قال داود “ عَطِشَتْ إِلَيْكَ نَفْسِي” (مز63: 1) “ كَمَا يَشْتَاقُ الإِيَّلُ إِلَى جَدَاوِلِ الْمِيَاهِ، هكَذَا تَشْتَاقُ نَفْسِي إِلَيْكَ يَا اللهُ” (مز42: 1).
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الخامسة والعشرون – العددان 39، 40 (24-10-1997م)


