مختارات من سير القديسين

| الكتاب | مختارات من سير القديسين |
| المؤلف | مثلث الرحمات قداسة البابا شنوده الثالث |
| دار نشر | كنيسة السيدة العذراء بالزيتون/ رقم 1021 |
| الطبعة | الثانية، نوفمبر 2018م |
| رقم الإيداع بدار الكتب | 2016/7087م |
طُرس البركة لقداسة البابا تواضروس الثاني
وإن مات فهو يتكلم بعد..
غزارة المعرفة وعمقها في حياة المتنيح قداسة البابا شنوده الثالث جعلته يترك لنا تُراثًا
ورغم أنه نُشر أكثر من 150 كتابًا بأحجام متنوعة وفي موضوعات عديدة تغطي مساحات كبيرة من المعارف المسيحية الروحية والكنسية والآبائية، والتي تُرجمت معظمها إلى العديد من اللغات، حتى صار اسمه معروفًا عالميًا أنه "مُعلم الأجيال".. إلا أنه ما زال يوجد الكثير مما لم يُنشر بعد. وننشر لكم بعضًا من ذلك التُراث الخالد والذي لم يُنشر من قبل..
ونقدم لكم موسوعة اللاهوت الأدبي:
مختارات من سير القديسين
وسوف تجد عزيزي القارئ متعة خاصة وأنت تستمع لصوت قداسته عبر الصفحات وبعد رحيله.. يُعلِّمنا ويروينا من فيض معرفته وروحياته وخبراته العميقة.
تقديري ومحبتي لكل من ساهم في إخراج هذه الكتب إلى النور.. خاصة مركز "معلِّم الأجيال لحفظ ونشر تُراث البابا شنوده الثالث" في كنيسة السيدة العذراء مريم بالزيتون بالقاهرة.
نفَّعنا الله ببركة صلواته لأجلنا كنيسةً وشعبًا وضعفي. ونعمته تشملنا جميعًا..
البابا تواضروس الثاني
بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية الـ 118
قداسة البابا شنوده الثالث في سطور
1- وُلِدَ في 3 أغسطس 1923م، باسم نظير جيد روفائيل. في قرية سَلاَّم بأسيوط.
2- حصل على ليسانس الآداب - قسم التاريخ - من كلية الآداب جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليًا).
3- التحق بالقوات المسلحة - مدرسة المشاة - وكان أول الخريجين من الضباط الاحتياط سنة 1947م.
4- تخرَّج في الكلية الإكليريكية "القسم المسائي" سنة 1949م، وكان الأول على الخريجين - فعُيِّنِ مُدرّسًا فيها.
5- عمِلَ مُدَرِسًا للغة الإنجليزية والعربية، في إحدى المدارس الأجنبية.
6- أتقَنَ الشعر منذ عام 1939م، وكتب كثيرًا من القصائد الشعرية.
7- في سنة 1949م: تَكَرَّسَ للخدمة في الكلية الإكليريكية وبيت مدارس الأحد في روض الفرج بشبرا، وتولى رئاسة تحرير مجلة مدارس الأحد.
8- صار راهبًا في دير العذراء الشهير بالسريان في 18 يوليو 1954م.
9- تمت سيامته بيد البابا كيرلس السادس، أول أسقف للتعليم والكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، باسم الأنبا شنوده في 30 سبتمبر 1962م.
10- بدأ الاجتماعات الروحية التعليمية منذ سنة 1962م، واستمر فيها حتى نياحته سنة 2012م.
11- أصدر مجلة الكرازة في يناير 1965م، واستمر في تحريرها حتى نياحته سنة 2012م (واستمرّ قداسة البابا المُعَظَّمْ تواضروس الثاني في إصدارها).
12- اختارته السماء بالقرعة الهيكلية وتمَّ تجليسه البابا الـ 117 للكنيسة القبطية الأرثوذكسية يوم 14 نوڤمبر 1971م.
13- نَمَتْ الكنيسة القبطية في عهده، داخل مصر وخارجها؛ في كل قارات العالم: أفريقيا
وآسيا وأوروبا وأستراليا والأمريكتين: الشمالية والجنوبية
14- حصل على تسع شهادات دكتوراه فخرية من كبرى جامعات أمريكا وأوروبا.
15- امتدت الكلية الإكليريكية في عهده، وأصبح لها 16 فرعًا في مصر وخارجها.
16- حصل على العديد من الجوائز مثل؛ جائزة أفضل واعظ ومعلم للدين المسيحي في العالم 1978م من مؤسسة Browning الأمريكية، وجائزة أوجوسبورج الألمانية للسلام. كما حصل على وسام الصليب الأكبر للقديس أغناطيوس من الكنيسة السريانية.
17- كتب أكثر من 150 كتابًا ونبذة في كثير من المجالات الكتابية والروحية، واللاهوتية والعقائدية وفي الخدمة والرعاية والتربية.
17- قامَ بسيامة بطريركين لكنيسة إريتريا و5 مطارنة و112 أسقفًا وأكثر من 2000 كاهن و1000 راهب.
18- قامَ برحلات رعوية ورسمية لكثير من بلدان العالم، وصلت إلى 104 رحلة.. فمثلاً زار الولايات المتحدة (57 زيارة)، والمملكة المتحدة (31 زيارة) وغيرها.
19- أحضر إلى مصر رفات القديس أثناسيوس الرسولي البطريرك الـ 20، في 10 مايو 1973م.
20- اهتم بخدمة المرأة؛ وقام بتشكيل لجنة المرأة، وسمح للمرأة بالدراسة بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، وقام بتعيينها مدرسًا بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية لتدريس علم اللاهوت، وسمح لها بعضوية المجلس الملي، وعضوية مجالس الكنائس.
21- جلس قداسة البابا شنوده الثالث على الكرسي المرقسي لمدة 40 سنة، و4 أشهر، و3 أيام، وبهذا يعتبر سابع الباباوات من حيث طول مدة الجلوس على الكرسي المرقسي. عاش 88 سنة و7 أشهر، و14 يوم.
22- رقد في الرب في 17 مارس سنة 2012م، وكانت جنازة قداسته مهيبة وعظيمة، حضرها أكثر من اثنين ونصف مليون شخص. نيحَ الله نفسه في فردوس النعيم، ونَفَّعْنا بصلواته.
هذا الكتاب
يسر مركز معلم الأجيال لحفظ ونشر تراث البابا شنوده الثالث أن يقدم لك أيها القارئ العزيز الطبعة الثانية من كتاب "مختارات من سير القديسين".
وهذا الكتاب عبارة عن مجموعة من سير القديسين والقديسات ولكن لها طابع خاص لأنها بقلم البطريرك.. فتجد قداسته يقدم لك حياة القديس ممزوجة بتأملات روحية ممعتة. فتقرأ في سيرة الأنبا موسى الأسود أنه كان قوي في توبته وفي جسده ويضيف البابا شنوده معنى آخر للقوى في حياة القديس العظيم موسى الأسود وهو أنه كان قوي في تواضعه وفي محبته وقوي أيضًا في إرشاده لأبنائه الرهبان. كما تقرأ في هذا الكتاب عن بعض من سير الآباء أبطال الإيمان ومعلمي الكنيسة مثل القديس أثناسيوس الرسولي ومار أفرام السرياني والبطريريك القديس ساويرس الأنطاكي، لنحاول من خلال سيرتهم أن نطيع وصية الكتاب المقدس: "اُذْكُرُوا مُرْشِدِيكُمُ الَّذِينَ كَلَّمُوكُمْ بِكَلِمَةِ اللهِ. انْظُرُوا إِلَى نِهَايَةِ سِيرَتِهِمْ فَتَمَثَّلُوا بِإِيمَانِهِمْ" (عب 13: 7).
أما عن سير الآباء السواح والنساء القديسات، فقد تحدث الباب شنوده الثالث عن سير الآباء السواح أمثال القديس الأنبا مصائيل السائح الذي وصل إلى درجة السياحة وهو في سن صغير وعن هذا يقول البابا شنوده الثالث: "وصل الأنبا ميصائيل الدير وهو في الثانية عشر من عمره. ولم يقم في الدير سوى سنوات قليلة وخرج إلى السياحة، أي أنه صار سائحًا في حوالي السابعة عشر من عمره". أما عن القديس مار أوغريس وحروب الشياطين، والقديسة أنسطاسيا وجهادها وعزلتها لأكثر من 38 سنة وهي لا تخاف.. فروى قداسته عن حروب كثيرة مروا بها وهم في تمسك شديد بمحبة ربنا!
حقًا ما أشهى أخبار القديسين فهي تروي وتنعش النفوس. ونتمنى لك أيها القارئ الحبيب أوقاتًا مباركةً مع هذه الكنوز الثمينة بشفاعة ذات الشفاعات معدن الطهر والجود والبركات والدة الإله القديسة الطاهرة مريم العذراء.
القمص بطرس بطرس جيد
مركز معلم الأجيال لحفظ ونشر تراث قداسة البابا شنوده الثالث
الباب الأول: إكرام القديسين
الله يكرم قديسيه1
إن الله يحب قديسيه، ويكرمهم على الأرض وفي السماء. وقد أمرنا بإكرامهم واعتبر ذلك إكرامًا له هو. فإكرامهم تعليم كتابي إلهي، من يخالفه يخالف الله، والذي يكرم القديسين، إنما يكرم الله الذي يحبهم.
لعل من أجمل الصور التي تعبر عن إكرام الرب لقديسيه، هي صورة الرب على جبل التجلي مع قديسيه... لقد ظهر حوله موسى وإيليا في المجد، لدرجة أن بطرس طلب أن تصنع ثلاث مظال للثلاثة (مر9).
ومع أن المجد للرب وحده، إلا أنه سيقيم قديسيه في مجد "على شبه جسد مجده".
عجبت أيضًا - في إكرام الرب لقديسيه – من صورة رآها القديس يوحنا ووصفها في سفر الرؤيا، عن الكهنة. رأى حول عرش الرب، أربعة وعشرين عرشًا، وعلى العروش أربعة وعشرين قسيسًا جلوسًا، بثياب بيض، وعلى رؤوسهم أكاليل من ذهب (رؤ 4: 2-4).
كيف يمكن لهؤلاء أن يجلسوا أمام عرش الله، ويجلسوا على عروش، وعلى رؤوسهم تيجان؟! أي مجد هذا يمنحه الله لأولاده، ولا يعتبره إطلاقًا انتقاصًا من مجده.
ونفس الوضع، نفس المجد، منحه الله لرسله الإثنى عشر، "مَتَى جَلَسَ ابْنُ الإِنْسَانِ عَلَى كُرْسِيِّ مَجْدِهِ، تَجْلِسُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ كُرْسِيًّا تَدِينُونَ أَسْبَاطَ إِسْرَائِيلَ الاثْنَيْ عَشَرَ" (مت 19: 28). حقًا إن في هذا لعجبًا، يجلسون على عرش، حول عرش مجده، لكي يدينوا الأسباط.
بل إن بولس الرسول يقول أكثر من هذا: "أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّنَا سَنَدِينُ مَلاَئِكَةً؟ فَبِالأَوْلَى أُمُورَ هذِهِ الْحَيَاةِ!" (1كو6: 3).
أليست الدينونة للرب، وهو الديان العادل؟! ولكنه يسمح لأولاده أيضًا أن يدينوا. وهذا ينقلنا إلى نقطة أخرى:
الله يعطي من ألقابه، ومن أسمائه، لقديسيه.
هو الديان، ويعطيهم أيضًا أن يدينوا، هو الملك والكاهن، ويعطيهم أيضًا أن يصيروا ملوكًا وكهنة. يملكون معه، ويرثون معه، ويجلسون معه في مجده، هو نور العالم، ويقول لهم: "أَنْتُمْ نُورُ الْعَالَمِ" (مت 5: 14). هو الكرمة الحقيقية، ويقول عن الكنيسة أنها كرمة، هو الراعى والمعلم. وأعطى تلاميذه أن يكونوا رعاة ومعلمين.
يخطئ من يظن أن الله يمنع المجد عن قديسيه، أو من يظن أن إكرام القديسين إنقاص من مجد الله!!
بل ما أعجب قول الرب لتلاميذه: "اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: مَنْ يُؤْمِنُ بِي فَالأَعْمَالُ الَّتِي أَنَا أَعْمَلُهَا يَعْمَلُهَا هُوَ أَيْضًا، وَيَعْمَلُ أَعْظَمَ مِنْهَا" (يو 14: 12)، وأمام كلمة أعظم منها، يقف العقل منذهلًا أمام محبة الله لأولاده، وتكريمه لقديسيه.
فبقوله "من يكرمكم يكرمنى" جعل إكرام القديسين إكرامًا لله نفسه، وليس إنقاصًا لكرامته.
هل تغارون أنتم لله ولمجده؟!
إن هذا يذكرني بقصة يشوع بن نون، الذي غار لأجل مجد معلمه موسى النبي، وأراد أن يمنع من وجدهم يتنبأون، لكي يبقى موسى النبي الوحيد!! وهنا قال له معلمه القديس: "هَلْ تَغَارُ أَنْتَ لِي؟ يَا لَيْتَ كُلَّ شَعْبِ الرَّبِّ كَانُوا أَنْبِيَاءَ إِذَا جَعَلَ الرَّبُّ رُوحَهُ عَلَيْهِمْ" (عدد 11: 29).
إننا نكرم القديسين، لأن الله نفسه يكرمهم.
يقول السيد الرب: "وَإِنْ كَانَ أَحَدٌ يَخْدِمُنِي يُكْرِمُهُ الآبُ" (يو 12: 26). والآب يكرم هؤلاء ليس في السماء فقط، إنما على الأرض أيضًا. أثناء حياتهم، وبعد انتقالهم أيضًا.
من أمثلة هذا الإكرام، تسمية الشريعة باسم موسى.
إنها شريعة الله، ومع ذلك يسميها شريعة موسى. إنه ناموس الرب، ومع ذلك يسميه ناموس موسى. ويقول: موسى أذن لكم بالطلاق: "إِنَّ مُوسَى مِنْ أَجْلِ قَسَاوَةِ قُلُوبِكُمْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تُطَلِّقُوا نِسَاءَكُمْ" (مت 19: 8)، بينما الله هو الذي أذن، ولكن على فم موسى، والله لا يجد غضاضة من أن ينسب أوامره وأقواله إلى موسى، بل هذا فيض من حبه.
وكثير من أسفار الله المقدسة منسوبة إلى قديسيه.
لقد حملت أسماءهم، بينما هي كتب الله وحده، أوحى بها الروح القدس، الناطق في الأنبياء، وبعد ذلك جعلها تحمل أسماءهم، حتى الأناجيل.
إنه تواضع الله، وأيضًا إنها محبة الله لقديسيه.
وبنفس الوضع سمح أن تُبنى الكنائس على أسماء قديسيه، وسمح أن تُجرى المعجزات على أيدي قديسيه. وسمح أن يتعلق أولاده قلبيًا بهؤلاء القديسين، بل دعاهم إلى ذلك. وقال: "من يكرمكم يكرمنى. ومن يرذلكم يرذلنى".
بل أن الله أكثر من هذا، سمى نفسه بهم.
فقال: "إِلهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِلهُ إِسْحَاقَ وَإِلهُ يَعْقُوبَ" (خر 3)، (لو 20: 37). إنه إله القديسين، إله آبائنا الذي نكرمهم فنكرمه. وأحس القديسون بهذا فكانوا ينادون الرب بأسماء قديسيه: "أَيُّهَا الرَّبُّ إِلهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَإِسْرَائِيلَ" يا إله الآباء (1مل 18: 36).
ولعل كمقدمة لإكرام الآباء، قال: "أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ" (تث 5: 16).
فإن كنا نكرم الآباء حسب الجسد، بوصية هي أولى الوصايا في العلاقات البشرية بين الوصايا العشر، وأول وصية بوعد، أفلا نكرم آباءنا الروحيين بالأولى؟ أفلا نكرم مرشدينا الذين قادونا في الإيمان، الرسل والأنبياء؟! ويكون إكرامهم حسب الوصية الإلهية، حسب كلمة الله المقدسة، هؤلاء الذين يكرمهم الله نفسه بقوله: "أُكْرِمُ الَّذِينَ يُكْرِمُونَنِي" (1صم 2: 30).
ومن إكرامه لهم جعل الناس يطلبون صلواتهم. فلما حدث أن أبيمالك أخذ امرأة أبينا إبراهيم، أن قال له الله في حلم: "فَالآنَ رُدَّ امْرَأَةَ الرَّجُلِ، فَإِنَّهُ نَبِيٌّ، فَيُصَلِّيَ لأَجْلِكَ فَتَحْيَا. وَإِنْ كُنْتَ لَسْتَ تَرُدُّهَا، فَاعْلَمْ أَنَّكَ مَوْتًا تَمُوتُ، أَنْتَ وَكُلُّ مَنْ لَكَ" (تك 20: 7). إنه يُظهر لأبيمالك مدى فاعلية صلاة إبراهيم لأجله، ليحيا.
ونفس الكلام يقوله الرب لأصحاب أيوب الصديق: "وَاذْهَبُوا إِلَى عَبْدِي أَيُّوبَ، وَأَصْعِدُوا مُحْرَقَةً لأَجْلِ أَنْفُسِكُمْ، وَعَبْدِي أَيُّوبُ يُصَلِّي مِنْ أَجْلِكُمْ، لأَنِّي أَرْفَعُ وَجْهَهُ لِئَلاَّ أَصْنَعَ مَعَكُمْ حَسَبَ حَمَاقَتِكُمْ" (أي 42: 8). إن الرب يشترط صلاة أيوب لأجلهم ليغفر لهم.
ونلاحظ أن عبارة (إنه نبي) بالنسبة إلى إبراهيم، هي إظهار لمدى كرامة هذا الإنسان. وعبارة (عبدي أيوب) مع عبارة (أرفع وجهه)، كلاهما تحملان إكرام الله لهذا القديس في أعين أصحابه.
إن اهتمام الله بصلوات هؤلاء القديسين، تعني أنه منحهم أمام الناس (مفاتيح السماء)، كما قال للرسل.
أنظروا إلى إيليا، كيف يقول بسلطان: "حَيٌّ هُوَ الرَّبُّ إِلهُ إِسْرَائِيلَ الَّذِي وَقَفْتُ أَمَامَهُ، إِنَّهُ لاَ يَكُونُ طَلٌّ وَلاَ مَطَرٌ فِي هذِهِ السِّنِينَ إِلاَّ عِنْدَ قَوْلِي" (1مل 17: 1). إن عبارة (إلا عند قولي). تظهر مقدار ثقة هذا النبي بمكانته عند الله، ومدى قوة كلمته وقوله.
بل حتى غضب القديسين، وعقوباتهم لغيرهم، كان يعتمدها الله.
إيليا يقول لقائد الخمسين: "إِنْ كُنْتُ أَنَا رَجُلَ اللهِ، فَلْتَنْزِلْ نَارٌ مِنَ السَّمَاءِ وَتَأْكُلْكَ أَنْتَ وَالْخَمْسِينَ الَّذِينَ لَكَ. فَنَزَلَتْ نَارٌ مِنَ السَّمَاءِ وَأَكَلَتْهُ هُوَ وَالْخَمْسِينَ الَّذِينَ لَهُ" (2مل 1: 10).
وتتكرر المعجزة أكثر من مرة، لترينا مدى قوة إيليا.
وأليشع النبي، يوبخ تلميذه جيحزي الذي جرى وراء نعمان السرياني يطلب منه حسنات، وأنكر على معلمه، فيقول له: "فَبَرَصُ نُعْمَانَ يَلْصَقُ بِكَ وَبِنَسْلِكَ إِلَى الأَبَدِ. فَخَرَجَ مِنْ أَمَامِهِ أَبْرَصَ كَالثَّلْجِ". (2مل 5: 27).
واللعنة التي أوقعها نوح على حفيده كنعان، اعتمدها السيد المسيح في حديثه مع المرأة الكنعانية.
وفي الإنجيل، في العهد الجديد، نجد نفس الهيبة بالنسبة إلى القديسين: بطرس الرسول، بكلمة منه، يسقط حنانيا ميتًا، ثم تسقط سفيرة زوجته ميتة مثله، بكلمة. وبولس الرسول، بأمره: يصير عليم الساحر أعمى.
إنها هيبة القديسين، والكرامة التي منحها الله بكلمتهم.
وكما كانت عقوباتهم سارية المفعول، كذلك كانوا أيضًا بركة.
إيليا، كان بركة في بيت الأرملة. قال لها في وقت المجاعة: "إِنَّ كُوَّارَ الدَّقِيقِ لاَ يَفْرُغُ، وَكُوزَ الزَّيْتِ لاَ يَنْقُصُ، إِلَى الْيَوْمِ الَّذِي فِيهِ يُعْطِي الرَّبُّ مَطَرًا عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ". وقد كان (1مل 17: 14). وبنفس البركة أقام إيليا ابن الأرملة من الموت.
ويوسف الصديق كان بركة في بيت فوطيفار. وبنفس الوضع كان يعقوب بركة في بيت لابان. والله يقول لأبرام: "فَأَجْعَلَكَ أُمَّةً عَظِيمَةً وَأُبَارِكَكَ وَأُعَظِّمَ اسْمَكَ، وَتَكُونَ بَرَكَةً، وَأُبَارِكُ مُبَارِكِيكَ" (تك 12: 2، 3).
ومن إكرام الله لقديسيه، أنه كان يأخذ رأيهم.
إن الله قبل أن يعاقب سدوم، عرض الأمر على إبراهيم، قائلًا: "هَلْ أُخْفِي عَنْ إِبْرَاهِيمَ مَا أَنَا فَاعِلُهُ، وَإِبْرَاهِيمُ يَكُونُ أُمَّةً كَبِيرَةً وَقَوِيَّةً، وَيَتَبَارَكُ بِهِ جَمِيعُ أُمَمِ الأَرْضِ" (تك 18: 17) وتفاهم الله مع إبراهيم، ونفذ الله طلبه، وفي قوله "لاَ أُهْلِكُ مِنْ أَجْلِ الْعَشَرَةِ" إكرام لإبراهيم، وللعشرة إن وجدوا.
ونفس الأمر حدث بين الله وموسى، حينما أراد الله أن يهلك الشعب كله. وما أعجب قول الكتاب بعد حديث الرب مع موسى: "فَنَدِمَ الرَّبُّ عَلَى الشَّرِّ الَّذِي قَالَ إِنَّهُ يَفْعَلُهُ بِشَعْبِهِ" (خر32: 7-14) وقبل الرب شفاعة موسى.
ومن أمثلة إكرام الله لقديسيه، قوله: "من أجل، عبدي".
"مِنْ أَجْلِ إِبْرَاهِيمَ" (تك 26: 24) "مِنْ أَجْلِ عَبْدِي دَاوُدَ" (1مل 11). وقول المرتل: "مِنْ أَجْلِ دَاوُدَ عَبْدِكَ لاَ تَرُدَّ وَجْهَ مَسِيحِكَ" (مز 132: 10).
محبة الكنيسة للقديسين2
تتجلى محبة الكنيسة للقديسين في مظاهر متعددة تعبر بها الكنيسة عن إجلالها وتقديرها ومحبتها لهؤلاء القديسين على كافة أنواعهم من رسل، وشهداء، وآباء رعاة، وآباء رهبان، وراهبات، وقديسات. ونذكر في هذا المجال النقاط الآتية:
1 - بناء الكنائس بأسمائهم.
فكل كنائسنا باسم ملائكة وقديسين وقديسات: ومن أشهر الملائكة ميخائيل رئيس الملائكة. ومن أشهر الرسل الذين تُبنى على أسمائهم كنائس: القديس مارمرقس في كنائسنا بمصر، ثم الرسولين بطرس وبولس. ومن أشهر القديسات اللائي تبنى على أسمائهن كنائس: القديسة مريم العذراء ثم القديسة دميانة، والقديسة رفقة، والأم دولاجي، والقديسة بربارة. كما تبنى كنائس على أسماء قديسين للرهبنة: أشهرهم القديس الأنبا أنطونيوس والأنبا بولا، والثلاثة مقارات القديسون، والقديسون الأنبا باخوميوس والأنبا شنوده، والأنبا موسى الأسود. ومن أشهر البطاركة والأساقفة الذين تحمل الكنائس أسماءهم: القديس أثناسيوس الرسولي، والقديس الأنبا أبرام أسقف الفيوم.
ومن أشهر الشهداء الذين تبنى كنائس بأسمائهم: القديس مارجرجس، والقديس مارمينا، والقديس أبي سيفين، والأمير تادرس. وقد تبنى كنائس على اسمي اثنين من القديسين، أو قد تبنى الكنيسة على اسم قديس، وكل مذبح منها على اسم قديس أخر.
* * * * *
2- بل يتسمى بأسمائهم أيضًا الآباء البطاركة والأساقفة والكهنة.
كل ذلك تيمنًا بأسماء القديسين، ومحبة لهم، ورغبة في التبرك بأسمائهم وإتخاذهم قدوة في الرعاية وفي السيرة الشخصية.
وأيضًا كثيرًا ما يتسمى أفراد الشعب بأسماء قديسين محبة لهم، والذي لم يأخذ اسم قديس في شهادة ميلاده، يتسمى به في عماده.
* * * * *
3- ومن محبتنا للقديسين نزين كنائسنا بأيقوناتهم.
ففي الجهة البحرية من باب الهيكل نضع باستمرار أيقونة القديسة العذراء، كما نضع في الناحية القبلية أيقونة القديس يوحنا المعمدان، ومن فوق الهيكل نضع أيقونة العشاء الرباني وأيقونات للآباء الرسل الاثنى عشر.
ونزين الأيكونستاس بأيقونات كثيرة للقديسين، منها أيقونة قديس الكنيسة. وفي دورة الشعانين، نمر على مواضع معينة في كل إتجاهات الكنيسة نذكر فيها قديسين معينين، وفي بعض كنائسنا توجد أيقونات عديدة جدًا تغطي كل جدران الكنيسة أو الدير.
بعض الأيقونات مرسومة بالزيت، والبعض بالموازييك، والبعض بمواد أخرى يتبارى فيها الفنانون والرسامون. وما أكثر الفنانين الذين نالوا شهرة كبيرة في التاريخ لمجرد أنهم كانوا راسمي أيقونات.
* * * * *
4- وأمام أيقونات القديسين نضع الشموع، ونبخر لها.
نضع الشموع رمزًا إلى أن القديس كان نورًا في حياته، وكان يذوب لكي يضيء للأخرين، وكذلك لأن الشمعة تضيء بالزيت المكوّن لها، والزيت يرمز إلى الروح القدس. وفي هذا نذكر أن القديس كان نورًا للأخرين بعمل الروح القدس فيه.
على أننا نبخر للأيقونات المدشنة بالميرون المقدس. وبتدشينها أصبحت أيقونة مقدسة، ونحن لا ندشن إلا أيقونات القديسين المعترف بهم في الكنيسة، والذين توجد أسماؤهم ضمن قديسي السنكسار والكتب الطقسية للبيعة.
* * * * *
5- ومن محبتنا للقديسين نقيم لهم أعيادًا واحتفالات.
وفي كل يوم – في كتاب السنكسار – تعيد الكنيسة لقديس معين أو لعدد من القديسين. وهناك أعياد شهرية: فالقديسة العذراء نعيد لها في كل يوم 21 من الشهر القبطي، ورئيس الملائكة ميخائيل نعيد له في كل يوم 12 من الشهر القبطي.
وغالبًا ما نعيد للقديس في يوم نياحته أو استشهاده، عملًا بقول الكتاب: "انْظُرُوا إِلَى نِهَايَةِ سِيرَتِهِمْ فَتَمَثَّلُوا بِإِيمَانِهِمْ" (عب13: 7).
وبعض القديسين نعيد له في تذكار بناء كنيسة على اسمه، أو العثور على رأسه، أو نقل جثمانه. أما رئيس الملائكة ميخائيل فنعيد له في تذكار معجزة أجراها، أما القديسة العذراء فلها أعياد كثيرة في مناسبات متعددة.
* * * * *
6- ونحن نقدم نذورًا وذبائح بأسماء القديسين.
وذلك في أعيادهم، أو وفاء لنذر تحقق نتيجة الاستشفاع بهم، ومن النذور المشهورة (فطير الملاك) الذي يعمله البعض فى عيد الملاك ميخائيل ويوزعونه على أقاربهم وأصحابهم وجيرانهم، فيعرف البعض أنه لا بد قد تمت معجزة باسم الملاك ميخائيل، فقدّم هذا النذر له.
ما أكثر الذبائح التي تقدم في أعياد مارجرجس في كنيسته بميت دمسيس، وفي ديره بالرزيقات وفي كثير من كنائسه. وما أكثر الذبائح التي تُقدّم في عيد العذراء بالدير المحرق.
وما أكثر المعموديات التي تُقام في أعياد القديسين لوفاء نذر.
* * * * *
7- ومن محبتنا للقديسين نرتل لهم ترانيم وذكصولوجيات ومدائح.
ففي عيد القديس، وفي كل تذكار له، يتغنى الشعب بهذه المدائح والترانيم، القديمة والمؤلفة حديثًا، والتي نتذكر فيها فضائله أو معجزاته، مع طلب صلواته وشفاعته.
والذكصولوجيات والإبصاليات مكتوبة باللغة القبطية وملحنة، نذكرها في أعياد القديسين، وفي مناسبات عديدة، وفي التسبحة اليومية، مثلما نذكر الثلاثة فتية القديسين في الهوس الثالث من التسبحة كل يوم، ومثلما نذكر موسى النبي في الهوس الأول، وكثيرًا من الملائكة والقديسين في ذكصولوجيات باكر.
* * * * *
8 – ونحن نذكر القديسين أيضًا في القداس الإلهي في المجمع.
نذكرهم بأنواعهم: الآباء الرسل، والشهداء، وأبطال الإيمان، والآباء البطاركة، وآباء الرهبنة.. ونضيف أحيانًا لحن (بينشتي) حيث نذكر فيه أيضًا كثيرًا من الآباء القديسين، ونطلب صلواتهم وشفاعتهم.
أما مجمع الإبصلمودية، ففيه أسماء أكثر.. وبنوعيات أكثر. وفيه أسماء قديسات عديدات، وكذلك المجمع في الإبصلمودية الكيهكية، وفي مدائح شهر كيهك.
9- وما أكثر ما تنسق قراءات القداس على أعياد القديسين.
فكل قراءات الكنيسة: سواء البولس أو الكاثوليكون أو الأبركسيس أو المزمور أو الإنجيل، كلها تتعلق بعيد القديس، وباسمه إن كان موجودًا في الإنجيل المقدس.
فهناك قراءات خاصة بالقديسة العذراء، وقراءات معينة ومشتركة، إن كان العيد – في السنكسار- يختص بأحد الآباء الرسل، أو أحد الآباء البطاركة أو الرعاة، أو بأحد الشهداء، أو بإحدى الأمهات القديسات، إلخ.
* * * * *
10- ونحن نذكر القديسين، لأنهم كانوا قدوة في كل نوع من الفضائل.
فكل فضيلة نريد أن نتمثل بها، نرى حياة أحد القديسين كانت مثالًا أعلى فيها. الكتاب المقدس قد يقدم وصية من الوصايا، ولكن حياة القديس تمثل التطبيق العملي للوصية.
على أن تقليد القديسين في سيرتهم، لا بد أن يكون تحت إرشاد، لأن ما وصل إليه القديسون بعد جهاد كبير على مدى سنوات كثيرة، وبنعمة خاصة، لا يستطيع أن يقلده مبتدئ في حياة الفضيلة.
* * * * *
11- ونحن في محبتنا للقديسين واحترامنا لهم، إنما نذكر باستمرار مكانتهم عند الله.
وكيف أن الله منحهم أن يصنعوا المعجزات باسمه، وأعطاهم سلطانًا على جميع الشياطين. وكان يقبل تشفعاتهم ويسمع لها، كما قبل شفاعة أبينا إبراهيم (تك 18). وقبل شفاعة موسى النبي (خر 32)، وأعطى إيليا النبي أن يغلق السماء ويفتحها (يع 5).. والقصص كثيرة جدًا.
ويكفي وعده لآبائنا أن من يكرمكم يكرمني.
وكيف أن هؤلاء القديسين كانت لهم دالة كبيرة عند الله.
وكان الله يعلنها، كما قال عن موسى النبي: "وَأَمَّا عَبْدِي مُوسَى.. بَلْ هُوَ أَمِينٌ فِي كُلِّ بَيْتِي. فَمًا إِلَى فَمٍ وَعَيَانًا أَتَكَلَّمُ مَعَهُ، لاَ بِالأَلْغَازِ. وَشِبْهَ الرَّبِّ يُعَايِنُ" (عد12: 7، 8).
وكيف أن الله كان يكشف لهم أسراره.
وكان يخاطبهم في رؤى وفي أحلام، وكان يرسل ملائكة لإنقاذهم من ضيقات، كما فعل مع دانيال وأرسل ملاكه إلى الجب فسد أفواه الأسود (دا 6: 22). وأرسل ملاكًا فأنقذ بطرس من السجن (أع 12)، وأرسل ملاكين ليقودا لوط وأسرته خارج سادوم لكي لا يحترقوا بنارها (تك19).. والقصص في ذلك عديدة جدًا.
* * * * *
12- وإذ نكرم القديسين، إنما نذكر عمل الروح القدس فيهم.
كانوا هياكل للروح القدس، وكان الروح القدس يعمل فيهم بلا عائق منهم، إذ كانوا يعيشون في شركة دائمة مع الروح، الروح يعمل معهم، ويعمل فيهم، ويعمل بهم، بكل قوة وبلا مانع.
* * * * *
13- ونحن حينما نذكر آباؤنا القديسين، تتضع نفوسنا.
ونعرف تمامًا أن كل ما نمارسه من فضيلة لا يُقاس أبدًا بفضائلهم العجيبة والسامية جدًا. وأننا لسنا شيئًا إلى جوارهم!
فمهما صلينا، لا يمكن أن نصلي بدرجة القديس أرسانيوس الكبير.. ومهما صمنا فلن نستطيع أن نصوم مثل القديس مكاريوس الإسكندري، ومهما قدمنا من عطايا وصدقات، فلن نصل إلى درجة القديس الأنبا أبرام أسقف الفيوم، ومهما دافعنا عن الإيمان، فلن نفعل مثلما فعل القديس أثناسيوس الرسولي. ومهما كرزنا وعلمنا، فلن نتعب في الكرازة مثل القديس بولس الرسول.. وهكذا تتضع نفوسنا، وتزول عنا حروب الكبرياء والمجد الباطل.
14- ودراستنا لحياة القديسين تدفعنا إلى النمو.
إذ نشعر باستمرار أن أمامنا مُثل عُليا لم نصل إليها بعد، ودرجات كثيرة لم نصعد إليها بعد. فنحاول أن ننمو واضعين أمامنا قول بولس الرسول: "أَيُّهَا الإِخْوَةُ، أَنَا لَسْتُ أَحْسِبُ نَفْسِي أَنِّي قَدْ أَدْرَكْتُ. وَلكِنِّي أَفْعَلُ شَيْئًا وَاحِدًا: إِذْ أَنَا أَنْسَى مَا هُوَ وَرَاءُ وَأَمْتَدُّ إِلَى مَا هُوَ قُدَّامُ، أَسْعَى نَحْوَ الْغَرَضِ لأَجْلِ جَعَالَةِ دَعْوَةِ اللهِ الْعُلْيَا فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ" (في3: 13، 14).
________________________________________________________________
1 مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 18 مايو 1979م
2 مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 12 سبتمبر1997م
الباب الثاني: أبطال الإيمان ومعلمي الكنيسة القديس أثناسيوس الرسولي
القديس أثناسيوس الرسولي1
عظمته
بمناسبة عيد القديس أثناسيوس الرسولي (15 مايو) وهو من أعظم بطاركة كنيستنا، إن لم يكن أعظمهم جميعًا.. أود أن أحدثكم قليلًا عنه، إذ لا يجوز أن تمر هذه المناسبة دون أن نذكره.
إنه الوحيد الذي لقبته الكنيسة بعبارة (الرسولي)، كما لو كان ينتمي إلى عصر الرسل. وهو أعظم قديس في اللاهوتيات. ويسميه البعض (أبو علم اللاهوت). وتعترف به وبقداسته كل كنائس العالم بدون استثناء.
هو الذي صاغ قانون الإيمان المسيحي في مجمع نيقية المسكوني المقدس...
هذا القانون الذي تعترف به كل كنائس العالم. وأتذكر أنني حينما زرت الفاتيكان في 15 مايو سنة 1973م، بمناسبة مرور 16 قرنًا على نياحة هذا القديس، لكي أُحضر معي رفاته، أتذكر أنه في الكلمة التي ألقاها قداسة البابا بولس السادس في الكاتدرائية، في هذا اللقاء بيننا، أنه قال: "كلنا نتفق حول لاهوتيات القديس أثناسيوس والقديس كيرلس". أي أننا واحد فيما يقوله من اللاهوتيات.
وقد قال القديس جيروم (إيرونيموس) في مديح القديس أثناسيوس: "مر وقت كاد فيه العالم كله أن يصبح أريوسيًا لولا وجود أثناسيوس". ذلك لأنه هو الذي أدار دفة الفكر اللاهوتي، لكي يحتفظ بصحته ضد الهرطقة الأريوسية التي انتشرت انتشارًا خطيرًا في ذلك الجيل يهدد الإيمان السليم.
ومن عظمة كلام هذا القديس، قال أحد الآباء: "إذا سمعت كلمة للقديس أثناسيوس، ولم تجد ورقة تكتبها عليها، فاكتبها على قميصك" حتى لا تنساها.
وليست عظمة القديس أثناسيوس قاصرة على علمه اللاهوتي فقط، بل تشمل أيضًا روحياته وحياته كلها. ولذلك قال أحد القديسين: "من يتكلم عن أثناسيوس، إنما يتكلم عن الفضيلة". فهو إلى جوار كونه عالمًا في الإلهيات، كان أيضًا قديسًا بارًا.
لقد عاش في القرن الرابع، الذي كان أعظم أجيال المسيحية بعد العصر الرسولي.
تميز القرن الرابع بنوعين من قديسي الكنيسة، هما أبطال الإيمان، وآباء الرهبنة الأوائل. فمن اللاهوتيين الكبار، برز القديس باسيليوس الكبير، والقديس غريغوريوس الناطق بالإلهيات، والقديس غريغوريوس أسقف نيصص، والقديس إيلاري أسقف بواتييه، والقس مار أفرام السرياني. وكان القديس أثناسيوس أعظمهم جميعًا. حتى أنه من عظمة القديس إيلاري أسقف بواتييه الذي وضع كتابه (عن الثالوث De Trinitate، لقبوه أثناسيوس الغرب).
ومن آباء الرهبنة الأول نذكر القديس أنطونيوس الكبير، الذي سوف نشرح صلته بالقديس أثناسيوس في هذا المقال. كذلك عاش في القرن الرابع الثلاثة مقارات القديسون، والقديسون: الأنبا بموا، والأنبا إيسيذورس، والقديس يوحنا القصير، والقديسان مكسيموس ودوماديوس، والقديس باخوميوس الكبير وغيرهم. وكلهم تمتعوا ببابوية القديس أثناسيوس الرسولي.
نضوجه المبكر
والقديس أثناسيوس يتميز بالنضوج المبكر. منذ شبابه المبكر، كان يتميز بعمق الفكر والمعرفه، وعمق الذكاء. فالعالم لم يتعرف على عبقريته فقط وهو بابا الإسكندرية، إنما أيضًا وهو شاب. يكفي أنه في تلك السن المبكرة وضع كتابين من أشهر الكتب هما: (تجسد الكلمة) The Incarnation of the Word وكتاب (الرسالة إلى الوثنيين).
كتابه (تجسد الكلمة) هو أعظم كتاب صدر في هذا الموضوع، شرح فيه بلباقة وعمق، وتسلسل فكري، وقوة إقناع، وبمنطق سليم قضية التجسد الإلهي. وأتذكر في بدء رهبنتي سنة 1954 حينما كنت أمينًا لمكتبة دير السريان العامر، أرتب كتبها، أنني أحترت تحت أي باب أضع كتاب (تجسد الكلمة). هل في اللاهوتيات، أم الفلسفة، أم الروحيات (لأنه كتاب روحي أيضًا)، أم في أقوال الآباء Patrology.
في شبابه كان شماسًا للبابا ألكسندروس (البطريرك الـ 19) وكان صورة حية مثالية للشماس المسيحي.
نذكر في تاريخ الشمامسة في الكنيسة الأولى
القديس إسطفانوس أول الشمامسة، والقديس أثناسيوس، والقديس يوحنا ذهبي الفم، حينما كانا شماسين، والقديس مار أفرام السرياني. وكما قيل عن القديس إسطفانوس أول الشمامسة، أنه واجه ثلاثة مجامع من الفلاسفة "وَلَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يُقَاوِمُوا الْحِكْمَةَ وَالرُّوحَ الَّذِي كَانَ يَتَكَلَّمُ بِهِ" (أع 6: 10). كذلك قيل عن القديس أثناسيوس أن قداسة البابا ألكسندروس اصطحبه معه لحضور مجمع نيقية المسكوني المقدس سنة 325م.
ووقف الشماس أثناسيوس يحاور ويجادل أريوس الهرطوقي أعظم وعاظ جيله، ويرد على هرطقاته واحدة فواحدة، بآيات من الكتاب المقدس، وبالحجج القوية. فلم يقدر ذلك الهرطوقي الذي دوخ جيله أن يقاوم الحكمة والروح الذي كان يتكلم به القديس أثناسيوس.
تصوروا مجمعًا مقدسًا عظيمًا يحضره 318 من آباء الكنيسة الكبار بطاركة ومطارنة وأساقفة. ويقف بينهم هذا الشماس القبطي كبطل للإيمان. يجادل ويرد ويقنع، ويحطم أريوس. ويضع بنود قانون الإيمان المسيحي، ويصوغها لفظة لفظة، والكل منبهر بعلمه ومنطقه وعمق معرفته اللاهوتية.
كانت عظمة الشماس أثناسيوس في مجمع نيقية المسكوني المقدس سببًا لإعجاب العالم به، وسببًا للعداوة القاسية الشرسة التي عامله بها الأريوسيون.
وكانت عظمته في مجمع نيقية سببًا في ترشحه ليكون بابا الإسكندرية خلفًا لأبيه القديس ألكسندروس حينما تنيح بعد ذلك بقليل.
أثناسيوس البابا
في سنة 328م بعد ثلاث سنوات فقط من مجمع نيقية المقدس، توج القديس أثناسيوس بابا للإسكندرية، وجلس على كرسي مارمرقس.
كان عمره ثلاثين سنة أو أقل حينما جلس على الكرسي الرسولي. وكان بهذا أصغر من تولوا البابوية في الكنيسة القبطية. ولو كان في أيامنا الحاضرة، لكانت اللائحة تمنع ترشيحه!! إذ أنه في لائحة انتخاب البطريرك أنه لا يقل عمره عن أربعين عامًا!
ولم يكن أثناسيوس راهبًا بل كان شماسًا. وصار بطريركًا في حياة القديس أنطونيوس الكبير أب الرهبنة وأب جميع الرهبان! كانت الرهبنة في ذلك الحين حياة وحدة وصلاة وتأمل، بعيدة عن الانشغال بالخدمة والعمل الرعوي. ولم يبدأ اختيار الآباء البطاركة من بين الرهبان إلا بعد ذلك بزمن طويل. إن المسألة لم تكن مسألة سن أو رهبنة، وإنما الكفاءة التي تؤهل لهذا المنصب الخطير. وكان الشماس كفؤًا لذلك ومؤهلًا لرئاسة الكهنوت بكل المقاييس. فصار البابا العشرين من بطاركة كنيستنا.
وبعد تتويجه بسنة قام بسيامة أول أسقف لأثيوبيا سنة 329م قام بسيامة القديس أفرومنتيوس (أي رجل الله) فذهب إلى أثيوبيا عن طريق البحر مارًا بأريتريا أولًا.
وهكذا دخلت المسيحية على يد الكنيسة القبطية إلى تلك المناطق من أفريقيا التي تعتبر القديس أثناسيوس أباها الروحي، وتفخر بأن لها لاهوتيات أفريقية وانتماء لاهوتي أفريقي عن طريق القديس أثناسيوس. واستمرت حبرية القديس أثناسيوس 45 سنة. من سنة 328م إلى سنة 373م.
وبهذا يعتبر الثاني في طول مدة حبريته. أما الأطوال مدة في تاريخ بطاركة كنيستنا، فهو البابا كيرلس الخامس الذي جلس على الكرسي المرقسي 52 سنة وبضعة أشهر. وخلال الفترة الطويلة للبابا أثناسيوس انشغل بالعمل اللاهوتي.
عَيّن القديس ديديموس الضرير أستاذًا ومدير للكلية الإكليريكية.
ومع أنه كان كفيف البصر، إلا أنه اخترع طريقة للكتابة على الخشب البارز قبل برايل بخمسة عشر قرنًا. كما أنه وضع الكثير من الكتب اللاهوتية ومن التفسير، وقاد بعض الفلاسفة الوثنيين إلى الإيمان.
كان أهم ما انشغل به القديس أثناسيوس هو حماية الإيمان والرد على الهراطقة والمبتدعين.
وفي مقدمتهم الرد على الأريوسيين. حقًا إن حماية الإيمان ونشره، هو العمل الأول والأساسي للبطريرك. ومن جهة العمل الرعوي يستطيع أن يقوم بسيامة الأساقفة والكهنة لمساعدته في هذا المجال، ويبقى الإيمان مسئوليته الأولى. وهذا ما فعله القديس أثناسيوس. الذي شغل الإيمان عمق فكره ومركزه ونشاطه. وبدأ أثناسيوس في مقاومة الفكر الأريوسي. وحتى بعد موت أريوس، كان الأريوسيون أشد ضراوة وعنفًا منه.
وهكذا وضع مؤلفه المشهور (ضد الأريوسيين) Contra Arianos وذلك في أربعة كتب رد فيها على فهم الأريوسيين الخاطئ لبعض آيات الكتاب المقدس. وكان رده يشمل الناحيتين الإيجابية والسلبية، بشرح وافٍ ومقنع للمفهوم السليم للآيات التي استخدمها الأريوسيون لتأييد بدعتهم. وكان القديس أثناسيوس رائدًا فكريًا للاهوتيين في عصره في مقاومة الأريوسيين.
صمود أثناسيوس
من خطورة الأريوسيين أنهم استطاعوا أن يحولوا بعض الأساقفة إلى أريوسيين، وكانت لهم صلة قوية بالقصر الإمبراطوري. وبلغت قساوتهم في إتهام القديس أثناسيوس بإتهامات خطيرة، وعقد مجمع ضده، والحكم عليه. وانتهى الأمر بنفيه إلى بعض بلاد الغرب.
وكان القديس أثناسيوس في نفيه كارزًا ومعلمًا. فكان يشرح الإيمان وهو في منفاه، ويكسب له أصدقاء ومؤيدين، حتى إن إمبراطور الغرب كان يتصل بإمبراطور الشرق، ويطلب إليه إرجاع البابا أثناسيوس إلى كرسيه، فيرجع.
وبلغ من تأثير هذا القديس في بلاد الغرب أنه بنيت كنائس كثيرة على اسمه ما زالت قائمة حتى الآن وبخاصة في ألمانيا والنمسا. ولكنه كان من النوع الذي يؤسس كنائس، ويتركها لأهلها، ولا يجعلها تحت سلطانه الكهنوتي المباشر. يكفي أن تكون مؤمنة بتعليمه.
ولقد نُفي البابا أثناسيوس أربع مرات عن كرسيه. وفي المرة الخامسة صدر الأمر بنفيه، ولكن لم يتمكن قائد الجند من تنفيذ ذلك. جاء إلى الكاتدرائية، فوجد كل الشعب ملتفًا حول باباه، وقال للقائد "لن تصل إلى البابا أثناسيوس إلا على جثثنا جميعًا" وعاد القائد إلى الإمبراطور، فألغى أمر النفي.
وقيل للقديس أثناسيوس "هوذا العالم كله ضدك" فرد قائلًا: "وأنا ضد العالم" فلقبوهAthanasius Contra Mondum أي (أثناسيوس ضد العالم) سواء ضد الهراطقة أو ما يحميهم من سلطة العالم وحكوماته.
في إحدى المرات، كان يود لقاء الإمبراطور قسطنطين ليشرح له حقيقة الأمور، ولم يستطع. فتنكر في زي فلاح بسيط. وذهب إلى قصر قسطنطين، وكان خارجًا ممتطيًا جواده. فاعترضه القديس أثناسيوس، وأمسك بسرج جواده وقال له: "قف يا قسطنطين، لي كلمة معك" وتعجب الإمبراطور؛ من هذا الذي يتصرف هكذا معه؟! وأمعن النظر، فأدرك أنه أمام البابا أثناسيوس. فترجل عن جواده، ونزل ليتفاهم معه.
هكذا كان القديس في جرأته وشجاعته، وفي هيبته أيضًا. كما كان في احتماله للشدائد، لقد صمد القديس أثناسيوس أمام الحكم، وصمد أمام الإتهامات التي وجهت إليه، وصمد أمام النفي والغربة، وصمد أمام الأريوسيين وفكرهم المنحرف ومؤامراتهم وشرهم. وفي متاعبه كانت تساعده علاقته الطيبة بالقديس أنطونيوس.
علاقته بالقديس أنطونيوس
- كان الأنبا أنطونيوس هو القلب الحنون الذي يلجأ إليه القديس أثناسيوس. وكان كابن روحي له، مع فارق السن الكبير بينهما. ولد القديس أنطونيوس سنة 251م أي أنه حينما جلس القديس أثناسيوس على كرسي البابوية سنة 328م وهو في حوالي الثلاثين من عمره، كان القديس أنطونيوس في السابعة والسبعين من عمره. وطالما كان في شبابه، كان يخدمه كأب.
- وكتب القديس أثناسيوس حياة القديس الكبير الأنبا أنطونيوس في كتابه المشهور باللاتينية Vita Antonii أي حياة أنطونيوس، وأرسله إلى رومه فكان له تأثير كبير في نشر الرهبنة هناك، كما كان له تأثير فيما بعد في توبة أغسطينوس. وفي هذا الكتاب قال: "أنا نفسي صببت ماء على يديه" أي ساعدته في غسل يديه، إشارة إلى خدمته له.
- وعلى الرغم من تمسك القديس أنطونيوس بحياة الوحدة وسكنى الجبل، إلا أنه نزل في شيخوخته وقبل وفاته بسنوات لكي يسند البابا أثناسيوس في جهاده ضد الأريوسية. لم يكن محتاجًا أن يقنع الناس.
- فطالما كتب القديس أثناسيوس في مجال الإقناع اللاهوتي. إنما كان يكفي أن هذا المتوحد ينطق بإيمان أثناسيوس ويقول "أثناسيوس على حق"، وبعد أن قضى ثلاثة أيام في الإسكندرية، عاد إلى مغارته في الجبل. وقال عنه القديس أثناسيوس في ذلك إنه "عاد كغريب يلتقي وطنه". وكان فوق المائة من عمره.
- وكتاب القديس أثناسيوس عن القديس أنطونيوس تُرجم إلى العديد من اللغات، ومنها اللغة العربية أيضًا. وهو ليس مجرد كاتب تاريخ، إنما هو كتاب روحيات أيضًا. وهذا هو أسلوب القديس أثناسيوس، في كل ما يكتب، يكتب بأسلوب روحي، حتى في اللاهوتيات والتاريخ.
أخبار أخرى عنه
- كتب القديس أثناسيوس أيضًا تاريخًا عن مجمع نيقية وعن الحركة الأريوسية، وزوده بالوثائق اللازمة.
- كتب أيضًا عن الروح القدس في رسائله إلى الأنبا سرابيون أسقف تيمي، وقد ترجم هذا الكتاب.
- بنيت كنائس باسم القديس أثناسيوس تابعة للكاثوليك وللروم الأرثوذكس. وكنائس أخرى لنا: في مصر الجديدة، وفي ميسيسوجا بكندا، وفي لوس أنجلوس، وفي ألمانيا. ولكنها كنائس قليلة العدد، لا تناسب العمل الكبير الذي قام به هذا القديس في حفظ الإيمان وما احتمله في سبيل ذلك.
- أقمنا لهذا القديس العظيم مقبرة في دير الأنبا رويس بالقاهرة، وحفظنا فيها رفاته، في حفل حضره مار زكا عيواص الأول بطريرك الكرسي الأنطاكي للسريان الأرثوذكس، ومار آرام الأول كاثوليكوس الأرمن الأرثوذكس في بيت كيليكيا..
بركة صلواته المقدسة تكون مع جميعنا.
__________________________________________________________________
1 مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 24 مايو 2002م
القديس يوحنا ذهبي الفم
القديس يوحنا ذهبي الفم*
بطريرك القسطنطينية، وأعظم وعاظ عصره
كان من أعظم وعاظ الكنيسة الجامعة، أو كان أعظم الكل. ومع أنه كان بطريرك القسطنطينية عاصمة الإمبراطورية الرومانية الشرقية، إلا أنه لم ينل شهرته الواسعة بصفته بطريركًا، بل بصفته واعظًا.
أشتغل بالوعظ طوال حياته. أولًا أشتهر بوعظه في أنطاكية، حينما كان شماسًا لها ثم قسًا... وأشتهر بوعظه في القسطنطينية وهو بطريرك لها.
وكان أيضًا من أعظم وأشهر مفسري الكتاب المقدس. وترك لنا في ذلك كتبًا كثيرة.
وقد أختلط تفسيره أيضًا بالوعظ. فبعد كل مقالة تفسيرية له، يلقي عظة. لذلك فإن الذي يريد الحصول على تفسيره للكتاب، عليه أن يستخلص التفسير من الوعظ. ونشكر الله على أن تفاسير وعظات القديس يوحنا ذهبي الفم قد جمعت لنا في كتب أثرت المكتبة القبطية في فرع أقوال الآباء Patrology، وقد نشرتها مجموعة "أقوال آباء نيقية وما بعد نيقية" باللغة الإنجليزية. كما نشرتها مجموعة "مصادر المسيحية Chrètiennes Sources باللغة الفرنسية، ومعها الأصل اليوناني". كما نشرت بعضها مجموعات أخرى في كتب متفرقة.
ومن أشهر كتبه في التفسير
تفسير إنجيل متى، وتفسير إنجيل يوحنا... وأيضًا أعمال الرسل، ورسائل القديس بولس الأربعة عشرة. ويسند إليه أيضًا تفسير لسفر التكوين، والأكسيمارس أي: شرح لأيام الخليقة الستة. وله أيضًا كتاب عن الكهنوت مع كتب ومقالات أخرى.
وللقديس يوحنا ذهبي الفم صفات مميزة
فقد كان راهبًا زاهدًا ناسكًا، أستمر زهده طوال حياته. وكان أيضًا شجاعًا جدًا في الدفاع عن الحق، حتى أنه في إحدى المرات منع الإمبراطورة من دخول الكاتدرائية باعتبارها غير مستحقة لذلك، بسبب ظلمها وشرها. وكان هذا القديس محبًا للفقراء. وكان حازمًا في رعايته.. وقد لاقى في حياته آلامًا كثيرة، حتى أنه نفي في أواخر حياته، وتوفى في منفاه.
عاش يوحنا ذهبي الفم 63 عامًا...
ولد سنة 344م، وتنيح سنة 407م. وهكذا فإنه لم يحضر مجمع نيقية المسكوني الذي عُقد سنة 325م، إذ لم يكن قد وُلد بعد. كما لم يحضر المجمع المسكوني الثالث الذي عُقد في أفسس سنة 431م لأنه توفى قبله.
عاصر المجمع المسكوني الثاني المنعقد في القسطنطينية سنة 381م، ولكنه كان وقتذاك شماسًا، لأنه سيم قسًا سنة 386م. وهكذا لم يعاصر القديس أثناسيوس العظيم وهو شاب إلا في شيخوخة ذلك المعلم الكبير. لكنه كان صديقًا للقديس باسيليوس. والآن نتحدث عن حياة هذا القديس.
نشأته
ولد في أنطاكية سنة 344م (أو 347م كما تقول مراجع أخرى)، وتوفى أبوه في طفولته المبكرة، فترملت أمه وهي في العشرين من عمرها، ومن أجله لم تتزوج ثانية بل عكفت على تربيته. تعلم على يد ليبانيوس، فيلسوف عصره، وكان أنبغ تلاميذه، حتى أن ليبانيوس عندما سُئل عمن يخلفه أجاب: (يوحنا، لو لم يسرقه المسيحيون) وبعد أن قضى سنين في المحاماة يدافع عن المظلومين ببراعة نادرة اعتزل المهنة لاهتمامه بحياته الروحية. درس بعد ذلك في معهد ديودور الذي صار فيما بعد أسقفًا لطرسوس، كما أعجب بأوريجانوس ودرس كتبه.
رهبانيته
اشتاق يوحنا إلى الحياة الرهبانية وعزم على ترك العالم هو وصديقه الحميم باسيليوس، ولكن والدته توسلت إليه أن يؤجل ذلك، فقبل توسلها حتى لا يجدد أحزانها لأنها تعبت حياتها كلها من أجله، وانفرد في منزله مواظبًا على العبادة بحرارة شديدة.
وفي الخامسة والعشرين من عمره وجد نفسه في خطر شديد، ذلك أن الأساقفة قرروا سيامته أسقفًا هو وصديقة باسيليوس، فاضطر إلى الهروب في مكان لا يعرفه أحد، أما صديقه فقبض عليه الأساقفة في منزله وتمت سيامته بعد امتناع كثير، ولتعزيته أرسل له يوحنا كتابًا في الكهنوت شرح أهمية الوظيفة وعملها.
ولما توفيت "أنثوسا" (والدة يوحنا) قصد ديرًا في الجبال المجاورة لأنطاكية وأقام أربع سنوات مداومًا على العبادة والتقشف تحت إرشاد راهب شيخ. ولما وجد صيته قد ذاع وقصده كثيرون للاسترشاد به، هرب من الشهرة وتوحد في مغارة في الجبل، وهناك أقام سنتين في نسك زائد، عكف فيهما على دراسة الكتاب المقدس والتأمل فيه حتى قيل أنه حفظه عن ظهر قلب. ولكثرة النسك ورطوبة المغارة أصابه مرض شديد هدده بالموت، فاضطر للرجوع إلى أنطاكية وكان ذلك سنة 380م (سنة انعقاد مجمع القسطنطينية).
يوحنا واعظ أنطاكية
لما رجع يوحنا من وحدته إلى أنطاكية تلقاه أسقفها بترحاب كبير وسامه شماسًا، فبدأ عمله في الوعظ حتى صار مرشدًا للمدينة ومعلمًا، وفي سنة 386 سيم قسًا وعهد إليه بخدمة الوعظ، فنشط فيه جدًا.
وكانت تتوافد عليه الناس بكثرة لسماع عظاته وتعاليمه التي كانت تخلب الألباب لفصاحته وقوة حجته حتى لقبوه ذهبي الفم، وكان عمليًا في وعظه، يطرق مشاكل عصره ويندد بمساوئه، كالملاهي والمسارح، والاهتمام بسباق الخيل، والتبرج.
كما كان مدافعًا عن الإيمان السليم، فانتشر صيته في كل مكان واجتمعت حوله الجموع الكثيرة، وكان يمتلك قلوبهم، وكثيرون منهم كانوا يذرفون الدموع أثناء وعظه، ومن براعته في الوعظ والتعليم دعوه أحيانًا "بولس الثاني".
يوحنا البطريرك
لما خلا كرسي القسطنطينية انتخبوا بطريركًا لها، فتمسك أهل أنطاكية به، ورفض هو هذا المنصب لعلمه بما يحمله من مسئوليات خطيرة، وهكذا أبى الذهاب إلى القسطنطينية، فأتى إليه نائب الملك، واستطاع أن يخرجه من أنطاكية بخدعة، حيث سيم بطريركًا في القسطنطينية سنة 398م.
وكان ناسكًا يلبس الملابس الخشنة، ويوزع أمواله على الفقراء والموزعين، ويفتقدهم في بيوتهم، ويزور المرضي والمسجونين، كما شيد مستشفيات وبيوتًا للغرباء وملاجئ وكان يتردد عليها بنفسه لرعايتها. وظل واعظًا وهو بطريركًا، وكان الناس يأتون إليه أفواجًا من منازلهم وأماكن عملهم تاركين مباهجهم ومحافلهم ليسمعوه، واستطاع أن يضم إلى الإيمان كثيرًا من الوثنيين وخاصة الغوطيين.
كما اهتم بتعليم المرأة واختار لذلك فضليات النسوة المختبرات. وعلى الرغم من أنه كان حازمًا جدًا مع المخطئين، إلا أنه كانت بينه وبين شعبه محبه فائقة لا يعبر عنها...
رجل الآلام
ينسب إليه أنه قال: "إن قول الحق ما أبقى لي صديقًا"، وكان في مقدمة أعدائه الملكة أفدوكسيا الشريرة التي وبخها كثيرًا ولم ترعو... كذلك كثير من الأغنياء ومن النسوة المتبرجات ومن رجال الإكليروس الذين وبخهم على اِهمالهم، على أنه كانت بينه وبين الشعب محبة فائقة. ونتيجة لدسائس أفدوكسيا نفي عن كرسيه وتوفى في منفاه سنة 407م، وتعيد له الكنيسة في 17 هاتور، و12 بشنس، بركة صلواته تكون معنا آمين.
أقوال مأثورة
وللقديس يوحنا ذهبي الفم كثير من الأقوال المأثورة، نذكر من بينها قوله "من لا توافقك صداقته، لا تتخذه لك عدوًا". وأيضًا قوله "هناك طريقة تستطيع بها أن تتخلص من عدوك، وهي أن تحوله إلى صديق". وكذلك قوله "لا تكن رأسًا، فإن الرأس كثير الأوجاع".
_____________________________________________________________
* مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نشر في جريدة وطني، نشر بتاريخ 29 نوفمبر 1992م.
القديس ساويرس الأنطاكي
القديس ساويرس الأنطاكي*
أحد أبطال الأرثوذكسية، وأحد علماء الكنيسة
هو من أشهر بطاركة السريان الأرثوذكس، الذين هم أخوة لنا في الإيمان وفي العقيدة، وفي الآلام، وكل شيء.
هذا القديس تعذب كثيرًا وتعب كثيرًا، من أجل الدفاع الإيمان الأرثوذكسي، واُضطهد كثيرًا من أصحاب الطبيعتين.
الكنيسة القبطية تضع اسم القديس ساويرس فى مجمع القديسين في صلاة القداس الإلهي، بعد اسم القديس مارمرقس الرسول مباشرة، قبل القديس أثناسيوس الرسولي والقديس كيرلس الكبير، مع عظمتهما الفائقة، ومع أنهما كانا قبله من ناحية الزمن، وقصدت بهذا أهمية هذا القديس للإيمان الأرثوذكسي.
فماذا كانت قصته إذًا؟
في أعقاب مجمع خلقيدونية، الذي أنقسمت فيه الكنيسة سنة 451م، وقع اضطهاد مرير على الكنيسة القبطية، وعلى أختها الكنيسة الأرثوذكسية السريانية. وما حدث مع الأقباط، حدث بنفس الصورة مع السريان.
ولد هذا القديس من أسرة كهنوتية في آسيا الصغرى سنة 459م بعد مجمع خلقيدونية بثماني سنوات، في وقت كانت فيه الحرب اللاهوتية على أشدها. وقد عاش القديس ساويرس في عهد الإمبراطور جستنيان.
درس العلوم الفلسفية حتى صار فيلسوفًا، وأهل لكي يكون محاميًا، وأمتاز بذكائه وتعمقه في البحث، وأعجب بكتب القديس باسيليوس الكبير والقديس غريغوريوس الناطق بالإلهيات.
وفي إحدى المرات وهو يدرس كتب القانون، رأى في رؤيا أحد الشهداء يقول له "كفى قراءة في هذه الكتب، وهلم أتبعني لتتعمق في دراسة قوانين الله". فترك عمله في المحاماة، وذهب إلى الدير فترهب.
ترهب سنة 488م فى دير القديس جاورجيوس، وتعمق في قراءة الكتاب المقدس، وواظب على السهر والتقشف والصلاة، ثم ترك الدير وتوحد في البرية في إحدى المغارات، وكان شديدًا في نسكه، حتى مرض أخيرًا وهزل جسمه.
والظاهر أن أمراضه لم تساعده على الاستمرار في الوحدة، فنزل إلى دير رومانوس، حيث قابله أب الدير بالترحاب وقال له "مرحبًا بك يا راعي النفوس ومدبر الأجساد. أنت إيليا الذي حطم صنم البعل". وكان هذا الأب قد رأى في رؤيا أنه في صحراء لا زرع فيها، وهناك امرأة جميلة تبكي، وهي لابسة ثيابًا مهلهلة، وسمع صوتًا يواسي المرأة ويقول لها: "لا تحزني يا أنطاكية، فإن ساويرس سيبني على أساسك المجامع المقدسة".
وكان أحد النساك قد رأى رؤيا أخرى. وسمع صوتًا إن ساويرس هذا سيصير عظيمًا بين الحكماء، وسيطهر الأرض من الهراطقة.
وكان القديس ساويرس وهو في الدير، يتعب من أجل راحة أخوته الرهبان، متذكرًا قول بولس الرسول "أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ حَاجَاتِي وَحَاجَاتِ الَّذِينَ مَعِي خَدَمَتْهَا هَاتَانِ الْيَدَانِ" (أع 20: 34). وقد فرح به الرهبان كثيرًا، كمن رأى كنزًا في حقل.
وكان ينمو في النعمة، ويرتفع في القامة الروحية، وكان محبوبًا من الكل. وكان الكثيرون يأتون إليه ليستفيدوا من تعاليمه. وكثيرون من زملائه في الدراسة تركوا أعمالهم وأتوا وترهبوا معه. ولما رأى أن الناس قد تكاثروا حوله، ترك دير رومانوس. ولكن شهرته ملأت كل الأصقاع، ووصلت شهرته إلى الملوك، لدرجة أن الإمبراطور أنسطاسيوس المحب للمسيح، أستقدمه إلى القسطنطينية، فدافع عن الإيمان، وحطم الهرطقات، وأشاع جوًا في التفكير اللاهوتى في المدينة، وبعد ذلك عاد إلى وحدته.
ولما خلا كرسي أنطاكية، أجمع الكل على أنه لا يملأ هذا الكرسس سوى ساويرس، وقالوا إن الروح القدس يطلب القديس ساويرس لكرسي أنطاكية، كما طلب من قبل برنابا وشاول (أع 13). وقالوا له إن الإمبراطور يطلبك، فظن أن السبب هو الدفاع عن الإيمان ضد الهرطقات، كما في المرة السابقة، فنزل. ولما عرفوه أنه لا بد من سيامته، حاول أن يرفض ويعتذر. فقالوا له: لا توجد فضيلة أعظم من أن يضع أحد نفسه عن أحبائه.
ورسموه بطريركًا، ففاحت رائحة طيبه في الكنيسة.
وكان أول عمل عمله بعد سيامته، أنه عزل الطباخين الموجودين في البطريركية لكي يحيا في تقشف. وكان ينام على الأرض. وأرسل رسالة إلى بابا الإسكندرية يتبادل معه الإيمان الواحد.
وكان يؤلف ترانيم للشعب لحفظ حقائق الإيمان.
ولما رأى البعض منحرفين في الخطية، صار يعلمهم ترانيم بنغمات حزينة. وكان يجول يصنع خيرًا، ويشبع شعبه من المعلومات، حتى صار عامة الناس وكأنهم معلمو لاهوتيات.
على أن الأمر لم يدم على هذا الحال. فالإمبراطور أنسطاسيوس الأرثوذكسي تنيح سنة 518م، وجاء عهد الإمبراطور جستنيان وكان من أصحاب الطبيعتين، فأضطهد الأرثوذكس اضطهادًا شديدًا.
وحاول أن يطلب من القديس ساويرس عقد مجمع لكي ينضم إلى أصحاب الطبيعتين، فرفض ووبخه على تركه إيمان الإمبراطورين القديسين زينون وأنسطاسيوس، فحاول جستنيان قتله.
وكانت زوجة جستنيان (الإمبراطورة ثيئودورا) قديسة وأرثوذكسية، فطلبت إلى القديس ساويرس، أن يرحل إلى الإسكندرية من أجل حاجة الإيمان إليه وإلى شجاعته وعلمه، ومع استعداده للاستشهاد إلا أنه غادر أنطاكية، لأجل أن يجول هنا وهناك مدافعًا عن الإيمان.
وأستقبله الكرسي الإسكندري بكل ترحاب. وكان يجول من مدينة إلى مدينة، ومن قرية إلى قرية، يثبت الناس في الإيمان، متعاونًا في ذلك مع البابا الإسكندري. وكان يكتب الرسائل يجيب على أسئلة الناس في العقيدة وفي الكتاب المقدس، وقد حفظت لنا كتاباته في مجموعة (كتابات الآباء الشرقيين).
وكانت للقديس ساويرس كثير من المعجزات في مصر.
وأخيرًا رقد في الرب، وهو شيخ عمره 79 سنة. وأحسن كلمة أقولها في موضوع نياحته ما ورد في المخطوطة التي روت سيرته، حيث قال كاتبها: "أريد أن أوقف ههنا مخطوطتي وأتركها ناقصة، لأن آذان المسيحيين لا تحتمل الكلام عن نياحة ساويرس".
_______________________________________________________________
* مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نشر في مجلة وطني، بتاريخ 5 ديسمبر 1980م.
القديس أمبروسيوس
القديس أمبروسيوس
معلم القديس أغسطينوس (340- 397م)
شهرته
هو أعجب قديس في تاريخ الكنيسة، وفي سيامته أسقفًا. أختير أسقفًا قبل أن يتعمد. وبعد عماده بثمانية أيام سيم أسقفًا.
كانت له شهرة كبيرة، وهو بعد في صفوف الموعوظين. فلما خلا كرسي الأسقفية في ميلان، أختاروه لسيامته. إنه من الآباء اللاتين. قال عنه القديس جيروم: "إنه عمود الكنيسة". وقال عنه القديس أغسطينوس في كتاب الاعترافات: "إنه الواعظ الشهير معلم التقوى". رجل صالح، مدافع عن الإيمان. يشرح بإتقان كلام الحق.
وكتب عنه مؤرخو الكنيسة الأوائل: سقراطيس (ك 4: 30) وسوزمين (كتاب 6: 24، كتاب 7: 23). كما كتب عنه روفينوس.
ومما أعطاه شهرة أيضًا أنه هو الذي عمد القديس أغسطينوس بعد أن اجتذبه إلى الإيمان. ومن شهرته: دفاعه عن الإيمان ضد الأريوسية، وبخاصة في كتاب De Fide (عن الإيمان). كانت له مواهب كثيرة، وكان حاد الذكاء، وشجاعًا.
نشــأته
ولد سنة 340م في تريف، من أسرة غنية. وكان أبوه حاكم بلاد الغال (فرنسا). ولما كبر – بعد وفاة أبوه – درس القانون، وعينوه مستشارًا، من رجال القضاء. وظهر ذكاؤه ونباهته إلى أبعد الحدود. روى أن الحاكم قال له: "لماذا تعمل قاضيًا، أذهب وأعمل أسقفًا". أشتغل بروح الأبوة، وليس بمجرد روح القانون. إذًا كانت له شهرة، حتى قبل عماده.
أخوه الأكبر كان اسمه ساتيروس. وأخته اسمها مارسيلانا، وقد صارت مكرسة. إذًا كان من أسرة متدينة أيضًا.
لما مات الأسقف الأريوسي لميلانو (أوكسنتيوس) أختاروه وهو في صفوف الموعوظين ليصير أسقفًا، ووافق الإمبراطور فالنتينوس. وتعمد من كاهن سليم العقيدة. ثم تمت سيامته أسقفًا.
أسـقفيتـه
لما اُختير للأسقفية، ترك أمواله للفقراء والكنيسة، وأستحضر أخاه ساتيروس ليدير بعض ممتلكاته الباقية، ليتفرغ هو لعمله في الرعاية والتعليم. وأتت أخته وعاشت معه.
وكان له مبدأ هام في حياته كأسقف أن يدرس ويعلم.
وفي أثناء قراءته كانت عيناه تلتهمان الصفحات بسرعة، وعقله يستقصى معانيها. وقد تأثر جدًا بآباء الكنيسة الشرقية، كالقديس باسيليوس والقديس ديديموس. كما أخذ أيضًا عن القديس أثناسيوس، وعن أوريجانوس (عن التعليم الصالح فقط) الذي عنده.
قضى فترة طويلة في الدراسة. وكان يعظ كل يوم أحد، وفي المناسبات. وكان يجهز الموعوظين المقبلين على المعمودية. ومنهم أغسطينوس.
وقال عنه أغسطينوس في كتاب الاعترافات: إنه أسقف قديس. وكان يسهم في حل مشاكل الجماهير. ولا حرج في الدخول عليه، ولا حاجب يمنع الزائرين عنه. وقال للرب عنه: خادمك الأمين المطران أمبروسيوس الذي طبقت شهرته الخافقين.. قادتني إليه يدك على غير علم مني، ليقودني بدوره إليك على معرفة مني. أخذت أحبه، لأنه يعطف عليَّ، فواظبت على حضور مواعظه. وأعجبت بفصاحته التي فاق بها فستوس (المانوي) كما أعجبت به في شرحه للعهد القديم.
كان أغسطينوس قد جاء إلى ميلان سنة 384 ليدرّس الفصاحة، فأعجب أولًا بفصاحة أمبروسيوس، وأسلوبه الجميل أكثر من محتوى الكلام. غير أن أمبروسيوس قابله بكل حنو. وقد غيرّته حياة هذا الأسقف أكثر من عظاته. حياته كانت تتميز بالطهارة والنقاوة والرأفة، مستعدًا في كل وقت أن يساعد كل محتاج.
شـــجاعته
حينما بدأ القديس أمبروسيوس عمله في ميلان، كان فيها بقايا من الوثنية، وكان عليه أن يقف ضدها ويمحوها. وكانت الأريوسية أيضًا منتشرة فيها، حتى أن أسقفها الذي سبقه كان أريوسيًا، وكانت الإمبراطورة الأم (يوستينا) أريوسية، ولها تأثيرها على أبنائها الأباطرة: جراسيان Gratian ثم فالنتينوس.
كانت لجراسيان علاقة طيبة مع القديس أمبروسيوس. فلما قُتل وتولى الحكم بعده أخوه فالنتينوس، وقع تحت تأثير أمه إذ كان صغير السن في الثانية عشرة من عمره.
وكان على القديس أمبروسيوس أن يواجه هذا كله، بكل حزم، وأن يعظ ويعلم وينشر الإيمان السليم، ويفسر الكتاب، ويدعو الناس إلى محبة الله.
وظهرت شجاعته وجرأته في التعامل مع الأباطرة الذين عاصروه.
لقد عاصره ثلاثة من الأباطرة هم جراسيان، وفالنتينوس، وثيؤدوسيوس.
جراسيان كان يجب أمبروسيوس ويتأثر به. وقد طلب إليه أن يضع كتابًا عن (الإيمان)، فلبى طلبه ونشر كتابه عن الإيمان De Fide يشرح فيه لاهوت المسيح ويرد على الأريوسيين.
أما الإمبراطور فالنتينوس، فقد أغرته أمه بأن يطلب من أمبروسيوس أن يسمح للأريوسيين بالصلاة في الباسيليكا (الكاتدرائية). فرفض هذا الأسقف الشجاع. وقال: على الإمبراطور أن يترك أمور الكنائس للأسقف. فلما أرسل الإمبراطور جنوده لكي يحتلوا الباسيليكا، أعتصم بها القديس أمبروسيوس مع المؤمنين. وظلوا يرددون المزامير والترانيم حتى رحل الجنود.
وفيما بعد حدث أن القديس أمبروسيوس وبخ الإمبراطور فالنتينوس على أخطائه وطالبه بالإصلاح، فأستجاب له الإمبراطور وقال له: إن كانت لي أخطاء، فاذكرها لي. وقل لي ما هي وسائل علاجها.
أما عن الإمبراطور ثيئودوسيوس، فكان قد تصرف بقسوة في تعامله مع أهل تسالونيكي. دعاهم إلى مائدته، وقتل منهم حوالي سبعة آلاف. فوبخه القديس أمبروسيوس. وكتب إليه رسالة يحثه فيها على التوبة، ومنعه من التناول من الأسرار المقدسة. ولما دخل إلى الهيكل الذي لا يدخله إلا الكهنة، منعه من ذلك. وقال له: ينبغي أن تتوب وأن تعترف بخطاياك أمام الجميع، ولا تعود إلى الخطأ مرة أخرى.
وأضطر الإمبراطور أن يتوب وأن يعترف بغلطته، وتعهد ألا يعود إليها مرة أخرى. وقال له القديس أمبروسيوس: لا بد أن تصدر قوانين تحمي بها الضعفاء من بطش المسئولين في الدولة.
وقال له أيضًا: "إذا صدر حكم بالإعدام، ينبغي عدم تنفيذه إلا بعد ثلاثين يومًا" وذلك لكي يراجع الحاكم نفسه. فربما يكون قد أصدر حكمه في ساعة غضب، وبتسرع. هكذا كان القديس أمبروسيوس قويًا وجريئًا في تعامله مع الحكام الذين عاصرهم.
نيـاحتــه
أنتقل من العالم في مساء الجمعة الكبيرة يوم 5 أبريل سنة 397م وكان قد أشتد به المرض، وما كان يتكلم إلا بصعوبة. وقد فكر الذين حوله في من يخلفه. فقال البعض يخلفه صديقه سمبليكانوس Simplicanus الذي كان ملازمًا له لا يفارقه. وعارض البعض ذلك على اعتبار أن هذا الصديق عجوز لا ينفع. وهنا قاوم أمبروسيوس صمته وقال – وهو في ساعته الأخيرة – :"حقًا إنه عجوز، ولكنه رجل فاضل". وفعلًا خلفه سمبليكانوس. وقد أوصى القديس أمبروسيوس أن يدفن إلى جوار قزمان ودميان. وكان قد اكتشف جسديهما سنة 389م، ودفنهما في الباسيليكا، وأوصى أن يدفن إلى جوارهما. وكان له ما أراد.
كتبه ومؤلفاته
له كتب كثيرة؛ في العقيدة، وفي التفسير، وفي الروحيات. وله رسائل (91رسالة)، وترانيم (لا تزال تستخدم). وله قداس. وسنتكلم عن هذه المؤلفات بشيء من التفصيل.
- من أشهر كتبه عن الإيمان De Fide لإثبات لاهوت المسيح، ضد الأريوسيين. وهو من خمسة كتب (أجزاء). من محاضراته التي ألقاها على الشعب. وقد قرأته وأعجبنى جدًا، يدل على ذكاء وقوة إقناع.
- له كتاب آخر عن الروح القدس، لإثبات لاهوته، وأنه طبيعة واحدة من الآب والابن، ويتكون من ثلاثة كتب. واستفاد فيه من كتابات القديسين: أثناسيوس، وباسيليوس الكبير، وديديموس الضرير.
- له كتاب عن سر التجسد، وكتاب عن الأسرار، وبخاصة المعمودية، والمسحة المقدسة، والأفخارستيا. شرحها عقيدة وطقسًا.
- وكتاب عن التوبة ضد النوفاتيين، تحدث فيه عن سلطة الغفران الممنوحة من المسيح للكنيسة، وعن أهمية التوبة والاعتراف. وردّ على تفسيرهم الخاص لمعنى التجديف على الروح القدس (مت12: 31، 32). وأيضًا عن تفسير (عب6: 4-6) عن الذين سقطوا بعدما أخذوا الموهبة السمائية، ومعنى تجديدهم.
- له كتاب عن القيامة كتبه بعد موت أخيه ساتيروس. وكان قد تأثر لموته. والكتاب ليس لمجرد التعزية، وإنما لإثبات حقيقة القيامة، كبحث لاهوتي فلسفي.
- وله كتاب عن واجبات الإكليروس، كتبه للأسقف Constasius.
- وكتاب عن البتولية والعذارى. وهو حث على البتولية. كان من عمق تأثيره أن بعض الأمهات كن يمنعن بناتهن عن سماع محاضراته في هذا الموضوع. وله كتاب أخر عن الأرامل.
- وله كتاب أخر عن شخصيات من الكتاب المقدس. منها كتاب عن (الفردوس) عن أبوينا الأولين، وأخر عن قايين وهابيل. وكتاب عن نوح والفلك. وسبعة كتب عن الآباء البطاركة الأول. وكتب أيضًا عن طوبيا (أقتبس منه أغسطينوس). وكتب عن نابوت اليزرعيلي وطمع الملك آخاب. كما كتب عن داود وأيوب. وله كتب في التفسير. أستخدم فيها الثلاث طرق: الحرفية والروحية والرمزية.
- وأستخدم المعنى الروحي بالأكثر في تفسير المزامير. وقد قام بتفسير 12 مزمورًا.. (من 35 - 40، 45، 47، 48، 61). وقد بدأ تفسير مز 43، ولكنه لم يكمله. وتفسيره لمزمور 118 من أجمل تفسيراته (في 22 عظة).
- قام أيضًا بتفسير إنجيل لوقا. وله تأملات في سفر إشعياء.
- وله تفسير الأكسيماروس (الستة أيام) في ستة كتب.
________________________________________________________________
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نشر في مجلة الكرازة بتاريخ، 26 أكتوبر 2001م
القديس مار أفرام السرياني
مار إفرام السرياني*
(303- 373م)
شـــهرتـه
لم يكن هذا القديس العظيم من أصحاب الرتب الكنسية الكبيرة. فلم يكن من البابوات مثل القديس أثناسيوس الرسولي، ولا من البطاركة مثل القديس يوحنا ذهبي الفم، ولا من آباء الرهبنة الكبار مثل القديس أنطونيوس. وبسبب تمنعه وزهده، أقصى ما ناله هو درجة شماس.
يسمونه بالسريانية (الملفان) أي المعلم، ويسمونه نبي السريان، ويطلقون عليه لقب (قيثارة الروح). كان إنسانًا ناسكًا. وكان لاهوتيًا. وكان راهبًا وخادمًا. إنه يمثل الرهبنة العاملة، التي تنزل من المغارة لكي تخدم الكنيسة، ثم تعود إلى المغارة مرة أخرى، ثم تنزل، وهكذا.
وهو أيضًا من مفسري الكتاب المقدس. وربما يكون من أعظم مفسري السريان للكتاب المقدس، إذ عكف على دراسة الكتاب وتفسيره. لقد فسر سفر التكوين وسفر الخروج، ومجموعة كتب العهدين القديم والجديد. ولكن لم تصل إلينا كل تفاسيره.
وفي تفسيره أعتمد على الترجمة السريانية المشهورة باسم (البشيطا) أي البسيطة. وهو يميل إلى التأمل الرقيق جدًا في أسلوبه.
وهو أيضًا شاعر، له الآلاف من أبيات الشعر. وقد كتب العديد من الأناشيد الشعرية، وأستخدمها في الدفاع عن الإيمان والرد على الأريوسين، وأيضًا في نشر الفضيلة. وتم تلحين الكثير من أناشيده ودخلت في طقس الكنيسة السريانية، حتى في حياته.
وله الكثير من الميامر.
تجاربه الأولى
يبدو أن القديس مار إفرام كان جميل الصورة. وكثير من قديسي الكتاب وصفوا بالجمال. فموسى النبي جميلًا. وداود النبي كان جميلًا وأشقر مع حلاوة في العينين. وجمال مار إفرام سبب له مضايقات من نساء لا يخجلن.
مرة نزل إلى المدينة ليكرز. واستأجر غرفة كانت لها طاقة. وإذ فتح تلك الطاقة، كانت امرأة تطل من طاقة في سكن مقابل له. فقالت له في شيء من الإغراء: "هل تحتاج إلى شيء؟! أنا تحت أمرك". فقال لها: "أحتاج إلى ثلاث طوبات لكي أسد هذه الطاقة التي بيني وبينك".
العجيب أن المرأة هددته بأن تثير فضيحة ضده، إذا لم يخطئ معها. فقال لها إنه مستعد على أن يحدث ذلك في سوق المدينة أمام كل الناس. فقالت له إنها تخجل من ذلك أمام الناس. فوبخها قائلًا: "أو ما تخجلين من الخطية أمام الله؟!".
في مرة أخرى – وهو سائر في الطريق – حدث أن امرأة أطالت النظر إليه. فقال لها: "أما تستحين أن تنظري إليَّ هكذا؟!" فقالت له: "أنا امرأة وقد أخذت المرأة من الرجل، فطبيعي أن تنظر إليه. أما الرجل فقد خُلق من تراب الأرض، فطبيعي أن ينظر إلى الأرض التي أخذ منها".
فنفذ نصيحتها ونظر إلى التراب، وهو يقول لنفسه: "إن كان نساء هذه المدينة على هذه الدرجة من الحكمة، فكم يكون رجالها إذًا؟!".
على أن أخطر ما حدث له أن شابة حملت سفاحًا من قندلفت الكنيسة (وكان اسمه إفرام أيضًا). وأنجبت طفلًا فسألوها عن أبيه فنسبته إلى إفرام الواعظ. فاعثر الشعب.
وهنا استسمح إفرام أسقف الكنيسة أن يأخذ الطفل ويقف على الإنبل (المنبر). وأمسك مار إفرام الطفل وقال له: "أمام الله أخبرنا من هو أبوك؟". ونطق الطفل الرضيع وقال: "إفرام القندلفت". وبكى الشعب تأثرًا. ثم مات الطفل.
نشـــأتــه
ولد في نصيبين في أوائل القرن الرابع، في عصر كثرت فيه المجاعات، وكثرت الحروب بين الروم والفرس، انتهت بانتصار الفرس فحكموا بلاد ما بين النهرين. ودخلوا نصيبين، فخرج منها المسيحيون الذين أضطهدهم الفرس باعتبارهم كانوا تابعين للروم. فخرج مار إفرام معهم من نصيبين إلى الرها حيث توحد في أحد جبالها، وصارت حياته ما بين نصيبين والرها.
كما عاش مار إفرام أيضًا في عصر أنتشرت فيه البدع والهرطقات. فكان يحارب الهرطقات، كما كان في أثناء المجاعات مصلحًا اجتماعيًا. كان مار إفرام قد ولد من أبوين تقيين ربياه تربية مسيحية عالية.
وتتلمذ على أسقف مدينته مار يعقوب أسقف نصيبين.
وأخذه مار يعقوب معه إلى مجمع نيقية سنة 325م، وكان عمره ما يقرب من العشرين، مثلما أخذ البابا ألكسندروس الإسكندري معه شماسه أثناسيوس. وكان القديس قد انشأ مدرسة لاهوتية في نصيبين، وعهد إلى مار إفرام بالتدريس فيها. كما عهد إليه بالوعظ في الكنيسة.
رهبنـتـــه
وولد مار إفرام أيضًا في عصر أنتشرت فيه الرهبنة والوحدة. وهو نفسه مارس حياة الوحدة على جبل الرها. ولكنه لم يتفرغ للوحدة، فكان ينزل أحيانًا للخدمة، إما للدفاع عن الإيمان ضد الأريوسية وغيرها من البدع والهرطقات. أو للخدمة الاجتماعية، وبخاصة أثناء المجاعات التي تبعت الحروب بين الروم والفرس. فكان ينزل ليدعو الناس إلى العناية بالفقراء والمحتاجين. وكان له قلب حنون جدًا على كل ذي حاجة. ومن جهة المرضى، أسس مستشفى أثناء المجاعة يضم حوالي 300 سريرًا. وجمع تبرعات لعلاج المرضى.
وقد نزل أيضًا لرحلتين قام بهما: إحداهما إلى كبادوكيا والثانية رحلة قام بها إلى أسقيط مصر (في دير السريان).
ذهب إلى كبادوكيا ليرى القديس باسيليوس الكبير رئيس أساقفتها. وكان القديس باسيليوس من كبار اللاهوتيين في القرن الرابع. وقد أعجب به مار إفرام، فذهب ليراه، وكان ذلك يوم عيد الظهور الإلهي، وقد أرتدى ملابس كهنوتية فخمة مما أثار تعجب مار إفرام. ولكنه لما وقف ليعظ رأى مار أفرام كأن ألسنة نار تخرج من فمه، وكأن حمامة بيضاء تنطق من فمه.
أما القديس باسيليوس فرأى مار إفرام واقفًا في نهاية الكنيسة، وملاكان حوله. ولما ألتقيا بعد القداس، سأله مار إفرام عن فخامة ملابسه، فقال له: "لا يعثرك هذا الأمر، إنه لأجل كرامة الخدمة، وليس لأجل كرامتي". وأراه أنه يلبس فوق جسمه خيشًا.
وأراد القديس باسيليوس أن يرسم مار إفرام كاهنًا. ولكنه اعتذر عن ذلك. فلما ألح عليه، قبل أخيرًا أن يرسمه شماسًا.
أما زيارة مار إفرام للأسقيط، فقد ارتبطت بمعجزة.
ذلك أنه لضعف صحته كان يتوكأ على عصا. فظنها البعض كبرياء منه أن يحمل عصا، فغرسها في الأرض، وصارت شجرة ما زالت باقية في دير السريان تعرف باسم شجرة مار إفرام. ويُقال أنه قضى في الأسقيط بضع سنوات.
ولكن رهبنة مار إفرام كانت تختلف عن رهبنة القديس أنطونيوس.
كما قلنا كان ينزل من مغارته أحيانًا ليخدم ويعلم. ثم يعود إلى المغارة فيلتف حوله من يتتلمذون عليه، فتتحول مغارته إلى شبه مدرسة. وكان هو أستاذًا في الكتاب المقدس واللاهوتيات.
رؤيـــا
يقال إن ملاكًا ظهر لأحد المتوحدين، وكان في يده دَرَج. فسأله لمن تعطيه. فقال: لمار إفرام المتوحد بجبل الرها. فذهب ذلك المتوحد إلى جبل الرها فرأى مار إفرام يكتب تفسيره عن سفر التكوين، فأعجب به، وأخذه وعرضه على علماء المدينة فأعجبوا به جدًا، وأرادوا أن يأخذوا مار إفرام لكي يقوم بالتدريس عندهم، ولكنه هرب منهم.
نيــاحتـــه
تحتفل الكنيسة بنياحته يوم 15 أبيب. وكان قبل موته قد أوصى أن يدفنوه في مقبرة الغرباء، إذ عاش غريبًا. وأوصى ألا يدفنوه تحت هيكل أو مذبح ولا في مقابر الشهداء.
______________________________________________________________
*مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 12 أكتوبر 2001م
القديس ديديموس الضرير
القديس ديديموس الضرير*
هو ناظر مدرسة الإسكندرية اللاهوتية في عهد القديس أثناسيوس الرسولي، ومن أعظم اللاهوتيين في أيامه.
نشأته
ولد سنة 312م وتنيح سنة 398م فعاش 86 سنة، قضى أكثر من خمسين سنة منها ناظرًا للإكليريكية.
فقد بصره وهو في الرابعة من عمره. وأستطاع أن يقوي ذاكرته بتدريب عجيب. ثم اخترع طريقة تعود بها على حروف بارزة بالخشب. فعرف طريقة القراء بالبارز قبل أن يقدمها برايل Braille للعالم بخمسة عشر قرنًا من الزمان.
وكان يحفظ كثيرًا من الكتب المقدسة عن ظهر قلب. ونبغ في الشعر والفصاحة والفلك والهندسة والفلسفة، بالإضافة إلى العلوم اللاهوتية.
شهرته
وصلت شهرته اللاهوتية إلى كل مكان. وأرسل إليه القديس أنطونيوس الكبير أب جميع الرهبان يقول له: "لا تحزن يا ديديموس إن كنت قد فقدت بصرًا ماديًا تشترك فيه الحشرات والحيوانات.. ولكن ينبغي أن تفرح، لأن لك عينين روحانيتين تستطيع بهما أن تبصر نور اللاهوت".
وسمع به القديس جيروم الذي كان يعتد بشخصيته اعتدادًا كبيرًا. ولكنه على الرغم من ذلك أتى إلى الإسكندرية وتتلمذ على يد القديس ديديموس.
وقال جيروم إنه سأل ديديموس أسئلة في الكتاب. وسمع عنها إجابات مقنعة ما كان يعرفها قبلًا.
ووصل إعجاب جيروم بالقديس ديديموس في ذلك الحين إلى درجة أنه لما طلب منه داماسوس رئيس أساقفة رومه وقتذاك أن يكتب له كتابًا عن الروح القدس، أجاب جيروم : "لم أجد كتابًا عن الروح القدس أعظم من الكتاب الذي ألفه ديديموس الضرير. وأقترح أن أترجمه لك" وترجمه إلى اللاتينية.
وفي كتاب جيروم عن "مشاهير الرجال" قال: "إنني لو كتبت عن جميع كتب ديديموس، لاحتجت إلى مؤلف خاص".
وتتلمذ على القديس ديديموس المؤرخ الشهير Rufinus وتتلمذ عليه كثير من فلاسفة الوثنية. وكانت له طريقة عجيبة في الإقناع تمتاز بالأدب الجم، لا يخدش بها شعور أحد من معارضيه.
كان هدفه هو أن يكسب معارضيه لا أن يهزمهم.
وكان يكسبهم بأدبه وعلمه. ولذلك فإن كتبه في المجادلات مع الخارجين عن الإيمان، تخلو من الشتائم ومن الكلمات الجارحة.
وقد حارب الأريوسية، كما حارب بقايا الوثنية التي ظهرت في الأفلاطونية الحديثة وبعض الفلسفات الأخرى. وآمن على يديه بعض الفلاسفة. وكثير من الهراطقة انضموا إلى الإيمان السليم.
كتبــــه
وضع القديس ديديموس 48 كتابًا. منها عشرون كتابًا في اللاهوت، و28 كتابًا في التفسير. وكان في التفسير يتبع مدرسة التفسير الرمزي، بعكس القديس باسيليوس الذي كان يتبع مدرسة التفسير الحرفي.
أما أشهر مؤلفاته فهي
1-كتابه عن الروح القدس.
2- كتابه عن الثالوث. وقد وضعه ضد الأريوسية والمقدونية.
3- كتابه ضد المانيين.
4- كتابه ضد الأريوسية.
5- كتبه في التفسير أشهرها: تفسير أسفار التكوين، وزكريا، وأيوب، وهوشع، وإشعياء. وتفسير إنجيل متى، وإنجيل يوحنا.
_________________________________________________________________
*مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 9 أغسطس 1985م
القديس يعقوب السروجي
القديس يعقوب السروجي
القديس يعقوب السروجي كان أسقف في منطقة سروج، ولد عام 451 ميلادية[1]، ورسم أسقفًا عام 519 ميلادية (كان عمره ثمانية وستين عامًا) وتنيح عام 521 ميلادية.
عظمة هذا القديس أنه من الشعراء الممتازين في الكنيسة السريانية، وأديب في بلاغة جبارة في اللغة السريانية، في بعض الأديرة وخصوصًا في أسبوع الآلام تُقرأ ميامر القديس يعقوب السروجي (خصوصًا في دير السريان) في عظات ساعات أسبوع الآلام، وهو الذي قال الكلمة الجميلة "إنه كانت هناك خصومة بين السماء والأرض، وعندما لم يستطع الإنسان أن يرتفع إلى السماء لكي يصالح الله، نزل الله من السماء إلى الأرض لكي يصالح الإنسان".
درس القديس يعقوب السروجي اللغة السريانية وأدبها، ودرس الفلسفة كأي إنسان، وأُعتبر من معلمي اللاهوت في الكنيسة وعمره اثنان وعشرون عامًا، وكان يتكلم بالشعر الكثير المعروف في كتب السريان أنه من البحر الثاني عشر، وهو بحر طويل من القصائد وضع 760 قصيدة أولها قصيدة عن مركبة حزقيال، وآخرها قصيدة عن الجلجثة، وكان يسجل له سبعون شخصًا لأشعاره، وعظاته، وأقواله، وله مئات الآلاف من أبيات الشعر في الـ 760 قصيدة (بعض القصائد كانت القصيدة طويلة تصل إلى 2000 بيت من الأبيات)، ولذلك كتب الكثير جدًا من أبيات الشعر، وله 45 رسالة، وله اثنين من ليتورجيا للقداس، وله ترانيم منثورة للتناول، وله طقس للعماد، وله 11 خطبة للأعياد السيدية، وكتب سير بعض النساك، وقصائده أشتملت على بعض الفضائل، وبعض من الأعياد السيدية، وبعض من فصول في العهد القديم، والعهد الجديد، وبعض عن أعياد القديسين والرسل والأنبياء، فهو يعتبر من أدباء الكنيسة السريانية.
تنيح عام 521م وعمره سبعون عامًا، لكنه في حياته صار راهبًا، ثم صار مشرفًا على الأديرة، ومن بعض قصائده كانت نبوة عن ما سيحدث من الأمور المؤسفة المتعبة لمدينة أمد، وتحققت عندما استولى الفرس على المنطقة واخربوا مدينة أمد، وقتلوا عشرات الآلاف من الناس، وأعتبرت نبوة له.
حضر القديس يعقوب السروجي أكثر من مجمع مقدس من المجامع المقدسة الخاصة بالكنيسة السريانية، وكان يدافع عن الإيمان السليم، وحَرَم نسطور وأتباعة وثيؤدوريت، وحرم لاون، ومجمع خلقدونية، وحرم أوطاخي، وكان إيمانه سليم. وعندما رُسم أسقفًا نُفي أيضًا بسبب أرثوذكسيته، ودفاعه عن الإيمان (نفوه في أرض الجزيرة ما بين دجله والفرات) هناك دافع عن الإيمان ولكنه عومل معاملة سيئة من البطريرك الخلقدوني. ومن المواقف التي تحسب للقديس يعقوب السروجي أنه ساهم في رسامة مار يوحنا على إيبارشية تلا.
عظمة القديس يعقوب السروجي تظهر في إنتاجه الأدبي، وفي عظاته، وفي ميامره، وفي التراث الذي تركه باللغة السريانية في دفاعه عن الإيمان، ومازلنا نستفيد من هذا التراث الذي تركه.
نُقلت عظامه إلى دير جديد وبنيت هناك كنيسة على اسم السيدة العذراء، وكثيرون قدموا فيه رثاء ونُظَّمت قصائد مديح.
________________________________________________________________
[1] (نفس السنة التي عقد فيها مجمع خلقدونية)، فهو لم يحضر أي مجمع من المجامع الأرثوذكسية الثلاثة، لا مجمع نيقية، ولا مجمع القسطنطينية، ولا مجمع أفسس، ولم يعاصر الآباء الكبار، القديس أثناسيوس، والقديس كيرلس، والقديس غريغوريوس، والقديس باسيليوس إلى آخره، فهو في عصور متأخرة لكن من قديسي الكنيسة.
* محاضرة لقداسة البابا شنوده الثالث في الكلية الإكليريكية، بتاريخ 26 مارس 2001م
القديس إيلاري أسقف بواتييه
القديس إيلاري أسقف بواتييه
وكتابه عن الثالوث
القديس إيلاري من الآباء اللاتين. عاش في القرن الرابع ودافع عن لاهوت المسيح ضد الأريوسيين حتى سُميَّ أثناسيوس الغرب.
ولد في أواخر القرن الثالث. ورُسم أسقفًا على بواتييه (في جنوب غربي فرنسا) سنة 350م، وتنيح سنة 368م.
أي أنه قضى في الأسقفية 18سنة، كانت غالبيتها نفيًا. هو من الآباء اللاتين، لأنه كتب باللغة اللاتينية، مثل القديس أغسطينوس، والقديس أمبروسيوس، والقديس كبريانوس، والعلامة ترتليانوس.
تعمق في دراسة الكتاب المقدس، ووجد فيه ما لم يجده في الفلسفة. ولما صار أسقفًا، كانت الأريوسية منتشرة فأهتم بالرد عليها. وإثبات لاهوت السيد المسيح، وإثبات الثالوث القدوس، فنُفي.
نفاه الإمبراطور قسطنطينوس إلى فريجيه في آسيا الصغرى، وكانت معقل الأريوسية في ذلك الحين. وفي نفيه وجد الهدوء الذي ساعده على وضع أشهر كتبه وهو كتاب الثالوث
De Trinitate.
وكتابه هذا يرد على شهود يهوه الذين يدعون أنه لا يوجد أحد من الآباء كتب عن الثالوث.
عاد من نفيه إلى فرنسا، ثم نُفى مرة أخرى. وقضى سنواته الأخيرة في المنفى أيضًا. على أنه أثناء فترة خدمته حاول أن يطارد أوكسنتيوس أسقف ميلانو (قبل القديس أمبروسيوس). وكان ذلك يميل إلى الأريوسية. ولكن الإمبراطور لم يساعد القديس إيلاري على ذلك، إذ كان يحب الهدوء ولا يميل إلى الجدل اللاهوتي ومشاكله.
مؤلفاته
أشهر كتبه هو الثالوث. له كتاب آخر عن المجامع المحلية التي في أيامه.
له أيضًا تفسيرات لبعض المزامير. من أهم المزامير التي فسرها مزمور 131 "يَا رَبُّ، لَمْ يَرْتَفِعْ قَلْبِي، وَلَمْ تَسْتَعْلِ عَيْنَايَ" وكذلك مزمور 54 "اَللَّهُمَّ، بِاسْمِكَ خَلِّصْنِي..". كذلك فسر المزمور الأول "طُوبَى لِلرَّجُلِ الَّذِي لَمْ يَسْلُكْ.." وكان أسلوبه في التفسير يختلف بعض الشيء عن تفسير أوريجانوس، على أن تفسيراته للمزامير لم تصلنا كاملة.
كتب أيضًا ضد الإمبراطور قسطنطينوس وضد أسقف ميلانو.
كتاب الثالوث
إنه يشبه القديس أثناسيوس في أنه جعل "تجسد الكلمة" مركزًا لأبحاثه اللاهوتية. وقد تحدث عن بنوة الابن للآب قبل كل الدهور، وعن مساواته للآب في الجوهر. وعن تواضعه في تجسده وأخذه شكل العبد. وتحدث عن قيامة المسيح في مجده وتجليه، وأنه أرتفع في مجد. وتحدث عن عقيدة الثالوث في العهد القديم أيضًا. ووجودها في قصة الخليقة، وفي كلام الله عن الآباء الأول مثل إبراهيم وإسحاق ويعقوب. وكلام الله مع موسى. وما ورد في سفر إشعياء، وسفر هوشع، وسفر إرميا. وإثبات عقيدة الثالوث، وأن الأقانيم الثلاثة واحد. من يريد أن يكتب بحثًا عن الثالوث، عليه أن يقرأ لإيلاري.
وتكلم كثيرًا جدًا عن طبيعة المسيح اللاهوتية وطبيعته الناسوتية. وكيف أنه كان كاملًا كإله، وكاملًا كإنسان. وتكلم عن وحدة الطبيعة بين الآب والابن. وعلى أن السيد المسيح، لم يكن فقط إلهًا، وإنما هو إله حق (كما نقول في قانون الإيمان). وتكلم عن ظهوراته في العهد القديم في بعض المناسبات.
ورد على الأريوسيين من جهة الآيات التي أساءوا فهمها. وشرح التفسير الحقيقي لتلك الآيات، والوضع اللاهوتي للمسيح. ومنها (يو10: 30) "أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ". وقد قال الأريوسيين إنهما واحد في المشيئة وفي الإرادة. بينما شرح القديس إيلاري أن الآب والابن واحد في الطبيعة. فطبيعة الآب هي طبيعة الابن. تعرض أيضًا للآية (يو17: 3) "أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ الإِلهَ الْحَقِيقِيَّ وَحْدَكَ". وقال إن عبارة (الإله الحقيقي وحده) تنطبق على الابن أيضًا. فهو الإله الحقيقي، كما أن الآب هو الإله الحقيقي. وذلك لأن الآب والابن هما واحد في اللاهوت.
تعرض أيضًا للآية (يو5: 19) "لاَ يَقْدِرُ الابْنُ أَنْ يَعْمَلَ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئًا إِلاَّ مَا يَنْظُرُ الآبَ يَعْمَلُ". وكذلك (يو20: 17) "أَبِي وَأَبِيكُمْ وَإِلهِي وَإِلهِكُمْ". وما ورد في (عب1: 9)، وما يقابلها من المزمور من جهة "مَسَحَكَ اللهُ إِلهُكَ بِدُهْنِ الابْتِهَاجِ أَكْثَرَ مِنْ رُفَقَائِكَ" (مز 45: 7) وكذلك ما ورد في (أف1: 16، 17).
وتحدث عن آيات أخرى مثل: معرفة الابن لذلك اليوم وتلك الساعة (مر13: 32). فقال إن الابن يعرف تلك الساعة، لأنه أقنوم المعرفة. وقيل عنه إنه "مخبأة فيه كل كُنُوزِ الْحِكْمَةِ وَالْعِلْمِ" (كو 2: 3). وإن ما يذكر من جهله لتلك الساعة، إنما هو عن إخفاء المعرفة بها، أو عدم التصريح بها. وأن الابن شرح تلك الساعة في مناسبات أخرى، وما يسبقها شيئًا إلى نفس الوضع.
وقال إن كلمة لا يعرف أو يجهل وما أشبه، استخدمت في العهد القديم حتى عن الله الآب: مثل سؤاله لآدم: "أَيْنَ أَنْتَ؟" (تك 3: 9) بينما هو يعرف أين هو آدم. وأمور أخرى كأنه لا يعرف. كما في (تك 18: 20) في موضوع سَدوم "إِنَّ صُرَاخَ سَدُومَ وَعَمُورَةَ قَدْ كَثُرَ، وَخَطِيَّتُهُمْ قَدْ عَظُمَتْ جِدًّا. أَنْزِلُ وَأَرَى هَلْ فَعَلُوا بِالتَّمَامِ حَسَبَ صُرَاخِهَا الآتِي إِلَيَّ، وَإِلاَّ فَأَعْلَمُ"، وكأنه لا يعلم!! وهو يعلم.
تعرض القديس إيلاري أيضًا لعبارة "أَبِي أَعْظَمُ مِنِّي" (يو14: 28) وشرح ما المقصود منها.
وتحدث عن أن السيد المسيح تشهد للاهوته أعماله، والكتاب المقدس.
وتكلم عن علاقته بالروح القدس. وأن الروح القدس يسمى أحيانًا "روح الآب" وأحيانًا "روح الابن" أو "روح المسيح" مما يدل على الوحدة بين الآب والابن.
وتحدث عن عملية الخلق وعملية المصالحة. وأن كليهما من الآب والابن.
وشرح الآية (كو2: 9) إن المسيح يحل فيه كل ملء اللاهوت جسديًا. وما معنى أنه صورة الله، وأنه البكر.
كما تحدث أيضًا عن مسحة المسيح. وعن المواهب: وهل هي صادرة من الابن؟ أم من الآب؟ أم من كليهما؟ وتحدث عن شهادة الآب للمسيح، وشهادة الأنبياء القدامى.
ويعوزنا الوقت أن نورد كل ما ذكره القديس إيلاري في كتابه عن الثالوث، الذي تحسن ترجمته.
__________________________________________________________________
*مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 15 مارس 2002م
الباب الثالث قديسي رهبنة وبتوليين القديس الأنبا شنوده رئيس المتوحدين
القديس الأنبا شنوده رئيس المتوحدين
ولد في قرية شندويل (من أعمال سوهاج)، وكان الابن الوحيد لوالديه. وكان أبوه فلاحًا، وعنده غنم عهد بها إلى أحد الرعاة ليرعاها. وهذا الراعي طلب منه ابنه شنوده أن يكون معه، فقبل ذلك ولكن أشترط أن يعود إليه كل يوم ولا يتأخر عن الغروب. وذهب الفتى شنوده مع الراعي، ولكنه كان يتأخر في العودة إلى بيته. فعاتب والداه الراعي فأجاب بأنه التزم بوعده لهم. ثم بدأ يتعقب هذا الفتى ليرى سبب تأخيره. فرآه واقفًا يصلي وقد رفع يديه، وأصابع يديه تتقد كأنها مصابيح متوهجة، فأعاده إلى والده وقال له "خذ ابنك لأنني لست مستحقًا أن يمكث معي".
بعد ذلك أخذه خاله بيجول، وكان رئيسًا لدير، وبدأت تظهر قداسة هذا الصغير. فحدث أنه كان هناك شخص قد صرعه شيطان، فوضع شنوده يده عليه وأنتهر الشيطان فخرج منه. وفى إحدى المرات كان نائمًا فرأى أنبا بيجول ملاكًا يحرسه، ثم حدث أن ملاكًا ظهر للأنبا بيجول وسلّمه إسكيمًا ليلبسه لشنوده، فألبسه إياه وصار راهبًا، وسُمع صوت من السماء يقول "اليوم أقيم شنوده أرشمندريت".
وبدأ الأنبا شنوده حياته الرهبانية بنسك شديد، وبأتعاب كثيرة وأصوام حتى قيل إن جسده قد جفّ وصار نحيلًا، وكان كثير المطانيات والأصوام، وكثير البكاء أيضًا، وحدث أن الأنبا بيجول تنيح، وتعين رئيس آخر يخلفه، ولم يكن حازمًا تجاه الأخطاء التي وقع فيها بعض الرهبان، فوبخه الأنبا شنوده على ذلك، ولما لم يسمع له، ترك الأنبا شنوده الدير وعاش منفردًا في مغارة. ولما تنيح رئيس الدير، اختار الرهبان الأنبا شنوده ليكون رئيسًا. وهنا بدأ جزء جديد من حياته كرئيس دير.
كان القديس الأنبا شنوده حازمًا جدًا، وقد وضع قوانين للرهبان، كما كتب رسائل، ووهبه الله أن يعرف أفكار من يأتون إليه. وكان دقيقًا جدًا في كلامه، وقال مرة: "إني لم أنطق كلمة من عندي لم يضعها السيد المسيح على فمي". ووهبه الله أيضًا أن يصنع بعض معجزات، وقد ذكر تلميذه ويصا هذه المعجزات، مما لا يتسع المجال لسردها كلها، ولكننا سنقتصر على البعض.
كان القديس الأنبا شنوده يدافع عن الفقراء، وينتهر الأغنياء الذين لا يهتمون بهم، وبخاصة لأنه كان يعيش في عصر إقطاعي. كما كان يحب العدل ويدافع عن المظلومين، مرددًا بأن من يسمع صراخ المسكين ولا يستجيب، يصرخ هو أيضًا ولا يستجيب الرب له (أم 21: 13).
وحدث في وقت ما أن قبائل من النوبة هجموا على بعض قرى أخميم، ونهبوا مالها وسبوا أهلها. فلما عرف الأنبا شنوده ذلك، ذهب إليهم وتفاوض مع رئيس تلك القبائل أن يكتفي بما أخذه من مال، ويطلق هؤلاء الذين سباهم، فوافق على ذلك.
وأخذ الأنبا شنوده أولئك المسبيين واستضافهم في ديره، وكانوا حوالي عشرين ألفًا، وكان يقدم لهم المأكل والملبس ودفع لهم أجرًا كبيرًا. وكان ينفق 25 ألف درهم أسبوعيًا ثمنًا للخضروات التي يأكلونها، بالإضافة إلى الخضروات التي تنتجها مزارع الدير، واستمر في إضافتهم ثلاثة أشهر. والعجيب أن بعضًا من هؤلاء الذين أعتنى بهم، كانوا يتذمرون قائلين: "لم نتعود على مثل هذا الطعام، ولا يريحنا هذا الفراش"، فلم يغضب عليهم القديس الأنبا شنوده ولم يطردهم. وإنما ألتمس لهم عذرًا وقال: "كلنا تحاربنا ضعفاتنا".
وفي إحدى المرات أتاه شخصًا فقيرًا، فأعطاه بذورًا ليزرعها، ونما الزرع وأغتنى ذلك الشخص وصار من الأثرياء.
وفي إحدى المرات أتاه تاجرًا شاكيًا أن بيته قد سُرق، فقال له القديس الأنبا شنوده: "سر إلى ضواحي أسيوط، تجد ثلاثة أشخاص أحدهم يسّرح شعره فقل له: أني أريده. وفعل التاجر ذلك ورأى الأشخاص الثلاثة فقال للذي يسّرح شعره: "القديس الأنبا شنوده يريدك"، فأجاب: "وأنا أريد أن أراه". فأخذه معه إلى القديس الذي لما رآه، قال له: "يجب أن ترجع إلى التاجر ما نهبته من ماله، وإلا فإن الله سيعاقبك". فأرجع إليه ماله ففرح التاجر بذلك.
وعُرفت قداسة الأنبا شنوده وذاع صيته، وكانت له أعمال أخرى، منها أنه دافع عن الإيمان في عصره، ووقف ضد السحر والشعوذة وتصديق الخرافات، والاعتقاد بالطالع والحظ، وما يقوله البعض عن النحس. وكان يوبخ من يذهبون إلى العرافين والسحرة، ومن يعالجونهم بربط حوافر ذنب أو رأس أفعى أو أسنان تمساح، قائلًا لكل أولئك: "لن تنفعكم مثل هذه الأمور".
واهتم هذا القديس بمزارات الشهداء والقديسين متبعًا تعاليم القديس كيرلس الكبير الذي أقام مزارًا للقديسين أباكير ويوحنا. وفي نفس الوقت وقف ضد الموالد وما يحدث فيها من أخطاء.
وكان للقديس الأنبا شنوده علاقة طيبة مع الآباء البطاركة الذين عاصرهم، وكان يراسلهم ويراسلونه بكل تقدير له. وقد أخذه القديس البابا كيرلس معه في ذهابه إلى مجمع أفسس. ولما حرم المجمع نسطور، نفوه إلى أخميم قريبًا من الدير الأبيض للقديس الأنبا شنوده، لأن تلك المنطقة كانت عامرة بالتعليم السليم بسبب عظاته التي يحضرها الآلاف من الناس.
وقد وهبه الله الانتقال من مكان إلى أخر بطريقة معجزية. وسمع عنه الإمبراطور ثيئودوسيوس ورغب في مقابلته. وقد تمت تلك المقابلة بأعجوبة أخرى. وفي إحدى المرات سأله بعض عظماء من أخميم قائلين: "هل يوجد في هذا الجبل من سيصير مثل الأنبا أنطونيوس؟" فأجابهم قائلًا: "ولو اجتمع كل رهبان هذا الزمان، فلن يصنعوا أنطونيوس واحدًا" ويعتبر القديس الأنبا شنوده زعيمًا للأدب القبطي.
وقد تمكن جدًا من اللغة القبطية وقواعدها ومفراداتها. وعلى الرغم من معرفته للغة اليونانية، إلا أنه كان يتمسك باللغة القبطية الصعيدية، وكتب بها، وقيل إنه كان يهتم بتخليص اللغة القبطية من التأثيرات اليونانية. والمعروف أن القديس الأنبا شنوده كان له في تعليمه ووعظه أسلوب مؤثر جدًا، يتواصل فيه مع السامعين، سواء في الشرح أو التبكيت أو التحذير.
أما عن كتاباته فتتنوع بين ثلاثة أقسام: القوانين التي وضعها للرهبان وهي في 9 مجموعات، والعظات أو التعليم وهي في 8 مجموعات، ثم الرسائل، وقد فُقد الكثير من تراث أنبا شنوده ولم يصل لنا سوى عشرة آلاف ورقة، وشذرات لحوالي 350 مخطوطة، بينما كانت مكتبته في الدير الأبيض في القرن الثاني عشر تضم حوالي 1000 مخطوطة. وحاليًا المخطوطات الباقية لنا منه، مبعثرة في متاحف العالم ومكتباته: مثل المكتبة الأهلية بباريس، والمعهد الفرنسي للآثار الشرقية، ومكتبة المتحف القبطي بالقاهرة، والمكتبة الأهلية في فيينا، وفي المتحف المصري بمدينة تورين الإيطالية، وفي المتحف البريطاني. وحتى الآن تم التعرف على حوالي 148 من القوانين والعظات.
وفي الواقع بدأ التعرف على القديس الأنبا شنوده، حينما نُشر فى باريس كتاب الرحالة الألماني فانسليب سنة 1671م، وقد ذكر الديران الأبيض والأحمر. ثم ما نشره العالم الدنماركي Zoega في القرن الـ 19. ثم العالم الفرنسى أميلينو سنة 1907م حيث أصدر الجزء الأول من كتابات الأنبا شنوده مع ترجمة فرنسية، وبعده الجزء الثاني سنة 1914م. وبعد ذلك مجهودات العالم الألماني ليوبولد وعالم القبطيات Crum، ثم قام العالم الأمريكي Young بنشر نصوص أخرى للقديس الأنبا شنوده مع ترجمة إنجليزية.
وفي الواقع أنه بعد الحملة الفرنسية والانتداب البريطاني، زاد ولع البريطانيين بالحضارة المصرية والقبطية، وأنتشرت عملية شراء المخطوطات القبطية، وتفرقت كتابات الأنبا شنوده في المكتبات والمتاحف. وبقيت محاولة لتنظيم أوراق مخطوطات، وقد نظمها العالم استيفن اميل مع جداول لكل عظة أو قانون على مدى 10 سنوات من سنة 1994م إلى سنة 2004م برسالة دكتوراه له، ثم بدأ مشروع ترجمة مؤلفاته.
________________________________________________________________
* مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 27 يوليو 2007م
القديس الأنبا صموئيل المعترف
القديس الأنبا صموئيل المعترف*
نشأته
كان أبوه كاهنًا قديسًا من مليج النصارى مركز شبين الكوم اسمه (سيلاس) ولم يرزق به إلا في شيخوخته، فرباه أحسن تربية. وأراد أن يزوجه، ولكنه اختار حياة الرهبنة، ففرح والداه بهذا وتأكد الأمر برؤيا رآها أبوه.
وإذا ملاك الرب يقول له: "سيصير ابنك صموئيل راهبًا مختارًا، ويقبل آلامًا من أجل الرب، ويصير له أولاد كثيرون".
رهبنته
وكبر صموئيل، ومات والداه، فوزع كل غناهما على الفقراء، واتجه إلى برية شيهيت، فظهر له ملاك الرب في هيئة راهب شيخ سأله عن طريقه، فلما أجاب أنه ذاهب إلى شيهيت، قال له: "وأنا ذاهب معك"، ورافقه في الطريق، وكان يشرح له فيه مبادئ الرهبنة.
ولما وصلا إلى هناك، قال له الملاك: "أنا أعرف إنسانًا عابدًا قديسًا في هذا الجبل، سأسلمك إليه لتتلمذ عليه". وسلمه للأنبا أغاثون.
ولما ألبسه الأنبا أغاثون إسكيم الرهبنة، عاش في سيرة ملائكية، بصلوات دائمة وأصوام، وفي فضائل الرهبنة ونقاوة القلب، ومحبة الإخوة، حتى أُهل للمواهب.
وبعد نياحة معلمه، صار مرشدًا للإخوة، إذ كانوا يثقون به وبقداسته وإرشاده.
اضطهاد المقوقس
ولما صار المقوقس واليًا رومانيًا على مصر، وأراد إرغام الأقباط على قبول مجمع خلقيدونية. رفض القديس هذا الأمر، فأوسعوه ضربًا، كانت نتيجته أنه فقد إحدى عينيه. فكف الجند عن تعذيبه، لكنهم طردوه من برية شيهيت.
في الوجه القبلي
وأرشده الملاك في رؤيا أن يذهب إلى جبل القلمون، فأخبر تلاميذه بهذا، ومضوا جميعًا وأقاموا هناك، وكان كثيرون من أهل الفيوم والبلاد المحيطة يأتون للتبرك بهم. ثم أقام القديس في مغارة في هذه البرية. وكان يحضر إلى الدير يومي السبت والأحد للتناول. ثم نالته عذابات واضطهادات أخرى على يد المقوقس، الذي كاد يقتله، لولا توسط بعض أراخنة الفيوم، فطرده من المكان. فأرشده الرب إلى وادٍ قريب، فيه بيعة قديمة، أقام فيه مع تلاميذه.
اِضطهاد البربر له
وبعد ذلك نالته ضيقات كثيرة على أيدي البربر، الذين اعتدوا عليه في إحدى المرات، وفي مرة أخرى أخذوه في السبي إلى بلادهم. وكانوا قد طلبوا إليه أن يسلمهم الأواني المقدسة، فلما رفض، ربطوه في نخلة، وظلوا يضربونه، ثم أخذوه إلى بلادهم.
وهناك التقى بالقديس يوأنس القصير قمص شيهيت. وكان في السبي هناك، ففرح به. وأشتركا معًا في الآلام. وقد حاول البربر أن يرغموه على السجود لآلهتهم فرفض، فعذبوه ثم احتالوا بحيلة أخرى.
ربطه مع جارية
أوحى الشيطان للبربري السيد الذي كان القديس يعمل عنده في السبي، بطريقة يتعب بها القديس روحيًا. ما دام تعذيب الجسد لم يجد معه. فربط يد القديس مع يد جارية بقيد من حديد، وتركها تمشي معه وتبيت معه، فترة من الزمن. فصلى القديس الأنبا صموئيل إلى الله بدموع لينقذه.
وحدث أن القديس شفى من البلدة المجاورة مقعدًا من بطن أمه، فأخبر الناس. ثم شفى طفلًا مشلولًا لزوجة ذلك البربري، وحينئذ فكوا قيده من الجارية التي ضربها الله بالجذام، فشفاها القديس. وآمن رئيس البربر بالمسيح، وأطلق سراح القديس، فترك بلاد البربر ورجع إلى ديره.
عودة القديس إلى ديره
وفي الدير ظهرت له القديسة العذراء، وحددت له مكانًا يبني لها فيه كنيسة. فبنى كنيسة للعذراء في ديره. وامتلأ الدير بالرهبان، وكان أشهرهم تلميذاه يسطس وأبوللو. وكان ذلك حوالي سنة 630م.
إقامة تلميذه أندراوس من الموت
تنيح هذا التلميذ، في عمل خارج الدير. فصلى القديس من أجله، فظهرت له العذراء ووعدته بإقامته.
ولما قام سألوه.. فقال: إن روحه أُخذت إلى مكان منير جدًا فيه قديسون قيل له: "هذا مسكن الأنبا صموئيل وأولاده" وفيما هو هناك دخل قديس عظيم، وقال له: "هوذا أبوك يدعوك". وسلم على الأنبا صموئيل وأسلم الروح.
عدم خوفه من الشياطين
كان القديس يذهب إلى الدير كل أحد للتناول ثم يعود إلى مغارته. ومرة أبطأ ثلاثة أشهر، لم يقدر على الذهاب إلى الدير للتناول بسبب مرضه. فاجتمع الشياطين عند بابه وصرخوا ليخيفوه قائلين: "ادخلوا بنا لنطرحه إلى أسفل، لأن ربه قد تركه وليس من يعينه، والآن هوذا قد وقع في أيدينا". وصاروا في شكل البربر مجردين سيوفهم. وقال بعضهم: "هلموا نذبحه".. وقال آخرون: "بل نتركه يموت وحده"، أما القديس فظل هادئًا يردد المزامير، ويقول: "لا تتركني يا رب ولا تشمت بي أعدائي". فأرسل الرب ملاكه فهرب الشياطين بخزي عظيم. وأعطاه الملاك غذاءً روحيًا فتقوى وشكر الرب.
وفي إحدى المرات سار القديس ليفتقد الإخوة فأعترضه الشيطان قائلًا: "كيف جسرت أن تمشي في هذا الطريق؟ فأجابه: "إنني أتبع آثار الأنبا أنطونيوس" فصلى فأختفى عنه.
نياحة القديس الأنبا صموئيل
أخيرًا مرض القديس بحمى شديدة، وظهر له ملاك يبشره بقرب انتقاله. فجمع الرهبان وأوصاهم. ثم أسلم روحه في يدي الله في 8 كيهك، وعمره 96 سنة. وكان ذلك سنة 639م. وفاح بخور عظيم من جسده، وتبارك منه تلاميذه.
بركة هذا القديس العظيم تكون مع جميعنا آمين.
_______________________________________________________________
* مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 19 ديسمبر 1980م
القديس أرسانيوس الكبير
القديس أرسانيوس الكبير*
في يوم 13 بشنس (21 مايو) من كل عام، تعيد الكنيسة المقدسة بتذكار القديس أرسانيوس الكبير معلم أولاد الملوك. ونود في تذكاره أن نذكر بعض ملاحظات هامة:
إنه يمثل الشخصيات الكبيرة التي عاشت حياة الرهبنة.
فقد كان على درجة كبيرة جدًا من الثقافة أهلته أن يختاره الإمبراطور ثيئودسيوس ليكون معلمًا ومؤدبًا لابنيه هونوريوس وأركاديوس اللذين صار أحدهما وهو هونوريوس فيما بعد إمبراطورًا للغرب، وكما صار أركاديوس إمبراطورًا للشرق.
كان أرسانيوس دارسًا للغتين اليونانية واللاتينية، وما يتعلق بهما من فلسفة وثقافة وعلم. وكان محترمًا جدًا في العالم، كما كانت له هيبة أيضًا في الرهبنة وتوقير لشخصه.
ومع كل ذلك كان متواضعًا
لم يستطع مركزه أن يرفع قلبه، ولا استطاعت ثقافته أن تجعله يرتفع على البسطاء. بل إنه قال: "أنه على الرغم من دراسته لليونانية والرومانية، لم يستطيع أن يعرف الألفا فيتا التي يعرفها ذلك المصري الأمي"، وقال في اتضاع إنه على الرغم من ثقافته لم يتقن طريقة أكل الفول التي يتقنها ذلك الراهب القبطي. ولما وجه إليه القديس الأنبا إشعياء توجيهًا غير مباشر بأن لطم الراهب الذي يجلس إلى جواره قائلًا له: "كيف تُميز نفسك على إخوتك، وتنتقي لنفسك الفول الأبيض" قال القديس أرسانيوس في اتضاع: "هذه اللطمة على خدك يا أرساني".
وكان أرسانيوس رجل صلاة ورجل دموع
كان يقف للصلاة في وقت الغروب، متجهًا إلى الشرق، والشمس خلفه. ويظل واقفًا يصلي حتى تظهر الشمس من أمامه، وكان يمزج صلاته بالدموع حتى تساقطت رموش عينيه من كثرة البكاء، وصار على خديه شبه أخدودين من حفر الدموع الساخنة فيهما، وقيل إنه في الصيف كان يبلل الخوص بالدموع.
كان أرسانيوس يمثل حياة الوحدة الحقيقية المتفرغة للصلاة
أب عظيم مثل القديس مقاريوس الإسكندراني قال له: "لماذا تهرب منا يا أبتاه؟" فأجابه القديس أرسانيوس: "يعلم الله أنني أحبكم جميعًا. ولكنني لا أستطيع أن أتحدث مع الله والناس في نفس الوقت"، وفي أحد الأيام جاء البابا ثاؤفيلس إلى البرية، وأحب أن يقابل أرسانيوس، فاستأذنه في ذلك، فأجاب: "إن أتيت إليَّ فتحت لك. وإن فتحت لك، لا أستطيع أن أغلق بابي في وجه أحد. وإن فعلت ذلك، لا يمكنني أن أحيا في البرية" فقال البابا ثاؤفيلس في اتضاع: "الأفضل أن لا نذهب إليه، وإلا كنا بذلك نطرده من وحدته".
وكان القديس أرسانيوس يقف وراء عمود حينما يصلي في الكنيسة، وذلك لكي يحتفظ بهدوئه وسكونه ووحدته داخل الكنيسة وأيضًا لكي لا يرى أحد دموعه وهو يصلي.
ولا يزال عمود أرسانيوس موجودًا حتى الآن في الكنيسة الأثرية بدير البراموس العامر ببرية شيهيت.
كان القديس أرسانيوس مشهورًا بالصمت
على الرغم من كل علمه وثقافته، وعلى الرغم من سموه الروحي وقدرته على الإرشاد، إلا أنه فضل الصمت. وقال في إحدى المرات عبارته الخالدة: "كثيرًا ما تكلمت فندمت. وما عن سكوتي فما ندمت قط".
وكان له تلاميذه، تركهم في إحدى السنوات، وذهب إلى جبل طره حيث يوجد مكان معروف باسمه حتى الآن. ولكنه ما لبث أن اشتاق إلى برية شيهيت وعاد إليها. فعاتبه تلاميذه على ترك تلك البرية، فأجابهم بعبارته الجميلة: "أنهم عتيدون أن يقولوا عن أرسانيوس إن الحمامة إذ لم تجد موضعًا لقدميها، رجعت مرة أخرى إلى الفلك".. "فَلَمْ تَجِدِ الْحَمَامَةُ مَقَرًّا لِرِجْلِهَا، فَرَجَعَتْ إِلَيْهِ إِلَى الْفُلْكِ" (تك 8: 9) وقد رآه أحد الآباء في رؤيا والملائكة حوله.
والعجيب أنه بعد هذه الفضائل كلها، لما أتته ساعة الموت، فزع!! فقال له تلاميذه في تعجب "حتى أنت يا أبانا تفزع من هذه الساعة؟!" فأجابهم القديس قائلًا: "إن فزع هذه الساعة ملازم لي منذ دخلت إلى الرهبنة".
ولما أدركت الوفاة القديس البابا ثاؤفيلس، قال: "طوباك يا أنبا أرسانيوس، لأنك بكيت لهذه الساعة كل أيام حياتك..".
لم يكن القديس أرسانيوس قبطيًا
لكنه من القديسين الكبار الذين عاشوا في الأديرة القبطية كل حياتهم. مثله في ذلك الأميرين الرومانيين القديسين مكسيموس ودوماديوس. ومثل القديسة إيلاريا بنت الملك زينون.
بركة صلاة هذا القديس العظيم تكون مع جميعنا.
_________________________________________________________________
*مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 25 مايو 1990م
القديس مار أوغريس
القديس مار أوغريس*
أحد قادة الفكر الرهباني
هذا القديس – كالقديس مار إفرام – يعتبر من آباء البرية النساك، وأيضًا يعتبر من أبطال الإيمان المدافعين عنه. كذلك فإنه يمكن أن ينضم إلى قديسي التوبة.
إنه يمثل حياة توبة، حياة إنسان عاش مع الله، ثم انتكس وأخطأ، ثم رجع إلى الله مرة أخرى، وقادته في هذه التوبة إحدى الأمهات القديسات.
نشأته
ولد في بلاد البنطس، وتعرف بثلاثة من القديسين العظماء تربطهم رابطة واحدة وهم القديس باسيليوس الكبير، وأخوه القديس غريغوريوس أسقف نيصص، وصديقهما القديس غريغوريوس الثيئولوغوس. وقد أعجب به القديس باسيليوس ورسمه أغنسطسًا، وبعد نياحة القديس باسيليوس رقاه القديس غريغوريوس الناطق بالإلهيات فرسمه شماسًا، وقيل أنه اصطحبه معه إلى مجمع القسطنطينية سنة 381م. وقد نال شهرة كبيرة هناك، فأعجبوا به بفصاحته وعلمه اللاهوتي، وردوده على الهراطقة، حتى أحبه الكل وأحبه أيضًا القديس نكتاريوس رئيس أساقفة القسطنطينية، واستبقاه معه هناك.
الشيطان يجربه بالخطية
وفي القسطنطينية حسده الشيطان على محبة الناس له، وعلى براعته اللاهوتية، فكان ضمن المعجبين به زوجة أحد النبلاء، فوقع في محبة هذه المرأة، وصلى إلى الله كثيرًا حتى ينجيه من هذه المحبة، ولما نجاه الله منها، كانت المرأة قد وقعت في محبته، ولم يستطيع أن يتخلص منها لأنها كانت قد أغرقته بكثير من هداياها.
الحلم والعهد
ولكنه لم يخطئ إليها. وتعب كثيرًا وصلى إلى الله، والله محب البشر أراد أن ينقذه.. ففي أحد الأيام حلم حلمًا عجيبًا: ظهر له ملاك الرب في هيئة جندي مسلح، فأخذه وألقاه في السجن، وفي السجن تعبت نفسيته جدًا، وبخاصة لأنه كان يرى نهاية المسجونين الذين معه الذين كانوا يتقدمون للشنق أو للتعذيب، وقال في نفسه لعل النبيل زوج المرأة أدرك العلاقة، فألقاه في السجن، وما أسهل أن يأمر بقتله.
وفي انتظار مصيره المؤلم، ظهر له ملاك الرب بهيئة صديق من أصدقائه، وقال له: "ما الذي أتى بك إلى هنا؟" فأجابه أوغريس، لعل أحد الحساد وشى بي فألقوني في السجن ظلمًا، وأنا أخشى أنه – عن طريق رشوة تُقدم للقاضي – يمكن أن يأمر بقتلي".
فأجابه ذلك الصديق: "هل تعاهدني أمام الله؛ أنك إذا خرجت من السجن تترك هذه المدينة؟ إن عاهدتني أساعدك في الخروج من هذا المأزق" فعاهده أوغريس ويده موضوعة على الإنجيل أنه إن خرج من السجن يترك المدينة. وفعلًا خرج من السجن لأنه قام لتوه من النوم.
ومع أن هذا العهد قطعه على نفسه في حلم، إلا أنه نفذه عندما استيقظ، لأنه كان قد قال لصديقه في الحلم: "إنني لن أبقى في القسطنطينية سوى اليوم الواحد الذي أجمع فيه أمتعتي" وفعلًا غادر المدينة.
يتتلمذ على القديسة ميلانيا
ذهب القديس مار أوغريس إلى أورشليم وكانت هناك القديسة ميلانيا الكبيرة، وقد أسست ديرًا هناك فأقام معها يتتلمذ عليها وهناك حاربه الشيطان فرجع إلى علاقاته العاطفية، والله الرحوم الحنون لم يتركه فضربه بحمى شديدة لم يستطع أن يشفى منها، وعجز الأطباء عن علاجه واستمر ستة أشهر على فراش المرض.
فأتته القديسة ميلانيا ذات يوم وقالت له: "اسمع يا ابني.. إني أرى أن مرضك ليس مثل مرض سائر الناس، فأخبرني بحقيقة حالك ومع إنني خاطئة جدًا إلا أنني سأصلي من أجلك لكي يشفيك الرب".. فاعترف لها بكل شيء وقص لها كل أمره فقالت له: "هل تعاهدني أنه إذا شفاك الله تذهب إلى الإسقيط وتترهب؟". فوعدها.. فصلت لأجله وشفاه الله.
وبر بوعده وذهب إلى الإسقيط وترهبن هناك. وعاصر السنوات الأخيرة من حياة القديس مقاريوس الكبير الذي تنيح سنة 390م، والقديس مكاريوس الإسكندراني الذي تنيح بعده بسنوات، ورآه القديس بيلاديوس وأعجب به وكتب سيرته.
رهبنته ونسكه
ذهب أوغريس إلى مصر وقضى سنتين في جبل برنوج، ثم ذهب إلى البرية الداخلية في منطقة القلالي، وعاش 14 سنة هناك - قيل 16 سنة -. وفي بدء حياته حورب بشيطان الزنى فذهب إلى القديس مكاريوس الكبير وسأله كيف أنجو من هذه الحرب؟ فنصحه القديس بالنسك الشديد، وعاش مار أوغريس في نسك، لم يكن يأكل أبدًا طعامًا مطبوخًا إلا في أواخر حياته عندما أضعفه الهزال، وكان لا يستخدم من الزيت إلا قسطًا صغيرًا كل ثلاثة شهور.
وكان يمنع نفسه عن الماء أيضًا ولا يشرب منه إلا القليل، وكان يبرر هذا العطش بأن الشياطين تعيش في الأماكن التي يوجد فيها ماء، معتمدًا على قول الكتاب في (متى 12: 43) "إِذَا خَرَجَ الرُّوحُ النَّجِسُ مِنَ الإِنْسَانِ يَجْتَازُ فِي أَمَاكِنَ لَيْسَ فِيهَا مَاءٌ، يَطْلُبُ رَاحَةً وَلاَ يَجِدُ".
وكان لا ينام إلا ثلث الليل وإذا أتعبه النعاس بالنهار يتمشى، كان يصلي كل يوم 100 صلاة، وكان يأكل من عمل يديه، وعمل يديه كان النساخة، ولم يكن يأخذ أجرًا على عمله سوى خبز يومه فقط. وقد حاربته الشياطين كثيرًا، حاربه شيطان الزنى، وشيطان التجديف، وفي إحدى المرات ظهر له ثلاثة شياطين في هيئة ثلاثة من كبار الإكليروس يجادلونه في الإيمان: أحدهما من أتباع أريوس، الثاني من أتباع يونوميوس، والثالث من أتباع أبوليناريوس. وقد هزم مار أوغريس هؤلاء الشياطين الثلاثة وأفحمهم بالبراهين والمجادلات.
وأحيانًا كان الشياطين يظهرون له ويضربونه ضربًا شديدًا، وقد عرف مار أوغريس حروب الشياطين وقيل عنه إنه قبل 15 سنة أهل للنقاوة الكاملة، وفي إحدى المرات رأى رؤيا وهو يقرأ في نصف الليل وإذا هو قد ارتفع إلى السحاب ورأى كل المسكونة وقيل له من صوت إلهي "إذا أردت أن ترتفع هكذا فكن رحيمًا، وكن متضعًا".. وقد اتصف مار أوغريس بهذه الصفات فعلًا وكان يعرف الغيب أحيانًا.
موهبة المعرفة
وقد وهبه الله موهبة المعرفة والفهم وإفراز الأفكار، ومعرفة حروب الشياطين ومعرفة الرد عليها واشتهر كمعلم للفضيلة حتى في حياة القديس مقاريوس الكبير وكان الرهبان يأتون إليه ويعرضون عليه أفكارهم، وبخاصة في يومي السبت والأحد حين كانوا يخرجون من عزلتهم، وكانوا يدينون له بالطاعة كمرشد عميق روحي، وكان الكل يعجبون بحلاوة تعاليمه ويحبونه كثيرًا.
وكان مار أوغريس يقول للإخوة: "الذي منكم يكون له فكر عميق فليعرضه فيما بيني وبينه على انفراد بعد ذهاب الإخوة، لئلا يهلك الضعيف بفهم القوي وتبتلعه الكآبة، وكان مار أوغريس محبًا للغرباء، يأتون إليه وينتفعون بتعاليمه وبنسكه.
كتبه وتوقيره
قال بلاديوس أن مار أوغريس وضع ثلاثة كتب يشرح فيها مكر الشياطين وفخاخهم، وحروبهم وشرح على وجه الخصوص الثمانية أفكار الرئيسية التي تحارب المجاهدين. شرح صورها وأساليبها وأسبابها والرد عليها. وفي كتب مار أوغريس عن محاربة الأفكار أورد أسئلة عديدة عن طريقة الرد بالآيات على الفكر.
ويتكلم بيلاديوس عن مار أوغريس بتوقير شديد. يدعوه بأوغريس الطوباوي ولابس الروح والماهر في اختبار الأفكار، ويقول عليه أيضًا معلمي أوغريس. وقال أن القديسة أدوفن كانت تلميذته وهي التي زارها القديس سرابيون الكبير أو السبايني.
ومار أوغريس شهد له جيروم أيضًا فقال عنه: "رأينا أيضًا أوغريس وهو رجل ذو قدرة كبيرة وعلم، وعن طريق الخبرة بالأمور التي مرت عليه حصل على إفراز الأفكار، وقد أخبرنا بأمور كثيرة عن جهادات النسك وثبت نفوسنا في الإيمان، وقد نزل مرات إلى الإسكندرية وسد أفواه فلاسفة الوثنيين".
وقد ترجم له جيروم بعض مقالاته إلى اللاتينية، وقال أن مقالات أوغريس وكتاباته لم يعد يدرسها قراء اللاتينية فقط وإنما الرومان أيضًا.
ونتيجة لهذه الشهرة العجيبة حسده البعض ومنهم أهرون الذي أرسل إلى مار أوغريس يقول له: "كل الذين ينقادون إلى تعاليمك مخدوعون" وكذلك يوكاربوس المتكبر الذي أعلن أن السيد المسيح قد عينه حاكمًا على الإسقيط، وطلب من الرهبان أن يتبعوه ولا يتبعوا أوغريس.
وقد قيل أن البابا ثاؤفيلس البطريرك الثالث والعشرون أراد أن يرسمه أسقفًا على مدينة تمي فأعتذر مار أوغريس.
ويعتبر هذا القديس العظيم من أشهر الآباء في المعرفة النسكية ومعرفة الحروب الروحية، كما أنه يعتبر من أبطال الإيمان والدفاع عنه، وكان مار إسحاق من أشد المعجبين بمار أوغريس وقد اقتبس الكثير من أقواله.
حروب الأفكار
يوجد للقديس مار أوغريس مخطوط في مكتبات الأديرة عن حروب الأفكار يشرح فيه كل ما يطرأ على الراهب من حرب فكرية، وطريقة مواجهة الحرب والرد عليها، ومن الأمثلة البارزة طريقة الرد على كل حرب فكرية بآيات من الكتاب المقدس، تذكرنا بقول داود النبي: "لَوْ لَمْ تَكُنْ شَرِيعَتُكَ لَذَّتِي، لَهَلَكْتُ حِينَئِذٍ فِي مَذَلَّتِي" (مز 119: 92)، وتدل أيضًا على مقدار معرفة هذا القديس بالكتاب وحفظه لنصوصه المقدسة.
_________________________________________________________________
* مقال لقداسة البابا شنوده نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 2 نوفمبر 1974م
القديس إيلاريون
القديس إيلاريون*
تلميذ الأنبا أنطونيوس ومؤسس الرهبنة في فلسطين
القديس الذي هرب من الناس ومن إكرامهم متنقلًا من قطر إلى أخر. ولكن موهبة صنع المعجزات كانت عقبة دائمة في طريق محبته للوحدة.
نشأته ورهبنته
القديس إيلاريون هو رجل اهتزت له السماء، كما اهتزت له الأرض من قبل. هو أحد مشاهير الآباء في القرن الرابع. تتلمذ على يد القديس أنطونيوس الكبير، وأسس الرهبنة في فلسطين.
رجل عرف الله منذ صباه، وعرفه الله. ولد بالقرب من غزة سنة 292م، وانتقل منذ طفولته إلى الإسكندرية حيث تعلم فيها.
في سن الخامسة عشر ذهب إلى البراري والقفار. اجتذبته رائحة المسيح الذكية التي تفوح من المغاير والقلالي هناك.
وتعرف بالقديس أنطونيوس، وتتلمذ على يديه. وود لو عاش في كنفه باقي العمر، ولكن إشكالًا كبيرًا عاقه، ففارق معلمه أنطونيوس وإن لم يفارق مبدأه وروحه.. ذلك أنه من فرط قداسة الأنبا أنطونيوس العظيم، كان الناس يقصدونه من كل مكان؛ إما يتتلمذون عليه، وإما يطلبون منه شفاء مرضاهم..
ولم يستطيع إيلاريون أن يعيش في ضجيج هذا الزحام. وقال في نفسه "إن القديس الأنبا أنطونيوس رجل شيخ كبير، يحصد الآن ثمار حياته القديمة، وقد تدرب في كل عمل صالح، ووصل إلى الكمال بعد إماتات وتقشفات عديدة. أما أنا فما ازال حدثًا صغير السن لا أحتمل كل هذا".
توحده في فلسطين
فذهب إلى القديس أنطونيوس، وأخذ بركته وحله، ورجع إلى بلده فلسطين. فوجد أن والديه قد توفيا وتركا له ثروة كبيرة. فوزع غالبيتها على الفقراء، والباقي على أقاربه المعوزين، ولم يأخذ لنفسه شيئًا.
ثم ذهب إلى قفر موحش لا يؤمه إلا قطاع الطرق ولصوص الجبال، وعاش هناك في زهد شديد، يلبس المسوح على العري، ويقتات بالقليل من الطعام. وتدرج في هذا الصوم تدريجًا شديدًا وكان يقضي في كل تدريب حوالي ثلاث سنوات، ثم يرتفع إلى غيره. فانتقل من أكل الثمار، إلى البقول المنقوعة في الماء البارد، إلى الخبز والملح، إلى الحشائش البرية.. وضعفت صحته جدًا.. حتى وصل إلى سن الثالثة والستين، فشعر أن صحته في اِنهيار، وأن موته قد اقترب. فأزداد جهاده بالأكثر. وعاش بعد ذلك 17 عامًا.
ثم رقد في الرب وهو في الثمانين من عمره. ولم يمنعه عن النسك ضعف ولا مرض وكان لا يأكل إلا بعد الغروب.
حروبه
حورب أولًا: باللصوص. قيل له: "ألا تخاف اللصوص؟" فأجابهم: "إن الذي لا يملك شيئًا لا يخاف اللصوص"، فسألوه: "ألا تخاف أن يقتلوك؟". فأجاب: "إني أستعد للموت كل يوم".. فتخشع اللصوص، ووعدوه أن يغيروا حياتهم.
ثم حاربه شيطان الزنى بمناظر لم يكن يعرفها، وليست له بها سابق خبرة. فاضطرب لتلك المناظر، وعذب جسده بالأكثر، ومنعه عن الثمار وعن خبز الشعير. وقال لجسده: "إني أتعبك بالجوع لكي تضعف فلا ترفس وأضنيك بالتعب وبالحر والبرد وبالعمل الثقيل، لكي تفكر في التعب، ولا تفكر في الشهوة". وأخيرًا هزم الشيطان، فلجأ ذاك إلى حرب أخرى.
فحاربه بالمناظر المخيفة من الوحوش المفترسة والجنود المسلحة ولما انتصر في تلك الحروب جميعها، أعطاه الله قوة صنع العجائب والمعجزات، شفاء المرضى، وإخراج الشياطين.
معجزاته
أجرى الله على يديه معجزات كثيرة على الرغم من هروبه من الناس. ومن أمثلة ذلك امرأة البيديوس حاكم غزة التي أصيب أولادها الثلاثة بحمى شديدة، فلجأت إليه فهرب منها. فألحت عليه وقالت له: "صلوات الأنبا أنطونيوس كانت تحفظ أولادي في مصر، فيجب أن تحفظهم أنت في فلسطين". وأمام دموعها أشفق عليها، وشفوا، فازدحم الناس عليه. وشفى مرضى كثيرين وأخرج شياطين. وكانت لذلك نتيجتان: الأولى تتلمذ كثيرون على يديه، والثانية: إيمان كثيرين من عبدة الأصنام.
وكثيرون كانوا يذهبون من فلسطين إلى الأنبا أنطونيوس يطلبون بركته ومعجزاته، فيقول لهم: "عندكم ابني إيلاريون، يستطيع أن يعطيكم ما تطلبونه منه. فلماذا تجشمون أنفسكم مشقة السفر".
هروبه المتكرر
وتأسست أديرة كثيرة كان يفتقدها القديس إيلاريون. وكان يرفض العطايا والهدايا قائلًا للناس: "إنني قد تركت مالي الخاص، فكيف آخذ مال غيري؟!". ولما كثر الناس حوله، عزم على الهروب. وقال لتلميذه: "إنني رجعت للاشتباك بأمور العالم".
ولما عرف الناس بعزمه على الهروب، حاولوا إقناعه، حرصًا على سلامة بلادهم التي تعيش ببركته. ولكنه أصر على موقفه.
فازدحم الناس حوله، حوالي عشرة آلاف. فلم يستطع أن يهرب منهم. فامتنع عن الطعام والشراب. فخافوا عليه وأطلقوه.
وارتحل إلى قرب جبل أنطونيوس الذي كان قد انتقل من العالم، وعاش ثلاث سنوات في هدوء. ولكن حدث ما أرغمه على العكس؛ امتنع نزول المطر على الأرض، وألح الناس عليه ببكاء شديد، وأشفق القديس عليهم، فصلى من أجلهم، واستجابت السماء ونزل المطر، ورجع الإكرام، ورجع الزحام، واضطر إيلاريون أن يهرب مرة أخرى. فترك البلاد، وذهب إلى قفر آخر.
أراد أن يعيش مجهولًا من كل أحد، ومعروفًا من الله وحده. ولكن موهبة المعجزات كانت تتعبه، وتضطره إلي الهروب. اتجه إلى ليبيا، إلى الغرب، قرب البحر. ثم ركب سفينة ليذهب إلى سيسيليا وكان عمره 70 عامًا.
وطاردته المعجزات مرة أخرى..
ابن صاحب المركب كان عليه شيطان. فلما رأى إيلاريون الجالس في صمت وهدوء، صرخ فيه الروح النجس "مالك ولي يا إيلاريون! أتريد أن تضطهدني حتى في البحر أيضًا؟! انتظر حتى أصل إلى البر". فأجابه إيلاريون: "إن كان الله قد أعطاك إذنًا بالبقاء فيه، فأنا لا ألزمك بالخروج". وطبعًا لم يلزمه بالخروج؛ خوفًا من المجد الباطل ورجوع الإكرام. ولكن أهل السفينة أشفقوا على الشاب، وألحوا على القديس إيلاريون أن يشفيه، واعدين إياه بالكتمان. فأخرج الشيطان منه.
ولما وصل إلى الشاطئ ذهب إلى أحد الأحراش وعاش هناك. وكان يجمع الحطب ويعطيه لتلميذه، يبيعه ويقتات من ثمنه. وما لبث أمره أن عُرف، وما لبثت معجزات الشفاء أن رجعت. فهرب من ذلك المكان إلى دلماسيا. وهناك حورب بنفس الوضع أيضًا. ظهر تنين كان يفترس الناس والبهائم، فأشفق عليهم إيلاريون، وجهز حطبًا، وأمر التنين باسم الرب يسوع المسيح أن يدخل فيه واحترق التنين.
ثم حدث زلزال في عهد يوليانوس الجاحد. وكادت مياه البحر أن تغمر البلاد. فاضطر الشعب أن يأخذوا القديس إيلاريون ويضعوه عند البحر، حتى تخف المياه ولا تغمر الأرض.
وفعلًا رجعت المياه إلى الوراء، حين رشمها القديس بعلامة الصليب. ولما وجد أن الناس قد تعلقوا به أخذ مركبًا وهرب سرًا إلى قبرص وفي الطريق أتى قراصنة البحر ليسرقوا المركب، وينهبوها ويأسروا ركابها. فصرخ هؤلاء إلى القديس إيلاريون لينقذهم.
فوقف في مقدمة السفينة وقد اقترب اللصوص على رمية حجر، وقال لهم: "يكفيكم ما وصلتم إليه. لا تتقدموا ثانية. لا تتجاوزوا هذا الحد" ولم يستطيع اللصوص أن يتقدموا شيئًا، وجازت السفينة وعبرت.
ولما وصل إلى قبرص، صار إلى بافوس، وعاش فيها عشرين يومًا. وكان كل من عليهم شياطين يصرخون قائلين: "قد حضر إيلاريون عبد المسيح إلى الجزيرة" فأتى إليه الناس، ومرة أخرى هرب من ازدحام الناس. وفي هذه المرة أقنعه تلميذه بأنه وجد له مغارة على صخرة مرتفعة في الجبل لا يمكن الوصول إليها. فسكن في تلك المغارة خمس سنوات في هدوء. والزيارات التي وفدت عليه كانت قليلة.
نياحته
وفي الثمانين من عمره أعيته حمى. وعرف أن ساعته قد أتت. فكتب وصيته إلى تلميذه إذ كان غائبًا، وبها ترك له جميع أملاكه؛ الثوب والإنجيل والإسكيم. وسمع الناس بمرضه فحضروا إليه فأوصاهم أن يدفنوه في نفس المكان. ولما اقترب إليه الموت خاف من الحساب الأبدي. ولكنه عزى نفسه قائلًا: "أخرجي أيتها النفس". ولفظ روحه الطاهرة.
وأتى تلميذه فسكن في مغارته. ونقل جسده سرًا بعد عشرة شهور إلى ديره القديم. نفعنا الله ببركاته، آمين.
__________________________________________________________________
*مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 4 أبريل 2004م.
القديس سيداروس المتوحد
القديس سيداروس المتوحد
قال أبونا البطريرك البابا بنيامين الثامن والثلاثون: فيما كنت هاربًا من سطوة هرقل، ذهبت إلى بعض أديرة الصعيد، وسألت رهبان الدير، هل يوجد بينهم مريض أو غريب افتقده، فقالوا: "عندنا راهب له 25 سنة في الدير، وقد أغلق على نفسه. وقال إن بابي لا يفتحه إلا البابا بنيامين".
فلما سمعت، داخلني العجب، وأتيت معهم إلى مسكن هذا الراهب، وناديته باسمه الذي عرفوني به، فأجابني: "هذا صوت البابا البطريرك الأنبا بنيامين" فزاد تعجبي وجعلت يدي على الباب فانفتح أيضًا. فتعجبت أكثر وسبحت الله. ودخلت فقابلني أحسن مقابلة. وسألني الصلاة عليه، وكانت نفسي راغبة إليه أن يصلي عليَّ، لأنه كان ناسكًا متوحدًا عابدًا، فصليت عليه وتميزت وجهه فرأيت عليه نورًا ساطعًا، وسألته عن أمره.
فذكر كيف توفى والده وأخوته، فأشتغل أجيرًا عند رجل صاحب مركب، وكان عليها قوم مؤمنون يتحدثون في أخبار الرهبان وفضائلهم، فاشتاقت نفسه إلى حياة الرهبنة. ولما رست المركب عند الإسكندرية، دخل إلى بيعة مارمرقس وحضر القداس وصلى، وهناك تقابل مع أحد الآباء الرهبان وقص عليه قصته ورغبته. فنصحه أن يستأذن من صاحب المركب ويأتي إليه.
وبعد ذلك أوصله إلى هذا الدير، وألبسه الإسكيم، وأدخله إلى هذه القلاية، وأغلق عليه. وقال له: هذا الباب لا يفتحه عليك أحد إلا البابا الأنبا بنيامين. ويكون ذلك يوم وفاتك.
ثم قال لي هذا الراهب: لقد علمت بما يأتي عليك من الروم، وسيأتي بعد هذا قوم من العرب فيخرجونهم ويملكون مكانهم، ويطلبك مقدمهم وتكون مكرمًا عنده، وتبنى في عهدك بيعة عظيمة، وأنت تكرسها، ويبقى ذكرك عليها.
يقول البابا بنيامين فصرت متعجبًا من هذا الكلام كله. ثم نهضت من عنده، وقمت إلى المكان الذي كنت فيه.. وبعد قليل أتاني رئيس الدير وهو يبكي ويقول: "لقد قال لن يغمض عيني إلا البابا البطريرك".
فزاد تعجبي وقمت مسرعًا، فوجدته قد قارب الوفاة. فأدار وجهه وسألني الصلاة عليه. فصليت عليه صلاة التحليل وطلبت صلاته.. ومد يده وجذبني إليه، حتى صرت إلى وجهه، فقبلني وقبلته، وفارق الدنيا مثل نائم.
فوسدته، وأمرت من حفر له في مسكنه حتى أدفنه، فلما كشف الرهبان الأرض وجدوا قبرًا فارغًا لم يدفن فيه أحد، وفيه تابوت من الصوان بمقدار طوله.. فزاد تعجبي أكثر.
ففتحوه فوجدت حوله كتابة باليونانية هي: "أنا الضعيف سمعان الراهب، لما كنت ساكنًا في المنزل، إذا بي أرى شبه ملاك، وهو يقول لي سيأتيك أحد أثرياء الفرس ومعه هدية، فخذها منه، واطلب منه تابوتًا من الحجارة، لتكون مدفنًا لرجل من القديسين، يسكن هذا المكان".
يقول البابا بنيامين: فزاد تعجبي. ودفنا هذا القديس، وأقمت على قبره ثلاثة أيام، وحدثت معجزات كثيرة من جسده. ثم مضيت من هذا الدير، إلى دير آخر من أديرة الصعيد.
هذه سيرة القديس سيدراوس المتوحد الذي عاش في القرن السابع، وكان قد ولد في نواحي الأشمونين بالصعيد.
__________________________________________________________________
*مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 8 نوفمبر 2002م
القديسة أنسطاسيا
القديسة أنسطاسيا*
إنها قديسة متوحدة عاشت في مغارة في الجبل، في برية شيهيت في بداية القرن السادس الميلادي. وقضت في حياة الوحدة 38 سنة، مفضلة الوحدة على الإمبراطورية.
نشأتها وهروبها
نشأت هذه القديسة نشأة مترفة في البلاط الإمبراطوري، في عهد الإمبراطور جستنيان. فقد كان أبوها أحد كبار رجال البلاط، وعندما كبرت رآها الإمبراطور فأعجب بها لجمالها وذكائها، وأراد أن يجعلها امرأته، على الرغم من أنه كان متزوجًا، لكنها رفضت، كانت قد نذرت نفسها عروسًا للمسيح، وأرادت أن تعيش طاهرة روحًا وجسدًا.
وفي نفس الوقت دبت الغيرة في قلب الإمبراطورة، فأصبحت حياة أنسطاسيا في القصر في تعب شديد، ولهذا هربت من القسطنطينية العاصمة التي ولدت فيها إلى الإسكندرية.. لقد وجدت أن العالم يزول وشهوته معه، وفضلت حياة الفقر والرهبنة والبتولية على أن تكون زوجة للإمبراطور. وفي غربي الإسكندرية حيث الأديرة الكثيرة للراهبات، سكنت في دير يسمى دير الزجاج، وظلت تتعبد في حياة النسك دون أن يعرف أحد مكانتها الرفيعة.
إلى برية شيهيت
وبعد سنوات من رهبنتها ماتت الإمبراطورة، وعادت إلى الإمبراطور فكرته الأولى أن تصير أنسطاسيا زوجة شرعية له، فبحث عنها في كل مكان، وأمر حاكم الإسكندرية بالبحث عنها في الأديرة، لأنه كان يعرف عنها حياة النسك.
خافت أنسطاسيا فهربت من الدير، وسارت على قدميها إلى برية شيهيت، بعد أن تنكرت في زي رجل. وقابلت القديس الأنبا دانيال واعترفت له بكل شيء، وإنها هاربة من الإمبراطورية، وتريد أن تحيا للمسيح، ولم يسكنها الأنبا دانيال في الدير، ولا في مغارة قريبة، وإنما اختار لها مغارة بعيدة في الجبل، على بعد نحو 30 كيلومترًا.
في المغارة
وعاشت أنسطاسيا في المغارة تحيا حياة الوحدة والنسك والصلاة الدائمة دون أن يعرف أحد عنها شيئًا، وطال بحث الإمبراطور عنها في كل مكان وفي الأديرة ولم يعثر عليها. وقبل أن تذهب إلى المغارة كانت معروفة للبطريرك القديس مارساويرس، وكانت تستعين أحيانًا بإرشاداته الروحية.
أعتكفت القديسة أنسطاسيا عن الكل في المغارة، وكان تلميذ الأنبا دانيال يذهب إليها مرة كل أسبوع، يقدم لها حاجتها من الطعام والماء، وينصرف دون أن يراها. ولم يكن يعرف أنها امرأة، فقد أحتفظ معلمها ومرشدها دانيال بسرها، كانت إذا أحتاجت شيئًا، تأخذ شقفة وتكتب عليها ما تريد، وتتركها على باب المغارة، ليأخذها التلميذ عند حضوره، لم تكن ترى الأنبا دانيال إلا عندما تذهب للتناول في الدير، كأنها شيخ من الرهبان.
قضت حوالي 38 سنة على حياة الوحدة هذه، وهي لا تخاف، بل تنتصر على حروب الشياطين.
نياحتها
وفي ذات يوم بعد هذه الفترة من وحدتها، ذهب التلميذ ليقدم لها الطعام والماء، فوجد شقفة كتبت عليها للقديس دانيال: "تعال يا أبي لمقابلتي، وأحضر الأدوات معك". وعندما قرأها القديس بكى بكاءً شديدًا، وقال لتلميذه: "يا ابني، الويل للبرية الداخلية، لأن عمودًا عظيمًا سيسقط فيها".
وأخذ معه الأكفان وذهب إليها. فوجد أن ساعتها قد دنت، فقال لها: طوباكِ لأنك فضلت المجد السماوي على مجد الإمبراطورية والمُلك.. وطلب منها أن تبارك ابنه وتلميذه، فباركته، ثم قالت: يا ربي في يديك أستودع روحي.. ورقدت في الرب.
وكان يوم نياحتها 26 طوبة. وفاحت رائحة بخور كثيرة في المغارة. وكانت قد طلبت من الأنبا دانيال أن يكفنها بثوبها كما هو لا يخلعه عنها. فقال الأنبا دانيال لتلميذه: "يا ابني ألبس هذا الشيخ الكفن فوق ملابسه".
وفيما هو يلبسه أدرك أنها امرأة.. وأثناء عودتهما أخبر معلمه أن هذه المتوحدة كانت امرأة، فأخبره الأنبا دانيال بقصتها، وكتبت سيرتها وعرفت في الكنيسة.
نطلب من الرب أن يمنحنا جميعًا بركة القديسة العظيمة أنسطاسيا، ويحفظها عطرًا ذكيًا يفوح في الكنيسة المقدسة من أقاصيها إلى أقاصيها.
_________________________________________________________________
*مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 21 يونيو 1991م
القديس مرقس الأنطوني
القديس مرقس الأنطوني*
(تنيح في 8 أبيب 1102ش – 1386م)
في جيل واحد، عاش ثلاثة قديسين: البابا متاؤس السابع، تنيح 1125ش. والقديس الأنبا رويس، تنيح 1121ش. والقديس مرقس الأنطوني، تنيح 1102ش.
وكان هذا القديس هو الأب الروحي لدير القديس الأنبا أنطونيوس. وقد عاش سبعين سنة في حياة الرهبنة، داخل الدير لم ينزل خلالها إلى الريف، ورقد في الرب وهو شيخ، فوق الثمانين من عمره، منها ثماني سنوات في عهد البابا متاؤس.
وتنيح في يوم نياحة القديس الأنبا بيشوي (8 أبيب). وتذكارهما في يوم واحد.
وهو من القديسين الكبار الذين يحتفل بهم دير الأنبا أنطونيوس. وله معجزات وعجائب كثيرة مسجلة في ميامره المخطوطة.
وقد كُتب تاريخه في (سلسلة تاريخ البطاركة) التي أصدرها دير السريان لكامل صالح نخلة. وصدر كتاب عنه للأستاذ نبيه نصر المدرس بالإكليريكية سابقًا.
والقديس مرقس الأنطوني، من قديسي الرهبنة، تتركز شهرته في فضائله الرهبانية.
ولعل من أبرزها الصوم. وكان هذا القديس يصوم إلى الساعة التاسعة، منذ طفولته المبكرة. وقد أخذ هذا الطقس عن والدته أودكسية، التي ربته بعد وفاة والده، والتي كانت تصوم يوميًا للتاسعة، كما أشتهرت بالصدقة والرحمة.
وكان لأمه تأثير روحي في حياته، وكانت في طفولته تجذبه معها للصلاة كلما ركعت لتصلي. وكذلك غرست فيه عمل الرحمة والعطاء للفقراء والمحتاجين.
ولما ترهب، وكان شابًا صغيرًا لم تنبت لحيته بعد، كان يصوم يوميًا إلى الساعة التاسعة (الثالثة بعد الظهر)، ثم إلى الغروب، ثم صار يطوي يومين يومين، ثم ثلاثة، ثم أربعة، إلى أن صار يطوي الأسبوع صومًا. وما كان يأكل اللحم أبدًا، ولا كان يأكل صنفين في الوجبة الواحدة. وحتى زواره من العلمانيين كان يعلمهم أن يصوموا يوميًا إلى الساعة التاسعة.
وكان يقول عبارته المشهورة: "لا تأمنوا لهذا الجسد، ولا ترخوا له الحبل، ولو في القبر، لئلا من الشبع تتحرك فيه الأوجاع"، والأطعمة التي كان البعض يتركها له، إما أنه كان يوزعها، أو يلقيها في الخلاء، حتى بعض الأطعمة الصيامية كالعسل! هكذا تعود من طفولته.
في أول حياته الرهبانية، كان تحت إرشاد الأب الروحاني القمص روفائيل النعناعي، الذي أرشده أن يذهب أولًا إلى دير الأنبا بولا، حيث ينفرد للعبادة، وهناك قضى ست سنوات، حيث حفر لنفسه قبرًا في البستان ليتعبد فيه، كما كان يطوي الأيام صومًا، ولم يجلس يومًا مع أخوته الرهبان على المائدة، ولا شاهده أحد يومًا يأكل. وأخيرًا حمله أخوته الرهبان بالقوة إلى المجمع الكبير بدير الأنبا أنطونيوس، لما ضعف جسده بدرجة شديدة.
وقد أشتهر هذا القديس أيضًا بكثرة البكاء، وبأعمال الرحمة، وبالشفقة على الخطاة.
كان هذا القديس ملازمًا للبكاء، وبخاصة في آخر أيامه، حتى قيل إنه ما من أحد كان يزوره، إلا ويراه باكيًا. وكان يحب سماع "مراثي إرميا"، ويطلب من المرتل أن يتلوها بالطريقة الحزايني، ويلزم الجميع بالسكوت أثناء سماعها، ومع كثرة بكائه، كان يعزي الجميع. وكل شخص يزوره، لا يجعله ينصرف من عنده، إلا فرحًا متعزيًا مجبور الخاطر.
كان الله يكشف له أسرارًا عجيبة، وخفايا غريبة.
وقد سمع عنه الناس في الخارج، وكانوا يزورونه حاملين إليه الهدايا. وقد زاره أحد ملوك الأفرنج، لأنه استغاث بالأنبا أنطونيوس، فأتاه هذا القديس، كواحد من أولاد الأنبا أنطونيوس وأنقذه. وفعلًا تعرف عليه هذا الملك، وأهدى للدير الجرس الكبير تذكارًا للأعجوبة التي عملها معه القديس مرقس.
وكان "برقوق" حاكم البلاد؛ (وهو من المماليك)، يحب هذا القديس ويستشيره في بعض أموره.
وكانت للقديس صلواته المستجابة، كما كانت له موهبة الكشف الروحي. وكان يتقرب من الأسرار الربانية كل يوم. ولما ضعفت صحته في شيخوخته، كان تلاميذه يحملونه إلى الكنيسة للتناول. ولم ينقطع في الدير عن صلوات المجمع. وكان وهو شيخ يحضر إلى الكنيسة قبل الرهبان الشبان.
وكان صامتًا، حتى كان العرب البدو يسمونه بالراهب الساكت. وكان باذلًا نفسه في جهاده، يُتعب في جسده كثيرًا. وأشتهر بفضيلة العطاء، بدافع الرحمة من جهة، وبما أخذه عن والدته من جهة أخرى، وزاهدًا في كل ما يصل إليه.
ومن صغره كان يعطي طعامه للفقراء ويظل صائمًا. وكان بدو الصحراء يقصدونه، فيقضي حوائجهم، ويشفي أمراضهم أيضًا. وكان عجيبًا في شفقته على الخطاة، وبحنوه يقودهم إلى التوبة، ويصلي عنهم، ويوبخ من يقسو عليهم.
وفي مرضه الأخير، كان يترنم بالمزمور، ويكرر مزمور: "أُعَظِّمُكَ يَا رَبُّ لأنك قبلتني". وكان فرحًا بانتقاله. وعرف ساعته، فطلب من تلاميذه أن يتركوه إذا دق ناقوس الصلاة في الساعة السادسة، فخرجوا.
وأسند الشيخ رأسه إلى حجر أحد تلاميذه. ورشم جميع حواسه بعلامة الصليب. وأسلم الروح بهدوء وراحة. وأبصر أحد الإخوة أجنادًا روحانية كثيرة جاءت لاستلام روحه، ومعهم السيدة العذراء في نور عجيب.
وحدثت من القديس عجائب كثيرة، في حياته وبعد انتقاله، ذكر منها في بعض الكتب 35 أعجوبة.
بركته المقدسة تكون مع جميعنا آمين.
________________________________________________________________
*مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 2 أغسطس 2002م
القديس الأنبا رويس
القديس الأنبا رويس
هذا القديس العظيم البتول الفقير الزاهد، نال شهرته العظيمة دون أية وظيفة أو درجة كنسية. لم يكن راهبًا ولا أسقفًا ولا صاحب أية رتبة من رتب الإكليروس. ولكنه كان أعظم وأشهر وأقرب إلى الله والناس من أصحاب الرتب الوظائف والدرجات.
ولد باسم "فريج" بمنية يمين بالغربية من أب فلاح يدعى إسحاق. وكان يساعد أباه في الفلاحة، ويبيع الملح على جمله الصغير المسمى "رويس" وهذا الجمل غالبًا ما يظهر معه في صوره. وقيل إنه كان جملًا ذكيًا، يلبي دعوته، ويغطيه إذا نام، ويوقظه في موعد الصلاة.
زهده
عاش الأنبا فريج غريبًا على الأرض، زاهدًا في كل شيء..
زهد المسكن، فعاش متجولًا بجمله من مكان إلى أخر، ليس له مكان إقامة. ليس له بيت ولا مسكن. يبيت أحيانًا في الطرقات، وأحيانًا في بيوت المؤمنين. وكان يترنم بلهجة حزينة مؤثرة بقول المزمور: "ويل لي فإني غريب، وغربتي قد طالت عليَّ".
وزهد أيضًا الملبس، فكان يجول شبه عار، يحتمل الحر والبرد ولفحات الريح، بمظهر يستهزئ به الناس، يحتمل بسببه تعييرات العامة والصبيان.
وزهد في الطعام، وكان شديدًا في قمعه لجسده وصومه الانقطاعي. كان يطوي اليومين والثلاثة صومًا. ومرة صام أسبوعًا. وشهد عنه البابا متاؤس معاصره أنه أنقطع عن الطعام 11 يومًا. وقيل أنه أنقطع مرة 26 يومًا.
وزهد في المال، فكان يرفض الهبات التي تقدم له من الأغنياء. في إحدى المرات كان سائرًا مع أحد تلاميذه، فصاح في تلميذه محذرًا: "إياك أن تطأ بقدمك هذا العقرب لئلا تلدغك وتميتك بسُمها القاتل". وألتفت التلميذ فلم ير عقربًا وإنما درهمًا ذهبيًا هو الذي عناه القديس.
وزهد الشهرة والكرامة، فلما أشتهر اسمه "فريج" بين الناس، غيره وأتخذ لنفسه اسم جمله "رويس" ولما أشتهر هذا الاسم أيضًا، تنكر له. ولما سألوه في تجوالاته عن اسمه قال: "تيجي إفلو" أي (الجار المجنون). فاشتهر اسم تيجي كذلك. وهو الاسم الذي تعرّفه به الكنيسة في لحن بينشتي وغيره.
وكان يحتمل في صبر شديد إهانات الأطفال والحكام؛ ضُرب مرة 400 عصا، وألقى في السجن، وكان يوبخ نفسه قائلًا: "طوباك يا يوحنا السابق. قدمت رأسك للسياف، وأما أنا الشيخ الفاني فإني لا أحتمل طعنة صغيرة!".
رؤاه واختطافه
وكان الأنبا رويس رجل رؤى: في صغره رأى في نومه رجلين منيرين حملاه إلى كنيسة سمائية وأرجعاه. وفي عزلته رأى السيد المسيح خمس مرات بمجد لا ينطق به، وكلمه فمًا لأذن.
وكان الروح يختطفه أحيانًا من مكان إلى آخر. نقله الروح مرة من كنيسة حارة زويلة إلى أسيوط، لينقل مقعدًا اسمه وهبه إلى كنيسة الشهيدين بطرس وبيشاي حيث شُفي المُقعد ورجع أنبا رويس في نفس الساعة بقربانة سلمها للبابا متاؤس فوزعها كبركة على الحاضرين. وسجلت هذه المعجزة في أيقونة.
وفي مرة نقله الروح إلى الشام، حيث أنقذ زوج بنت الزهري من الجنود المنطاشية ونقله إلى قصر الملك الظاهر برقوق.
محبته للعذراء
كان يحب السيدة العذراء جدًا، ويتردد على كنيستها في حارة زويلة، وعلى كنيستها فى دير الخندق (منطقة الأنبا رويس) حيث دفن. وقد تنيح في عيد العذراء في 21 بابه، حيث كانت والدة الإله إلى جواره ساعة انتقاله ورآها أحد تلاميذه.
وكان يطلبها في شفاعته. ولما سجن البطريرك، قال الأنبا رويس لأحد تلاميذه: "إن سيدتنا العذراء ستخلصه". ورأى التلميذ في رؤيا صليبًا من نور في السماء خرجت منه حمامة وبسطت جناحيها على رأس البابا متاؤس. وسمع القديس الأنبا رويس يقول له: "متى، متى! لا يخف قلبك. لأن الحمامة الحسنة التي تحبها خرجت اليوم لخلاصك".. ونجا البطريرك من السجن، وتمت نبؤة القديس.
مواظبته على التناول
وكان الأنبا رويس مواظبًا على التناول في أيام الآحاد والأعياد. وكان يتقدم إلى التناول بخشية شديدة وتردد، ويقول في ذلك: "لا يستحق التناول من هذه الأسرار المقدسة، إلا من كان جوفه طاهرًا نقيًا كأحشاء سيدتنا الطاهرة مريم التي أستحقت أن تحمل المسيح في أحشائها".
معرفته للأسرار
كان رجلًا مفتوح العينين يكشف له الله الخفيات، فيعرف خطايا الناس وأسرارهم. رأى مرة المعلم صدفة يتوسل أمام أيقونة العذراء، فوبخه بقوله: "ما هذا التظاهر الباطل؟! كيف تجسر على المثول أمام السيدة الطاهرة النقية وأنت تصاحب امرأة شريرة؟!". فذهل الرجل، وأقتاده القديس إلى التوبة الحقيقية، فصار راهبًا، وأختاره البابا متاؤس أمينًا لقلايته.
وفي مرة أخرى كشف شماسًا يخبئ سكينًا ليقتل امرأة، وفي إحدى المرات قبض على شاب وأدبه لإفطاره وتدنسه في الصوم الكبير. وفي مرة أخرى كسر زيرًا لبعض العمال فخرج من الزير ثعبان خطر.
وأحيانًا كان يستخدم معرفته للغيب لإنقاذ الناس؛ دخل مرة بيت داود الشربتلي، وأخذ كميات السكر الموجودة وألقاها في البئر. فأنذهلت زوجة الرجل. وبعد قليل أتى رجال الشرطة وفتشوا البيت (لأن السكر كان مسروقًا) فلم يجدوا شيئًا ونجا الرجل. وبنفس الطريقة تقريبًا أنقذ شماسًا من الفضيحة.
موهبة الشفاء
ما أكثر معجزات الشفاء التي أجراها الله على يديه: شفى كثيرًا من المصروعين والخرس والعرج والعميان. وكان أحيانًا يطلب التوبة من المريض قبل أن يشفيه. كان ميخائيل البنا بمنية السيرج مصابًا بالصرع. وفي صرعه رأى عبيدًا سودًا ينقضون عليه بسهام نارية، فأستنجد بالأنبا رويس فقال له القديس: "إن تبت عما أنت فيه أنقذتك منهم". وتاب، وشفاه القديس من الصرع. وفي مرة أخرى حملوا إليه السعيد بركة وقد كسرت رجله ليشفيه. فقال: "لو أن هذا الرجل رحم أخوته المساكين الجياع.. لطلبت شفاءه". وتاب الرجل وشفاه القديس. وتزايد الرجل في عمل الرحمة حتى كان يوزع سنويًا1000 أردب من القمح على الفقراء، ويعتني بأديرة الرهبان والراهبات.
مقبرته
مرض الأنبا رويس تسع سنوات تحملها في صبر دون شكوى. ولما عرف ساعته، بارك تلاميذه ورشم كل أعضائه بعلامة الصليب وأسلم روحه الطاهرة في 31 أكتوبر سنة 1404م ودفن في مقبرته الحالية. وأجرى الله معجزات من مقبرته بعد انتقاله.
ورقد بجوار كنيسة العذراء، وحاول البعض نقله فلم يستطيعوا.
في اليوم الثامن لدفنه سرقوا جسده، فظهر لتلاميذه وأعلمهم بما حدث، فأعادوه إلى قبره. ثم حاول البعض نقل جسده في سفينة إلى دير شهران فهاجت عليهم العواصف والأمواج، فأرجعوه إلى موضعه.
وفي تاريخنا الحديث أراد أرمانيوس (بك حنا) مراقب البطريركية في عهد البابا كيرلس الخامس أن يهدم مقبرة القديس ليبنيها على طراز أحدث. ولكن شُلت يمين العامل وبقيت المقبرة كما هي وهكذا لم تستطع أيضًا جمعية نهضة الكنائس أن تجدد المقبرة.
مبارك هو الأنبا رويس. أبقاه الله في هذا المكان بركة له وللكنيسة كلها، ونفعنا الله بصلواته وشفاعاته.
________________________________________________________________
* مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 1 نوفمبر 1985م
القديس أولوجيوس قاطع الأحجار
القديس أولوجيوس قاطع الأحجار*
أخبروا عن الأب دانيال وتلميذه أنهما توجها دفعة إلى الصعيد، فلما بلغا إلى ضيعة قال الشيخ "ههنا نقيم اليوم". فتذمر تلميذه وقال: "إلى متى تطوف؟ سر بنا إلى الأسقيط". فقال الشيخ "لا، بل نقيم اليوم هنا". وجلسا في وسط الضيعة جلوس الغرباء. فطلب التلميذ من الشيخ أن يسيرا ولو إلى الكنيسة بدلًا من جلوسهما هكذا في الطريق. ولكن الشيخ قال: "لا، ههنا نجلس". فمكثا هناك جالسين إلى المساء.
فأخذ الأخ يخاصم الشيخ. وبينما هو يتكلم، وإذا برجل شيخ من أهل الضيعة قد أقبل. ولما نظر إلى أنبا دانيال، أقبل عليه وقبّل قدميه ببكاء كثير. ثم سلم على تلميذه وقال لهما "تفضلا عليَّ بالمجيء إلى منزلي". وكان حاملًا مسرجة، وقد طاف شارع الضيعة مفتشًا عن الغرباء. فأخذ الشيخ وتلميذه ومن وجده من الغرباء وذهب بهم إلى منزله. وغسل أرجلهم.
ولم يكن عنده أحد يؤنسه. ثم قدم لهم المائدة. وعندما فرغوا من الأكل أخذ الذي بقى من الكسر وطرحها لكلاب الضيعة. وكانت هذه عادته كل ليلة. ثم أخذ الشيخ على إنفراد وجلسا يتحدثان إلى الصباح، فعملا صلاة، وسلم كل منهما على صاحبه وأنصرفا.
وبينما كان الشيخ وتلميذه سائرين في الطريق، سجد التلميذ للشيخ قائلًا: "عرفني أخبار هذا الشيخ". وأن أنبا دانيال قال له: "إن هذا الرجل يسمى أولوجيوس. وهو مبارك، وصناعته قطع الحجر. ويتحصل في كل يوم على درهم واحد، ولا يذوق شيئًا إلى المساء. فإذا أظلم الوقت يخرج إلى السوق وأماكن الضيعة فيعمل كما نظرت. وعمره الآن يقرب من مائة سنة. وقد رزقه الله قوة يحصل بها على رزقه كل يوم.
الأنبا دانيال يصلي لأجل أولوجيوس
ولما كنت أنا شابًا في الأربعين من عمري، صعدت إلى هذه الضيعة أبيع عمل يدي. فلما جاء وقت المساء أخذني وأخذ معي أخوة غيري على حسب عادته، وأحتفل بضيافتنا.
فلما رجعت إلى الأسقيط تفكرت في فضيلة الرجل وأقبلت أصوم أسابيع متصلة، وأتضرع إلى الله أن يرزقه نفقة أزيد حتى يكون له ما يحسن به إلى الكثيرين. وأقمت ثلاثة جمع منطرحًا من الصوم وبقيت مثل الميت.
ثم رأيت إنسانًا قد وقف بي لابسًا لباسًا مثل ملابس الكهنة وقد قال لي: "يا دانيال. ما حالك؟" فقلت له: "يا سيدي. قد أعطيت المسيح عهدًا ألا آكل خبزًا أو يستجيب سؤالي في أولوجيوس، وهو أن يهب له بركة ليحسن بها إلى أخرين كثيرين". فقال لي: "إنه حسن الحال".
فقلت له: "أسألك يا رب أن تعطيه أكثر مما أعطيته حتى يتمجد به اسمك القدوس في قوم كثيرين".
فقال لي "قلت لك أن حاله الآن حال حسن. فإن شئت أن أرزقه سعة، فاضمن لي نفسه أنها تتخلص من صنوف سعة الغنى وشرهه، وأنا أهب لك ذلك" فقلت "نعم".
ثم رأيت وكأننا وقوف في القيامة المقدسة. ورأيت شابًا قد جلس فوق الحجر المقدس، وأولوجيوس واقفًا عن يمينه. فأرسل إليَّ واحدًا من القيام قدامه وقال: "أهذا الذي يضمن أولوجيوس" فقالوا كلهم "نعم يا سيدنا".
فقال أيضًا "قولوا له إنني سأطالبه بالضمان". فقلت له "نعم يا سيدي على ضمانه. فأعطه ما قد طلبته له" ورأيتهم قد سكبوا في حجر أولوجيوس أموالًا كثيرة. وبمقدار ما كان أولئك يقلبون في حجر أولوجيوس أموالًا كثيرة، كان هو يوسع حجره. ولما أنتبهت علمت أن الله قد أستجاب لي.
أولوجيوس يسافر إلى القسطنطينية
ولما خرج أولوجيوس إلى المكان الذي يقطع فيه الحجر، ضرب صخرة فسمع فيها صوتًا يدل على تجويف تحتها. فضرب أيضًا، فوجد ثقبًا صغيرًا. ثم ضرب أيضًا، فصادف مغارة فيها أموال كثيرة. فدهش وقال في نفسه: ماذا أفعل بهذه الأموال؟ إن أخذتها إلى الضيعة، يسمع بها الوالي، ويجيء فيأخذها مني، وأصبح تحت خطر. فالأصلح أن آخذها وأذهب بها إلى بلد بعيد لا يعرفني فيه أحد. ثم إنه صنع تدبيره بحكمة وأستأجر دوابًا لنقل الحجارة. ونقل المال بمعرفته إلى البحر، وأستأجر مركبًا وركب فيها وقصد بيزنطة. فنزل قريبًا منها، وكان قد ملك على بيزنطة يوستينوس (حكم من سنة 518 – 527م).
فلما أستقر بها أولوجيوس بدأ يصادق الأجلاء، ويعاشر المحتشمين، ويأكل معهم ويشرب، ويركب مع عظماء الدولة، ويهاديهم بنفس واسعة وقلب ملآن ويقرضهم. فسمع به الملك، فأنعم عليه وأضافه وأكرمه. وبعد هذا أنفذ إلى الملك هدية جليلة، وأموالًا جزيلة. فقدمه الملك، ووهبه دارًا كبيرًا فبناها، وهي الآن تسمى دار القبطي وتخلى عن عمله الصالح، ولم يذكره أصلًا. ثم عظمه الملك وجعله أكبر وزرائه.
الرؤيا الثانية وأثرها
وبعد سنتين رأيت في المنام ذلك الشاب جالسًا في القيامة المقدسة، فقلت في نفسي "تُرى أين هو أولوجيوس؟" ولم أشعر إلا وأولوجيوس بين أقوام سود يجرونه. فلما أنتبهت قلت في نفسي "ويلي أنا الخاطئ، أهلكت نفسي". ثم توجهت إلى الضيعة كأني أريد أن أبيع عمل يدي. وفيما أنا أنتظر الرجل، صار المساء وأشتد الظلام وما جاءني أحد. فتعجبت جدًا وسألت إحدى عجائز الضيعة وقلت لها: "يا أم. إن كان عندك خبز فأعطيني حتى آكل، لأنني ما أكلت اليوم شيئًا". وإنها ذهبت وأحضرت لي قليل طبيخ وكسرًا.
وجلست عندي وأقبلت تخاطبني بخطاب نافع قائلة: "يا معلم أما قد علمت أنك شاب، وما ينبغي لك أن تذهب إلى ضيعة؟ أما علمت أن إسكيم الرهبنة يريد السكوت؟" وذكرت لي أقوالًا كثيرة تشابه هذا القول. فقلت لها: "وماذا تأمرينني أن أفعل، لأني قد جئت أبيع ما قد عملته؟" فقالت لي "متى بعت عملك، لا تتمش في هذه الضيعة. إن شئت أن تكون راهبًا، فأذهب إلى الإسقيط". فقلت لها: "لعلك تُعرفيني خبر أولوجيوس قاطع الحجر". فقالت لي: "إن هذا الرجل كان محسنًا. فلما نظر الله إلى أعماله الحسنة أوصل إليه نعمة عظيمة. وهو – على ما سمعنا – وزير في القسطنطينية".
الأنبا دانيال يسافر لمقابلة أولوجيوس
فلما سمعت قولها قلت في نفسي: "أنا الذي جنيت هذا الشر القاتل". فركبت في سفينة، وقصدت بيزنطة، وسألت عن دار أولوجيوس القبطي فوجدتها. فجلست على بابها إلى أن خرج. فرأيته في خبل كثير فصحت إليه "ارحمني. لأني لي سرًا أقوله لك منفردًا". فلم ينظر إليَّ. ثم ضربني صاحبه وجرني. فسبقته أنا وصحت أيضًا فضربوني مرة ثانية. فجلست أقاصي الجهد على هذا الحال أربع جمع، وما قدرت على أن أكلمه. وحينئذ صغرت نفسي. وذهبت فطرحت ذاتي قدام أيقونة والدة الإله الكامل قدسها، ببكاء غزير، وقلت للمخلص: "يا رب أنقل عني ضماني لهذا الرجل".
وإذ كنت أقول هذا القول في ذهني نعست، وإذ برجة عظيمة قد حدثت وسمعت قومًا يقولون إن والدة الإله مجتازة، وقد تقدم قدامها من المواكب ربوات وألوف. فصحت أنا وقلت: "يا سيدتي، ارحميني". فوقفت وقالت لي: "ما حالك؟" فقلت لها: "إني ضمنت أولوجيوس القبطي، فخلصيني من ضمانه". فقالت لي "أنا لا أمر لي في هذا الباب. تمم أنت ما ضمنت كما تشاء".
فلما ذهبت قلت في نفسي: "لو وجب عليَّ الموت، لست أفارق بابه حتى أكلمه". فذهبت أيضًا، ووقفت قدام بابه. فلما خرج صحت إليه. فتقدم خادمه فضربني بعصاه ضربًا بليغًا حتى أدمى جسدي. حينئذ صغرت نفسي، وقلت أسير إلى الإسقيط، فإن أراد الله فهو يخلص أولوجيوس. ثم ذهبت أطلب سفينة إلى الإسكندرية.
لماذا تضمن إنسانًا؟!
ولما صعدت إليها نمت من شدة صغر نفسي. فأبصرت وكأني في القيامة المقدسة، وأبصرت خوفًا عظيمًا، فأرتعدت رعدة كمثل الورقة، ولم أستطع أن أفتح فمي، لأن قلبي كان كالحجر. ونظرت إلى سيدنا يسوع المسيح جالسًا، فقال لي: "لا تضمن ضمانًا زائدًا على قوتك. ولا تقاوم مشيئة إلهك". وما أستطعت أن أفتح فمي إذ كنت معلقًا. وإذا بصوت قائلًا: "ها الملكة خارجة" فلما رأيتها صرخت وقلت لها بصوت متضع "يا سيدة العالم ارحميني".
فقالت لي: "ماذا تريد أيضًا؟" فقلت "أنا معلق من أجل ضماني أولوجيوس" فقالت لي: "أنا اسأل فيك".
وأنها ذهبت وقبلت قدمي السيد، فقال لي: "لا تعد تعمل هذا". فقلت: "لا أعود وقد أخطأت يا سيدي. أغفر لي". فأمر بإطلاقي وقال لي: "أذهب إلى قلايتك، وسوف تعرف كيف أرد أولوجيوس إلى رتبته الأولى".
فانتبهت وفرحت فرحًا عظيمًا بخلاص نفس أولوجيوس وخلاصي من الضمان. وسرت شاكرًا الله. وبعد ثلاثة أيام سمعت أن ملك القسطنطينية قد مات. وملك أخر غيره.
وبعد مدة يسيرة عصاه ثلاثة من كبار رجاله ومعهم أولوجيوس الوزير هذا، فأولئك الثلاثة ضُربت أعناقهم. أما أولوجيوس فنبهت نعمته وهرب هو ليلًا من مدينة القسطنطينية.
وأمر الملك أن يقتلوه أينما وجد، فأختفى كأحد المساكين، وجاء إلى ضيعته، وأبدل تلك الثياب التي كانت عليه بلباس أهل الضيعة. فاجتمع كافة أهل الضيعة ليبصروه وقالوا له: "ورودًا ميمونًا وردت. بلغنا أنك صرت وزيرًا" فقال لهم "لو أنني وزير، ما رأيت الآن وجوهكم".
أولوجيوس يرجع إلى ذاته
ثم عاد إلى ذاته فقال: "يا أولوجيوس الحقير الضعيف، قم خذ عدتك، وأذهب أعمل. فليس لك ههنا قصر الملك الذي كاد أن يضيع فيه رأسك". ثم أخذ عدة القطع وخرج إلى الصخرة التي وجد فيها الأموال، مؤملًا أن يصادف فيها شيئًا آخر. فضرب فيها إلى الساعة السادسة فما وجد شيئًا. وأقبل يتذكر ما كان فيه. ثم قال: "أنهض يا أولوجيوس فاعمل. فما هنا القسطنطينية، بل ههنا بلد مصر". ورده الله إلى طريقته الأولى بحسن تحننه. ولم يرد أن يضيع تعبه السالف.
وبعد مدة يسيرة صعدتُ إلى تلك الضيعة أبيع ما قد عملته بيدي. وإذا به عند المساء قد جاء إليَّ كقديم عادته. فلما أبصرته مغبر الوجه مصفرًا تحسرت وبكيت وقلت: "يا رب. ما أعظم أعمالك، كلها بحكمة صنعتها.. وأنا الخاطئ لولا رحمتك لكادت نفسي تسكن الجحيم". وأن أولوجيوس أخذني، وصب عليَّ ماء، وغسل به رجليّ وأرجل الغرباء الأخر. وقَبل أيديهم كعادته. وقدم لنا مائدة. فبعد أن أكلنا ونيح نفوسنا، قلت له "كيف أنت يا أنبا أولوجيوس؟" فقال لي "يا معلم، صل عليَّ فإني مسكين وخاطئ وذليل. فقلت له "يا ليت ما كان لك، لم يكن". فقال لي: "ولم ذلك يا معلم؟ هل أحزنتك في شيء من الأشياء؟".
فقلت له "نعم يا ولدي الحبيب، ثم حدثته بكل ما جرى لي معه وبكينا جميعًا. فقال "صلي عليَّ أن يرسل الله لي نعمة. ومنذ الآن أصلح عملي". فقلت بالحقيقة يا ولدي، لا تتوقع أن يأتمنك المسيح على شيء أخر ما دمت في هذا العالم إلا على هذا الدرهم الذي تتحصل عليه من عمل يديك وأنت في هذا العمر. (عن مخطوطة رقم 175 نسكيات بدير السريان).
__________________________________________________________________
*مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 21 فبراير 2003م
الباب الرابع قديسو التوبة
تأملات عن قديسي التوبة*
أنواع من القديسين
الكنيسة تحتفل بأعياد قديسين كثيرين، بعضهم من الرسل والأنبياء أمثال القديس بطرس الرسول، والقديس داود النبي، وبعضهم من أبطال الإيمان مثل القديس أثناسيوس الرسولي والقديس كيرلس الكبير عمود الدين، وبعضهم من الشهداء مثل القديس مارجرجس والقديسة دميانة. وبعضهم من الآباء النساك والرهبان والسواح، مثل القديس أنطونيوس الكبير والقديس بولا أول السواح. وتحتفل أيضًا بقديسين من الآباء الرعاة مثل القديس الأنبا أبرام أسقف الفيوم، والقديس يوحنا الرحوم. وتحتفل بقديسين من غير رجال الكهنوت مثل القديس الأنبا رويس.
وهكذا توجد أنواع كثيرة من القديسين الكبار، بعضهم أصحاب رؤى واستعلانات مثل القديسين يوحنا الرائي وبولس الرسول، وبعضهم أصحاب آيات ومعجزات مثل القديس غريغوريوس صانع العجائب والقديس سمعان الدباغ، على أن هناك نوعًا مميزًا لا يمكن أن ننساه وهو قديسو التوبة.
قديسو التوبة
لا تقتصر حياة القديسن على أولئك الذين عاشوا حياتهم كلها في بر وقداسة، وإنما في سير القديسين أمثلة من أشخاص عاشوا حياة الخطية في أعماقها، أو عاشوا فترة طويلة لا يعرفون الله إطلاقًا، ثم تابوا وتغيرت حياتهم، وسلكوا في طريق البر بعد ذلك. وعن هؤلاء نريد أن نتحدث في هذا المقال، لنأخذ دروسًا من حياتهم البارة ومن توبتهم.
نبدأ بالقديس موسى الأسود، ثم نتحدث عن أمثلة من حياة كل من القديس أغسطينوس والقديسة مريم القبطية، والقديسة بيلاجية، والقديس كبريانوس، والقديس يعقوب المجاهد، والقديس أريانوس والي أنصنا.. ثم نعرج على طرف من حياة القديس بولس الرسول، والقديس بطرس الرسول، والقديس داود النبي، كأمثلة أخرى في حياة التوبة.
حياة قديسي التوبة تعطينا عزاءً وتشجيعًا، لأنهم أشخاص من نوعنا كبشر يسقطون ويقومون. وليسوا أمثلة من قداسة خيالية تفوق طبيعتنا!!
بل ربما البعض منهم وصلوا في سقوطهم إلى مستويات لم يقع فيها الكثير منا، مثل عبادة الأصنام، والقتل، والدعارة، والسحر، واضطهاد الكنيسة.. ولكن المهم في حياتهم هو السمو العجيب الذي وصلوا إليه في توبتهم، مما يرينا أن التوبة يمكنها أن تغير الناس بنعمة الله إلى العكس تمامًا، بوضع تنسى فيه الحياة السابقة بالكلية.
القديس موسى الأسود كان في حياته الأولى قاتلًا وعابد أصنام، وكان في منتهى القسوة والعنف، حتى أن منظره كان مخيفًا حينما وصل إلى الدير.
ولكن هذه الحالة السيئة لم تكن مستعصية على عمل النعمة وعلى إمكانيات التوبة في التغيير. وليس مجرد التغيير الجزئي، بل التغيير الكامل الشامل إلى حياة أخرى، يمكن أن نقول فيها إنه أنتقل من الظلمة إلى النور.
التغيير الكامل
تحول موسى القاتل العنيف القاسي إلى إنسان وديع هادئ محتمل، محب للإخوة، خدوم إلى أبعد الحدود، يفيض طبعه حلاوة ورقة، حتى أن أحد القديسين أبصره في رؤيا، وملاك الله يطعمه شهد العسل، إشارة إلى حلاوة طباعه، وحلاوة عشرته للناس، ومحبته وإشفاقه عليهم.
وإذا بهذا القاتل القاسي، يصل إلى الوضع الذي يرفض فيه مجرد إدانة أحد مهما كانت خطيئته! عُقد مجمع في الدير لإدانة أخ قد سقط. وهذا أمر يدخل في قوانين الرهبنة وتقاليدها. ولما دُعيّ القديس موسى الأسود لحضوره، جاء وهو يحمل جوالًا مملوءًا من الرمل، وبه ثقب من الخلف ينسكب منه الرمل، فلما سألوه عن سر ما يفعل، أجاب: هذه خطاياي وراء ظهري تجري، وقد جئت لأدين غيري على خطيته!! وترك المجمع ومضى، ولم يحكم على الخاطئ.
وهكذا في توبته، أكتسب فضيلة الإشفاق على المخطئين، مرتكزة على انسحاق القلب من الداخل بتذكر خطاياه، والاعتراف بها أيضًا، وتحقق في سيرته قول القديس بولس الرسول "اُذْكُرُوا الْمُقَيَّدِينَ كَأَنَّكُمْ مُقَيَّدُونَ مَعَهُمْ، وَالْمُذَلِّينَ كَأَنَّكُمْ أَنْتُمْ أَيْضًا فِي الْجَسَدِ" (عب13: 3).
بعض الذين لم يسقطوا في خطية معينة، ربما تكون عندهم شدة وقسوة في معاملة الساقطين فيها، وربما يكون هذه الشدة ممزوجة بشيء من التعالي واِحتقار الأخرين.. أما الذين جربوا السقوط، فيكون في طبعهم الإشفاق ممزوجًا باتضاع القلب.
يذكرني هذا الأمر بقصة القديس بيساريون، حينما طرد الآباء أخًا من المجمع لأنه إنسان خاطئ.. فقام هذا القديس وخرج معه من المجمع وهو يقول: "وأنا أيضًا إنسان خاطئ".
كان القديس موسى الأسود في توبته، يعمل على نيل بركة الآباء بخدمتهم. فكان يتفانى في خدمة الدير. ولما رأى أن موارد المياه بعيدة، وإحضارها يكون بصعوبة وتعب، كان يخرج ليلًا ويطوف بقلالي الشيوخ، ويأخذ جرار الماء التي لهم، ويسير مسافة طويلة إلى مورد الماء ليملأها لهم، ويعود ويكرر العمل مرارًا في الليلة الواحدة.. وفي هذه الخدمة أكتسب حبًا وبذلًا، وقهرًا للجسد، وتعبًا لأجل الآخرين، بعكس ما كان يفعل في لصوصيته.
تغيير بالتدريج
في حياة التوبة، هناك من تنقلهم النعمة دفعة واحدة إلى حياة القداسة.. وهناك من يسمح التدبير الإلهي بتغييرهم تدريجيًا، وقد كان موسى الأسود من هذا النوع الأخير. فمع توبته ورهبنته كانت الأفكار وقتالات العدو تتعبه جدًا، ولم يقدر على التخلص بسهولة، لدرجة أنه ذهب إلى أب اعترافه الأنبا إيسيذورس يشكو إليه في ليلة واحدة إحدى عشرة مرة.. فلما نصحه أن يذهب إلى قلايته قال له "لا أستطيع يا معلم".
تصوروا إنسانًا راهبًا لا يستطيع الذهاب إلى قلايته من شده القتال الواقع عليه، فتردد على أبيه الروحي 11 مرة في ليلة واحدة. واضطره هذا إلى قهر جسده بأنواع وطرق شتى، بالصوم الشديد، وبالتعب، والسهر، وبالصبر والصلاة.
ونذكر في تدرج توبته قصة اللصوص الأربعة الذين سرقوا قلايته، لما رآهم قد سرقوا كل ما في قلايته هجم عليهم بسرعة، وربطهم جميعًا بحبل واحد كحزمة حطب، وحملهم على كتفه، ودخل بهم إلى الكنيسة، وألقاهم على الأرض أمام الشيوخ، قائلًا: هؤلاء سرقوا قلايتي، وحيث أنه لا يجوز أن أصنع شرًا بأحد مطلقًا، فقد أتيت بهم إليكم لتفعلوا بهم ما تشاءون..
هنا، كان في تدرج توبته، لا يستطيع أن يؤذي.. ولكنه لم يصل إلى المستوى الذي يتجرد فيه، ويترك حقه، ويسامح.
كما كان لا يزال في المستوى الذي يستخدم فيه القوة الجسدية، ويهجم على اللصوص ويربطهم بحبل، ويحملهم على كتفه، ويلقيهم على الأرض في الكنيسة، على أنه فيما بعد، وصل إلى حياة الوداعة التي لا تعامل أحدًا بشدة، ووصل إلى التسامح الذي يترك فيه حقًا.
وحدث هذا في يوم سيامته قسًا، حينما طردوه من الكنيسة (لاِختباره)، فقال لنفسه: "حسنًا فعلوا بك يا أسود اللون، يا رمادي الجلد، وما دمت لست بإنسان، فلماذا تقف وسط الناس؟". ولما أرجعوه رجع، وقال: "حسبت نفسي ككلب.. طردوه فمشى، ونادوه فرجع".
هذا التدرج نرى له مثالًا في توبة القديسة مريم القبطية. هذه القديسة كانت قد عاشت في عمق الزنا والفساد في حياتها الأولى قبل التوبة. ثم اقتادتها نعمة الله بمعجزة أثناء زيارتها للقدس، فتابت وتركت زناها، وذهبت إلى البرية وعاشت في نسك شديد وصلاة دائمة، مع ذلك لم تصل إلى نقاوة القلب بسهولة. وعن هذا الأمر قالت للقديس زوسيما: لمدة سبعة عشر عامًا، حاربت الشهوات غير المرئية التي للطبيعة البشرية مثلما أحارب وحوشًا حقيقية. بل قالت له في ذلك أيضًا: ومرات كثيرة أيضًا، كانت تهاجمني فيها آلاف الذكريات الحسية والأفكار الدنسة، وكانت تجعل في قلبي آلامًا شديدة.. بل كانت تجري في عروقي مثل جمر مشتعل. حينئذ كنت ألقي بنفسي على الأرض متضرعة من كل قلبي.
إنها قصة حروب شديدة، وجهاد روحي عنيف، للوصول إلى حياة النقاوة. وتقول القديسة مريم القبطية في حروبها هذه "كنت أسلم نفسي بدموع عند أقدام الله طالبة معونة وشفاعة والدته عني.. وبعد جهاد كثير ودموع غزيرة، كان يحوطني نور باهر من كل ناحية، وكانت التجربة تهرب من أمامي".
إذًا قصص قديسي التوبة تعطينا أيضًا فكرة عن معونة الله للتائبين. كما تعطينا فكرة عن أهمية الصلاة في عمل التوبة، وأهمية الصبر وانتظار الرب، وعدم اليأس مهما كانت الحرب شديدة، ومهما طالت مدتها وأستمر عنفها.
طول المدة
ولعل من أمثلة طول المدة في حياة الخطية قبل التوبة، قصة القديس أغسطينوس الذي عاش أولًا في حياة الفساد بأبشع صوره سنوات طويلة ربما تقرب من العشرين. وكانت أمه تبكي من أجله متضرعة في صلواتها وهو لا يزال في سقوطه، حتى عزاها القديس أمبروسيوس أسقف ميلان قائلًا لها: "ثقي أن ابن هذه الدموع لن يهلك".
وتاب أغسطينوس أخيرًا، وتعمد وتعمد معه ابنه من الخطية.
تاب بعد أن دخل في صراع فكري طويل لمعرفة الله، لأنه لم يكن فقط يحيا في فساد، إنما كان أيضًا غير مؤمن، لا يعرف الله مثل والده بالجسد، وهكذا جرب كل إقناعات العقل، وجرب الفلسفة والمنطق، ولم يصل إلى الإيمان. وأخيرًا أفتقدته نعمة الله، وعمل الروح فيه. وكان من أهم المؤثرات قراءته لقصة القديس أنطونيوس الكبير.
ولما تاب، لم يترك الخطية فقط، وإنما ترهب، وأرتفع في حياة الروح، مما يعطينا فكرة عن قوة التوبة.
قوة التوبة
أغسطينوس لم يصر مجرد تائب، وإنما أوجدت التوبة فيه حرارة روحية عجيبة دفعته إلى قدام. فترهب، ونما في حياة الرهبنة، وفي حياة الصلاة والتأمل. وصار من أعظم مفسري الكتاب، بل صار ينبوعًا حلوًا للتأملات الروحية، ليس لجيله فقط، بل لجميع الأجيال. وصار أسقفًا لمدينة هبو، وزعيمًا من زعماء المسيحية، وبطلًا من أبطال الإيمان يدافع عنه ضد الهرطقات والبدع، وبخاصة البيلاجية والمونتانية.
وقوة التوبة كما صيرت أغسطينوس من أبطال الإيمان والتأمل الروحي، كذلك صيرت مريم القبطية من السواح. واستحقت مريم القبطية أن تكون ناسكة عجيبة، في قمة حياة الروح، يصنع الله معها أعاجيب أذهلت القديس زوسيما القس، فطلب منها أن تباركه، فباركته في اتضاع، وتعيد لها الكنيسة في 6 برمودة.
وقوة التوبة صيرت الخاطئة بيلاجية قديسة متوحدة تنكرت باسم الراهب بيلاجيوس. كما أن قوة التوبة حولت موسى الأسود إلى أحد آباء الرهبنة الكبار، وإلى قس يعترف عليه مئات الرهبان، بل صار شهيدًا. كذلك قوة التوبة عملت في الساحر كبريانوس.
ساحر يصير قديسًا
كان كبريانوس ساحرًا أفريقيًا من أمهر السحرة في عصره، في بداية القرن الثالث الميلادي. وفي أحد الأيام ذهب إلى أنطاكية ليظهر للناس قوته السحرية. فأتاه شاب كان يحب فتاة قديسة اسمها يوستينا، ويريد أن يصل إليها فلا يستطيع، ففكر في استخدام سحر كبريانوس.
واستخدم كبريانوس كل قوته السحرية، ولكن كل شياطينه فشلت، بل بمجرد ذكر اسم يوستينا كانت الشياطين تخاف وتختفي. فآمن كبريانوس، وترك السحر، وترهب، وصار فيما بعد رئيسًا لأساقفة قرطاجنة.
صار في توبته القديس كبريانوس العظيم، الذي تحفل بكتاباته وتعاليمه مجموعة آباء ما قبل نيقية. وصار القديس الذي رأس مجمع قرطاجنة سنة 276م وما بعدها، وقرر قاعدة إيمانية هامة وهي عدم قبول معمودية الهراطقة. بل نال إكليل الشهادة، وتعيد الكنيسة القبطية لاستشهاده في يوم 21 توت.
وتاريخ الكنيسة حافل بأسماء سحرة آخرين صاروا في توبتهم قديسين وشهداء. ولعل من أمثلة هؤلاء: الساحر أثناسيوس الذي أحضر كأسًا من السم المميت في قصة استشهاد القديس مارجرجس. ولكن القديس رشم كأس السم بعلامة الصليب وشربه ولم يؤذه شيء. فآمن أثناسيوس الساحر، واعترف بإيمانه ونال إكليل الشهادة مع القديسين.
توبة مضطهدي الكنيسة
نذكر من بين هؤلاء وحشًا قاسيًا هو أريانوس والي أنصنا. كان من أبشع الولاة في عهد الإمبراطور دقلديانوس الذي أثار أروع اضطهاد في التاريخ ضد المسيحية، وكان الولاة إذا يأسوا من إقناع مسيحي بترك مسيحيته، ولجأوا إلى كل طرق التعذيب بلا جدوى، يحولونه إلى أريانوس الوالي لشهرته بالقسوة الخارقة للطبيعة. وأخيرًا افتقدت النعمة أريانوس بمعجزة، فتاب وآمن واعترف بإيمانه ونال إكليل الشهادة. وتعيد الكنيسة لتذكار شهادة القديس أريانوس في يوم 8 برمهات.
ولعل من أشهر مضطهدي الكنيسة الذين صاروا قديسين: شاول الطرسوسي، الذي كان يجر رجالًا ونساء إلى السجن وينفث تهديدًا.. وظهر له الرب في طريق دمشق، فآمن وصار رسولًا.
وإذا بشاول الطرسوسي الذي كان من أشد مضطهدي الكنيسة، يتحول إلى أكثر الناس كرازة بالإيمان. وتعب أكثر من جميع الرسل، وصار شهيدًا.
ومع أننا نذكر القديس بولس ضمن الآباء الرسل والشهداء، إلا أننا يمكننا في نفس الوقت أن نعتبره من قديسي التوبة، تمامًا مثلما نضع القديس بطرس بين الرسل، وفي نفس الوقت نعتبره من قديسي التوبة، لأنه أنكر السيد المسيح، ثم تاب.
ملاحظات حول قديسي التوبة
أول ملاحظة هامة نذكرها، أن توبتهم كانت توبة بلا رجعة: كانت توبة جادة، ورجعة صادقة إلى الله، ونقطة تحول في الحياة، لم يعودوا بعدها إلى الخطية إطلاقًا، بحيث أن حياة الخطية السابقة انتهت تمامًا. أما التأرجح بين ترك الخطية والرجوع إليها، فليس هو توبة حقيقية، كما يحدث في حياة كثيرين.
ومن دلائل جدية توبة القديسين، ما سكبوه من دموع، نذكر في هذا توبة القديس بطرس الرسول الذي قال عنه الكتاب أنه بعد إنكاره: "خَرَجَ إِلَى خَارِجٍ وَبَكَى بُكَاءً مُرًّا" (مت 26: 75). ومثال آخر هام هو توبة داود النبي الذي قال في توبته: "تَعِبْتُ فِي تَنَهُّدِي. أُعَوِّمُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ سَرِيرِي بِدُمُوعِي أُذَوِّبُ فِرَاشِي" (مز6: 6).. إنه الندم الشديد الصادق على الحياة الخاطئة.
ومن دلائل جدية توبة القديسين، مذلة اعترافات بعضهم أمام الكل.
موسى الأسود في توبته، اعترف بخطاياه السابقة كلها أمام جميع الرهبان. وأغسطينوس فعل ما لم يفعله أحد؛ كتب كل خطاياه في كل مراحل حياته في كتاب، ونشره على جميع الناس لتقرأه الأجيال أيضًا.
وبولس الرسول كتب في رسائله: "أَنَا الَّذِي كُنْتُ قَبْلاً مُجَدِّفًا وَمُضْطَهِدًا وَمُفْتَرِيًا. وَلكِنَّنِي رُحِمْتُ، لأَنِّي فَعَلْتُ بِجَهْل فِي عَدَمِ إِيمَانٍ" (1تي1: 13).
وقال أنه ليس مستحقًا أن يدعى رسولًا، لأنه اضطهد كنيسة الله.
ومن جدية التوبة في سير قديسيها أنها كانت مقدمة لنمو روحي. في توبتهم لم يكتفوا فقط بعدم الرجوع إلى الخطية، إنما أخذوا من الناحية الإيجابية يتدرجون في النمو الروحي نحو حياة الكمال. وقد ضربنا لهذا الأمر أمثلة عديدة.
______________________________________________________________
*مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نشر في جريدة وطني، بتاريخ6 يوليو 1986م
القديس أغسطينوس
القديس أغسطينوس*
(354-430م)
نشأته
القديس أغسطينوس من أشهر قديسي التوبة. وُلد سنة 354م وتنيح سنة 430م عن 76 عامًا.
ولد في الجزائر في شمال أفريقيا في مدينة ثاغسطا. وتعمد سنة 387م وعمره حوالي 34عامًا. وكان رافضًا العماد في صغره. لأنه أراد حينما يعتنق المسيحية أن يكون ملتزمًا بكل تعاليمها. وهو لم يكن ملتزمًا بذلك في صغره.
وكونه تعمد سنة 387م فهذا يعني أنه لم يحضر المجمع المسكوني الأول المنعقد في نيقية سنة 325م، ولا المجمع المسكوني الثاني المنعقد في القسطنطينية سنة 381م. ولا المجمع المسكوني الثالث المنعقد في أفسس سنة 431م، لأنه تنيح قبل انعقاده بعام. لكنه حضر مجمع أفريقيا الذي عُقد في قرطاجنة حينما كان أسقفًا.
رُسم القديس أغسطينوس قسًا سنة 391م بيد فاليريوس أسقف هبو Hippo الذي استعان به ليكون أسقفًا مساعدًا له سنة 395م. ثم صار أسقفًا لهذه الإيبارشية (هبو) بعد نياحة أسقفها سنة 395م.
وهذا يرينا أن وظيفة أسقف مساعد كانت موجودة منذ القرن الرابع، وكذلك ترقية الأسقف المساعد إلى أسقف إيبارشية.
كان القديس أغسطينوس شابًا في منتهى الذكاء في صغره. كان متفوقًا على زملائه في الدراسة. وكان رقيق الطبع جدًا.
درس التعليم الابتدائي في بلده. ثم أرسلوه إلى معهد مادورا بعيدًا عن والديه، وعاش في حياة الطياشة مع أصحابه.
ثم درس التعليم الجامعي في قرطاجنة. درس الخطابة والفصاحة والقانون. ولكنه رفض أن يكون محاميًا، إذ قال إن المحامين كثيرًا ما يلجأون إلى الكذب لكسب قضاياهم (طبعًا ليس كلهم).
تعلم الفصاحة والحساب والهندسة، والموسيقى (بدون معلم). وبعد أن أنهى دراسته في قرطاجنة، أنضم إلى المانيين. والمانيون هم أتباع ماني المهرطق. كذلك درس أغسطينوس الفلسفة الأفلاطونية الحديثة New Platonism. وعاد إلى بلده ليكون مدرسًا للفصاحة.
كان بينه وبين تلاميذه محبة كبيرة. بينما كثير من أساتذة عصره كانوا يتعالون على الطلاب ولا يختلطون بهم. بل علاقتهم بهم هي في فصول الدراسة فقط. أما أغسطينوس فلم يكن كذلك. كان يختلط بتلاميذه. وكانوا يحبهم ويحبونه.
ثم سافر إلى روما. ولم يستقر بها، فسافر إلى ميلانو. وفي ميلانو بدأت الخطوات الأولى لتغيير حياته، إذ تعرف على أسقفها القديس أمبروسيوس، الذي كان واسع العلم وفصيحًا جدًا.
كانت محاضرات القديس أمبروسيوس ذات تأثير كبير في النفوس. وقد تأثر به أغسطينوس جدًا. كما تأثر بكاهن شيخ هناك. وبدأ يعد نفسه للعماد. وإذ كان محبًا للبحث عن الحقيقة، أخذ قبل عماده فترة خلوة، يجلس فيها إلى نفسه، ويبحث عن الحقيقة. وقد تأثر بأشياء دفعته إلى التوبة.
توبته
أستطيع أن أذكر أربعة أمور دفعته إلى التوبة.
أول شيء هو دموع أمه القديسة مونيكا من أجله. كانت تبكي كثيرًا من أجله، وترجو الله أن يعود إليه. وكان القديس أمبروسيوس يقول لها: "إن ابن هذه الدموع لن يهلك".
الأمر الثاني الذي دفعه إلى التوبة هو مرارة الخطية. إن الخطية – على الرغم مما فيها من لذة – فيها أيضًا مرارة. ولابد لمن يعيش فيها، أن يأتي وقت يملها ويتعب منها.
الأمر الثالث الذي دفعه إلى التوبة هو حياة التأمل التي عاشها وهو يبحث عن الحقيقة. وقد دعاه أحد أصدقائه إلى قراءة سيرة القديس أنطونيوس التي كتبها القديس أثناسيوس إلى أهل رومية باسم Vita Antonii. قرأها أغسطينوس وتأثر بها جدًا، لأنه وجد فيها جوًا روحيًا يسمو على المتع العالمية التي كان منغمسًا فيها. تأثر أيضًا برسائل القديس بولس الرسول، وبخاصة الرسالة إلى رومية (رو 13: 11-14) الذي يقول فيه: "أَنَّهَا الآنَ سَاعَةٌ لِنَسْتَيْقِظَ مِنَ النَّوْمِ، فَإِنَّ خَلاَصَنَا الآنَ أَقْرَبُ مِمَّا كَانَ حِينَ آمَنَّا. قَدْ تَنَاهَى اللَّيْلُ وَتَقَارَبَ النَّهَارُ، فَلْنَخْلَعْ أَعْمَالَ الظُّلْمَةِ وَنَلْبَسْ أَسْلِحَةَ النُّورِ. لِنَسْلُكْ بِلِيَاقَةٍ كَمَا فِي النَّهَارِ..".
تأثر أغسطينوس أيضًا بعظات القديس أمبروسيوس. ولما طلب من هذا القديس نصائحه وعرض عليه رغبته في التوبة وفي العماد، نصحه القديس بقراءة سفر إشعياء النبي.
إشعياء النبي يبدأ سفره بعتاب من الله للناس يقول فيه: " اِسْمَعِي أَيَّتُهَا السَّمَاوَاتُ وَأَصْغِي أَيَّتُهَا الأَرْضُ، لأَنَّ الرَّبَّ يَتَكَلَّمُ رَبَّيْتُ بَنِينَ وَنَشَّأْتُهُمْ، أَمَّا هُمْ فَعَصَوْا عَلَيَّ" (إش 1: 2). ويوجد عتاب أخر للرب في نشيده للكرمة، الذي يقول فيه: "وَالآنَ يَا سُكَّانَ أُورُشَلِيمَ وَرِجَالَ يَهُوذَا، احْكُمُوا بَيْنِي وَبَيْنَ كَرْمِي مَاذَا يُصْنَعُ أَيْضًا لِكَرْمِي وَأَنَا لَمْ أَصْنَعْهُ لَهُ؟ لِمَاذَا إِذِ انْتَظَرْتُ أَنْ يَصْنَعَ عِنَبًا، صَنَعَ عِنَبًا رَدِيئًا؟" (إش 5: 3، 4).
سفر إشعياء النبي يسمونه الإنجيلي، لأن فيه أشياء عن ميلاد المسيح من عذراء وعن لاهوته (إش 7 و 9). وفيه كلام عن الإيمان بالله من إصحاح 42 إلى 48. ويقول فيه الرب: "أَنَا هُوَ قَبْلِي لَمْ يُصَوَّرْ إِلهٌ وَبَعْدِي لاَ يَكُونُ" (إش 43: 10). وفي سفر إشعياء أيضًا كلام عن آلام المسيح وحمله لخطايانا (إش 53).
بالإضافة إلى كل ما ذكرناه، تأثر بالتأمل والصلاة. إنه يمثل الشخص الذي لم تستطع الفلسفة أن تقوده إلى الله. إنما قاده التأمل والصلاة والسيرة الحسنة التي للقديسين.
ومن أمثلة تأملاته وصلواته ومشاعره قبل توبته وبعدها، قوله: "عجبت من الدخان الكثيف المتصاعد من براكين الشهوة الجسدية، هذا الدخان الذي يحجب عنا رؤية الله". ثم يتكلم عن مرارة الخطية، فيقول لله: "أنت إلى جواري مازجًا حلاوة طيباتي المحرمة بمرارة. لعلني ألتمس لذة خالية من المرارة. وأين توجد هذه اللذة إلا عندك". ويقول له أيضًا: "أنت تدمينا لتشفينا. تهلك منا الجسد، لتحيي فينا الروح".
أمور كثيرة من هذه تجدونها في كتابه (الاعترافات). وبخاصة في الفصل التاسع منه، ويقول للرب: "كنت يا رب معي، ولكنني من فرط شقاوتي لم أكن معك"، "تأخرت كثيرًا في حبك أيها الجمال الفائق".
وكان يصرخ إلى الرب بقول المزمور: "إِلَى مَتَى يَا رَبُّ تَنْسَانِي كُلَّ النِّسْيَانِ؟ إلى الإنقضاء" (مز12). إلى متى أقول غدًا غدًا ولا أقول الآن؟! ثم قال لله: "تركتنا حينًا. فمن يصلح بيننا؟ أي وسيط؟ الوسيط بين الله والناس يلزم أن يكون شبيهًا بالله وبالناس. لو كان شبيهًا بالله فقط لصار بعيدًا عن الناس. ولو كان شبيهًا بالناس فقط لصار بعيدًا عن الله. ووصل إلى أن الوسيط الحقيقي هو يسوع المسيح، الإله المتأنس الذي ظهر بين الخطاة المائتين، وهو بار غير مائت. هو مائت مع البشر، وبار مع الله".
ولما أوصله الله إلى التوبة، قال له: "ها إني قد وجدتك. كنت داخلي وأنا أطلبك خارجًا عني. كنت أفتش عليك في أشياء خارجة، ثم وجدتك في نفسي وفي قلبي". ثم شكر الله بقول المزمور "حَلَلْتَ قُيُودِي فَلَكَ أَذْبَحُ ذَبِيحَةَ حَمْدٍ" (مز 116: 16، 17).
تطوّر فكره
لما تاب أغسطينوس، بحث عن العماد وتعمد. ثم بدأ فكره يتطور. يتطور من الفلسفة إلى اللاهوت. ولم يكن هذا الأمر سهلًا. عقل جبار جدًا مثل عقل أغسطينوس، كيف يتحول إلى عقل روحاني، فيه التأمل العجيب، وفيه عمق الروح، وليس فيه تعقيد العقل.
في أول حياته في التوبة، كان يحاول أن يتخلص من الفلسفات التي في ذهنه، من جهة الأفلاطونية الحديثة، والمانوية. ثم تدرج إلى أن أصبح يتكلم عن اللاهوتيات بأسلوب فيه روح الأفلاطونية الحديثة.. إلى أن بدأ يتكلم عن لاهوتيات محضة مثل كتابه عن (الثالوث) أو كتابه (مدينة الله).
في الأول كان يتحاور حوارات لاهوتية وفكرية في السنة الأولى بعد عماده، مع أسرته وأصحابه. وكانت تتكون من أمه القديسة مونيكا، ومن ابنه ديوداتس (ابنه من الفساد طبعًا)، كذلك كان يتحاور مع أخيه ومع صديقه أليبوس. أخيرًا الفيلسوف الذي فيه، خضع للاهوتي الذي صار إليه.
صفاته
بدأ يتصرف كلاهوتي. وقبل أن أدخل في هذا الموضوع أود أن أقول أن أغسطينوس له صفات متعددة: منها الذكاء، والدقة العجيبة، وإنه لاهوتي، وفيلسوف، وفيما بعد صارت له صفة الكهنوت.
وقبل الكهنوت كانت له صفة الواعظ. وعمومًا له صفة رجل التأملات، ومفسر الكتاب. واستطاع أن يحيا حياة رهبانية فيها الوحدة والخلوة. فيها لجأ الناس إليه، فصار أب رهبنة. لقد باع كل ما له بعد وفاة أمه ووزع المال على الفقراء، وعاش فقيرًا راهبًا.
ويمكن أن نقول أن له صفة أخرى وهي كاتب ومؤلف. مؤلفاته بلغت 260 مؤلفًا. نفرق فيها بين مؤلفاته الأولى في حياة الفلسفة ومدرسة الفصاحة التي نشكر الله أنه لم يبق لنا منها الكثير.. ثم أيضًا مؤلفاته بعد أن صار كاهنًا وأسقفًا.
ومؤلفاته منها الكتب الروحية، واللاهوتية، وردوده على الفلسفات وعلى الهرطقات. وقبل أن أدخل في تفاصيل هذا كله، أذكر كتابين فيهما روح الاتضاع بعمق. وأولهما (الاعترافات) Confessions.
كتاب الاعترافات
إنه بخور عطر في حياة هذا الإنسان. يحرص كل شخص أن يعترف سرًا على أحد الآباء الكهنة. وسمعنا عن بعض القديسين أنهم اعترفوا علانية كالقديس موسى الأسود. ولكن القديس أغسطينوس انفرد بأنه اعترف على العالم كله. وليس فقط على الجيل الذي عاش فيه، إنما حتى على الأجيال التي أتت بعده. في كتاب كلنا نقرأه.
ما كان أحد يستطيع أن يعرف خطايا أغسطينوس في حياته كلها، لولا أنه كتبها، وكشف نفسه. كشف ضعفاته وسقطاته. وكشف انحرافه إلى الوثنية والمانوية في حياة الفلسفة في عشرة الشباب. وكذلك إنجابه ابنًا من علاقة غير شرعية.
وفي عمق وروحانية كشف عما لم يكن يعرفه من أخطائه. فمثلًا قال: أنا لا أذكر خطاياي وأنا طفل رضيع. ولكنه استنتج ذلك من أخطاء الأطفال والرضع الذين يراهم. فكثير منهم يزعجون غيرهم ببكائهم وصراخهم. وكثير منهم شديدو الغيرة جدًا، يغارون من الأطفال الآخرين، ويريدون أن كل شيء يكون لهم! فقال أغسطينوس: "لابد أنني كنت هكذا وأنا طفل".
كان أغسطينوس أمينًا في اعترافاته ومتواضعًا وصادقًا.
لقد تاب توبة صادقة لم يخفِ فيها شيئًا مما فعله. ولم يمنعه الخجل من كشف أخطائه. بل كان خيرًا له أن يكشف نفسه ويخجل. كما كان يشرح حيرته وتساؤلاته في سعيه إلى الله.
والعجيب أنه كتب اعترافاته بعد أن صار أسقفًا. نشر اعترافاته سنة 397م. بعد أن صار راهبًا وكاهنًا وواعظًا ومؤلفًا. وبعد أن صار أسقفًا للإيبارشية سنة 396م. وفي نشر اعترافاته لم يفقد احترام الناس له. بل اعجبوا بأمانته واتضاعه. وأصبح كل إنسان يستطيع أن يجد تجاوبًا مع القديس أغسطينوس في كتابه (الاعترافات). هناك كتاب أخر يدل على اتضاعه وهو كتاب التراجعات.
كتاب التراجعات Retractations
هو كتاب أصدره في السنوات الأخيرة من حياته ربما سنة 427م أو سنة 428م (هو تنيح سنة 430م). ما معنى هذا العنوان؟ إنه لون آخر من تواضع القديس أغسطينوس. إذ بدأ يراجع نفسه في ما كتبه من قبل. ويرى هل هناك خطأ فيما سبق أن كتبه أو علّم به؟! ويحتاج الأمر منه إلى تصحيح.
ففي هذا الكتاب بدأ يصحح في كتاباته الأولى ما يراه في حاجة إلى تصحيح. سواء ما كتبه قبل أسقفيته أو أثناءها. صحح ما يبدو له ضعيفًا أمام نضوجه في المعرفة. أو ما يراه باطلًا أو غامضًا، أو بعيدًا عن التعليم الصحيح.
في كتابه (الاعترافات) اعترف بضعفاته في حياته الشخصية وسلوكياته وفي كتابه (التراجعات) اعترف بأخطائه الفكرية أو ما رآه كذلك.
أراد قبل أن يموت أن يعطي حسابًا لله عن كل شيء. تذكر في كتابه قول الوحي الإلهي: "كَثْرَةُ الْكَلاَمِ لاَ تَخْلُو مِنْ مَعْصِيَةٍ" (أم 10: 19). وكأنه يقول للرب: "أنا - كمعلم وكأسقف – تكلمت كثيرًا. فربما يوجد في كلامي شيء من المعصية - وهأنذا اتراجع عنه". إنه تواضع منه.
وتذكر أيضًا عبارة: "لأَنَّنَا لَوْ كُنَّا حَكَمْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا لَمَا حُكِمَ عَلَيْنَا" (1كو 11: 31). فبدأ يحكم على نفسه ويدين نفسه، قبل أن يُدان أمام الله. كتابه (الاعترافات) كان في أول حياته الإيمانية والرعوية. وكتابه (التراجعات) أو التصحيحات، كان في أواخر حياته كأسقف لكي يكون نظيفًا أمام الله سلوكًا وفكرًا.
باقي كتاباته
له رسائل عديدة حوالي 270 رسالة كتبها من سنة 386م من أول عماده وتوبته إلى سنة 429م قبيل وفاته. تمثل إجابته على تساؤلات عصره، وتمثل قلبه الكبير الذي يجد فيه فيه كل أحد مجالًا، كما قال بولس الرسول: "صِرْتُ لِلْكُلِّ كُلَّ شَيْءٍ" (1كو 9: 22).
رسائله تحتاج بلا شك إلى دراسة، لكي نلخصها.
له أيضًا دراساته اللاهوتية: مهاجماته للمانوية والغنوسية والبيلاجية.
وعلى المونتانيين، والإلحاد والوثنية، والقائلين بوجود إلههين: إله للخير وإله للشر. وفي رده على البيلاجيين تعرض كثيرًا لموضوع (النعمة). حتى أن بعض اللاهوتيين يسمونه "قديس النعمة".
وله أيضًا حوار مع القديس جيروم، وبخاصة حول (أصل النفس).
هل النفس مولودة مع الإنسان أم مخلوقة، منحها الله للجسد من عنده، وكان أغسطينوس يعارض جيروم في كونها مخلوقة. وقال عبارته المشهورة: "لو كانت النفس مخلوقة – أي إنها مُنحت بلا خطية – فلماذا إذًا نعمد الأطفال؟!".
والقديس أغسطينوس من أكثر القائلين بوراثة الخطية الأصلية.
ورثناها عن أبوينا الأولين آدم وحواء. وما دام الطفل قد ورث الخطية الأصلية، إذًا هو في حاجة إلى العماد. على أن القديس أغسطينوس في رده على القديس جيروم عن أصل النفس، لم ينشر هذا الرد إلا سنة 419م بعد وفاة جيروم، لكي لا يجرحه. وقد لحقه بعد 11 سنة.
وللقديس أغسطينوس كتابات أخرى
عن الثالوث، وعن الأسرار، وعن الإيمان، وعن الزواج، وعن حرية الإرادة. وله كتاب عن "تعليم المبتدئين في أصول الدين"، وله كتاب آخر عن "المعلم" أو "المربّي". وتحدث عن المسيح باعتباره المعلم المعصوم في تعليمه.
وله أيضًا كتب في التفسير
نذكر من بينها تفسير القديس أغسطينوس للمزامير، وتفسيره لرسالة يوحنا الأولى، وتفسيره للعظة على الجبل، ولفصول عديدة من الأناجيل. وهو معروف بأنه أحد قادة مدرسة (التفسير الرمزي). وكنت وأنا شاب مبتدئ في الرهبنة أود أن أضع كتابًا عن "فلسفة الأرقام في تفسير القديس أغسطينوس". وهو موضوع طويل.
ومن أشهر كتبه "مدينة الله".
كتبه ما بين سنة 413م، وسنة 426م. بعد غزو رومه. وهو مؤلف ضخم يشمل في داخله 22 كتابًا. يتحدث فيه عن مدينة العالم التي ستتحطم، ومدينة الله التي تبقى إلى الأبد.
ومن كتبه أيضًا "ضد الأكاديميين" Contra Academicos
كتبه سنة 386م. يقول فيه إن الإنسان لا يمكن أن يصل إلى الحق الكامل. وأقصى ما يصل إليه هو الاحتمالات إلى الوصول إلى الحق، إلى معرفة الله الكاملة، الله الذي هو الخير الأعظم. ما أكثر مؤلفات أغسطينوس، وما أعمقها فكرًا وروحًا!
________________________________________________________________
*مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 28 سبتمبر 2001م
القديس موسى الأسود
القديس موسى الأسود*
نحتفل يوم 24 بؤونة بعيد القديس العظيم الأنبا موسى وبخاصة في دير البراموس العامر، وفي الكنائس التي تحمل اسمه: مثل دير القديسين الأنبا أنطونيوس والأنبا موسى في السودان، وكذلك يحتفلون به في دير الأنبا أنطونيوس بكاليفورنيا بأمريكا. وتوجد كنيسة أيضًا باسمه في شرقي كندا. وهكذا وصلت شهرته إلى بلاد كثيرة خارج مصر.
والقديس الأنبا موسى الأسود يمكن أن نسميه "قديس التوبة" ويتشفع به جميع التائبين.
وذلك باعتبار أنه كان – قبل توبته – إنسانًا خاطئًا، بل كان قاطع طريق وقاتلًا وسيئ الخلق جدًا، بل كان أيضًا لا يعرف الله أي كان غير مؤمن.
وعندما ذهب إلى الدير (دير البراموس حاليًا) ارتعب من شكله كثير من الرهبان لما رأوه. ولكن القديس الأنبا إيسيذورس أخذه إليه. ولما سأل عن حالته عرف أنه غير مؤمن، وأنه طبعًا لم يتعمد. فأرشده إلى الإيمان، ثم عمده، وبعد حين رهبنه، ومن ذلك الوقت بدأ حياته في التوبة وفي الحياة الرهبانية.
مشاهير السود
وحياة القديس موسى الأسود تعطينا فكرة عن أن الله هو إله السود كما أنه إله البيض.
وفي الكتاب المقدس – كما في التاريخ – أمثلة عن بعض مشاهير السود، الذين منهم "المرأة الكوشية" التي تزوجها موسى النبي (عد 12: 1). ولما احتج على ذلك شقيقاه هارون ومريم، ظهر الرب ووبخهما حتى أنه ضرب مريم بالبرص فبقيت خارج المحلة سبعة أيام (عد 12: 14). وفي نفس الوقت دافع الرب عن موسى ورفع شأنه أمام أخويه.
ومن مشاهير السود أيضًا ملكة سبأ التي زارت سليمان الملك (1مل 10). ويقول أخوتنا الأثيوبيون – في تقاليدهم – أن سليمان تزوج ملكة سبأ، وأنجب منها منيليك الذي صار جدًا لأسرة الإمبراطور هيلاسلاسي الذي كانوا يلقبونه "الأسد الخارج من سبط يهوذا" أي من نسل سليمان.
ومن مشاهير السود أيضًا عذراء النشيد التي ترمز إلى كنيسة الأمم، والتي قالت: "أَنَا سَوْدَاءُ وَجَمِيلَةٌ يَا بَنَاتِ أُورُشَلِيمَ" (نش 1: 5). ومن مشاهير السود أيضًا القديس موسى الأسود الذي نحن بصدد سيرته الآن.
دروس من سيرته
قصة موسى تذكرنا بقول الكتاب: "انْظُرُوا إِلَى نِهَايَةِ سِيرَتِهِمْ فَتَمَثَّلُوا بِإِيمَانِهِمْ" (عب 13: 7). فليس المهم كيف تبدأ حياة الإنسان، إنما كيف تنتهي، وكيف يلاقي الرب عند موته.
قصته أيضًا دليل قوي على قبول الله لتوبة الخطاة مهما كانت سيرتهم رديئة جدًا. فبالتوبة يمحو الله خطاياهم ويقول: "لا أعود أذكرها" (إر 31: 34) (خر 18: 22). وترينا هذه السيرة أيضًا كيف أن نعمة الله قادرة أن تعمل في الكل، وأن تغير الخطاة ليس فقط إلى تائبين، بل بالأكثر تحولهم إلى قديسين، وإلى قديسين كبار. رأينا هذا الأمر – كما في موسى الأسود – كذلك في أغسطينوس الذي تحول من فاجر بعيد عن الله، إلى قديس كبير وإلى أسقف عظيم له تأملات يستفيد منها العالم كله. ونفس الوضع نقوله عن القديسة مريم القبطية التي تحولت من إنسانة خاطئة جدًا إلى راهبة وصلت إلى درجة السواح وتبارك منها القديس زوسيما القس الذي كتب سيرتها. ونفس الوضع نقوله عن القديسة بيلاجية.
أمثال هذه القصص تعطينا فكرة عن نعمة الله وكيف تعمل، بشرط أن الإنسان يسلم إرادته إلى عمل النعمة، فتكون إرادة متجاوبة مع عمل النعمة فيه.
النعمة مستعدة أن تغير، وهو نفسه يريد أن يتغير.
وقصة القديس موسى الأسود تعطينا فكرة عن أهمية أب الاعتراف في قيادته للتائب. فالقديس الأنبا موسى الأسود: في قيادته أولًا إلى الإيمان، ثم إلى التوبة، وإلى الرهبنة، وتعهده باستمرار في حياته الرهبانية. كما ترينا هذه القصة أيضًا أهمية الجهاد الروحي. فقد جاهد موسى الأسود كثيرًا لكي يتخلص من خطاياه.
القوي الأنبا موسى
الكنيسة تلقب الأنبا موسى – في مجمع القديسين – بالقوي الأنبا موسى. هو طبعًا له صفات كثيرة: فهو إنسان تائب، وهو راهب، وقس ومرشد روحي، وهو أيضًا شهيد.. ولكننا نريد أن نتأمل في صفة (القوي) التي لقبته بها الكنيسة؛ فنرى أنه كان قويًا في جسده، وقويًا في توبته، وفي اعترافه، وقويًا في تواضعه وفي احتماله. وقويًا أيضًا في استشهاده وفي معجزاته ونتكلم عن هذه الصفات بشيء من التفاصيل. وكيف أنه:
قوي في جسده
كقاطع طريق في بداية حياته. كانت له هذه الصفة أي قوته الجسدية. وكيف أنه في إحدى المرات اغتاظ من راع وأراد قتله وكان ذلك الراعي على الشط الأخر من النهر.. فأخذ موسى سيفه وألقى بنفسه في النهر ليلحق بالراعي ويقتله، لولا أن ذلك الراعي خاف من منظره، وهرب مختفيًا في الغابات.
وحدث في بداية رهبنته، أنه ذهب إلى قلايته، فوجد أربعة من اللصوص قد اقتحموها لسرقتها. فأمسك باللصوص الأربعة وربطهم بحبال، وحملهم على ظهره، وذهب بهم إلى الكنيسة وألقاهم أمام الآباء. وقال لهم: "هؤلاء هجموا على قلايتي ليسرقوها، فتصرفوا أنتم معهم بما تشاءون".
وهذا يرينا كيف أن النعمة قد تغير البعض بسرعة، بينما تغير البعض بالتدريج، مثلما حدث مع موسى الأسود.
قوة موسى الأسود في جسده تظهر أيضًا في خدمته للرهبان، وكيف أنه كان يحمل جرار الماء الخاصة بالشيوخ، ويذهب إلى بئر على بعد ميلين أو أكثر، ويملؤها بالماء ويعود بها ليحمل غيرها. ولا يستطيع أحد أن يقوم بهذه الخدمة مرارًا إلا إذا كان قويًا في جسده.
يضاف إلى مظاهر القوة في جسده، ما كان يقوم به من نسكيات شديدة لا يتحملها إلا جسد يقوى عليها. أو قل إن المقصود بهذه النسكيات إخضاع الجسد القوي إلى جوار قوته في جسده، نذكر قوته في توبته واعترافه.
قوي في توبته
دليل ذلك هو تحوله من قاتل وقاطع طريق إلى قديس وديع هادئ محب للغرباء ومتواضع. وتوبة موسى الأسود تدل على أمرين: الأول أنها توبة بإصرار شديد وبلا رجعة. والأمر الثاني أنها احتاجت إلى جهاد كبير.
وفي أول الأمر زادت عليه حروب الشياطين جدًا، حتى أنه في ليلة واحدة ذهب إحدى عشر مرة إلى القديس إيسيذورس أب اعترافه، الذي قال له: "اعتكف في قلايتك واصمد". فأجابه موسى الأسود: "لست أستطيع يا معلم" ولكن نعمة الله كانت معه وساعدته في جهاده حتى انتصر على حروب الشياطين بنعمة الله التي كانت معه، ومن مظاهر قوة توبته: قوة اعترافه.
حتى أنه استطاع أن يعترف بكل خطاياه – على الرغم من بشاعتها – اعترفًا علنيًا أمام مجمع الرهبان كله. حقًا، من يستطيع أن يفعل ذلك. وأثناء اعترافه رأى أحد الآباء ملاكًا يحمل قرطاسًا، وكل ما كان يعترف به موسى الأسود كان يمحوه. مثل هذه الاعترافات تخزي الشياطين فيهربون، لأنها على الأقل تدل على تواضع قلب لا يحتمله الشيطان. وهكذا ننتقل في حديثنا عن قوة موسى الأسود إلى قوة تواضعه.
قوي في تواضعه
أولًا: كان يؤمن بأهمية التواضع في الحياة الروحية. وكان يقول: "إن تواضع القلب يتقدم جميع الفضائل" بلغ من تواضعه وهو شيخ، أنه في إحدى المرات طلب كلمة منفعة من صبي صغير. تواضعه في الحقيقة ظهر في قصة رسامته قسًا. فقد أخذه أب اعترافه الأنبا إيسيذورس. وأراد البابا أن يختبره، فطرده قائلًا: "من أتى بهذا النوبي إلى هنا؟!".
فخرج وهو يقول في نفسه: "حسنًا فعلوا بك يا أسود اللون يا رمادي الجلد. وما دمت لست بإنسان، فلماذا تقف وسط الناس؟" ثم أمر البابا بإحضاره فأتى. فسألوه فيما بعد عن شعوره، فقال: "حسبت أنني كلب طردوه فذهب، ونادوه فأتى". ولما تمت سيامته كاهنًا، ولبس ملابس الخدمة البيضاء، قالوا له: "ها أنت قد أصبحت أبيض كلك" فأجاب: "ليته يكون من الداخل أيضًا".
ويظهر تواضعه أيضًا في بعده عن إدانة غيره
ومن أشهر قصصه في ذلك أن مجمع الرهبان انعقد لإدانة أخ راهب قد أخطأ. ودعى موسى الأسود لحضور ذلك الاجتماع. فحضر وهو يحمل زنبيلًا (جوالًا) مملوءًا بالرمل، ولكن به ثقب من الخلف تنحدر منه الرمال. فسألوه عن ذلك، فقال: "هذه هي خطاياي وراء ظهري تجري، وقد حضرت لإدانة أخي".
كان القديس موسى الأسود عجيبًا في هذه الفضيلة. ومن كلماته المشهورة في ذلك: "إياك أن تسمع بسقطة أحد أخوتك، لئلا تكون قد دنته خفية".. أي أنه ليس فقط أن الإنسان يمتنع عن الإدانة بلسانه، إنما يحترس أيضًا من سماع كلمة الإدانة التي تصدر من غيره، لئلا يتأثر بها، فيكون فكر الإدانة قد سعى إلى قلبه في الخفاء، دون أن يشعر، أو بغير إرادته.
ومن تواضعه أنه كان باستمرار يتذكر خطاياه القديمة، على الرغم من ارتفاعه في الفضيلة. حتى أنه كان يقول: "إنني لابد أن أموت قتيلًا، لأنني قد قتلت غيري. وقد قال السيد المسيح له المجد: الَّذِينَ يَأْخُذُونَ السَّيْفَ بِالسَّيْفِ يَهْلِكُونَ!(مت 26: 52)".
وفعلًا لما هجم البربر على الدير، وهرب كثير من الرهبان، رفض هو أن يهرب مثلهم، ونال إكليل الشهادة. وهكذا يكون قويًا في استشهاده، إذ رفض أن يهرب من الموت. وقال: "هذا اليوم كنت أنتظره من زمن طويل". كان القديس موسى الأسود قويًا أيضًا في محبته.
قوي في محبته
كان يحب الناس بكافة الطرق، ويحب أن يخدمهم. وقد رأينا كيف كان يحب الشيوخ ويسير مسافات طويلة حاملًا لهم جرار الماء من البئر. وفي إحدى المرات مر عليه ضيوف. وكان الدير قد نذر صومًا، أو قرر صومًا، ولكنه احتفى بالضيوف، وأوقد ليصنع لهم طعامًا. ورأى بعض الرهبان دخانًا يصعد من قلايته. فاستاءوا وقالوا: كيف يكسر الصوم؟! ولما رآه الآباء وعرفوا السبب طمأنوا الرهبان الصغار بأنه لم يفعل ذلك حبًا في الأكل، وإنما حبًا لضيوف قد جاءوه.
وفي مرة من المرات قصده ضيوف، فأخذ يعد لهم طعامًا، ولكن لم يكن عنده ماء يكفي للطبيخ. فأخذ يخرج من القلاية ثم يدخل. وهكذا ظل يخرج ويدخل مرات حتى أرسل الله سحابة ونزل مطر فملأ أوعيته. وقد سألوه: لماذا كنت تخرج وتدخل مرات؟، فقال: كنت أخرج وأعاتب الله قائلًا له "إنك قد أرسلت لي ضيوفًا، فلماذا لم ترسل لي ماء لكي أعد لهم طعامًا؟".
وهكذا يعطينا فكرة عن قوة معجزاته التي وردت في كتب سيرته وسجلها البعض. ويمكنكم أن تقرأوها في كتب سيرته، حيث وردت معجزات في حياته، وحتى عصرنا الحاضر، سواء في مصر، أو في الخارج وفي بلاد المهجر.
نقطة أخرى عن قوته في إرشاده الروحي.
قوي في إرشاده
لما سيم كاهنًا، كان له أولاد كثيرون في الاعتراف، ينتفعون بإرشاده الروحي وبالتلمذة عليه سواء على أقواله، أو بالانتفاع من سيرته وقدوته الصالحة.
ومن نصائحه وأقواله النافعة: حب المساكين، لكي تخلص بسببهم في وقت الشدة أي بعطائك لهم يمنحك الرب نعمة تخلص بها في وقت الشدة. وقال في ذلك أيضًا: "اعط المحتاجين بالسرور والرضا" وقال أيضًا: "الذي يتهاون في عفة جسده، يخجل في صلاته"؛ أي أنه إذا وقف يصلي، يخجل في رفع وجهه إلى الله، إذ لا يجد دالة، بل تذكار تهاونه في عفته، يخجله.
وقال: "إذا سكنت مع أخوة، فلا تأمرهم بعمل ما، بل اتعب معهم". وهذا يذكرنا بالأنبا بيشوي الذي أحضروا إليه تلميذ لكي يعلمه الفضيلة. فلم يقل له شيئًا. فلما اشتكى التلميذ إلى الشيوخ، وجاءوا إليه يعاتبونه إنه لم يقل لذلك الأخ شيئًا!! قال لهم: أنا لا أستطيع أن آمره بشيء. إنما عليه أن ينظر ماذا أفعل، ويتعلم دون أن أقول له شيئًا. وقال الأنبا موسى أيضًا عن الاتضاع: "إذا عرفنا أننا كلنا خطاه، فلنحذر من أن نترك خطايانا، وننشغل بخطايا غيرنا وندينه، وقيل في ذلك كشخص يكون في بيته ميت. فيترك ميته ليذهب للبكاء على ميت آخر".
وقال الأنبا موسى أيضًا: لا تثق بنفسك طالما كنت في الجسد؛ أي احذر من الغرور، ولا تظن أنك قد وصلت إلى درجة لا تؤثر فيك الحروب. وقال: "الذي يعتقد في نفسه أنه بلا عيب، فقد حوى في نفسه جميع العيوب".
ونرى أن القديس موسى الأسود قد دخل في مرحلتين في جهاده الروحي: مرحلة منها كان يجاهد فيها بكل قوته. والمرحلة الثانية هي التي كان يلقي فيها ضعفه أمام الله، فتحمله النعمة. قائلًا للرب: "ليست لديَّ قوة أمام الشياطين، فارسل لي قوة من عندك، وكان الله يرسل له نعمته".
بركة هذا القديس العظيم، فلتكن مع جميعنا.
_________________________________________________________________
*مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ9يوليو 1999م
القديسة مريم المصرية
القديسة مريم المصرية السائحة
عاشت في الخطية إلى أعماقها، وفي القداسة إلى أعماقها. لم تنتقل من الفُجر والرذيلة إلى التوبة، إنما إلى السياحة، فصارت متوحدة عظيمة، استحقت أن يتبارك منها القديس الأنبا زوسيما القس، السائح.
بدأت حياتها في الخطية منذ الثانية عشرة، واستمرت 17 سنة في الخطية، في حياة بشعة جدًا، أهلكت فيها الكثيرين. ثم وجدت سفينة ذاهبة إلى الأراضى المقدسة، فركبت فيها. وإذ لم تكن تملك أجرة السفر، باعت جسدها طوال الرحلة!!
وتقابل معها الرب في الأراضي المقدسة، وقادها إليه..
ازدحم الناس للتبارك من الصليب المقدس، وحاولت أن تتقدم، وشعرت أن قوة تمنعها، فتسمرت في مكانها مهما زاحمت، وإذ شعرت بعدم الاستحقاق، بدأ قلبها يتحرك. وإذ رأت أيقونة العذراء، نذرت إن سمح لها الرب بالتبرك من خشبة الصليب، أن تتوب وتحيا حياة الطهارة. وحينئذ استطاعت أن تتقدم.
وبدأت حياة التوبة في برية الأردن، حيث عاشت 47 سنة، إلى أن رآها القديس زوسيما بإرشاد إلهي.
كان هذا القديس يحيا حياة الكمال. وإذ ظن أنه فاق غيره، أرشده الرب إلى دير بنواحي الأردن، فيه رهبان كالملائكة، فعاش بينهم. وكانوا خلال صوم الأربعين المقدسة، يخرجون من الدير ويسيحون في البرية، فساح معهم. وإذ توغل في هذه البرية رأى شبح القديسة، فاقترب إليه، فاختبأت وراء صخرة، ونادته باسمه أن يلقي إليها رداءه، فألقاه. فاتشحت به لأنها كانت عارية إذ بليت ثيابها خلال 47 سنة. وأراد أن تباركه، فاعتذرت لأنه كاهن، خادم الأسرار.
وقصت عليه قصتها، واعترفت عليه بكل خطاياها، وطلبت إليه أن يقابلها في العام المقبل، ليناولها من الأسرار المقدسة. وطلبت إليه أن يحفظ سيرتها سرًا طالما تحيا في الجسد.. وناولها في العام التالي بعد أن رآها مقبلة إليه، عابرة الأردن فوق الماء. سجدت أمام السرائر الإلهية، وتناولت، ثم رفعت يديها وقالت: "الآن يا رب تطلق عبدتك بسلام"، واختفت في الجبل بعد أن طلبت من القديس زوسيما المجيء في العام التالي.
وفي العام التالي، جاء القديس زوسيما، ووجدها قد فارقت الحياة، وإلى جوارها مكتوبة على الأرض العبارة التالية "أيها الأب زوسيموس، أدفن مريم الشقية، بردك التراب إلى التراب".. ولم يعرف كيف يحفر الأرض، فظهر له أسد فحفرها. فصلى عليها القديس ودفنها.. وقد عاشت 77 سنة. وكانت وفاتها سنة 421م.
__________________________________________________________
*مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نشر في مجلة الكرازة بتاريخ 9 ديسمبر 1977م
الباب الخامس الآباء السواح
من هم السواح؟
يظن البعض أن الآباء السواح هم أرواح تطير من مكان إلى آخر، إذ تدخل الكنائس وهي مغلقة دون أن يراها أحد.
والحقيقة أن الآباء السواح بشر مثلنا، يأكلون ويشربون، لكن في نسك زائد. وهم أيضًا قد يمرضون ويشعرون بألم الجسد.
نسمع عن الأنبا بولا أول السواح أنه كان يأكل كل يوم نصف خبزة يحضرها له الغراب. ونسمع عن القديس أبا نفر السائح أنه كانت له نخلة تطرح له بلحًا يأكل منه. ونسمع عن الأنبا بيجيمي السائح والأنبا موسى السائح أنهما كانا يأكلان من أعشاب الجبل. كما كان كل هؤلاء يشربون من ينابيع أو آبار في الجبال.
إذًا لابد أن السواح لهم أجساد مثلنا تأكل وتشرب، وبالتالي تجوع وتعطش.
ونسمع أيضًا عن الأنبا تيموثاوس السائح أنه مرض مرضًا من قرحة أصابته في كبده، شفاه منها ملاك الله. وفي نهاية حياة أبا نفر نقرأ أنه أصابته حمى وأحمر جسمه.
لا صحة إذًا بأن يقال: أن السواح مجرد أرواح.
***
والسواح كما نقرأ في سيرهم هم رهبان تدرجوا في الوحدة حتى سكنوا في البرية الجوانية، في أماكن لا يعرفها أحد، بحيث مرت عليهم عشرات السنوات لم يروا فيها وجه إنسان.
في قصة سياحة القديس الأنبا ببنوده في البرية، حتى رأى أبا نفر السائح، والأنبا تيموثاوس السائح، وسواحًا آخرين؛ نقرأ أنه مشى أربعة أيام بلياليها لم يأكل ولم يشرب، حتى جاع فأكل، ثم مشى أيضًا 14 يومًا بلياليها، ثم أيامًا أخرى عديدة، فاستمرت رحلته في البرية الجوانية ما يقرب من شهر. فإذا عرفنا أنه يستطيع أن يسير 15 ساعة في اليوم، وفي كل ساعة على الأقل 5 كيلومترات، فمعنى هذا أنه سار مئات من الكيلومترات داخل البرية.
الأصعب من هذا أن كثيرًا من السواح ينطبق عيلهم قول الكتاب: "تَائِهِينَ فِي بَرَارِيَّ وَجِبَال وَمَغَايِرَ وَشُقُوقِ الأَرْضِ" (عب 11: 38)، والتائه لا يعرف أين هو، وبالتالي لا يعرف كيف يرجع.
ومن هنا نرى كيف أن هؤلاء ثبتوا حيث هم، وبالأكثر لأنهم أحبوا الوحدة، ولم يفكروا في الرجوع.
نقرأ عن أنبا بولا السائح أنه قضى 80 سنة لا يرى وجه إنسان، وأنبا بلامون السائح قضى 69 سنة لم ير وجه إنسان، وأنبا سمعان القلاع أنه قضى 60 سنة لم ير وجه إنسان، وأنبا كاراس قضى 57 سنة لا يرى وجه إنسان.
ولكن لم يكن الجميع هكذا. فبعض السواح مدتهم في السياحة كانت قليلة مثل أنبا غاليون السائح، وأنبا ميصائيل السائح اللذين قضيا سنوات تعد على أصابع اليد.
والسواح رهبان، غالبيتهم بدأوا حياة الرهبنة في الأديرة وتدرجوا في الوحدة، حتى وصلوا إلى السياحة.
نقرأ عن الأنبا بيجيمي السائح أنه عاش في الدير مع رهبان شيوخ قديسين 18 سنة لم يرفع عينيه ليملأهما من وجه واحد منهم.
ونقرأ عن أنبا غاليون السائح أنه عاش في دير القلمون حتى وصل إلى سن الشيخوخة. وكذلك عاش في نفس الدير الأنبا ميصائيل، ولكنه في سنوات قليلة عاشها بجدية كاملة في النسك وصل إلى السياحة.
ولكن ليس معنى هذا أن كل الآباء السواح بدأوا حياتهم في الأديرة، فهناك أمثلة قليلة تشز:
أنبا بولا أول السواح لم يعش في دير، ربما لأنه لم تكن توجد أديرة ولا رهبنة في زمنه. القديسة مريم السائحة، ساحت مباشرة بعد توبتها دون أن تنتمي إلى دير.
لا مانع إذًا من وجود سواح من غير سكان الأديرة.
والسواح كان الله يسمح بأن يرسل لهم في نهاية حياتهم من يدفنهم ويكتب لنا سيرتهم.
الأنبا بولا السائح أرسل له الله القديس الأنبا أنطونيوس فعرف سيرته ودفنه، والأبنا كاراس أرسل له الله الأنبا بموا، فعرف سيرته وكتبها. والأنبا مرقس الترمقي أرسل له الله الأنبا سرابيون فعرف منه سيرته وكتبها. وأبا نفر أرسل له الله الأنبا ببنوده فكفنه وكتب سيرته.
عرفنا إذًا أن السواح بشر مثلنا، يأكلون ويشربون. وإنهم نساك متوحدون عاشوا في البرية الجوانية، وربما عشرات السنوات لا يرون وجه إنسان. وفي آخر حياة كل منهم أرسل الله من يعرف سيرته ويكفنه.
_____________________________________________________________
*مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 19يوليو2002م
القديس الأنبا هدرا السائح
القديس الأنبا هدرا السائح*
نشــأته
نشأ القديس الأنبا هدرا في مدينة أسوان، من أبوين مسيحيين تقيين، علماه مخافة الله. فكان منذ صباه سالكًا فى طرق الرب، حافظًا لوصاياه، وديعًا طاهرًا عفيفًا، ملازمًا للأصوام والصلوات ودخول البيعة عشية وباكر. فلما بلغ الثامنة عشرة من عمره، زوجه أهله من عذراء عفيفة من أقاربهم. فتظاهر بالمرض في ليلة الزواج. وفي الصباح سبق الناس إلى البيعة مع ضرب الناقوس، وصلى طالبًا من السيد المسيح إرشادًا، فاستراح قلبه لما سمعه من الكتب المقدسة.
رهبنتــه
ولما خرج من البيعة أبصر رجلًا ميتًا، يحمله أهله إلى الدير ليدفنوه، فتبعهم إلى هناك، وهو يقول في نفسه: "ليس هذا الإنسان هو الذي مات، بل أنا الذي مُت عن هذا العالم الزائل".
ومن ذلك اليوم أقام في الدير، ولم يرجع إلى منزله. وأن أهله لما سمعوا بخبره، أتوا إلى الدير وقالوا له: "ما هذا الذي فعلت؟ تركت زوجتك وأموالك وكل الذي لك! هلم وأرجع معنا". وحاولوا أن يثنوه عن عزمه بكافة الطرق. ولكنه لم يسمع لهم. فلما يئسوا منه تركوه ورجعوا. أما القديس الأنبا هدرا فدفع نفسه إلى عبادات عظيمة، ونسك شديد، وصوم دائم، وصلاة بلا فتور.
وأن أبا الدير لما رأى نشاطه وكثرة نسكياته، ألبسه الشكل الملائكي، الذي هو الثياب والإسكيم: فسار في السيرة الملائكية، واستنارت نفسه بالتعاليم الإلهية. وصار مداومًا على الأصوام والصلوات والسهر وقراءة الكتب المقدسة.
ثم تتلمذ على القديس الشيخ الأنبا بيمن، وصار ابنًا خاصًا له، فكان الشيخ يشدده ويقويه في عمل النسك والعبادة. فلما تم له في ذلك ثماني سنوات، طلب أن يسكن في البرية.
توحده في البرية
فأخذه القديس الأنبا بيمن معه، وأخذا معهما قليل خبز وماء، ودخلا البرية، وسألا السيد المسيح عن مكان يسكن فيه، فوجدوا مغارة كأنها قد أعدت له من قبل. ففرح بها كثيرًا. ومجد الله وسبح اسمه القدوس. وطلب من معلمه أن يوافيه بسيرة القديس العظيم الأنبا أنطونيوس ليستفيد من تعاليمه الروحية، ويتعلم قتال العدو.
ثم أن الأنبا بيمن أقام معه أيامًا يدربه، ووضع له قوانين. ثم تركه ومضى، وأقام الأنبا هدرا في مغارته وزاد جدًا على فضائله ونسكياته التي كان يصنعها في الدير.
وأن أحد الإخوة المتوحدين لما رأى تعبه، طلب إليه أن يترفق ولو قليلًا بنفسه. فأجابه الأنبا هدرا بتواضع كثير: "إن كل ما أفعله، لا يقوم مقام خطية واحدة من خطايايّ".
فلما سمع المتوحد هذا الكلام من القديس، أتعظ به. ومضى وأخبر الإخوة المتوحدين بجميع ما أتفق. فكانوا يأتون إلى الأنبا هدرا في أوقات كثيرة، ويغتذون بتعاليمه المحيية، ويتشبهون بأفعاله ويتعجبون من اِتضاعه واِنسحاق نفسه.
وكان الناس يتقاطرون إليه من كل مكان لسماع تعاليمه، فكان يعزيهم ويعظهم بكلامه الروحاني. فشاعت قداسته، واشتهر في جميع البلدان، وكثر الزائرون له.
ســـــياحته
ففكر في أن يهرب إلى مكان لا يعرفه فيه أحد، واستشار في ذلك معلمه الأنبا بيمن فأذن له.. فصلى الاثنان معًا، وودعا بعضهما بعضًا، ومضى القديس الأنبا هدرا إلى البرية الجوانية، سائلًا الله أن يختار له مكانًا.
وكان الموضع الذي اختاره له الرب على مسيرة ثلاثة أيام، لا يأوى إليه إلا الوحوش الكاسرة والحشرات والهوام ودبيب الأرض. فلما رأوا الأنبا هدرا واقفًا، أرادوا أن يفترسوه. فبسط يديه وصلى قائلًا: "يا ربي يسوع المسيح الذي أخضع الأسود لدانيال النبي في ذلك الزمان، أصنع رحمة مع عبدك، وأبعد عنه خوف هذه الوحوش الكاسرة". وللوقت استجاب الله صلاته، وأبعد عنه هذه الوحوش فلم تؤذه. بل صارت مستأنسه له.. واستمر القديس في نسكه وصلواته.
وإذا عدو الخير الذي هو الشيطان صار يفزعه بأشكال كثيرة، وبمناظر مخيفة. وكان القديس يقوى عليها بعلامة الصليب، فيفتضح ويضمحل. وقيل إن الشيطان ضربه مرة بسيف فقطع يده، ولكن ملاكًا أتى وشفاه فعادت يده كما كانت، كما حدث لأذن عبد رئيس الكهنة التي أرجعها له السيد المسيح.
وفي إحدى المرات عاد القديس إلى مغارته، فوجد فيها تنينًا عظيمًا، فصلى قائلًا: "إن كانت هذه هي إرادتك يا رب أن يسكن معي هذا الوحش الرديء، فمسرتك كائنة إلى الأبد".. فخلصه الرب منه.
وما أكثر حروب الشياطين التي أنقذه منها الرب، وكان القديس في جهاد عظيم، حتى سقطت قوته من كثرة النسك والتقشف. وصار مطروحًا على الأرض لا يقدر أن يتحرك. وفيما هو كذلك أتى إليه شخص نوراني، وفي يده إناء مملوء دهنًا، صبه على رأسه قائلًا: "ها قد شفيت من جميع أمراضك". فاستيقظ القديس ووجد نفسه سليمًا كأن لم يصبه شيء البتة. فعلم أنها قوة إلهية قد أدركته.
وفي هذا كله لم يتركه العدو، بل زاد عليه القتالات. وكان الشيخ القديس الأنبا بيمن يأتي ليفتقده، فيخبره بكل ما جرى له، فيعزيه، ويقويه على حروب الشياطين.
وكان الأنبا بيمن عندما يبيت عند الأنبا هدرا، ينظر نورًا عظيمًا فيتعجب من هذا، وكان أحيانًا يشم رائحة طيب مختار في المغارة.. وكان الأنبا هدرا يلبس في الشتاء نسيج شعر، وفي الصيف ثوبًا من جلد. ولم يكن له سوى رداء واحد أبيض، يلبسه عند تناوله من الأسرار المقدسة.
وعندما كبر في السن، مضى إلى بعض الأديرة، وحبس نفسه في قلاية. وأعطاه الرب موهبة الشفاء، وصنع عجائب كثيرة.. وكان يأتي إليه مرضى كثيرون فيشفيهم، وكانت الأرواح النجسة تخرج من المصروعين وهي صارخة: "ويلاه منك يا هدرا، أحرقتنا بصلاتك، وطردتنا من البراري بقداستك".
وفي مرة أتى إليه أناس من الشام. وسلموا عليه، وسألوه عن مسائل غامضة من الكتب المقدسة، ففسر لهم معانيها. فقالوا: "إننا طفنا بديارات كثيرة. وزرنا معلمين وفلاسفة فلم نجد من يفسر لنا هذه المسائل كما فسرها القديس الأنبا هدرا".
أســـقفيتـــه
ولما تنيح أسقف أسوان، قام شعب المدينة، واتفقوا برأي واحد، وجاءوا إلى الدير. فقال لهم الرهبان الذين أتوا من الشام: "ما رأينا قط مثل هذا القديس، هذا ما يصلح إلا أسقفًا يرعى شعب المسيح. وهذا يؤتمن على بيعة الرب". وللوقت فتحوا عليه الحبس، وأخذوه وسافروا إلى الإسكندرية، حيث كرزوه أسقفًا على يد البابا ثاؤفيلس (البطريرك 23).
وكان القديس الأنبا هدرا قد رأى من قبل في حلم إنسانًا لابسًا شكل الأسقفية، جالسًا على كرسيه، وقد خاطبه قائلًا: "تمسك بالإيمان الذي قبلته من الآباء القديسين، ولا تجعل أحدًا يتشكك في عقيدة الثالوث القدوس.." ولما أكمل كلامه، قام عن كرسيه، وأشار بيده نحوه قائلًا له: "قد وهبتك هذا الكرسي. هذا يكون لك بركة لأتعابك". وبعد ذلك اختفى عنه. فتعجب القديس. وكتب هذه الرؤيا، واحتفظ بها. فلما دعاه الرب إلى الأسقفية، أخبر الشعب بهذه الرؤيا.
وكان يثبت شعبه في الإيمان المستقيم، ويحذرهم من الطرق المعوجة. وكان يعظ شعبه بسنة الحياة. فعاشوا طوال أيامه في سلام. وصنع الرب على يديه آيات كثيرة وعجائب بلا عدد، وفرح به شعبه. وكان يهتم بالمساكين والغرباء، ويفتقد المحبوسين، ويُعلم الناس خوف الله.
نيــــاحتــــــه
فلما رأى الرب صنيعه الحسن وكثرة تعبه، أراد أن ينقله من هذا الدار الفانية إلى مجمع القديسين في السماء. فبعد أن وصل إلى شيخوخة صالحة، مرض قليلًا، واضطجع راقدًا على الأرض فاجتمع حوله أبناؤه الرهبان وسائر شعبه متألمين عليه قائلين: "لمن تتركنا يا أبانا، وتمضي ونحن ممسكون بصلاتك؟". فعزاهم بكلامه الروحاني، وأوصاهم أن يثبتوا في الإيمان المستقيم، وحفظ الوصايا، وفي المحبة ومخافة الله.
واضطجع وأسلم روحه بيد الرب الذي أحبه. وكان ذلك في اليوم الثاني عشر من كيهك في عهد الملك ثيؤدسيوس المحب لله. فناح عليه شعبه. وجنزوه كما يليق بكهنوته، ودفنوه في البيعة بكرامة عظيمة. (وحدثت من جسده أشفية كثيرة) وصعدت الملائكة بروحه الطاهرة، وسط التراتيل والتسابيح. وأوصلوها إلى بيعة الأبكار السمائية، موضع النياح والفرح.
بركة صلواته تكون مع جميعنا آمين.
_______________________________________
*مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 16 أغسطس 2002م
القديس الأنبا ميصائيل السائح
القديس الأنبا ميصائيل السائح*
عاش في عهد الأنبا إسحاق، الذي روى سيرته.. هو إذًا معاصر للأنبا غاليون السائح. إنما الأنبا غاليون كان شيخًا متقدمًا في الأيام، بينما الأنبا ميصائيل صار سائحًا وهو شاب صغير، مما يدل على أن السياحة لا علاقة لها بالسن.
وصل الأنبا ميصائيل الدير وهو في الثانية عشر من عمره. ولم يقم في الدير سوى سنوات قليلة وخرج إلى السياحة، أي أنه صار سائحًا في حوالي السابعة عشر من عمره.
كان أبواه في بدء حياتهما بعيدين عن الله. وكانا غنيين جدًا، ولم يكن لهما نسل. وقد شكيا لأحد القديسين حالهما، فنصحهما أن يتوبا ويمنحهما الله نسلًا، فتابا ووزعا صدقات كثيرة على الفقراء. وأعطاهما الله ابنًا فسمياه ميصائيل، وربياه أحسن تربية.
وتيتم الطفل ميصائيل في صغره. مات أبوه وهو في الخامسة من عمره، ثم ماتت والدته وهو في السادسة. فكفله الأب الأسقف، وحفظ له ماله. ولما بلغ الثانية عشر، شعر بفناء الدنيا وزوالها، فذهب إلى الأب إسحاق رئيس دير الأنبا صموئيل ليترهب.
كان ميصائيل ذكيًا، وكان ذا بصيرة روحية.
تعجب الأب إسحاق حينما تعرف عليه ميصائيل دون أن يراه قبلًا، فسأله كيف عرفتني فأجابه "رأيت عليك سلطانًا لطاعة الرهبان، فعرفت أنك المسلط على هذا الدير ومن فيه".
فاختار له الأب إسحاق قلاية، وعين له أبًا شيخًا قديسًا ليعلمه آداب الرهبنة، وكتب البيعة وحفظ مزامير داود. فلم تمض سنة حتى تعلم كل شيء، مما أدهش معلمه الشيخ، وكذلك رئيس الدير. وقد ألبسه الأب إسحاق الإسكيم، بعد أن اختبره ووجده مستحقًا.
وبدأ الرهبنة بحياة جادة، في صومه وصلاته ووحدته.
عاش منفردًا في قلايته، ناسكًا، يبكت نفسه كثيرًا أمام الله، ويضبط جسده. زاره أبوه إسحاق بعد فترة، فوجد جسده مثل الحطب اليابس، ورجليه قد صارتا مثل جريد النخل، وقد زالت عنه نضارة الشباب، فبكى عليه، وقال له: "قد دخلت الدير يا ابني طفلًا حسن الصورة كأولاد الملوك، وهوذا قد صرت كالميت". وبعد قليل خرج الأنبا ميصائيل إلى السياحة. أتى السواح وأخذوه معهم. وظهر لأبيه في العام التالي.
وكانت له روح النبوءة، وقد تنبأ بأشياء كثيرة، تنبأ عن خروجه من الدير، وعن قحط سيصيب الأرض، فاستعد له الأنبا إسحاق، وخزن أقوات الرهبان. ولما سمع الوالي بما خُزن في الدير، أرسل جند للإساءة إليه، أتى الأنبا ميصائيل مع رجاله الروحيين وخلّص الدير وصرف الجنود، ثم طلب إلى الأنبا إسحاق أن يذهب إلى أسقف بلده، ويأخذ أمواله منه، ويبني له كنيسة في الدير. وأخذ الأنبا إسحاق مال الأنبا ميصائيل من أسقفه، وبنى على اسمه كنيسة جميلة في الدير. ثم ذهب إلى كل المدن المحيطة يبشر بيوم تكريسها، فاجتمع بعض الآباء الأساقفة على رأسهم أسقف فاو.
وكان يوم تكريسها في سنة 390م لتولي دقلديانوس، أي سنة 674م، وفي هذا اليوم حضر التكريس الأنبا ميصائيل ورجاله الروحيون. وتنبأ لأبيه إسحاق بأنه سيفارق العالم في العام التالي.
وقال له: "أصنع لك مدفنًا في هذه البيعة.. وأبشر وقر عينًا". يقول الأب إسحاق: "ومضى، ولم أعد أنظره. فمضيت وصنعت لي مكانًا لجسدي في الجهة البحرية من هذه البيعة". "أنا إسحاق، نظرت إلى هذا الرجل الراهب وما خصه به الله، لأجل إيمانه ووحدته.. إذ رفض العالم والدنيا وما فيها، وصار مثل الملائكة الذين لا شيء لهم سوى التسبيح والتهليل".
____________________________________________________________
*مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ7 فبراير 2003م
القديس الأنبا تيموثاوس السائح
القديس الأنبا تيموثاوس السائح
قال القديس الأنبا ببنوده
إنني فكرت في نفسي أن أدخل إلى البرية الجوانية، لأرى الإخوة الرهبان السواح عبيد المسيح إلهنا له المجد. فمشيت فيها أربعة أيام بلياليها لم آكل خبزًا ولم أشرب ماءً، حتى وجدت مغارة، فقرعت بابها حسب قانون الرهبان، فلم يخاطبني أحد. فأقمت نصف نهار، فلم أسمع فيها صوتًا. فدخلتها وأنا أصيح: "بارك عليَّ يا أبي، بارك عليَّ يا أبي". حتى صرت في وسطها. فرأيت راهبًا جالسًا صامتًا لا يكلمني. فمددت يدي وأمسكت ساعده لأقيمه، فتفتت بعض منه وصار ترابًا. ورأيت عنده قفة فأمسكتها، فتهرأت أيضًا، فصليت وخرجت من هذه المغارة.
ومضيت فوجدت مغارة أخرى، وعلى بابها أثر أقدام رجل، فقرعت الباب، فلم يكلمني أحد. فجلست وقلت: "حيثما كان الذي يأوى إليها، فسوف يرجع".
ومكثت أصلي إلى آخر النهار، فرأيت من بعيد قطيع، وإنسانًا يمشي معه.
فلما قرب مني، رأيته عريانًا، وشعره يغطي جسده، وهو عليه كالثوب. فخاف مني وظن أنني روح نجس، ووقف مكانه وصلى، لأنه كان معاندًا من الأرواح النجسة كما قال عند اجتماعي به.
فتقدمت إليه، وقلت له: "لا تخف يا أبي، فإني من عبيد المسيح ابن الله الحي. ضع يدك عليَّ والمس جسدي، فهو لحم وعظم. فنظر إلى السماء وصلى، وقال كلامًا من الإنجيل ثم سلم عليَّ. ومشيت معه، حتى دخلنا المغارة، وصلينا وجلسنا. فقال لي: "ما السبب في مجيئك إلى هنا؟" فقلت له: "اشتهيت أن أبصر عبيد الله السواح في هذه البرية. وقد بلغني الرب شهوتي بنظري إليك". ثم تحدثت معه وقلت له: "يا أبي القديس متى جئت إلى ههنا؟ وما هو طعامك؟ وما هو السبب في عريك؟".
فقص عليَّ قصته وقال لي:
كنت راهبًا بالاسم فى دير فيه جماعة من الرهبان، أعمل بيدي كما يعملون. ثم إنني عولت على الخروج إلى مكان آخر أسكن فيه وحدي. فخرجت من الدير، وبنيت لي قلاية وأقمت فيها، وعملت بيدي، وصرفت ما أعمله على الضعفاء والمساكين والغرباء، وأيقنت أنني ربحت بذلك ربحًا عظيمًا.
فحسدني عدو كل خير على ما فعلته، ودخل في أخت كانت تجيء إلى قلايتي تشتري مني ما أعمله بيدي. فأغواني الشيطان إلى أن صارت تدخل عندي. ثم صرت آكل معها، ثم تدرجت حتى وقعت في الخطية ويقينا ستة أشهر لا نعرف ما نحن فيه لأجل عمى قلوبنا.
ثم فكرت في قلبي، وتأملت ما أوقعني فيه عدو الخير، فحزنت على نفسي، وندمت وبكيت، وتحققت الموت بين عيني، وتصورت ما سوف ألقاه من العذاب وصرير الأسنان. فربحت نفسي وقلت لها: "أنهضي من سقطتك وأهربي إلى البرية، وأبكي على خطيتك العظيمة، وصلى إلى الرب وتضرعي أمامه لعلك تجدين رحمة".
فنهضت وتركت مالي، ودخلت إلى البرية، فوجدت هذه المغارة وهذه النخلة. وهي تطرح اثنتي عشرة سباطة في كل سنة، أقتات كل شهر بسباطة منها. ولي هنا ثلاثون عامًا، وهذا طعامي، ولم آكل خبز. ولما تخرقت ثيابي، عوضني عنها طول شعري، الذي غطى جسمي كما ترى.
فقلت له: هل تعبت لما جئت إلى ههنا؟ فقال لي: نعم حقًا، كنت قد تعبت في أول مجيئي، حتى أنني كنت ألقي بنفسي على الأرض، لشدة ما أجده من الألم والحرقة في قلبي، حتى كدت أبلغ الموت. ولم أكن أقدر على الوقوف للصلاة، بل أظل مطروحًا على الأرض، ولا أفتر عن البكاء والتضرع إلى الله، ليلًا ونهارًا، مدى أربع سنوات، وأنا أطلب إلى الرب أن يسامحني على خطيتي العظيمة. وأقمت على ذلك زمانًا.
فبينما أنا فى بعض الأيام مطروح على الأرض، وقد أشتد وجعي، وأنا أقول لنفسي: "إن هذا الألم هو ثمرة لذاتي النجسة، فأصبري يا نفسي على شدة الوجع لتبرئي من نجاستك"، إذ أرى إنسانًا منيرًا يقول لي: "ما الذي بك؟ وما هو وجعك؟" فعادت إليَّ قوتي، وأشرت له إلى كبدي. فجعل يده عليه، وشقه بأصبعه كما بسكين، ثم مسح بيده على موضع الألم، وانغلق والتحم كما كان أولًا، وقال لي: "هوذا قد عوفيت، فلا تخطئ لئلا ينالك أكثر. كن على حذر، واعبد الله كما يجب".
فعوفيت، وبقيت في هذه البرية بلا تعب منذ ذلك اليوم إلى الآن.. ثم أخرج الخرقة وأراني مسحة ملاك الرب على كبده، فسألته أن يدعني أقيم عنده في المغارة. فقال لي: "ما تطيق حرب الشيطان أخزاه الله. فسألته أن يعرفني اسمه"، فقال: "اسمي تيموثاوس، فاذكرني يا أخي الحبيب في صلاتك، وأدع لي أن يثبتني الرب فيما أنا فيه".
فسجدت على قدميه، وسألته أن يبارك عليَّ. فقال لي: "الرب يسوع المسيح يبارك عليك وينجيك من مصائد العدو، وتكون سبلك حسنة مستقيمة في كل حين، وتلحق بالآباء القديسين".
ولما بارك عليَّ، خرجت من عنده وأنا مسرور بما سمعته منه. وعدت إلى قلايتي فأقمت فيها، وقد حسدت القديس تيموثاوس على ما رأيته من أفعاله ومقامه في البرية عاريًا، واشتهيت أن اتشبه به فلم أطق وما أستطعت.
وقد كانت نياحة القديس تيموثاوس في الثالث والعشرين من شهر كيهك.
____________________________________________________________
*مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ13 يناير 1978م
القديس الأنبا غاليون السائح
القديس الأنبا غاليون السائح*
كان من رهبان دير القديس العظيم الأنبا صموئيل بجبل القلمون، في زمن رئاسة الأنبا إسحاق له. وفي جيله أيضًا صار من رهبان الدير سائح آخر هو القديس الأنبا ميصائيل السائح. وما يزال بدير الأنبا صموئيل، جبل يسمى حتى الآن بجبل غاليون نسبة لهذا القديس الذي ساح في جبال تلك المنطقة.
كان القديس الأنبا غاليون شيخًا وقورًا من شيوخ الدير، بلغ حوالي التسعين من عمره، متوحدًا لم يخرج من باب الدير طوال تلك المدة، ولم يذهب إلى المدن والقرى. وكان عاكفًا على العبادة، خبيرًا بألحان الكنيسة إلى أبعد الحدود، حافظًا لها، مواظبًا باستمرار على حضور الكنيسة وصلاة التسبحة.
وفي أحد الأيام، جاءه في الليل شخص في زي الرهبان المتنسكين.
وقال له: نحن اثنا عشر من السواح وقد تنيح أحدنا في هذا اليوم، ولما كان لابد أن يبقى عددنا كما هو، لذلك وقع اختيارنا عليك لكي تسيح معنا وتكمل عددنا، وذلك لما عرفناه فيك من حب الوحدة والمواظبة على الصلاة، ويكفي أنك في وحدتك لم تخرج من الدير طوال هذه المدة.
وظل به هذا الشخص حتى أقنعه، وأتفق معه على أن يأتيه في اليوم التالي ليأخذه معه، وأخذ منه وعدًا أن يستبقى الأمر سرًا لا يقوله لأحد، لأنه هكذا سير السواح.
وفي الموعد المحدد، جاء هذا الشخص ومعه اثنان وأخذوا الأنبا غاليون في ظلام الليل من الدير، وصاروا به في البرية صامتين، كعادة الرهبان. ومرت عليهم ساعات طويلة جدًا في سيرهم، عابرين تلالًا ومرتفعات، حتى اختفى الدير وكل ما يحيط به عن العيون، بل اختفت الطرق المؤدية إليه. وأستمروا في سيرهم نهارًا حتى وصلوا إلى براري قفرة مجهولة مخيفة.
وحينئذ خرج هؤلاء (السواح) عن صمتهم.
وبدأوا يتكلمون كلام هزؤ لا يليق بسيرة الرهبان. فتعجب الأنبا غاليون جدًا.. ثم سمعهم يقولون بعضهم لبعض وهم يتضاحكون: "لقد عرفنا كيف نخدعه نخرجه من الدير، كما أننا قد أتهناه في هذه البرية. وسيموت في هذا القفر حزينًا ويذهب إلى الجحيم".
فعرف الأنبا غاليون أنه قد وقع في خداع الشياطين، ونظر إليهم فلم يجدهم. وظل يبكي على خطيئته. كيف انخدع وكيف لم يستشر الأب الروحي للدير، وكيف كسر قانونه في الوحدة، وخرج معهم، وتضرع إلى الله في اِنسحاق قلب أن يغفر له.
وإن الله الغفور تراءف على عبده غاليون، وهيأ له في هذا القفر ما يقتات به.
وساح الأنبا غاليون في تلك البرية أكثر من سنة، عابدًا الرب بصلوات وتسابيح كثيرة دون أن يرى أحدًا من الناس طوال تلك الفترة، وكان أبوه الأنبا إسحاق رئيس الدير حزينًا جدًا من أجله. وكان يصلي كثيرًا أن يسمح الرب بأن يراه قبل أن ينتقل من هذا العالم الزائل. وكانت أيامه قد قربت.
وفي أحد الأيام رأى الأنبا غاليون، ثلاثة في ثياب الرهبان قادمين من بعيد.
فخاف أن يكونوا من الشياطين الخداعين، فوقف يصلي، وكانوا هم يقتربون يصلون بعض المزامير بألحانها، فصلاها معهم بألحانها. واقتربوا منه وظلوا يرتلون المزامير ويرتلها معهم، واطمأن إلى أنهم ليسوا من الشياطين.
أخبروه أنهم رهبان من دير الأنبا شنوده، وأن الله أرسلهم إليه لأن أباه الأنبا إسحاق يريد أن يراه قبل موته، فذهب معهم إلى دير الأنبا صموئيل، وتقابل مع أبيه، وشرح له كل ما جرى له وأخذ حله وتباركا بعضهما من البعض. وأعلن الله للأنبا غاليون أنه سينتقل في خلال أيام، فطلب إلى أبيه أن يعطيه راهبًا ليسلمه ما يحفظه من ألحان قبل انتقاله.
ولما كانت الأيام الباقية له لا تكفي أخذ الأنبا غاليون الراهب – وكان يدعى موسى – واحتضنه في صدره، ونفخ في وجهه، وقال له: "أقبل الروح الذي فيَّ لحفظ الألحان"، فكان يحفظ كل ما يسمعه بسرعة عجيبة. ورقد الأنبا غاليون في الرب.
__________________________________________________________
*مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 8 نوفمبر 2002م
الأنبا موسى السائح
القديس الأنبا موسى السائح*
كان رجلًا بسيطًا ساذجًا. طاهر القلب لا يعرف شرًا. عاش في البرية حوالي ثلاثين سنة لا يرى وجه إنسان.
وكان يقتات من أعشاب الجبل، التي كان الله يجعل مرارتها حلوة في حلقه.. ولبس ثيابًا يصنعها من ليف النخيل، ويشرب من مياه الأمطار التي تتجمع في كهوف الجبال والأودية.
وكان في وحدته يأنس بالوحوش، لا يخافها ولا تخافه.
بل كانت تحتكم إليه أحيانًا حينما تتخاصم، فينصف الضعيف من القوي ويصالحها، فتقبل حكمه راضية. وعندما كان العشب يقل في الجبل لقلة الأمطار، كانت الوحوش تأتي إلى هذا القديس صارخة، فيصلي عنها، وينزل الله المطر، فترتوي الوحوش وتفرح.
وإن الشيطان الذي لا يحب الخير للإنسان، تحايل لكي يضل هذا القديس البسيط السائح في الجبل.
فظهر له في هيئة راهب شيخ، شعره منحدر على كتفيه، ولحيته ناصعة البياض، وهو يلبس مسحًا من شعر الماعز، وبيده عصا يتوكأ عليها، يطلع جبلًا وينزل إلى واد، وهو مستمر في سيره لا ينظر إلى شيء. فقال الأنبا موسى في قلبه: تُرى من هو هذا الشيخ الناسك الذي طالت مدته في العبادة والزهد؟!
ودنا منه يريد أن يكلمه، والشيخ لا يرد عليه، فيزداد الأنبا موسى عجبًا، وتزداد فكرته عن زهد الشيخ ونسكه. وأقام القديس على هذا الحال في متابعة الشيخ ثلاثة أيام. وكان إذا صلى ورشم الصليب يرى الشيخ يختفي، فيظن أن الله يخفيه عنه ليزيد اشتياقه إليه..
وفي الليلة الرابعة، أمكن أن يتحدث معه الشيخ فسأله عن قصته، فحكى له الأنبا موسى قصة رهبنته. أما الشيخ فقال له: إنني إنسان شرير، ثم تبت ووزعت أموالي على الفقراء ولي أربعون سنة في البرية. ولما دنت وفاتي قادني الله إليك لتواريني التراب. وقد أعلمني الله المكان اليى سأدفن فيه، فهلم معي إلى هناك.
ثم أخذه الشيخ إلى قصر، وهناك أراه فتاة جميلة جدًا، وقال له إنها ابنته، وعرض عليه الزواج بها، فلما أشمئز القديس من الفكرة ظل الشيخ يقنعه بأمثلة من الكتاب؛ حكى له كيف كان إبراهيم حبيب الله متزوجًا، وموسى كليم الله كان متزوجًا، ونوحًا أفضل أهل الأرض كان متزوجًا.. وظل به حتى أقنعه وقبل الفكرة من فرط سذاجته.
وهنا كأن ريحًا عاصفًا طرحه إلى الأرض. فلما أفاق لم يجد القصر ولا الشيخ ولا الفتاة..
ورأى أن حالته قد تغيرت، وشعر بالجوع والعطش والخوف. والعشب صار مُرًا في حلقه، والوحوش لم تعد تأنس إليه، ولم تعد توافقه البرية. فشعر بسقطته.. ثم ظهر له الشيطان في صورة أخرى، وقاده من خدعة إلى خدعة، حتى ذهب به إلى الريف، وأضله تمامًا..
وأخيرًا عاد إلى نفسه وظل يعاتبها ويلومها، ويبكي على خطاياه. فرحمه الله، وأرسل له ملاكًا عزاه، وبشره بقرب نياحته، فسار إلى البرية، والتقى بالقديس الأنبا صموئيل، فاعترف عليه بكل قصته. ووصلا إلى كنيسة كان يصلي فيها الآباء السواح، فصليا معهم.
وكانت إلى جوارها مقبرة للقديسين، فدخل إليها الأنبا موسى ليتبارك منهم. وسجد.. ومرت مدة لم يقم ولم يخرج. فدخل الأنبا صموئيل، فوجده فارق الحياة. فصلى عليه وتبارك منه، وتركه.. وكتب سيرته. وكانت رهبنته في بدء عهد البابا بنيامين، في القرن السابع.
وقد كان هذا القديس أصلًا من نواحي الإسكندرية. فلما بلغ الثالثة عشرة من عمره، مضى إلى وادي هبيب. وسكن في قلاية صغيرة مع راهب علمه الفضيلة. فلما بلغ من العمر عشرين سنة، تقوى بالرب، ودخل إلى البرية الجوانية، حيث لم يوجد أحد. ومضت عليه حوالي 35 سنة إلى أن ظهر له الشيطان في هيئة شيخ فاضل.
وتظهر قصته أن السائح معرض هو أيضًا للسقوط. إن لم تكن له موهبة الإفراز. وقد سقط هذا الشيخ السائح بعد الخامسة والخمسين من عمره على الرغم من حياته في الوحدة.
وترينا القصة أيضًا أنه كان يوجد آباء سواح في القرن السابع أيضًا. كما ترينا أن الله الرحوم يفتقد أولاده بالتوبة مهما كانت سقطاتهم.
ونفهم من هذه القصة أيضًا أن بعض الآباء السواح كانت لهم كنائس مخفية في البرية يصلون فيها معًا.
بركة هذا القديس تكون معنا آمين.
____________________________________________________________
*مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ3يناير 2003م
أبا نوفر السائح
أبا نوفر السائح*
"رواها القديس الأنبا ببنوده السائح"
(عن مخطوطة رقم 70 ميامر بدير السريان العامر)
رحلة القديس ببنوده
قال القديس بفنوتيوس السائح: إنني فكرت في نفسي أن أدخل إلى البرية الجوانية، لأنظر الإخوة الرهبان السواح عبيد المسيح إلهنا. فمشيت فيها أربعة أيام بلياليها، لم آكل خبزًا، ولم أشرب ماءً، فلم أر فيها أحدًا. وكنت قد أخذت معي يسيرًا من الخبز والماء مقدار ما يكفيني أيامًا..
فمشيت أربعة أيام أخرى وفرغ الخبز والماء الذي كان معي، فتضايقت نفسي وأيقنت الموت.
ثم شجعت نفسي وقويتها، ومشيت أيامًا لم آكل ولم أشرب، فأشتد بي تعب المشي والجوع والعطش الشديد، وسقطت قوتي، وكادت روحي تخرج من جسدي. وبقيت ملقى على الأرض كمثل الهالك، لا أستطيع الحركة.
ثم أنني بعد ذلك رأيت شخصًا دنا مني، ولمس شفتي، فعادت إليَّ قوتي، وزال التعب والجوع والعطش.. فلما رأيت هذه الأعجوبة التي أنعم بها الله عليَّ، نهضت للوقت، وقصدت داخل البرية. فمشيت أربعة أيام أخرى، فتعبت جدًا جدًا ورفعت يدي وصليت إلى الرب. فرأيت ذلك الشخص الذي كنت قد رأيته أولًا. فدنا مني ولمس شفتي وجسمي كله، وقواني أكثر من المرة الأولى. فتقويت ونهضت للوقت، ومشيت سبعة عشر يومًا أخرى في تلك البرية.
التقاؤه بالقديس
فرأيت من بعيد إنسانًا مخوفًا. وهو عريان لا لباس عليه. ولكن شعره قد كسا جسمه كالثوب، وهو مؤتزر بحشيش. فلما دنا مني، خفت منه. وطلعت إلى قمة جبل عال، لأنني ظننت أنه من سباع الجبل. أما هو فألقى نفسه تحت الجبل، ثم رفع وجهه إليَّ، وقال لي: أنزل يا أخي القديس ببنوده، ولا تخف فإني إنسان مثلك، وأنا متوحد في هذه البرية لأجل الله.
فتعجبت من معرفته لاسمي، وعلمت أنه ممتلئ من الروح القدس الذي أطلعه على معرفة اسمي. فنزلت إليه وسقطت بوجهي بين يديه.. فقال لي: قم يا ولدي، لأنني عبد مثلك فقمت وجلست بين يديه، وسألته عن اسمه. فقال لي: اسمي نفر. ولي في هذه البرية ستون سنة منفردًا في هذا الجبل، أعيش مع الوحوش، وطعامي حشيش الأرض. ولم أر منذ صرت إلى ههنا وجه إنسان غيرك اليوم.
سيرة القديس
ثم سألته أن يخبرني بجميع سيرته من بدايته، فقال لي: أول أمري أنني كنت مع جماعة من الرهبان في دير يعرف بريده. وكنا كلنا قلبًا واحدًا. وكان عددنا مائة وأربعة من الرهبان، نأكل في موضع واحد مرة واحدة كل يوم. وسلام الله بيننا ومعنا، ونحن نمجد الله. وكنت أنا شابًا أتعلم خدمة الله وعبادته من قوم قديسين مثل ملائكة الله.
ثم إنني سمعتهم ذات يوم يمدحون السواح السكان في البراري، ويقولون إنهم يخاطبون الله فمًا لفم مثل إيليا ويوحنا المعمدان.. فتعجبت من ذلك وقلت لهم: يا آبائي القديسين، هل يوجد في البرية من هو أفضل منكم عند الله، على الرغم مما تبذلونه من حرص وتعب؟! فقالوا: نعم، إن السواح أفضل منا بكثير. فنحن هنا مجتمعون معًا نؤنس بعضنا بعضًا. وإذ جعنا، أكلنا ما يعد لنا. وإن عطشنا، نجد الماء بسرعة. وإن مرضنا، نجد من يزورنا ويخدمنا ويعزي خاطرنا. وإن خطر علينا فكر رديء نجد من يزورنا بكلمة الله.. أما السواح فإنهم عديمو هذا كله..
وفي أول دخولهم السياحة يقعون في تعب شديد من حروب الشياطين، إذ يحسد الشيطان كرامتهم وجهادهم. ولكن رحمة الله تفتقدهم فيرسل ملائكته لخدمتهم، وكما قال النبي: "بنيت لهم أجنحة كالنسور، يمشون ولا يتعبون". وإن عطشوا، يخرج لهم من الصخر ماءً، ويجعل أعشاب البرية حلوة في أفواههم.. إن رفعوا أيديهم بالصلاة، سرعان ما يسمع الرب لهم.
فلما سمعت أنا يا أخي ببنوده هذا الكلام من الآباء القديسين، كان في قلبي مثل الشهد، وخلت أن نفسي وجسدي قد انتقلا إلى جبل آخر، فقمت ليلًا، وأخذت معي من الخبز ما يكفيني ثلاثة أو أربعة أيام إلى الموضع الذي يختاره الرب لي..
فلما خرجت من عند الإخوة ليلًا، وصرت مقابل الجبل، رأيت إنسانًا منيرًا قائمًا أمامي، وهو مضيء جدًا، فخفت منه وهممت بالرجوع فدنا مني ذلك الإنسان، وقال لي: لا تخف أنا ملاك الرب المصاحب منذ صباك. رحمة الله ستأتيك، وأنا معك إلى أن يتممها.
فمشيت ومشى معي في البرية، إلى أن رأيت مغارة صغيرة، فملت إليها لأنظر إن كان فيها أحد. فلما قرعت الباب كقانون الإخوة الرهبان "بارك عليَّ يا أبي"، خرج إليَّ قديس عظيم حسن الصورة بوجه باش. فلما رأيته خررت على الأرض عند قدميه، فأقامني وقال لي: أنت آبا نفر خليلي في العمل. الرب الإله يباركك ويكون معك لتتم الأمر الذي عولت عليه..
وأقمت عنده أيامًا أتعلم منه طريق الله. وعرفني علم البرية وقتال الشياطين. ولما رآني قد أضاء عقلي يسيرًا، وعرف قيامي ومقاتلة الحروب الخفية والظاهرة، قال لي: ولدي قم أمض إلى البرية الداخلية مني لتقيم فيها وتسبّح وحدك.
فقام ومشى معي إلى داخل البرية أربعة أيام، حتى وصلنا إلى خص ونخلة مزروعة عنده فقال لي: يا ولدي، هذا الموضع الذي وفقك الله أن تخدمه فيه. وأقام معي شهرًا إلى أن هداني إلى العمل الصالح، وسلم عليَّ وودعته ومضى..
وكنت اجتمع به بعد ذلك دفعة واحدة في السنة، إلى أن تنيح ودفنته في المكان الذي كان يعبد الله فيه، وعدت إلى هذا الموضع أمجد الله.. وبعد جهاد مع الجوع والعطش، هيأ لي الرب طعامًا وشرابًا قدر ما يكفيني. فهذه النخلة تثمر 12 سباطة كل سنة، تكفي سباطة لطعامي في الشهر مع حشيش الجبل الذي أبدل الله مرارته إلى حلاوة.
وكنت متعجبًا منه ومن صبره. وبعد أن أكلنا قليلًا من الطعام، وقفنا نصلي الليل كله. ثم رأيته بالغداة وقد صار وجهه مثل النار. فخفت خوفًا عظيمًا.
فقال لي: لا تخف يا أخي ببنوده، فإن الرب أرسلك لتهتم بجسدي، وتدفنه بسلام. وقد علمت من الروح القدس أن هذا اليوم سيكون تمام حياتي في هذه الدنيا.. وكان السادس عشر من بؤونه..
فقلت له: يا سيدي الأب، لعل الله جعلني أهلًا أن أقيم في موضعك هذا متى تنيحت. فقال لي: يا ولدي، ما أرسلك الرب لهذا. بل لتواريني، وتطوف البرية، ثم تعود إلى مصر وتُعرف القديسين بما رأيت..
فخررت بوجهي إلى الأرض عند رجليه، وقلت له: بارك عليَّ يا أبي القديس، لأجد رحمة من الله. وكما شاهدتك على الأرض، أستحق مشاهدتك في السماء.
فقال لي: الرب يثبتك في محبته، وينير عينيك بنور لاهوته، وينجيك من مصائد العدو، وكنت أجاوبه فى كل ما يقوله، وأقول آمين.
فلما بارك عليَّ، وقف وصلى للرب ببكاء كثير، ثم اضطجع على الأرض مستبشرًا، ومد يديه ورجليه، وأسلم روحه بيد الرب..
ثم بعد ذلك سمعت جماعة من الملائكة تسبح أمام نفس القديس آبا نفر المغبوط. ويقولون: هذه النفس طاهرة نرفعها قربانًا للرب المسيح.. سألت يا قديس فوجدت، قرعت ففتح لك..
ثم نزعت بعد ذلك ثوبًا كان عليَّ وقطعته قطعتين وكفنته بإحداهما، واستترت بالأخرى. وجعلت جسد القديس آبا نفر تحت سقيف حجارة، وجعلت عليه حجارة كثيرة، ووقفت وصليت عليه.
وفي تلك الساعة سقطت النخلة والخص. فتعجبت من ذلك كثيرًا، وأيقنت من صحة كلام القديس أبا نفر وقوله لي: إن الله لا يريد أن أقيم هناك.
________________________________________________________________
*مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ2 أغسطس 2002م
سواح آخرون رآهم الأنبا ببنوده
سواح آخرون رآهم الأنبا ببنوده*
قال أنبا ببنوده بعد تكفينه آبا نفر: فأقمت أيضًا أمشي أربعة أيام بلياليها.
وبعد ذلك رأيت مغارة أخرى على الجبل، فقرعت الباب، فلم يرد عليَّ أحد. فلما جلست عندها حوالي ساعة، فكرت في قلبي فقلت لعل الذي كان في هذه المغارة، قد تنيح وأخذه الرب إليه.
فلما فكرت في هذا، إذا بالرجل القديس صاحب المغارة قد أقبل، وهو حسن الصورة بلحية مليحة، ولباسه من ليف. فلما أبصرني قال لي: "أنت الأخ ببنوده، الذي وارى جسد القديس أبا نفر السائح". أما أنا فللوقت خررت بوجهي ساجدًا إلى الأرض. فقال لي: "قم يا أخي الحبيب، لأن الرب أعلمني أنك تأتي إليَّ في هذا اليوم. ولأجلك كنت منتظرًا لألقاك. ولي اليوم ستون سنة لم أرّ وجه إنسان ههنا، إلا الإخوة القلائل السكان معي في هذا الجبل.
فبينما أنا أتكلم معه، إذا بثلاثة أخوة قد أتوا إليَّ وقالوا لي أيضًا: "أنت الأخ ببنوده مصاحبنا في العمل، لأن الرب أعلمنا أنك تأتينا في هذا اليوم، إذ لنا ستون سنة لم ننظر فيها إنسانًا ههنا قد أتى إلينا سواك".
وعند تمام كلامهم، رأيت خمس خبزات ناضجات لينات، حتى ظننت أنها خرجت في تلك الساعة من التنور.. فجلسنا نأكل معًا وقال لي: طوال هذه السنين، لنا أربع خبزات تأتينا من عند الرب كل يوم. فعندما جئت إلينا، جاء نصيبك أيضًا، ولما فرغنا من الطعام أقمنا الليلة كلها إلى باكر في الصلاة، وكانت ليلة الأحد.
فسألتهم أن يبقوني عندهم لنهاية عمري فقالوا لي: إن هذا الأمر ليس معدًا لك من قبل الرب، بل تمضي إلى أرض مصر، وتتكلم بالذي نظرته عيناك، ليكون للسامعين ربحًا.
فسألتهم أن يعرفوني أسماءهم، فلم يريدوا. بل قالوا لي: إن الذي يسمي كل واحد باسمه، هو الذي يعرف أسماءنا. أذكرنا يا أخانا إلى أن ننظرك في ملكوت السموات. لا تدع العالم يغلبك، لأنه قد أضل كثيرين. ولما فرغوا من كلامهم معي، باركوني وأعلموني بما لقيته في الطريق وما يجري لي. وفارقتهم بسلام، وأقمت ماشيًا أيامًا عدة.
ثم رأيت ينبوع ماء وشجرًا ونخلًا كثيرًا، فجلست وأسترحت، وأنا أتأمل تلك الأشجار، وأتعجب من الأثمار التي عليها، وأقول لنفسي: تُرى من زرع هذه الأشجار ههنا، وفيها أنواع ثمر كثير. وكانت أثمارها حلوة كالشهد. وفي وسطها شجرة تفوح طيبًا كالمسك، وينبوع الماء يفيض فيروي الكل. وقلت في نفسي: هذه فردوس الله بالحقيقة.
وبينما أنا جالس، إذا بأربعة أحداث وقد أتوا من بعيد، وكانوا حسان المنظر، ويلبسون جلودًا. فلما قربوا مني قالوا لي: أنت الأخ ببنوده. وللوقت خررت ساجدًا، فأقاموني وسلموا عليَّ، وصلينا جميعًا، وجلسنا نتكلم معًا بعظائم الله. وقبلوني إليهم بفرح عظيم، وفرح قلبي بهم. ثم سألتهم: كيف ومتى أتيتم إلى ههنا، ومن دلكم على هذا المكان؟
فقالوا: نحن من مدينة البهنسا. وكنا عند معلم واحد. فلما أكملنا تعليمنا، تشاورنا نحن الأربعة معًا.. وقلنا: "كما تعلمنا حسن الحكمة التي لهذا العالم الفاني، يجب علينا أن نتعلم حكمة الله الباقية".. وكنا كل يوم نفكر في هذا الرأي الصالح الذي يعمل في الإنسان الجواني.
فنشطنا وقمنا جميعًا ودخلنا البرية، ومعنا قليل خبز وماء.. وبعد أيام نظرنا رجلًا منيرًا جدًا قائمًا أمامنا، فأخذ بأيدينا، وأتى بنا إلى هذا المكان، ولنا فيه سنوات عديدة.
ولما جئنا إلى هنا وجدنا رجلًا قديسًا عظيمًا، فسلمنا الملاك إليه، فأقمنا عنده سنة كاملة، فعلمنا عبادة الله ووصاياه.
وعند كمال السنة تنيح الشيخ الطوباوي، وبقينا وحدنا في هذا المكان، لا نأكل إلا أثمار هذه الأشجار. وإذا أجتمعنا معًا في نهاية الأسبوع، نصلي معًا.
فأقمت عندهم إلى اليوم السابع، وسألتهم أن يعرفوني بأسمائهم. فقالوا اسم الأول يوحنا، واسم الثاني أندراوس، والباقيان ما قالا اسميهما. خرجت من عندهم وهم يودعوني، ومشوا معي نحو ستة أميال، ورجعوا وأنا متوجع القلب لأجل فراقهم، وأخذت بركتهم ومضيت.
وأقمت ماشيًا عدة أيام، إلى أن وصلت إلى الإخوة المحبين لله في الدير، وأخبرتهم بسيرة القديس أبا نفر السائح، وما رأيته كله.
______________________
*مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ3 فبراير 1978م




