محبة الله لقديسيه

احتفلنا يوم 5 أبيب (12 يوليو) بعيد الرسل الأطهار، ويوم 7 أبيب بعيد القديس العظيم الأنبا شنوده رئيس المتوحدين، ويوم 8 أبيب (اليوم) بعيد القديسين العظيمين الأنبا بيشوي، والأنبا كاراس السائح.
وأحب أن أنتهز هذه الفرصة لأحدثكم عن “محبة الله لقديسيه”.
محبة الله لقديسيه1
هناك آية جميلة في رسالة رومية تقول: “لأَنَّ الَّذِينَ سَبَقَ فَعَرَفَهُمْ سَبَقَ فَعَيَّنَهُمْ لِيَكُونُوا مُشَابِهِينَ صُورَةَ ابْنِهِ، لِيَكُونَ هُوَ بِكْرًا بَيْنَ إِخْوَةٍ كَثِيرِينَ. وَالَّذِينَ سَبَقَ فَعَيَّنَهُمْ، فَهؤُلاَءِ دَعَاهُمْ أَيْضًا. وَالَّذِينَ دَعَاهُمْ، فَهؤُلاَءِ بَرَّرَهُمْ أَيْضًا. وَالَّذِينَ بَرَّرَهُمْ، فَهؤُلاَءِ مَجَّدَهُمْ أَيْضًا”(رو8: 29، 30). وتقول إن هؤلاء دعاهم، وبرَّرهم، ومجَّدهم أيضًا…
شيء جميل أن تكون معروفًا عند الله. والأجمل أن يكون الإنسان معروفًا عند الله حتى قبل أن يولد.
قال الله لإرميا النبي: “قَبْلَمَا صَوَّرْتُكَ فِي الْبَطْنِ عَرَفْتُكَ، وَقَبْلَمَا خَرَجْتَ مِنَ الرَّحِمِ قَدَّسْتُكَ. جَعَلْتُكَ نَبِيًّا لِلشُّعُوبِ”(إر5:1). صار نبيًّا قبل أن يولد!! حقًّا من محبة الله أنه اختار كثيرين من بطون أمهاتهم، بل قبل أن يُحبَل بهم…
من أمثلة ذلك يوحنا المعمدان، وشمشون، والأنبا شنوده وغيرهم.
المعمدان قبل أن تحبل به أمه، قال الملاك عنه إنه: “يَكُونُ عَظِيمًا أَمَامَ الرَّبّ، وَيَرُدُّ كَثِيرِينَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَى الرَّبِّ إِلهِهِمْ. لِكَيْ يُهَيِّئَ لِلرَّبِّ شَعْبًا مُسْتَعِدًّا” (لو1: 15 – 17).
كذلك القديس الأنبا شنوده عيَّنه الله أبًا للرهبان قبل أن تحبل به أمه، ويعقوب أبو الآباء أعطاه الرئاسة والسيادة قبل أن يولد، وقال إذ عرفه بعلمه السابق: “أَحْبَبْتُ يَعْقُوبَ..”(رو13:9).
نعم، ما أكثر القديسين الذين حَمَّلهم الله مسئوليات قبل أن يولدوا.
“الَّذِينَ سَبَقَ فَعَرَفَهُمْ سَبَقَ فَعَيَّنَهُمْ، فَهؤُلاَءِ دَعَاهُمْ أَيْضًا”(رو8: 29، 30)، وبدأت علاقته بهم قبل ميلادهم، بل منذ الأزل، بسابق علمه.
من محبته لهم اختارهم لبناء ملكوته، كما قال لتلاميذه: “لَيْسَ أَنْتُمُ اخْتَرْتُمُونِي بَلْ أَنَا اخْتَرْتُكُمْ”(يو16:15).
ومن محبة الله لقديسيه، أنه زوَّدهم بقوى عجيبة… جعل روحه القدوس يسكن فيهم، وأعطاهم نعمته، وقال لهم: “سَتَنَالُونَ قُوَّةً مَتَى حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَيْكُمْ”(أع8:1).
وفي محبته لهم، أعطاهم بركة، بل وجعلهم بركة.
كما قال لأبينا إبراهيم: “فَأَجْعَلَكَ أُمَّةً عَظِيمَةً وَأُبَارِكَكَ وَأُعَظِّمَ اسْمَكَ، وَتَكُونَ بَرَكَةً. وَأُبَارِكُ مُبَارِكِيكَ، وَلاَعِنَكَ أَلْعَنُهُ”(تك12: 2، 3).
كم من قديس صار بركة لجيله، أو للأجيال كلها… وأصبح حاملًا لله (ثيئوفورس)، يقدمه للعالم… وكم من قديس كشف له الله ما لا يُرى، ومنحه استعلانات ورؤى، حتى إن بولس كان مهددًا أن يرتفع بكثرة الاستعلانات! (2كو7:12).
وقديسون منحهم الله الوحي، وقديسون كلمهم الله فَمًا لأذن، وقديسون منحهم الله قوة إجراء المعجزات مثل موسى الذي شقَّ البحر الأحمر، وفجَّر من الصخرة ماءً، وأنزل المن والسلوى.
إن الله عندما يحب، يعطي بلا حساب، بلا كيل. يفتح كوى السماء لتنزل منها بركاته، حتى نقول: “كفانا كفانا”…
لما أحبَّ الله قديسيه أعطاهم الروح القدس، أعطاهم البركة والنعمة والحب، وجعل سكناه في داخلهم. أعطاهم قوة إجراء المعجزات، منحهم الحكمة، أعطاهم كل ما يطلبونه لأجل أنفسهم ولأجل الآخرين. وكانت صلواتهم مفاتيح للسماء. ومن محبته لهم، كان يأخذ رأيهم، وينفذ طلباتهم، كما فعل مع موسى ومع إبراهيم.
ومن محبته لقديسيه، كان ينسب إليهم أعماله…
فيقول: “شَرِيعَةِ مُوسَى”، وهي شريعة الرب. ويقال كنيسة مار جرجس وهي كنيسة الله. وتحدث معجزة شفاء على يد العذراء، بينما الله هو الشافي… ويقول الرب: من يكرمكم يكرمني، ويقول أيضًا: “وَالَّذِي يُرْذِلُكُمْ يُرْذِلُنِي”(لو16:10).
وبمحبة الله لقديسيه عمل فيهم، وعمل بهم، وعمل معهم، وجعلهم سفراءه ووكلاءه ووسطاءه على الأرض، ينقلون نعمته للآخرين. وقال لهم: “لاَ أَعُودُ أُسَمِّيكُمْ عَبِيدًا… لكِنِّي قَدْ سَمَّيْتُكُمْ أَحِبَّاءَ”(يو15:15). بل دعاهم إخوته. وصار “بِكْرًا بَيْنَ إِخْوَةٍ كَثِيرِين”َ(رو29:8).
وقيل عنه: “إِذْ كَانَ قَدْ أَحَبَّ خَاصَّتَهُ الَّذِينَ فِي الْعَالَمِ، أَحَبَّهُمْ إِلَى الْمُنْتَهَى”(يو1:13). وفي هذا الحب اعتبرهم كشخصه.
بل نقرأ عبارة عجيبة قالها لهم عن صنع المعجزات وهي: “فَالأَعْمَالُ الَّتِي أَنَا أَعْمَلُهَا يَعْمَلُهَا هُوَ أَيْضًا، وَيَعْمَلُ أَعْظَمَ مِنْهَا“(يو12:14). ونحن نقف مبهوتين أمام عبارة: “أَعْظَمَ مِنْهَا”، ونقول أيُّ حُبٍّ هذا؟!
ومن محبة الله لقديسيه، أنه جعلهم يجرّبون عشرته وصداقته.
فموسى جلس معه على الجبل أربعين يومًا. وقضى الرب مع تلاميذه أربعين يومًا بعد القيامة يحدثهم عن الأمور المختصة بملكوت الله. وقيل عن إبراهيم إنه خليل الله. وهؤلاء لم يعاشروه فقط، بل تمتعوا به. قال داود: “ذُوقُوا وَانْظُرُوا مَا أَطْيَبَ الرَّبَّ!”(مز8:34).. ما أعجب هذه المذاقة!!
بهذا الحب ظهر لكثير من قديسيه، وكلَّمهم. كما ظهر للأنبا بيشوي فغسل القديس رجليه. وظهر للأنبا بولا الطموهي وقال له في محبة: “كفاك تعبًا يا حبيبي بولا”..
وظهر لإيليا النبي وهو خائف من إيزابل وعزَّاه، وأرسل له ملاكًا بغذاء. وظهر ليعقوب وهو هارب من أخيه عيسو، وعزَّاه بوعود إلهية: “هَا أَنَا مَعَكَ.. وَأَرُدُّكَ إِلَى هذِهِ الأَرْضِ”(تك15:28).
إن من محبة الله لقديسيه، العزاء العجيب الذي يمنحه لهم.
كل الذين عاشروه، تمتَّعوا بالعزاء، وبالسلام، والطمأنينة، والفرح. وهكذا قال الرسول: “افْرَحُوا فِي الرَّبِّ كُلَّ حِينٍ”(في4:4).
وبهذا العزاء استطاع الآباء القديسون أن يعيشوا في البرية وحدهم، بلا أنيس، وهم في متعة الحب الإلهي، يجدون في وحشة البرية عزاءً لا يُعبَّر عنه، ولذَّة عميقة بالعشرة الإلهية…
ومن محبة الله لقديسيه، أنه أعطاهم الإحساس بالوجود في حضرته…
وفي ذلك يقول داود النبي: “تأملت فرأيت الرَّبَّ أَمَامِي فِي كُلِّ حِينٍ، لأَنَّهُ عَنْ يَمِينِي فَلاَ أَتَزَعْزَعُ”(مز8:16).. ويقول إيليا النبي: “حَيٌّ هُوَ رَبُّ الْجُنُودِ الَّذِي أَنَا وَاقِفٌ أَمَامَهُ”(1مل15:18).
إن النفس البشرية التي ذاقت محبة الله، تقول: “شِمَالُهُ تَحْتَ رَأْسِي وَيَمِينُهُ تُعَانِقُنِي”(نش6:2). شاعرة أن محبته محيطة بها…
ومن محبة الله لنا، أنه يحيطنا بملائكته، تحفظنا وتخدمنا.
فيقول بولس الرسول عن الملائكة: “أَلَيْسَ جَمِيعُهُمْ أَرْوَاحًا خَادِمَةً مُرْسَلَةً لِلْخِدْمَةِ لأَجْلِ الْعَتِيدِينَ أَنْ يَرِثُوا الْخَلاَصَ!”(عب14:1). ويقول الكتاب: “مَلاَكُ الرَّبِّ حَالٌّ حَوْلَ خَائِفِيهِ، وَيُنَجِّيهِمْ”(مز7:34).
ما أعجب أن تخدمنا الملائكة، ونحن لا نستحق مجرد رؤيتهم!
ومن محبة الله لقديسيه، أنه يمنحهم حق الشفاعة أيضًا.
لما أراد الله أن يغفر خطية أصحاب أيوب، قال لهم بعد أن بكَّتهم: “وَاذْهَبُوا إِلَى عَبْدِي أَيُّوبَ، وَأَصْعِدُوا مُحْرَقَةً لأَجْلِ أَنْفُسِكُمْ، وَعَبْدِي أَيُّوبُ يُصَلِّي مِنْ أَجْلِكُمْ، لأَنِّي أَرْفَعُ وَجْهَهُ لِئَلاَّ أَصْنَعَ مَعَكُمْ حَسَبَ حَمَاقَتِكُمْ…”(أي8:42).
وهكذا جعل الله مغفرته مشروطة بصلاة أيوب عنهم.. ولماذا لا تغفر يا رب مباشرة!! يقول: “لأني أرفع وجهه”..
ويظهر الرب لشاول الطرسوسي، ويدعوه إلى خدمته. ولكنه لا يشرح له ما ينبغي أن يفعله، بل يرسله إلى عبده حنانيا في دمشق، ليقول له ما ينبغي.
ونفس الوضع حدث مع كرنيليوس الذي صعدت صلواته وتقدماته إلى الرب، وظهر له ملاك يخبره بهذا. ولكن الرب يحيل كرنيليوس إلى عبده بطرس، لكي يخبره بما ينبغي، لأنه يريد أن يعمل عن طريق رسله وكهنته، وبهذا يرفع وجوههم كوكلائه!
إن الله في محبته لقديسيه يعطيهم سلطانًا حتى على الطبيعة.
ما أعجب قول إيليا النبي: “لاَ يَكُونُ طَلٌّ وَلاَ مَطَرٌ فِي هذِهِ السِّنِينَ إِلاَّ عِنْدَ قَوْلِي”(1مل1:17)!!
وفعلًا امتنع المطر أكثر من ثلاث سنوات منتظرًا قول إيليا…
وإيليا يعطي بركة لأرملة صرفة صيدا، بأن كوار الدقيق لا يفرغ، وكوز الزيت لا ينقص، إلى أن ينزل المطر على الأرض (1مل16:17) وهكذا يكون…
لقد أعطى الله سلطانًا لآدم وحواء على كل طيور السماء وسمك البحار ووحوش الأرض.
وبهذا السلطان عاش نوح في الفلك لم تؤذه الوحوش بل تآلفت معه، ودانيال في جب الأسود، أرسل الله ملاكه فسد أفواهها. وكذلك حوت يونان لم يؤذه. وصار أحباء الله هؤلاء في وضع له سموه.
في نياحة الأنبا بولا، أرسل الله أسدين فحفرا قبرًا له، لكي لا يتعب في هذا الأمر القديس أنطونيوس الذي أمرهما…
أحب الله قديسيه، فأكرمهم في حياتهم، وفي وفاتهم أيضًا.
يرسل ملائكة لكي تحمل روح لعازر المسكين إلى أحضان إبراهيم.
وروح الأنبا آمون رآها القديس الأنبا أنطونيوس، وقد حملتها الملائكة في فرح، لتزفها بالتسابيح إلى السماء…
وهناك قديسون عند وفاتهم يرون أنوارًا، ويظهر لهم قديسون لاستقبال أرواحهم. وبعض منهم تفوح رائحة بخور عند وفاته. لذلك ما أجمل قول الكتاب: “لِتَمُتْ نَفْسِي مَوْتَ الأَبْرَارِ، وَلْتَكُنْ آخِرَتِي كَآخِرَتِهِمْ”(عد10:23).
ومن محبة الله لقديسيه أنه دعاهم (آلهة).
فقال لهم في المزمور: “أَنَا قُلْتُ: إِنَّكُمْ آلِهَةٌ وَبَنُو الْعَلِيِّ كُلُّكُمْ”(مز82: 6). وقيل: “اَللهُ قَائِمٌ فِي مَجْمَعِ اللهِ. فِي وَسْطِ الآلِهَةِ يَقْضِي”(مز1:82). وقال الرب لموسى: “جَعَلْتُكَ إِلهًا لِفِرْعَوْنَ”(خر1:7)، أي سيدًا. ولكنه لقب عجيب، كله حب…
ومن محبته أنه خلقنا على شبهه، كصورته ومثاله…
وحتى في السماء، بجسد القيامة، نكون على شبه جسد مجده! ومن محبته أنه أعطانا بعض ألقابه، فيقول: “أَنَا هُوَ نُورُ الْعَالَمِ”(يو12:8)، ويقول لتلاميذه: “أَنْتُمْ نُورُ الْعَالَمِ”(مت14:5).
ومن محبة الله لقديسيه، أنه سيجعلهم معه في الأبدية.
“… وَإِنْ مَضَيْتُ وَأَعْدَدْتُ لَكُمْ مَكَانًا آتِي أَيْضًا وَآخُذُكُمْ إِلَيَّ، حَتَّى حَيْثُ أَكُونُ أَنَا تَكُونُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا”(يو3:14)، وهكذا تكون أورشليم السمائية “مَسْكَنُ اللهِ مَعَ النَّاسِ”(رؤ3:21)، ونصير نحن “أهْلِ بَيْتِ اللهِ”(أف19:2).
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الثامنة – العدد التاسع والعشرون 22-7-1977م


