مبادئ في الخدمة

مبادئ في الخدمة[1]
في الواقع يا إخوتي أنني كنت جالسًا طوال الوقت في خجل شديد:
في خجل من المحبة الكبيرة التي قدمتموها إليَّ. وفي خجل من كلمات قالها الآباء الكبار عني في تواضعهم. وفي خجل من أنني لم أستطع أن أعمل شيئًا في الخفاء حسب وصية الرب. وفي خجل من أنني أتلقى مديحًا عن أمور ساهم فيها غيري، ونُسبت إليَّ عن غير استحقاق منّي…!
على أنني أود أن أشكر جميع الذين حضروا، والذين تكلموا…
أشكر إخوتي أصحاب القداسة الذين حضروا من أماكن بعيدة.
أشكر قداسة بطريرك كرسي أنطاكية الرسولي مار أغناطيوس زكا، هذا الرجل الروحي الطيب المتواضع المملوء بالمحبة، الذي حضر على الرغم من مرضه. وأشكر قداسة كاثوليكوس الأرمن مار آرام الذي انتُخب مرتين متواليتين مقررًا moderator لمجلس الكنائس العالمي نظرًا لمواهبه الكثيرة وقوة شخصيته. وأشكر قداسة أبونا فيلبس بطريرك إريتريا الذي حضر على الرغم من كبر سنه (حوالي 98 عامًا)، وتكلم في حب واتضاع.
وأشكر مجلس كنائس الشرق الأوسط ممثلًا في سكرتيره العام القس الدكتور رياض جرجور، والقس الدكتور سليم صهيوني أحد رؤساء المجلس عن الطائفة الإنجيلية، وابننا الأستاذ جرجس صالح الأمين العام المشارك. وأشكر كل ممثلي الكنائس الذين حضروا. وأشكر الآباء الكاثوليك الذين حضروا ثم استأذنوا وانصرفوا لتقيدهم بموعد سابق. أشكر الكل، وأشكركم جميعًا على حضوركم.
أشكر على التواضع الكبير الذي سمعته منهم في حديثهم عني. صدقوني إنه موقف صعب، كما قال عنه القديس الأنبا أنطونيوس الكبير: إن احتمال الكرامة أصعب من احتمال الإهانة. وأشكر كل فرق الخورس على ألحانهم الجميلة. كما أشكر ابنتنا سلوى على الترتيلة التي أنشدتها بوزن من الأبصلمودية.
وأشكر القس الدكتور صفوت البياضي رئيس الكنيسة الإنجيلية في مصر على حضوره، وعلى استجابته لنا أحيانًا في بعض الطلبات التي نقدمها لإلحاق أبنائنا بكلية نيو رمسيس. إنها بلا شك روح طيبة.
أشكر الكل على محبتهم وحضورهم وكلماتهم وهداياهم.
وقبل الكل، أشكر الله الذي منحني هذه الثلاثين عامًا.
والذي يرجع إليه وحده كل الفضل في إنجاح أي عمل خلالها.
وأحب أن أقول في هذه المناسبة أنه كانت أمامنا مبادئ معينة منذ أن خدمنا في مدارس الأحد وفي الكلية الإكليريكية. مبادئ للعمل الكنسي وضعناها أمامنا. نشكر الله الذي أعاننا في تنفيذها.
*المبدأ الأول إننا مجرد وكلاء:
إننا لسنا أصحاب الكنيسة. فصاحبها هو الله وحده. إنه هو رب الكرم، ونحن مجرد وكلاء عنه في كنيسته. وعملنا هو أن ننفذ مشيئته الصالحة. حقًا إن الكهنوت قد منحه الله سلطانًا. ولكنه سلطان في حدود مشيئة الله، لا يتعدّاها. لا يعمل إلا داخل هذه المشيئة الإلهية…
وكوكلاء لله، لا نعمل إلا ما يعمله هو بنا، كما قال: “بِدُونِي لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَفْعَلُوا شَيْئًا” (يو15: 5). وما دام هو الذي يعمل بنا، إذًا نحن لا نستحق شيئًا من المديح على هذا العمل، كما قال المرتل في المزمور: “لَيْسَ لَنَا يَا رَبُّ لَيْسَ لَنَا لَكِنْ لاِسْمِكَ أَعْطِ مَجْدًا” (مز115: 1).
نحن وكلاء له. المال الذي يصل إلى أيدينا، هو مال الله وليس مالنا. ولا نملك أن نتصرف فيه إلا في حدود عمله ولأجل أولاده. وحتى وقتنا لا نملكه أيضًا لقد كرسناه لله. ونحن وكلاء على هذا الوقت، لا نقضيه إلا في ما يريده الله، مالكه.
كوننا مجرد وكلاء، هذا هو المبدأ الأول الذي نؤمن به.
*المبدأ الثاني: هو الشعب وأهميته:
نحن مجرد خدام لهذا الشعب. وينبغي أن نذكر هذه الحقيقة باستمرار، ولا نرتفع عن مستواها. كما قال القديس أوغسطينوس في صلاته: “أطلب إليك يا رب من أجل سادتي عبيدك”، وقال أيضًا: “أنا أمامهم أبدو راعيًا لهم، ولكنني معهم من خراف رعيتك. أنت ترعاني وترعاهم. كذلك أبدو معلمًا لهم. ولكنني معهم من تلاميذك، تعلّمني وتعلّمهم”.
لولا الشعب، ما كنا نحن في هذه المسئولية التي أعطيت لنا. نحن من أجلهم، وليسوا هم من أجلنا.
ومن أجل الشعب، سرنا على مبدأ يعرفه عنا كل أولادنا، وهو “من حق الشعب أن يختار راعيه”. كما قال الآباء الرسل في اختيار الشمامسة السبعة “انْتَخِبُوا أَيُّهَا الإِخْوَةُ سَبْعَةَ رِجَالٍ مِنْكُمْ مَشْهُودًا لَهُمْ… فَنُقِيمَهُمْ عَلَى هَذِهِ الْحَاجَةِ” (أع6: 3).
وهذا ما أفعله في سيامة كل أسقف، وكل قسّ. وأحقق رغبة الشعب، فيكون الشعب فرحًا يوم الرسامة، لأنها حسب رغبته ورضاه. ولم نفرض عليه أحدًا.
*المبدأ الثالث: هو الشعور بالمسئولية:
لا يستطيع إنسان أن يكون أمينًا في أية مهمة يقوم بها، إلا إذا شعر بالمسئولية وقام بها. فما هي مسئوليتنا إذًا؟ إنها عبارة خطيرة جدًا تهز أي إنسان سمعتها في حفلة التتويج، وهي “تسلّم عصا الرعاية من يد ربنا يسوع المسيح، الذي ائتمنك على رعيته. ومن يدك يطلب دمها”.
وعبارة “من يدك يطلب دمها” مأخوذة من سفر حزقيال النبي إصحاح 3، وإصحاح 33، مكررة لأهميتها…
أي أنه إذا هلك إنسان، بسبب عدم رعايتنا له، وعدم اهتمامنا به، وعدم افتقادنا له، وعدم تعليمنا… فإن هذا الإنسان سيطلب الله دمه من أيدينا… ولعل كلًا منا يذكر هذا المعنى، حينما يصلي في المزمور الخمسين عبارة “نَجِّنِي مِنَ الدِّمَاءِ يَا اللهُ” (مز50: 14).
إذًا المسئولية الخطيرة المطلوبة من كل بطريرك، وكل مطران، وكل أسقف، وكل قسيس، وكل خادم، هي عبارة “من يدك أطلب دمها”.
إذًا ينبغي على كل منا أن يعمل وهو خائف من المسئولية، واضعًا أمامه قول الآباء الرسل في الدسقولية “فليهتم الأسقف بكل أحد ليخلصه”.
ولكن كيف يستطيع البطريرك أن يهتم بكل أحد؟ بالطبع عن طريق معاونيه. ولهذا فبقدر ما أعطاني الله من قوة، قمت حتى الآن بسيامة 100 من الآباء الأساقفة، و633 من الآباء الكهنة، لكي يحملوا هذا العبء. ويهتموا بخلاص كل أحد.
وبخاصة لأن عملنا الرعوي ليس سهلًا، فنحن أمام مسئولية شاملة، نهتم فيها بكل أحد، من كل ناحية، من جهة روحه ونفسيته، ورعايته الاجتماعية والمادية، وقيادته إلى حياة البر وتثبيته فيها…
ما هو إذًا المبدأ الرابع الذي وضعناه أمامنا؟
*المبدأ الرابع: هو سياسة الانفتاح.
عندما بدأت مسئوليتي، كان هناك تقليد معروف وهو “البابا يُزار ولا يزور”. ولهذا كان مكان إقامة البابا يدعى “القلاية البطريركية” استمرارًا لحياته كراهب، وحفظًا لهيبته وسط الناس… يجلس على كرسيه يمنح الصلوات والبركات، ويدير الكنيسة من مكانه، ولا يخرج إلا نادرًا.
وقد اضطررت أن أكسر هذا التقليد. فأنا لست أبحث عن هيبة، ولا عن خشية الناس لي، إنما أبحث عن محبتهم، وعن خلاص أنفسهم، مهما كلفني الأمر. وأمامي ما قيل عن السيد المسيح أنه: “الَّذِي جَالَ يَصْنَعُ خَيْرًا” (أع38:10). وأنه كان “يَطُوفُ الْمُدُنَ كُلَّهَا وَالْقُرَى يُعَلِّمُ فِي مَجَامِعِهَا وَيَكْرِزُ بِبِشَارَةِ الْمَلَكُوتِ” (مت35:9).
وهكذا خرجت أطوف وأفتقد وأعمل، حينما زرت أمريكا وكندا، قيل إن هذه أول زيارة من بابا قبطي لأمريكا وكندا. وعندما زرت أستراليا، قيل أيضًا: هذه أول زيارة من بابا قبطي لأستراليا. ونفس العبارة قيلت حينما ذهبت إلى جوهانسبرج، وإلى زامبيا وزيمبابوي وزائير، وحينما زرت قبائل الزولو في جنوب أفريقيا.
وربما أكون أكثر باباوات الإسكندرية في ركوب الطائرات.
ولم أقتصر على افتقاد أبنائنا في قارات العالم أيضًا، إنما امتد الانفتاح إلى زيارة المستشفيات، وبعض الجمعيات العامة، والنقابات وكليات الجامعة. وأيضًا مجال الصحافة والإذاعة والتليفزيون في مصر وفي الخارج.
وامتد الانفتاح إلى إخوتي من رجال الدين الإسلامي.
فقمت بزيارة فضيلة شيخ الجامع الأزهر، وزارني وتبودلت الزيارات بيننا مرات. وربما أكون أول بابا قبطي يزور مشيخة الجامع الأزهر. كذلك زرت فضيلة المفتي في دار الإفتاء، وتبودلت الزيارات بيننا. وأصبح من المألوف وجود عدد كبير من شيوخ المسلمين في البطريركية، وعدد من الأساقفة والكهنة في الأزهر.
وزادت الصلة وزاد الانفتاح، بحفلات الإفطار خلال شهر رمضان. التي كان يحضرها كبار رجال الدولة: رئيس الوزراء، ورئيسا مجلسي الشعب والشورى، وعدد كبير من الوزراء، وفضيلة شيخ الأزهر، وفضيلة المفتي، وكبار رجال القضاء، وبعض المحافظين، ورؤساء الجامعات، ورؤساء دور الصحف، وكبار الكتاب، وعدد كبير من شيوخ المسلمين ومن أعضاء البرلمان، والمجالس الشعبية وأحيانًا بعض رجال الفن. فكانت هذه الحفلات تمثل جميع القيادات، بالإضافة إلى عدد من الآباء المطارنة والأساقفة والقسوس وأعضاء المجلس الملي. وكانت تلقى فيها كلمات المحبة التي تترك تأثيرها في الشعب.
وانتشرت هذه الحفلات في باقي أحياء القاهرة، وفي شتّى المحافظات والمدن، وقرّبت بين القلوب، وشجّعت على مزيد من الوحدة.
كذلك امتدت صلتي بإخوتي المسلمين خارج مصر.
ففي لبنان التقيت بحوالي سبعين من قيادات المسلمين، منهم فضيلة الشيخ محمد مهدي شمس الدين رئيس المجلس الإسلامي الشيعي، والشيخ الدكتور محمد رشيد القباني مفتي جمهورية لبنان، وكذلك مفتي الدروز، وغيرهم، وكانت لي بهم علاقة وطيدة. وفي سوريا زرت مسجد النور، وألقيت فيه كلمة، وتوطدت علاقتي بإمامه الشيخ كفتارو. كما زرت مسجد لندن، ومسجد باريس، والمجلس الإسلامي في واشنطن.
وفي مصر صارت لي علاقة طيبة مع الشيخ محمد متولي الشعراوي، وكنت قد أرسلت إليه بعض الإكليروس يطمئنون على صحته في لندن، كما زرته وهو يعالَج في أحد مستشفيات مصر، وزارني أكثر من مرة، وصرنا نتبادل الحديث في الشعر، وتقاربت قلوبنا، وغيّر سياسته الأولى. أيضًا زرت جمعية الشبان المسلمين في الإسكندرية.
كذلك في كل بلد كنت أسافر إليه خارج مصر، كنت أزور سفارتنا أو قنصلياتنا هناك، وتكونت لي علاقة واسعة مع كبار الدبلوماسيين ورجال السلك السياسي. كذلك ما أكثر الأحاديث التي ألقيتها في الإذاعة والتلفزيون والصحافة… كل ذلك من جهة مبدأ الانفتاح على الكل.
وصارت لي علاقة قريبة مع الرئيس حسني مبارك ورجال الدولة.
وما أكثر ما كانت مشكلات تحل بمجرد الحديث مع الرئيس بروحه الطيبة. وكذلك في اللقاءات مع بعض الوزراء.
لذلك كثيرًا ما أقول للآباء في الكنيسة: لتكن علاقتكم طيبة مع رجال الدولة ومع المسئولين جميعًا. فأمور عديدة جدًا تحلها العلاقة الطيبة أكثر مما يحلها القانون بحرفيّته. والمعروف أن المحبة تولد محبة. فطالما أنتم سائرون في الطريق ألقوا بذار الحب مع الجميع، وستجدون أنها أنبتت ولو بعد حين… مبدأ آخر اهتممنا به، وهو:
*المبدأ الخامس: الشباب والمهجر.
كنت أقول دائمًا “كنيسة بغير شباب هي كنيسة بلا مستقبل”.
ولذلك لأول مرة في تاريخ كنيستنا، قمت بسيامة أسقف للشباب هو نيافة الأنبا موسى. يلتقي بالشباب، ويحل مشاكله، ويتعهد كل أنشطة الشباب ومواهبه، ويفسح لها الطريق وينميها. وصار يعقد الاجتماعات والمؤتمرات للشباب في مصر، وفي بلاد المهجر: في أمريكا، وكندا وفي أستراليا وأوروبا. ونتيجة لهذا صار شبابنا في المهجر أقل مشاكلًا من باقي شباب الغرب. نحن نفتح له قلوبنا، وهو يفتح قلوبه لنا. ونتعرف على مشاكله، ونبذل الجهد لحلها. كما نغرس فيه المبادئ السليمة، ونشرح له مضار الأخطاء.
ولما وجد نيافة الأنبا موسى العمل اتسع عليه، طلب سيامة من يساعده. فرسمنا له أسقفًا آخر يعمل مع الشباب هو نيافة الأنبا رافائيل. وكذلك فإن نيافة الأنبا أنجيلوس في استيفينيج بشمال لندن يعمل مع الشباب في المنطقة كلها، ويساعد في مؤتمرات الشباب بأمريكا أيضًا.
واهتمامنا بالمهجر دعانا إلى إنشاء العديد من الكنائس.
بحيث نوفر لكل مجموعة قبطية مكانًا للعبادة أينما كانوا…
فازدادت كنائسنا في الغرب، من سبع كنائس حينما توليت مسئوليتي إلى حوالي المائتين. وازداد نشاط هذه الكنائس، واشتُريت الأراضي، وبُنيت أبنية للعبادة وللأنشطة بشكل مذهل… وبعضها أسس مدارس قبطية لرعاية أبنائنا في جو روحي. كما تأسست كليات لاهوتية أيضًا في أستراليا وأمريكا وفي استيفينيج. وكذلك تأسست أديرة. وصار لنا شعب ينتشر في كل مكان بنعمة الله. وصار لنا أساقفة في أمريكا، وفي ملبورن بأستراليا، وفي المملكة المتحدة، وفي فرنسا وإيطاليا وألمانيا والنمسا. وما زال أمامنا عمل أوسع علينا أن نعمله بمعونة الله.
وأيضًا صارت لنا خدمة كرازية في أفريقيا.
بسيامة نيافة الأنبا أنطونيوس مرقس، ثم نيافة الأنبا بولس بعد ذلك. وامتدت كنائسنا في كينيا، وزامبيا، وزيمبابوي، وأوغندة، والكونجو، وزائير، وساحل العاج، وناميبيا، وجنوب أفريقيا. نشكر الله على كل هذا.
وبدأت لنا خدمة في البرازيل، وفي بوليفيا. وسوف تمتد هذه الخدمة إلى المكسيك إن شاء الله.
*المبدأ السادس: خدمة المرأة.
فتحنا باب الكلية الإكليريكية للمرأة. فتتلمذت فيها، بل صارت فيها أستاذة تدرس الكتاب المقدس، وأخرى تدرّس اللاهوت في معهد الدراسات القبطية. كما أن هناك عددًا ضخمًا يقوم بالتدريس في مدارس الأحد تنفعهن الدراسة اللاهوتية، كما تنفع الأمهات في تربية أبنائهن.
ولما كانت راهباتنا معتكفات للعبادة، أوجدنا نظام “الفتيات المكرسات” للخدمة في الأنشطة المتعددة للكنائس.
وفي مجلس كل كنيسة، يهتم بأمورها المالية والإدارية، جعلنا المرأة ممثلة على قدر إمكاننا، سواء في مصر أو في المهجر.
ولجان البر تعمل فيها النساء بقدر كبير في العناية بالفقراء.
ختامًا، نشكر الله على عمله معنا، وعلى نعمته التي ساعدت في تحقيق هذه المبادئ بالقدر الذي احتمله ضعفنا وتقصيرنا.
وأشكركم جميعًا على حسن إنصاتكم.
[1] مقال: قداسة البابا شنوده الثالث “مبادئ في الخدمة”، الكرازة 23 نوفمبر2001م، وهي المحاضرة التي ألقاها قداسة البابا في الحفل الثلاثيني يوم الجمعة 9 نوفمبر 2001م.



