ما هي الكنيسة؟

ما هي الكنيسة؟1
نتابع معك في هذه الصفحة من كل أسبوع، بابًا عن الكنيسة، يشمل الكثير من العقيدة والطقس والقانون والمعرفة الكنسية.
الكنيسة هي بيت الله، وبيت الصلاة وبيت الملائكة، قال يعقوب أبو الآباء عن أول كنيسة دشنت في العالم:
“ مَا أَرْهَبَ هذَا الْمَكَانَ! مَا هذَا إِلاَّ بَيْتُ اللهِ، وَهذَا بَابُ السَّمَاءِ” (تك28: 17).
وسمي المكان “بيت إيل” أي بيت الله لأن كلمة إيل معناها الله. وداود أيضًا يسمي الكنيسة بيت الرب، وفي ذلك، يقول: “ فَرِحْتُ بِالْقَائِلِينَ لِي: إِلَى بَيْتِ الرَّبِّ نَذْهَبُ” (مز121: 1).
إن كانت الكنيسة بيت الله، فلا شك أنه كما تليق بها الرهبة والخشوع “مَا أَرْهَبَ هذَا الْمَكَانَ “، كذلك يليق بها القداسة والعمل الإلهي، لذلك قال المرنم:
“بِبَيْتِكَ تَلِيقُ الْقَدَاسَةُ يَا رَبُّ”(مز 92).
وأول عمل يناسب الكنيسة هو الصلاة، إذ نتحدث فيها مع الله صاحب هذا البيت. وهكذا قال السيد المسيح: “بَيْتِي بَيْتَ الصَّلاَةِ يُدْعَى. وَأَنْتُمْ جَعَلْتُمُوهُ مَغَارَةَ لُصُوصٍ” (مر11: 17).
وما دامت الكنيسة بيتًا لله، لهذا تشبه بالسماء، لأن السماء هي مسكن الله..
وهكذا نرى الكنيسة لها قبة أو قباب. لأن القبة ترمز إلى السماء. وكثيرًا ما يسمي العرب السماء بالقبة الزرقاء.. ولأن السماء يسكنها الملائكة، لذلك نقول عن الكنيسة إنها بيت الملائكة، كما نقول في ذكصولوجية باكر: “السلام لك أيتها الكنيسة، بيت الملائكة”..
وكما تزدان السماء بالأنوار وبالكواكب والنجوم، هكذا تزدان الكنيسة بالأنوار..
بل إن الكنيسة نفسها تدعى منارة، كما قيل عن السبع الكنائس في سفر الرؤيا إنها “سبعة منائر من ذهب” (رؤ1: 2).
ونحن أيضًا نزين الكنيسة بالأنوار، وبخاصة بالشموع، الشموع بالذات لها معنى روحي لما تحمله من رموز..
والملائكة في السماء، كالكواكب في السماء، ورعاة الكنائس يسمون أيضًا كواكب، لأنهم ملائكة الكنائس. يقول يوحنا الرائي: ” هذَا يَقُولُهُ الْمُمْسِكُ السَّبْعَةَ الْكَوَاكِبَ فِي يَمِينِهِ، الْمَاشِي فِي وَسَطِ السَّبْعِ الْمَنَايِرِ الذَّهَبِيَّةِ” (رؤ2: 1) “السبعة الكواكب هي ملائكة السبع الكنائس، والمنائر السبع التي رأيتها هي السبع الكنائس” (رؤ1: 20).
والمؤمنون- ككنيسة- يشبّهون بالكواكب والنجوم.
فيقول عنهم الكتاب: ” يَضِيئُونَ كَالْكَوَاكِبِ إِلَى أَبَدِ الدُّهُورِ.” (دا12: 3) ويقول أيضًا ” لأَنَّ نَجْمًا يَمْتَازُ عَنْ نَجْمٍ فِي الْمَجْدِ” (1كو15: 41).
وكما تشبّه الكنيسة بالسماء، تشبّه أيضًا بخيمة الاجتماع، وتأخذ شكلها في مبناها.
ولأن الأسقف يمثل الكنيسة، فهناك كنائس: نرى عمائم أساقفتها تشبه القبة، وآخرون عمائمهم تشبه خيمة الاجتماع.
وخيمة الاجتماع ترمز إلى غربة الكنيسة على الأرض، كما يقول المرتل: ” غَرِيبٌ أَنَا فِي الأَرْضِ. لاَ تُخْفِ عَنِّي وَصَايَاكَ” (مز 118).
شبهت الكنيسة أيضًا بفلك نوح.
لأنها المكان الآمن الذي يطمئن فيه المؤمن، وينجو من طوفان العالم، كما شبه العالم أيضًا بالبحر.
* أسماء الرسل والقديسين
الكنائس تبنى على أسماء القديسين، إكرامًا لهم وتشفعًا بهم، حسبما قال الرب عنهم: “من يكرمهم يكرمني” وقال “من يسمع منكم يسمع مني، ومن يرذلكم يرذلني” (لو10: 16) (متى19: 28).
وبعض البروتستانت يعترضون على بناء الكنائس على أسماء القديسين، ويقولون إنها كنائس الله، وليست كنائس قديسين. نحن لا ننكر أنها كنائس الله، ولكن من جهة تمييزها عن بعضها البعض، تميّز أحيانًا بأسماء المدن، وتميّز باسم قديس.
وما أكثر الأشياء الخاصة بالله، وقد نسبها الله نفسه إلى قديسيه: كالشريعة والأسفار المقدسة مثلًا:
فكثيرًا ما تقرأ في الكتاب، وعلى فم المسيح نفسه، عن شريعة موسى، أو ناموس موسى، بينما هي شريعة الله، وهو الناموس الإلهي، ولكن الله نسب ذلك إلى موسى حبًا له. كذلك المزامير ننسبها إلى داود، وهي كلام الله على فم داود.. وكذلك كل الأسفار الإلهية، فنقول سفر إشعياء، وسفر حزقيال، وسفر دانيال.. وكلها كلام الله، وليس كلام إشعياء أو حزقيال أو دانيال.
ونفس الوضع بالنسبة إلى الهيكل:
يسمّيه الكتاب هيكل سليمان، بينما هو هيكل الله وليس هيكل سليمان. ولكن الله نسبه إلى سليمان. كما نسب الهيكل الذي بعده إلى زربابل الذي بناه.
والله لم ينسب فقط شريعته أو هيكله إلى قديسيه، وإنما سمّى ذاته أيضًا بهم:
فقال أنا إله إبراهيم، إله اسحق، إله يعقوب. بينما هو إله الخليقة كلها. ولكنه سمّى نفسه بأسماء قديسيه حبًا وإكرامًا لهم..
والبروتستانت أنفسهم يطلقون أحيانًا أسماء القديسين على كنائسهم، مثل كنيسة الأسقفيين المسماة “كاتدرائية جميع القديسين”.
بل إن الله وضع أسماء الرسل الاثني عشر على أساسات سور أورشليم السمائية (رؤ21: 14).
كما وضع أيضًا أسماء الأسباط الاثني عشر على أبواب أورشليم الاثني عشر (رؤ21: 12) بينما أورشليم هي مدينة الله، “مدينة الملك العظيم”.
لا مانع إذًا من أن تكون الكنيسة هي بيت الله، الذي على اسم العذراء أو الملاك ميخائيل، أو مارمرقس، أو مار جرجس، أو أحد القديسين. وأول كنيسة في العالم كانت هي “بيت مريم أم يوحنا الملقب مرقس” (أع12: 12).
ولأن الكنيسة تأسست على إيمان الرسل، لذلك تبنى على12 عمودًا.
رمزًا للرسل الاثني عشر، لكي يكون إيماننا مثلهم كالصخرة، التي قال الرب عليها “أبني كنيستي” وكما قال الرسول (أف2: 20).”مَبْنِيِّينَ عَلَى أَسَاسِ الرُّسُلِ وَالأَنْبِيَاءِ، وَيَسُوعُ الْمَسِيحُ نَفْسُهُ حَجَرُ الزَّاوِيَةِ”. عجيب أن يكرم الله أولاده، ونحن لا نكرم آبائنا من أولاده.
* بناء الكنيسة
شبهت الكنيسة بفلك نوح، على اعتبار أنها تنقذ جماعة المؤمنين من بحر العالم الهائج، وأنها سفينة النجاة.
لذلك المنارة فيها تشبه الصاري، والهيكل يشبه الدفة في هذه السفينة، والصليب الذي فوق المنارة يمثل العلم في السفن، والشمامسة يمثلون البحارة أو النوتية. وأسقف الكنيسة أو كاهنها يمثل الربان.
والكنيسة فيها الأجراس تدعو للصلاة..
فتدق معلنة ابتداء الصلاة، وتدعو الناس إلى العبادة، كما كان في العهد القديم، إذ كانت تُضرب الأبواق فتدعو الشعب، أو تدعو الجند إلى القتال، كما كانوا يعيّدون عيد الأبواق.
وللكنيسة ثلاثة أبواب: غربي، وقبلي، وبحري:
الباب الغربي هو الباب العام. والباب القبلي كان دائمًا هو باب القرابين، وكان إلى جواره بيت الدياكونية (أي بيت الخدمة). وكان الناس يأتون بقرابينهم إلى بيت الخدمة. والقربان هو كل ما يتقرب به الإنسان إلى الله، وليس مجرد خبز القربان.
وفي الكنيسة مكان يُدعى “بيت لحم”.
وهو المكان الذي يُخبز فيه القربان المقدس، الذي يقدم منه الحمل للذبيحة المقدسة. ويدعى بيت لحم على اسم القرية التي ولد فيها المسيح، الحمل الذي يحمل خطايا العالم كله.
والمعمودية في الكنيسة: مكانها الطقسي في الركن البحري الغربي.
المعمودية هي المكان الذي منه يدخل الناس إلى عضوية الكنيسة، ومنه يدخلون في حياة الإيمان الحقيقية، حياة الشركة مع الكنيسة، والشركة في جسد الرب ودمه.
ولذلك لما كان الشرق رمزًا للنور وللإيمان مكان الهيكل والمذبح، فكان لابد أن يكون غير المعمد في الغرب أولًا. ثم بالمعمودية ينتقل من الغرب إلى الشرق.
ولهذا من الخطأ أن يبني غير العارفين المعمودية في الناحية الشرقية إلى جوار الهيكل، لتسهيل تناول الأطفال بعد عمادهم.
كذلك لما كان غير المعمد، ينتقل بعماده من الشمال إلى اليمين، فكان لابد أن تكون المعمودية أولًا في الجزء الشمالي، وبعد أن يدخله طالبوا العماد، ينتقلون منه إلى اليمين.
ونرى هذا واضحًا في طقس المعمودية: تحمل الأم طفلها على كتفها الشمال، وتتجه نحو الغرب، وتجحد الشيطان وكل جنوده وكل أعماله وأفكاره. ثم بعد ذلك تحمل طفلها على كتفها اليمين، وتتجه نحو الشرق، وتتلو قانون الإيمان.
ويعمد الطفل، منتقلًا من الشمال إلى اليمين، ومن الغرب إلى الشرق.
المسيح في مجيئه الثاني جعل الأبرار عن يمينه، والأشرار على الشمال (مت 25). ولا ننسى أيضًا أن الشمال (البحري) يرمز إلى البرودة، بينما الناحية القبلية ترمز إلى الدفء. والإنسان قبل معموديته لم تكن قد دخلته حرارة الروح بعد..
* الكنيسة جماعة المؤمنين
الكنيسة Ecclesia باليونانية كلمة معناها(جماعة). والمقصود بها (جماعة المؤمنين) الذين يتبررون بنعمة المسيح، ويدخلون معًا في شركة الجسد الواحد، وشركة الأسرار المقدسة الواحدة، وشركة الإيمان الواحد تحت رعاية رعاة شرعيين.
جسد واحد:
والكنيسة كجماعة، وكجسد واحد، وردت عنها إشارات كثيرة في رسائل بولس الرسول.
يقول: “فَإِنَّهُ كَمَا فِي جَسَدٍ وَاحِدٍ لَنَا أَعْضَاءٌ كَثِيرَةٌ، وَلكِنْ لَيْسَ جَمِيعُ الأَعْضَاءِ لَهَا عَمَلٌ وَاحِدٌ، هكَذَا نَحْنُ الْكَثِيرِينَ: جَسَدٌ وَاحِدٌ فِي الْمَسِيحِ، وَأَعْضَاءٌ بَعْضًا لِبَعْضٍ، كُلُّ وَاحِدٍ لِلآخَرِ” (رو12: 4، 5).
وكذلك ” فَإِنْ كَانَ عُضْوٌ وَاحِدٌ يَتَأَلَّمُ، فَجَمِيعُ الأَعْضَاءِ تَتَأَلَّمُ مَعَهُ. وَإِنْ كَانَ عُضْوٌ وَاحِدٌ يُكَرَّمُ، فَجَمِيعُ الأَعْضَاءِ تَفْرَحُ مَعَهُ. وَأَمَّا أَنْتُمْ فَجَسَدُ الْمَسِيحِ، وَأَعْضَاؤُهُ أَفْرَادًا”(1كو12: 26، 27).
الكنيسة بهذا الوضع هي جسد المسيح، وهو الرأس..
يقول بولس الرسول عن السيد المسيح “وَهُوَ رَأْسُ الْجَسَدِ: الْكَنِيسَةِ” (كو1: 18). أنظر أيضًا (كو2: 19؛ أف4: 15؛ أف1: 22؛ 5: 23).
ويقول أيضًا “جَعَلَ رَأْسًا فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ لِلْكَنِيسَةِ، الَّتِي هِيَ جَسَدُهُ” “لأَنَّنَا أَعْضَاءُ جِسْمِهِ، مِنْ لَحْمِهِ وَمِنْ عِظَامِهِ” “لأَنَّ الرَّجُلَ هُوَ رَأْسُ الْمَرْأَةِ كَمَا أَنَّ الْمَسِيحَ أَيْضًا رَأْسُ الْكَنِيسَةِ”. أنظر (أف5: 23؛ أف1: 22، 23؛ أف4: 15).
الكنيسة هي جماعة المعمدين من معمودية واحدة. هي أولئك الذين نالوا البنوة لله، ويحيون حياة مقدسة. لأن جسد المسيح مقدس.
لذلك كان كل من لا يسلك في هذه الحياة المقدسة، تعزله الكنيسة، وتفصله من جماعة المؤمنين Excommunicated.
كما قال الكتاب “ فَاعْزِلُوا الْخَبِيثَ مِنْ بَيْنِكُمْ”. (1كو5 :13)
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة السنة الثامنة عشرة – العددان 5، 6 (9-2-1990م)



