لماذا حل الرب بيننا؟

لماذا حل الرب بيننا؟1
ونحن نحتفل بميلاد المسيح من العذراء، لعلنا نتساءل فيما بيننا: ما هي الأسباب التي دعت رب المجد أن يتخذ جسدًا ويحل بيننا، ويصير في الهيئة كإنسان، ويولد من امرأة كبني البشر؟
لا شك أن الفداء هو السبب الأساسي للتجسد. جاء الرب إلي العالم ليخلص الخطاة، جاء ليفديهم، جاء ليموت وليبذل نفسه عن كثيرين.
هذا هو السبب الرئيسي الذي لو اكتفى المسيح به ولم يعمل غيره، لكان كافيًا لتبرير تجسده.
وجاء المسيح ليوفي العدل الإلهي، وليصالح السماء والأرض.
ويمكننا أن نقول أيضًا – إلى جوار عمل الفداء والمصالحة – أن السيد المسيح قد جاء لينوب عن البشرية. وكما ناب عنها في الموت، ينوب عنها أيضًا في كل ما هو مطلوب منها أن تعمله. إن الإنسان قد قصر في كل علاقاته مع الله فجاء، “ابن الإنسان” لينوب عن الإنسان كله في ارضاء الله.
وفي فترة تجسده أمكن للرب أن يقدم للبشرية الصورة المثالية لما ينبغي أن يكون عليه الإنسان كصورة لله ومثاله، قدم القدوة العملية، حتى أن القديس أثناسيوس الرسولي قال: “إنه لما فسدت الصورة التي خلق بها الإنسان، نزل الله ليقدم لهم الصورة الإلهية الأصلية”…
وأيضًا لما أخطأ القادة في تفسير الشريعة الإلهية وقدموها للناس حسب مفهومهم الخاطئ، ومزجوا بها تعاليمهم الخاصة وتقاليدهم،
جاء الرب ليقدم للبشرية الشريعة الإلهية كما أرادها الله، نقية من الأخطاء البشرية في الفهم والتفسير.
+ الفداء هو السبب الأساسي للتجسد
لقد أخطأ الإنسان الأول، وكانت خطيته ضد الله نفسه: فهو قد عصى الله وخالف وصيته. وهو أيضًا أراد أن يكبر وأن يصير مثل الله عارف الخير والشر (تك3: 5). وفي غمرة هذا الإغراء نرى أن الإنسان لم يصدق الله الذي قال له عن شجرة الخير والشر “يوم تأكل منها موتًا تموت” (تك2: 17). وعلى العكس من هذا صدق الحية التي قالت: “لن تموتا”. وبعد الأكل من الشجرة نرى أن الإنسان قد بدأ يفقد إيمانه في وجود الله في كل مكان وقدرته على رؤية كل مخفي، وظن أنه إن اختبأ، يستطيع أن يهرب من رؤية الله له. وفي محاسبة الله للإنسان بعد الخطية، نري الإنسان يتكلم بأسلوب لا يليق إذ يحمل الله جزءًا من مسئولية خطيته فيقول له: “المرأة التي جعلتها معي هي أعطتني” (تك3: 12)
إنها مجموعة أخطاء موجهة ضد الله: عصيان الله، ومنافسة الله في معرفته، وعدم تصديق الله في وعيده، وعدم الإيمان بقدرة الله. وعدم التأدب في الحديث مع الله.
أخطأ الإنسان ضد الله، والله غير المحدود، لذلك صارت خطيته غير محدودة. والخطية غير المحدودة، عقوبتها غير محدودة. ولا يوجد غير محدود غير الله. لذلك كان ينبغي أن يقوم الله نفسه بعمل الكفارة…
هذا هو ملخص المشكلة كلها في ايجاز…
لقد أخطا الإنسان، وأجرة الخطية هي الموت (رو6: 23)
فكان لابد أن يموت الإنسان، وبخاصة لأن الله كان قد أنذره بهذا الموت قبل أن يتعدى الوصية، إذ قال له: “وأما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها. لأنك يوم تأكل منها موتًا تموت”. وهكذا استحق حكم الموت، وكان لابد أن يموت.
كان موت الإنسان هو الوفاء الوحيد لعدل الله. وإن لم يمت الإنسان، لا يكون الله عادلًا، ولا يكون الله صادقًا في إنذاره السابق …
هذه النظرية يشرحها القديس أثناسيوس الرسولي باستفاضة في كتابه “تجسد الكلمة”. وإذ يشرح لزوم موت الإنسان، يشرح من الناحية المضادة المشاكل التي تقف ضد موت الإنسان. فماذا كانت تلك المشاكل؟
كان موت الإنسان ضد رحمة الله، وبخاصة لإن الإنسان قد سقط ضحية الشيطان الذي كان أكثر منه حيلة ومكرًا !!
وكان موت الإنسان ضد كرامة الله، إذ أنه خلق على صورة الله ومثاله، فكيف تتمزق صورة الله هكذا !؟
وكان موت الإنسان ضد قوة الله، كأن الله قد خلق خليقة ولم يستطع أن يحميها من شر الشيطان! وهكذا يكون الشيطان قد انتصر في المعركة!!
وكان موت الإنسان ضد حكمة الله في خلقه للبشر. وكما يقول القديس اثناسيوس الرسولي إنه كان خيرًا للإنسان لو لم يخلق، من أن يخلق ليلقى هذا المصير!!
وأخيراً كان موت الإنسان ضد ذكاء الله. إذ كيف توجد المشكلة ولا يستطيع عقل الله أن يوجد لها حلًا!!
اذن كان موت الإنسان ضد رحمة الله، وضد كرامة الله، وضد قوة الله، وضد حكمته وذكائه. وكان لابد لحكمة الله أن تتدخل لحل هذا الإشكال…
وهكذا تدخل أقنوم الابن لحل الإشكال، والابن كما يقول بولس الرسول هو: “حكمة الله وقوة الله” (1كو1: 24)، ويسميه سفر الأمثال “الحكمة” (ام9: 1)
والآن نسأل: كيف أمكن لحكمة الله حل هذا الإشكال؟
كان الحل هو الكفارة والفداء، لابد أن يموت أحد عن الإنسان، فيفديه، لإنقاذه. ولم يكن يصلح لهذا الفداء أي كائن آخر، غير الله ذاته. لا ملاك، ولا حيوان، ولا روح، ولا أيه خليقة أخرى.. فلماذا؟
كان لابد أن يموت الإنسان، وفي نفس الوقت يكون إلهًا
أولًا: لأن كل مخلوق محدود، لا يمكن أن يقدم كفارة غير محدودة، توفي العقوبة غير المحدودة، للخطية غير المحدودة.
ثانيا: لأن الحكم صدر ضد الإنسان، فيجب أن يموت الإنسان.
وكان الحل الوحيد هو التجسد: أن ينزل الله إلى عالمنا مولودًا من إمرأة، فهو من حيث لاهوته غير محدود كإله، يمكنه أن يقدم كفارة غير محدودة، تكفي لمغفرة جميع الخطايا لجميع الناس، في جميع الأجيال.
وهو من حيث ناسوته، يمكنه أن ينوب عن الإنسان المحكوم عليه في دفع ثمن الخطية. من أجل هذا السبب كان السيد المسيح يتعمد أن يسمي نفسه “ابن الإنسان” في كثير من المجالات..
إن عرفنا هذه الحقيقة، فما هي الدروس الروحية التي يمكن أن نتعلمها منها في حياتنا؟ هذا ما نود الآن أن نتأمل فيه…
تأمل…
تأمل أيها الأخ المبارك في أن كل خطية ترتكبها هي موجهة ضد الله ذاته، ولا تختلف في دينونتها عن خطية آدم وحواء. هي مثل خطيئتهما غير محدودة، لأنها موجهة ضد الله غير المحدود، وهكذا فإن عقوبتها غير محدودة، ولا تغفر إلا بكفارة غير محدودة…
كل خطية ترتكبها هي عصيان لله. هي نوع من التحدي لله وعدم المبالاة بوصاياه (يو14: 15).
ولهذا عندما أخطأ داود وزنى وقتل، لم يقل أخطأت ضد أوريا الحثي وزوجته، بل قال لله: “لك وحدك أخطأت، والشر قدامك صنعت” (مز50: 4). حقًا إن الخطية خاطئة جدًا كما يقول الكتاب (رو7: 13).
وكل خطية ترتكبها يحملها المسيح، لأنه هو “حمل الله الذي يرفع خطية العالم كله” (يو1: 29). “كلنا كغنم ضللنا، ملنا كل واحد إلى طريقه، والرب قد وضع عليه إثم جميعنا”. (أش53: 6)
إنك يا أخي ربما تستسهل الخطية، وتستسهل غفرانها، وتظن أنه بمجرد الاعتراف بها تنتهي. ولا يتناول تفكيرك كيف تغفر هذه الخطية بالاعتراف، لذلك تجد الأمر سهلًا ولا تشعر بفداحة ما تفعله…!!
خطيئتك أيها الأخ لا تغفر إلا بدم المسيح، لأنه “بدون سفك دم لا تحدث مغفرة” (عب9: 22). فما هو موقف الكاهن من الغفران إذن؟ هل مجرد قراءة التحليل أو عبارة “الله يحاللك” هي كل شيء؟! كلا بلا شك. فمجرد هذه الكلمة وحدها لا تكفي…
عندما يعطيك الكاهن المغفرة، إنما يقوم بعملية تحويل. يحول الخطية من حسابك إلى حساب المسيح. ينقل الخطية من على رأسك إلى رأس الحمل الذي يحمل خطايا العالم كله. وحينئذ يمحوها المسيح بدمه.
بل أتجرأ وأقول ان المسيح نفسه عندما كان يقول لإنسان: “مغفورة لك خطاياك” لم تكن هذه العبارة وحدها تكفي بدون دم الرب. إنما قول السيد الرب لإنسان مغفورة لك خطاياك، معناها: إنني قبلت أن أموت عن هذه الخطايا وقبلت أن أمحوها بدمي. لذلك اعتبرها مغفورة، لأنها مغموسة في دمي. لأنه لو كانت مجرد عبارة المغفرة تكفي لماذا إذن كان التجسد، ولماذا إذن كان الصلب والفداء؟
بسبب خطيتك أيها الأخ، أخلي الرب ذاته، وأخذ شكل العبد، وولد كإنسان، واحتمل كل ضعف البشرية. من أجل خطيتك هرب من هيرودس إلى مصر، ومن أجلها جرب من الشيطان، ومن أجلها اضطهده اليهود وأهين وشتم وبصق عليه وضرب وصلب ومات. إن عرفت كل هذا، فكيف تحتمل مشاعرك أن تخطئ؟!
يجب أن تعلم جيدًا أن كل خطية لابد أن تقف أمام عدل الله، لكي تعطي حسابًا أمامه “ومخيف هو الوقوع في يدي الله الحي” (عب10: 31).
لذلك في يوم ميلاد المسيح، تأمل في محبته لك، وفي سعيه لخلاصك، وكيف أنه من أجلك جاء.
حقًا لقد جاء المسيح ليخلص العالم (يو3: 17). جاء ليطلب ويخلص ما قد هلك… فهل كان هذا هو كل شيء؟ كلا، هناك أسباب أخرى تحتاج إلى مقال آخر…
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السادسة (العدد الثاني) 10-1-1975م




