كيف يحفظ السكون

حياة السكون لمار اسحق أسقف نينوى.
“السكون هو عمل الراهب. فإذا فقد السكون، اختلت حياته كراهب”. مار اسحاق
إن حياة الرهبنة هي حياة السكون. وقد نشرنا في الأعداد الماضية شرح مار اسحاق لهذا الموضوع. وبقي أن نطرق نقطة هامة هي:
كيف يحفظ السكون1
يقول مار اسحاق: “إنه لا يمكن أن يحفظ السكون بدون جمع العقل من طياشته ومن كثرة الاهتمامات وتنوع الأفكار، وذلك لكي يتركز في الله وحده “. ولكن كيف يجمع العقل؟
المعروف أن الحواس هي أبواب للفكر. فما يسمعه الإنسان يجلب له أفكاراً، وكذلك ما يراه وما يلمسه وما يشمه… الخ. فالحواس الطائشة تجلب للعقل أفكارًا وحروبًا واهتمامات وشهوات، فينشغل عن الله. لذلك أصبحت قاعدة روحية، أنه لا يمكن جمع العقل بدون حفظ الحواس.
يبقى إذن أن نسأل كيف يمكن أن يحفظ الراهب حواسه من الطياشة؟ يرى مار اسحاق أنه لا يمكن حفظ الحواس بدون الحبس في القلاية أو الوحدة. فالراهب الذي يطيش جسده من مكان إلى آخر، ستجمع له حواسه من مختلف الأمكنة كثرة من المناظر والسماعات والأخبار والأفكار، فلا يتركز فكره في الله.
ويشترط للحصول على المنفعة من وحدته، البعد عن الخلطة. لأنه حسبما يختلط الجسد، هكذا يختلط الفكر، ويتشتت عن عمله الإلهي.
ولكن إذا اضطر الراهب إلى الخلطة لسبب ما فكيف يحفظ سكونه؟ عليه حينئذ أن يستخدم الصمت. لأن كثرة الكلام، تدل على أن الفكر غير منشغل بالصلاة…
وإذا لم يستطع الراهب – على الرغم من كل هذا – أن يحتفظ بسكونه، فليس أمامه سوى بعد المسكن، أي الإقامة في البراري والقفار. لأن “مجرد نظر القفر يميت من القلب الحركات العالمية” كما يقول مار اسحاق.
هذ هي الوسائط التي يصل بها الراهب إلى السكون. على أنه لا يمكنه أن يفعل شيئًا من هذا، بدون فضيلة التجرد. فالشخص المتجرد، الذي مات قلبه عن العالم، هو الذي يمكنه أن يهجر كل شيء، ويحيا حياة الوحدة، والصمت، وعدم الخلطة، ويمكنه بهذا أن يحفظ حواسه، ويجمع عقله ويتفرغ للعبادة… وسنحاول أن نتناول هذه النقاط واحدة فواحدة:
الوحدة والبُعد عن الخلطة
حث للبعد عن الخلطة: “كل موضع توجد فيه، كن منفرداً بضميرك، متوحدًا، غريبًا بالقلب، غير مختلط”. “يا أخي أحب الوحدة، ولو إنك عاجز، عن جميع حقوقها”. “كن ميتًا من الكل، لتنعتق من السنن التي بها يتدبرون”.
“غريبًا احسب نفسك كل أيام حياتك حيثما توجهت، ليمكن أن تتخلص من الخسارة التي تتولد من الدالة”. “من مات بقلبه عن خواصه وأصحابه مات المحتال عنه”.
“لا تطلب عزاء خارجًا عن القلب الذي هو معرفة الإفرازات. ابتعد عن كل عزاء يحدث بتوسط خدمة الحواس، لتؤهل لذلك العزاء الذي يقتني من الداخل”، “طوبى للمتوحد الذي ضغطته الآلام وعذبته الشياطين، ولم يشتق للعزاء الذي من الخارج”.
“طوبى لمن ابتعد عن الكل بالمفاوضة مع سيده”، “لا يعيش مع الناس، لأنه لم يعد بعد يعرف لغتهم، لأنه أهل للغة الملائكة، وبها يرتل خفيةً بعقله”.
“صر صديقًا لكل انسان. وكن وحدك في فكرك. ساهم مع الكل في عوارضهم، وابتعد عن الكل بجسدك”، “ولا ترتبط بشيء ما ولا بإنسان من غير ضرورة”. “إن لم تقدر على الانفراد فكرًا فلا أقل من أن تنفرد جسمًا”.
أمثلة للبعد عن الخلطة: “جميع الآباء الذين أحبوا السكون، كانوا يكرمون السكون والانفراد أفضل من لقاء الناس”.
“القديس أرسانيوس ولا على الذي كان يمضي ليزوره كان يسلم. لأنه قيل له من صوت إلهي اهرب من الناس وأنت تحيا…”. “ووجهت إليه على هذا ملامة مملوءة حباً من الطوباني مقاريوس حيث قال له: “لماذا تفر منا؟”، فأجابه القديس قائلًا: “بجواب مملوء مدحة “الله يعلم أني أحبكم، ولكني لا أقدر أن أكون مع الله والناس في وقت واحد”. أي لا يستطيع أن يجمع بين الصلاة ومحادثة الناس.
“وهذا الكلام العجيب ليس من آخر قيل له، إنما صوت إلهي سمعه أرسانيوس “فر من الناس وأنت تحيا”. وما قيل له هذا عن الخروج من العالم فقط، أن يفر من الناس، بل بعد أن ترك العالم وصار إلى الدير، صلى وقال:” كيف يا رب أستطيع أن أحيا وأعيش كما ينبغي دبرني أنت كيف أحيا وأخلص”. وقد كان يظن أن شيئا آخر سيقال له. فسمع أيضًا صوتًا إلهيًا رد عليه هذه الكلمة وقال له:” أرساني، فر واصمت واسكت. وإن كان منظر الإخوة وحديثهم نافعًا لك، فما ينفعك أن تشتغل معهم مثلما تنتفع من الانفراد عنهم”.
وأنبا أنطونيوس قيل بالانكشاف: “إن كنت تريد أن تحيا في السكون فاذهب إلى البرية”.
“فإن كان الله هكذا أمر، أن نفر من الكل، وهكذا أحب السكون ومن يثبت فيه، فمن هو الذي يتعلل لكي يدوم في المفاوضة والقرب من الناس؟!”.
“وإن كان لأنطونيوس وأرسانيوس ينفع الاحتراس والانفراد، فكم بالأكثر ينفع ذلك الضعفاء”.
“وإن جاء أحد إلى الوسط بقول بولس الرسول: (أنا أطلب من أكون محرومًا من المسيح بدلاً من إخوتي”. وما يلحق ذلك، فالذي أخذ قوة بولس، فليعمل أعمال بولس... كما أن بولس كان يشهد أنه لم يكن يفعل ذلك بهواه، بل إنه” اضطرار موضوع على”. ولذا كان يقول: “ويلي إن لم أكرز كذلك فإن اختيار بولس لم يكن لعمل السكون، وإنما لينادي للمسكونة. وقوة عظيمة أعطيت له”.
عدم الخلطة بالعلمانيين، وخاصة الأقرباء:
“إن الشيطان إذا نظر المتوحد قد أعد نفسه للجهاد مقابله، عند ذلك بكل سبب يحتال أن يربط عقله بالعلمانيين. لأنه ما يعرف فخًا أقوى من هذا يعده له. ومن هنا يمكنه كل وقت أن يخضعه بسهولة في ثلاثة آلام كبار الحسد والغضب والزنا”. “إن مفاوضة العلمانيين تجعل في النفس الهاجر لهم لأجل عمل الله اختلاطًا”.
” ولا يستطيع الإنسان أن يكون بمفاوضة الله ومفاوضة الناس. ولا أن يكون قريبًا من أهله الجسدانيين ويقدر أن يدنو إلى شيء من الروحيات، فإن الغربة توافقنا جدًا”.
عدم الخلطة بالإخوة المنحلين:
قال مار أوغريس: “إن الشيوخ العمالين في المجمع يثير عليهم الشياطين الإخوة المنحلين”.
فإن بولس الرسول:” لا تطفئوا الروح”، بماذا نطفئ الروح إلا بالاهتمام بالجسدانيات، واهمال الهذيذ في أمور الله، وبالسماعات الدائمة للكلام الفارغ”.
“امض نم في البطالة أو طف باطلًا في الجبل أنت وحدك، ولا تذكر سماع شيء من هذا. ولا تعود ذاتك القرب والدنو من المعتادين إياه. وعند ذلك تعرف كم تنفع البطالة مع الوحدة أكثر من السماعات الباطلة”.
“لا تتنازل مع المتراخين. والا صيرت نفسك في الدرجة السفلى”.
“لا تكن صديقًا لمحب الضحك والمؤثر أن يهتك الناس ويشهر بهم لأنه يقودك إلى اعتياد الاسترخاء. لا تظهر بشاشة في وجهك للمنحل في سيرته، وتحفظ من أن تبغضه. وإن أراد النهوض فآزره واهتم به إلى الموت”. “عبس وجهك لدى من يبتدئ أن يقع في أخيك قدامك فإنك إذا فعلت هذا تكون متحفظاً عند الله تعالى وعنده”.
عدم الخلطة برهبان من غير طقسك:
“حذر الآباء الذين هم لابسون اسكيمك وليسوا هم مشاركيك في السيرة والتدبير، لا تتفاوض معهم. لإنهم يعوقونك عن مسيرك وتبرد حرارتك ويتخلف جريك. وهم ليسوا يلامون لأجل أنهم سائرون في طريق أخرى إلى الملكوت في شكل الرهبنة”.
“ونتهاون أيضًا عن المفاضة مع إخوتنا – ليس استخفافًا وازدراء بهم، ولا لأنهم ليسوا أفضل منا – لأننا كل وقت نستعين بصلواتهم. بل لأننا بالمداومة مع الناس نعدم التنعم مع سيدنا”.
“الذي لا يشابه غرض ضميرك تجنبه بسلام ومعرفة ولا تعاشره. لأن الماء الذي في العلو بسهولة ينزل إلى أسفل. وأما الذي من أسفل فهو بعد جهد يصعد. لأنك عندما ترفعه إلى فوق ينحدر سريعًا إلى أسفل”.
“لا تستجز احضار أصدقاء إلى قلايتك جرياً على المألوف، ولا بقصد الفضيلة أيضًا، بل المماثلين إياك والمساوين لك في الطرائق والأغراض والفهم”. “فإن كانت ملاقاة أهل زيه – أعنى الرهبان – تؤذى من هو قائم بعد في الجهاد وله حرب مع خصمه، إذا لم يكونوا موافقين قصده ولا سائرين في طريقه – ففي أية حفرة يسقط وكيف يخلص من شماتة الأعداء إذا نظر العوام؟!”
البعد عن الخلطة حتى بالفكر:
“لأجل المداومة على تذكار الله، ونسيان كل فكر، قال يوحنا التبايسي: ينبغي للذي يجلس في السكون أن لا يكون عنده ذكر إنسان أبدًا في قلايته”. ” ويتحيل ألا يهدس الضمير داخله مع أحد بالكلية، ولا بذكر الأصدقاء ولا الأقارب، بل يمسك حبه بمودة، بلا تمييز واحد عن الآخر. ويهدئ قلبه”.
“احذر من اختلاط المفاوضة النفسية، التي عن شأنها أن تتحرك كرهًا بالخفاء من غير أن نشاء نحن”.
مع من تتحدث وتختلط؟ ومتى وكيف؟
“يتقوى الضمير جداً بالسماعات النافعة وبنظر الفكر في أعمال القديسين”. “فإن طرقك أحد الآباء الكبار أو غريب متعب فجلوسك معه يحسب صلاة لك”. “إن محبة القريب لحسنة وممدوحة إذا لم يصرفنا الاهتمام بها عن محبة الله تعالى. وإن محادثة الأخوة الروحانيين لشيء عذب إن نحن قدرنا أن نحفظ معها محادثة الله سبحانه”.
“أمرنا الآباء أنه ليست توافقنا ملاقاة كثيرين. إلى أن نصطبغ بالصلاح بالكلية، وتحل علينا قوة السكون”.
مضار الخلطة:
“المحادثة مع كثيرين تعوق الحزن الذي من أجل الله ذلك المتحرك فينا من الإفراز الطبيعي ومن النعمة”.” الحركات الحارة التي تحركت فيك وقت مذاقتك حلاوة الله بالاشتغال الحار في الأشياء التي من أجله، ترجع بعد فتجدها قد بردت وعدمت مذاقتها داخل نفسك، بهذيذ مفاوضة إنسان دب لك من مكان أو لأنك أكرمت العمل الجسداني أكثر منها”.
“لماذا تشتت تلك اليقظة والحرارة التي اقتنيتها وتضيع ربحك بالمحادثات مع الناس…”
“وإن كان لقاء قليل أو نظر الناس فقط، يحدث خسرانا هذه صفته وهذا مقداره! ومفاوضة ساعة صغيرة تصنع هذا الفساد كله في المتوحد المتحفظ! فماذا نقول في اللقاء المتصل المتواتر والإدمان على هذه الأمور المتوفرة؟!
“ما دامت خلطتك كثيرة فأفكارك تائهة”.” وحسبما يختلط الجسد، كذلك يختلط العقل”.
“المتوحد المرتبط بواحد أو بكثيرين لا بد له أن يتحرك معهم ويحزن ويفرح. مثل أغصان الشجر التي يحرك بعضها بعضاً ولا يأتي إلى قدام بالله”. ” المتوحد الذي يزرع في قلبه زرع روحاني ويؤتمن على كنز، ولا يجعل ذاته أخرس وأصم عن جميع المفاوضات البشرية والأفعال العالمية والاهتمام بالأشياء المرئية، فهو يضيع الوديعة التي عنده”.
“الاتكال على البشر يمنع كلية الاتكال على الله المسيح. والعزاء الظاهر يمنع العزاء الخفي… وهكذا حسبما يكون الراهب منفرداً مستوحشاً يخدم من العناية الإلهية ومن الملائكة والقديسين”.
- مقال لنيافة الأنبا شنوده أسقف التعليم – مجلة الكرازة السنة الثالثة –العددان الخامس والسادس – يونيو ويوليو 1967



