كيف تكسب الطفل

كيف تكسب الطفل[1]
بمناسبة عيــد الطفولة:
كيف تكسب الطفل؟
بالعطايا، والمحبة، وإشعاره بالاهتمام به، وبمحبته، واحترامه، والنزول إلى مستواه.
وسائل تصلح للكبار أيضًا.
بمناسبة عيد الطفل، نود أن نتحدث عن كيف نعامل الأطفال، وكيف نكسب محبتهم. وإن عرفنا ذلك، سنعرف أيضًا كيف نعامل الكبار ونكسبهم، إذ أن كثيرًا من الوسائل مشتركة، وكثير من الكبار لهم نفس بساطة الأطفال.
ما هي إذن نفسية الطفل؟
وكيف تكسب محبته وصداقته؟
وكيف تقوده في طريق الله؟
1- أول وسيلة لكسب الطفل هي العطاء…
ولعلنا نلاحظ أن الأم هي أول كائن يحبه الطفل. وواضح أن الأم بالنسبة إليه تتركز فيها صفة العطاء: تعطيه من ثدييها طعامًا، وتعطيه من صدرها دفئًا، وتعطيه من مناغاتها حنانًا وعطفًا وحبًا. وتعطيه باستمرار في حياته رعاية واهتمامًا ومعونة في كل شيء… وتعطيه كل احتياجاته.
كذلك إن أردت أن يحبك الأطفال، كن كثير العطايا وكثير الهدايا.
سواء من الحلوى، أو من اللعب، أو من الصور والصلبان والأيقونات. ولا يكفي مجرد الحب النظري.
البعض يظن أن الاهتمام الروحي بالطفل، هو أنك تراجع عليه حفظ الصلوات والألحان كلما تقابله. وقد يكون لهذا تأثير عكسي، فيخافك الطفل، وينظر إليك كمجرد مدرس أو مفتش…
ابدأ معه بالحب، وبالهدايا. فإن أحبك، يأتي ذلك العمل الروحي بعد ذلك، فيجد الطريق مفروشًا أمامه بالحب…
إن العطاء تستطيع أن تكسب به الكبار أيضًا، وليس فقط الصغار.
الخطيبة مثلًا، كلما يزورها خطيبها ومعه هدية، مهما صغرت، تنظر إليها كتعبير عن الحب… وأصدقاؤنا تترك هدايانا فيهم أثرًا عميقًا. إنها تعبير عملي.
لا تؤاخذوني، إذا قلت: حتى الله نفسه…! فالكتاب يقول: “لاَ يَظْهَرُوا أَمَامِي فَارِغِينَ” (خر23: 15)، وعن العطاء الذي نقدمه للفقراء وللصغار، قال الرب: “بِمَا أَنَّكُمْ فَعَلْتُمُوهُ بِأَحَدِ إِخْوَتِي هَؤُلاَءِ الأَصَاغِرِ فَبِي فَعَلْتُمْ” (مت25: 40).
وليس العطاء مقصورًا على الماديات فقط وإنما اعط أيضًا حنانًا وتشجيعًا.
2- الحنان والتشجيع:
اعط الطفل حبًا وعطفًا. اعطه كلمة حب، ولمسة حب، وضمة حب… وهو يفهمها تمامًا ويقدرها، ويعرف مقدار صدقها. لأنه يفهم ملامحك ونظراتك أكثر مما يفهم ألفاظك.
النظرة القاسية تجعلك تخسر الطفل، مهما قدمت له قبلًا من هدايا… وكثرة التوبيخ والانتهار تفقدك محبته، وكذلك كل معاملة شديدة…
الطفل يريد الحنان، ويبحث عنه، ويحبه. ومحبته لأمه انغرست في أعماقه، لأنها أول من أعطاه الحنان. وأول من لمس صدق حبه.
والتشجيع هو أيضًا من مظاهر الحب وعلاماته، وتدخل فيه كلمات المديح.
الطفل يحب من يمدحه ويعتبره صديقًا، ويرى مديحه دليلًا على محبته. لأن الطفل بطبيعته يصدق الناس، ولا يشك في أنهم يعنون ما يقولون… والكبير أيضًا يحب المديح، وقد تكسبه بكلمات المديح، ما لم يشك في صدقها وإخلاصها، كأن تكون مجرد كلمات مجاملة أو ملق…
أما الطفل فيصدق كل شيء…
وبالاضافة إلى هذا هو يحتاج بحكم سنه إلى التشجيع والمديح، فبهما يحكم على سلامة تصرفه.
الكبير – لنموه في المعرفة – يدرك الصواب من الخطأ. أما الصغير فلقلة إدراكه، ولقلة خبرته، يطمئن على صواب سلوكه من مديح الناس له. ويشجعه المديح على الاستمرار في عمل الخير، بينما الانتقاد يصده.
والذي يحتقر انجازات الطفل، أو يستصغرها، أو يتجاهلها، أو يبكته على ضعف مستواها، إنما يحطم نفسية الطفل، ويفقده الثقة بذاته، ويعقده، ويربكه، فلا يعلم ماذا ينبغي أن يفعل.
وقد يعمل الطفل أعمالًا بعضها خطأ، وبعضها صواب. فالواجب أن تمدح الصواب وتركز عليه، وتشجعه…
المشكلة التي تواجه الطفل هنا، أن الكبار يتجاهلون أعماله الطيبة لأنها صغيرة في نظرهم. ويركزون على أخطائه، فيشبعونه توبيخًا، ويسيئون إلى مشاعره الغضة. وليس هذا عدلًا.
والمشكلة الأخرى أن الكبار يقيسون أعمال الطفل بمقاييسهم هم! ناسين قول الرسول: “لَمَّا كُنْتُ طِفْلًا كَطِفْلٍ كُنْتُ أَتَكَلَّمُ… وَكَطِفْلٍ كُنْتُ أَفْتَكِرُ. وَلَكِنْ لَمَّا صِرْتُ رَجُلًا أَبْطَلْتُ مَا لِلطِّفْلِ” (1كو13: 11).
والمديح للطفل، ليس لذاته فقط، إنما أيضًا لكل ما يخصه.
فالطفل يفرح جدًا. إذا مدحت قميصه الملون. أو حذاءه الجديد. أو شيئًا من ملابسه أو كتبه أو لعبه… ويعتبر كل هذا إعجابًا بشخصه هو…
وبالعكس يتضايق إذا تجاهلت شيئًا من هذا. وقد ينبهك إليه بقوله: “شايف جزمتي الحلوة؟” فينبغي أن ترى من تلقاء ذاتك. بدلًا من لفت نظرك بسؤال. لتقول كلمة المديح المطلوبة…
3- ومن مظاهر المديح: الدفاع.
إنك تكسب محبة الطفل. إن رأيت الكبار يشتكونه ويتهمونه. ووقفت أنت تدافع عنه. وترد على اتهاماتهم التي لا يستطيع هو أن يرد عليها. بسبب الخوف أو ضعف الحجة…
دفاعك عنه. يعتبره حبًا. ولا ينساه لك. بل يحفظ لك هذا الجميل. وليس هذا بالنسبة إلى الصغار فقط وإنما الكبار أيضًا… بدفاعك عنهم تكسب محبتهم…
4- هناك وسيلة أخرى تكسب بها محبة الطفل وهي: النزول إلى مستواه…
كثيرًا ما يتعب الطفل. إن الكبار يعيشون في أبراجهم العاجية. ولا ينزلون إلى مستوى الأطفال…!
لذلك يفرحه جدًا. أن يكلمه أحد الكبار بكلام في مستوى عقليته. أو يداعبه بالطريقة التي تناسب الأطفال. أو يشترك معه في لعبة أو في تسلية، حتى في الهدايا. يعطيه ما يناسبه وما يرى أنه يُفَرِّح مستواه…
الطفل لا يعجبه أن تهديه كتابًا أو تمثالًا. ويعجبه أن تهديه لعبة. ولكن ليس أية لعبة. فهو يفضل ما يتحرك. وما يُحدِث صوتًا. أما الجامد الصامت فلا يشوقه. كذلك أنت لا تعجبه إن كنت جامدًا صامتًا. ويُسر بك إن كانت لك حركة. أو كنت تُحدِث صوتًا…!
5- ومما يُكسِبُكَ محبة الطفل: الاهتمام به.
قد تزور بيتًا. وتجلس مع الكبار فقط وتتحدث إليهم. وتنسى الأطفال. ولكن الذي يحبه الأطفال. هو الذي لا ينساهم. بل يشعرهم باهتمامه… في الحديث إليهم. وفي تسليتهم. وفي إعطائهم هدايا. وفي أخذهم إلى جواره واحتضانهم. وفي إشعارهم بأنهم موضع محبته وسؤاله. بل هم من أسباب زيارته. وهو لا يسأل عنهم فقط. بل يطمئن على كل ما يحيط بهم…
6- كذلك تكسب محبة الطفل: باحترامه.
أقصد تكلمه باستمرار كلمة طيبة. لا تجرح شعوره. ولا تستهزئ به. ولا تحرجه بسؤال عن شيء فوق مستواه فيخجل أمام الناس. كذلك لا تبكته أمام الغير وتشرح أخطاءه أمامهم. ولا تشعره بضعفه. بل ليتك تشعره بانهزامك أمامه. كما فرح يعقوب بأنه جاهد مع الله وغلب.
والأفضل أنك تناديه باسمه. أو باسم التدليل. أو باسم مقرونًا بكلمة محبة أو كلمة تقدير. ولا تستعمل باستمرار كلمة “يا ولد” بأسلوب حاد أو فيه نبرة قاسية. ولا تشتمه. ولا تتهكم عليه. كل هذه أمور تجعلك تخسره…
7- هناك أمور أخرى تستطيع بها كسب الطفل منها: المرح.
إن الأسلوب الجاد الحازم. الذي يعيش فيه بعض الكبار باستمرار. قد يخيف الطفل. وهو لا يحبه. لأنهم يحيطون أنفسهم دائمًا بمهابة فوق مستواه.
ولكن الطفل يحب من يُضحِكَهُ ويفرحه، لذلك فإن الذين يتمتعون بروح مرحة. يمكنهم أن يكسبوا محبة الأطفال. بل يشتاق الأطفال إلى رؤيتهم والتحدث إليهم. والذين يتصفون بالمرح. لا يعيشون أبدًا في أبراج عاجية. ونفس الشعبية التي تكون لهم عند الأطفال. تكون لهم أيضًا عند باقي الناس.
8- كذلك تكسب الطفل: بالتسلية.
الطفل يحب الحكايات. يحب أن يسمع قصة جديدة. لأن الحكايات تُطلِعَهُ على دنيا جديدة. وتزيد معلوماته وخبراته وتُسليه. والذين يحفظون الكثير من القصص. ويحسنون روايتها بأسلوب مشوق. هؤلاء يحبهم الأطفال جدًا. ويزدحمون حولهم. ويتركون كل لعبهم ليجلسوا حولهم. يسمعون قصة جديدة. وما أن تنتهي حتى يطلبون سماع قصة أخرى…
وكما يحب الأطفال الحكايات يحبون بالأكثر الخيال والغرائب…
فالذي يعرف قصصًا تتصف بالخيال وفيها أشياء غريبة. هذا يمكنه أن يشوق الأطفال… وفي هذا المجال تدخل قصص الحيوانات والطيور. لأنها تشبع خيال الطفل…
إن كسب الأطفال إذن يحتاج إلى مواهب وإلى معرفة ومقدرات…
ولا شك أن تدريس طفل الروضة والسنوات الأولى من التعليم الابتدائي هو أصعب بكثير من تدريس طالب الجامعة الذي تناسبه محاضرة. يفهمها متى يشاء وكيفما يشاء. وربما يعتمد فيها على جهده لا على جهد المحاضر.
أما بالنسبة إلى الطفل. فالجهدان لا بد أن يجتمعا معًا في المتكلم…
كذلك الطفل لا يتميز بالتركيز. وجذبه للتركيز يحتاج إلى فن ومهارة…
والذي يملك هذه المقدرة. يحبه الأطفال. والذي يستطيع أن يكسب الطفل بكل هذه المواهب. يمكنه أن يكتسب الكبار بنفس المواهب…
والطفل تعجبه المثالية…
إن رآك تمثل البطولة أو المثالية التي يحبها. فإنه يحترمك ويحبك… وإن وجدك تشبع رغباته. يحبك…
لذلك فتربية الأطفال تحتاج إلى مواهب. ومن هنا كان الزواج مسئولية.
هل كل الأزواج يفهمون نفسية الطفل. وطرق تربيته. والوسائل العملية لكسبه؟ وهل كلهم عندهم الروح الطيبة والاحتمال لكي يحتملوا الأطفال ويكسبوهم؟
أم أن ضيق الحيلة والعجز عن التصرف مع الطفل يدفع إلى الغضب والعقاب؟!
وهكذا نخسر الطفل. ويكون العيب في قلة مقدرتنا قبل كل شيء…
إننا إن أحببنا الطفل. نستطيع بسهولة أن نقوده إلى محبة الله…
[1] مقال: قداسة البابا شنوده الثالث “كيف تكسب الطفل؟”، وطني 21 ديسمبر1980م.



