كيف تحب الله؟

يتحدث قداسة البابا شنوده الثالث في هذه العظة عن الوصية العظمى التي قالها الرب: “تحب الرب إلهك من كل قلبك، ومن كل نفسك، ومن كل فكرك، ومن كل قدرتك.” ويشرح أن محبة الله ليست حفظ وصايا فقط، بل هي علاقة حية تنبع من القلب، إذ يقول الكتاب: “يا ابني، أعطني قلبك.” فالمحبة الحقيقية لله هي اشتياق دائم، وانشغال مستمر بالله في الفكر والقلب والعمل.
🔸 أولاً: محبة الله ليست شكلاً بل حياة
الله لا يطلب من الإنسان حفظ الوصايا كواجب جامد، بل يطلب قلبًا محبًا. فالمحبة هي التي تجعل الطاعة فرحًا، والخدمة لذة، والوصية طريقًا إلى الفرح. يقول البابا: إن الذي يحب الله بحق لا ينشغل بغيره، لأن المحبة الكاملة تطرد الاهتمامات الأرضية.
🔸 ثانيًا: كيف تنشغل بالله؟
لكي تحب الله، يجب أن تنشغل به، أي أن تخصص له وقتًا من فكرك وقلبك. فكر فيه، تحدث معه، وتحدث عنه. كما تفكر في من تحب على الأرض، فكم بالحري تفكر في الله الذي أحبك حتى المنتهى. كن دائم الذكر لله، لأن كل لحظة تمر وأنت تفكر فيه، تزداد محبتك له.
🔸 ثالثًا: اشرك الله في كل عملك
علمنا البابا أن المحبة تنمو حين نشرك الله في كل تفاصيل حياتنا: في العمل، والدراسة، والقرارات اليومية. قبل أن تبدأ أي أمر، قل: “يا رب، كن معي في هذا.” وعندما تنجح، قل: “رأيت يدك في هذا.” وهكذا يتحول كل عمل إلى شركة مع الله، وكل نجاح إلى تسبيح له.
🔸 رابعًا: تذكر إحسانات الله
تذكر إحسانات الله في حياتك يجعلك تحبه أكثر. اشكره على وجودك، على ستره، على عطاياه، وعلى الفداء العظيم الذي قدمه لأجلك. يقول البابا: “من ينسى إحسانات الله لا يستطيع أن يحبه.” فالمحب الحقيقي هو من يعيش حياة الشكر والاعتراف بالجميل.
🔸 خامسًا: التأمل في صفات الله
التأمل في صفات الله الجميلة – محبته، رحمته، احتماله، جماله، قدرته – يجعل القلب يشتعل حبًا له. حتى التأمل في الطبيعة يقود إلى الله، فكل زهرة ونسمة وسماء هي إعلان عن مجده. كما قال داود النبي: “السماوات تحدّث بمجد الله.”
🔸 سادسًا: صلِّ بمحبة لا بروتين
الصلاة ليست واجبًا، بل لقاء حب. تحدث مع الله كمن يكلم حبيبه: بصراحة، وصدق، وشوق. قل له: “أعطني يا رب أن أحبك.” “امنع عني كل ما يعطل محبتي لك.” فالصلاة العاطفية، الممتلئة بالمشاعر الصادقة، تفتح القلب لمحبة الله.
🔸 سابعًا: ارفض محبة العالم
لا يمكن أن يجتمع حب الله مع حب العالم. يقول الكتاب: “محبة العالم عداوة لله.” فكلما تخليت عن شهوة أرضية، امتلأ قلبك بحب سماوي. المحبة الحقيقية تحتاج تجردًا، وتوبة دائمة، ورغبة في النقاء، لأن القلب المزدحم لا يسع الله.
🔸 ثامنًا: تأمل في سير القديسين
تأمل حياة القديسين يشعل القلب بمحبة الله، لأنهم أحبوه أكثر من العالم والنفس. من تأمل حياة إبراهيم، وموسى، والأنبا أنطونيوس، يدرك كيف وصلوا إلى درجة الصداقة مع الله. قراءة سيرهم تجعلنا نشتاق إلى نفس العلاقة الحميمة التي جمعتهم بالله.
🔸 خلاصة البابا الروحية
محبة الله ليست مجرد شعور، بل حياة ممتلئة حضورًا إلهيًا وشكرًا دائمًا. تبدأ بالانشغال بالله، وتنمو بالتوبة والصلاة والتأمل، وتكتمل حين يتحول كل ما فيك إلى حب لله وحده، فتستطيع أن تقول مع داود: “من لي في السماء؟ ومعك لا أريد شيئًا على الأرض.”


