في الخدمة

في الخدمة[1]
تحدث الرسول عن المواهب المتنوعة، حسبما قسم الله لكل واحد مقدارًا من الإيمان، فقال: “أَنُبُوَّةٌ فَبِالنِّسْبَةِ إِلَى الإِيمَانِ. أَمْ خِدْمَةٌ فَفِي الْخِدْمَةِ أَمِ الْمُعَلِّمُ فَفِي التَّعْلِيمِ” (رو12: 6، 7).
ونود اليوم أن نتأمل في موضوع الخدمة.
في الخدمة
لما تكلم الرب عن المواهب التي تعطى في الإيمان…
جعل الخدمة في مقدمة هذه المواهب، ليرينا بذلك أهميتها:
ربنا يسوع المسيح نفسه، قال عن ذاته: “أَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ أَيْضًا لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ” (مر10: 45). فإن كان السيد المسيح قد جاء ليَخدم، فماذا نقول نحن، وأية كرامة تكون للخدمة إذًا؟ إن كان السيد المسيح أخذ شكل العبد ليَخدم البشرية، فماذا يفعل البشر؟
وكما جاء المسيح ليخدم. هكذا رسله أيضًا كانوا خدامًا…
سواء من جهة الخدمة الروحية، أو الخدمة الاجتماعية…
من الناحية الروحية، قالوا عن أنفسهم لما أقاموا الشمامسة السبعة: “أَمَّا نَحْنُ فَنُواظِبُ عَلَى الصَّلاَةِ وَخِدْمَةِ الْكَلِمَةِ” (أع6: 4).
ويقول القديس بولس عن هذه الخدمة الروحية: “وَأَعْطَانَا خِدْمَةَ الْمُصَالَحَةِ… نَسْعَى كَسُفَرَاءَ عَنِ الْمَسِيحِ، كَأَنَّ اللهَ يَعِظُ بِنَا. نَطْلُبُ عَنِ الْمَسِيحِ: تَصَالَحُوا مَعَ اللهِ” (2كو5: 18، 20). ويقول لتلميذه تيموثاؤس: “اعْمَلْ عَمَلَ الْمُبَشِّرِ. تَمِّمْ خِدْمَتَكَ” (2تي4: 5). وفي هذه الخدمة، قال عن القديس مرقس إنه “نَافِعٌ لِي لِلْخِدْمَةِ” (2تي4: 11).
أما من جهة الخدمة الأخرى، فيقول القديس بولس أيضًا:
“أَنَّ حَاجَاتِي وَحَاجَاتِ الَّذِينَ مَعِي خَدَمَتْهَا هَاتَانِ الْيَدَانِ” (أع20: 34)، ويمدح العبرانيين فيقول: “لأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَالِمٍ حَتَّى يَنْسَى عَمَلَكُمْ وَتَعَبَ الْمَحَبَّةِ… إِذْ قَدْ خَدَمْتُمُ الْقِدِّيسِينَ وَتَخْدِمُونَهُمْ” (عب6: 10).
إن الآباء لم تكن لهم روح السيطرة، بل روح الخدمة.
كانوا يخدمون الناس، ويبذلون أنفسهم عنهم. وفي الكهنوت. كان كل من يرسم على كنيسة، يعتبر نفسه خادمًا لهذه الكنيسة. يخدم السرائر المقدسة، ويخدم الله، والشعب…
إن القديس أوغسطينوس أسقف هبو، لما صلى لأجل شعبه، قال: “أطلب إليك يا رب، من أجل سادتي، عبيدك”. فاعتبر أن أفراد هذا الشعب، الذي يخدمه كأسقف، هم سادته.
ولم تكن كلمة (خادم) مجرد لقب، وإنما حقيقة واقعة.
وكان الآباء يتعبون في هذه الخدمة، إلى آخر نسمة…
“بِأَسْفَارٍ مِرَارًا كَثِيرَةً… فِي جُوعٍ وَعَطَشٍ… فِي بَرْدٍ وَعُرْيٍ… فِي تَعَبٍ وَكَدٍّ… فِي أَسْهَارٍ… فِي أَصْوَامٍ” (2كو11: 26، 27)، “يَسْهَرُونَ لأَجْلِ نُفُوسِكُمْ كَأَنَّهُمْ سَوْفَ يُعْطُونَ حِسَابًا” (عب13: 17) كانوا مثل الشموع، التي تذوب، لكي تعطي نورًا للآخرين…
وما أجمل قول الشيخ الروحاني في الخدمة: “في كل موضع مضيت إليه، كن صغير إخوتك وخديمهم”…
إن نزعة العظمة، ليست دليلًا على القوة، بل هي حرب.
أما القوي، فهو الذي يدرب نفسه، على أن يكون خادمًا.
القديس الأنبا صرابامون أبو طرحة، كان وهو أسقف، يحمل الطعام إلى بيوت الفقراء، في الليل في الخفاء، ويقرع أبوابهم، ويترك ما يحمله أمام الباب ويمضي، وهو سعيد بخدمته.
والأنبا موسى الأسود، كان يحمل الماء إلى قلالي الرهبان.
والقديس بفنوتيوس، كان يدرب ذاته على أن يقوم في الدير بالخدمات الحقيرة التي لا يقبل عليها الكثيرون، مثل تنظيف دورات المياه وكنس الدير، وحمل القاذورات خارجًا، وسائر عمليات التنظيف…
والآباء كانوا يقومون بهذه الخدمات في فرح، بلا تذمر…
بل كانوا يتطوعون لهذه الخدمة، دون أن يطلبها منهم أحد… وكانوا يقومون بها بكل تواضع قلب، سعداء بخدمة إخوتهم.
قديس يرى رجلًا مجذومًا، فيحمله إلى قلايته، ويخدمه وينفق عليه مدة ثلاثة أشهر، لكي ينال بركة خدمته.
وما أكثر الآباء، الذين بصبر كثير، فرّغوا أنفسهم فترات طويلة لخدمة المرضى، وخدمة الشيوخ، كما فعل يوحنا القصير، مع أبيه الشيخ الأنبا بموا، في احتمال عجيب، حتى تنيح بسلام، ونال بركته. وقال عنه الأنبا بموا: “هذا ملاك لا إنسان”.
وكان الآباء، إن رأوا أحدًا مرهقًا في عمل، يمدون أيديهم في محبة، ليحملوا العبء عنه، كما قال الرب: “تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ وَأَنَا أُرِيحُكُمْ” (مت11: 28).
وفي الخدمة نراعي أمرين: محبة الخدمة، وروح الخدمة:
فمن جهة محبة الخدمة، يحب الشخص أن يعين كل من هو في حاجة، ولا يستطيع أن يقوم بنفسه. ومع محبة القلب لكل المحتاجين والاستعداد لمعونتهم، قد يوجد تخصص في الخدمة:
فهناك من يجد لذة في خدمة الأيتام بالذات، وإعطائهم ما فقدوه من حنان الأبوة أو الأمومة. وهناك من يجد لذة في خدمة المرضى، أو العجائز، أو المسنين، أو أطفال الحضانة، أو المستورين، أو العائلات الفقيرة، أو الطلبة المتغربين، أو الفتيات المعرضات للضياع أو للانحراف…
ومحبة الخدمة تلازمه في بيته وفي عمله، وفي كل مكان.
إن جلس على المائدة ليأكل، يطمئن أن الجالسين معه لا ينقصهم شيء، فيحضر لهذا كوب ماء، ويقرب من ذاك الملح أو الخبز. وإذا انتهى الطعام يساعد في ترتيب المائدة وحمل الأواني، ولا يتركها ثقلًا على الوالدة أو الأخت أو الزوجة.
كذلك إن قام من فراشه، يرتبه. وإن خلع ملابسه، لا يتركها مبعثرة هنا وهناك في انتظار من يجمعها.
لأن هناك من له خطأ مزدوج: فهو من ناحية لا يخدم غيره. ومن ناحية أخرى يترك نفسه ثقلًا على الآخرين ليخدموه.
والخادم الحقيقي إنسان حساس نحو احتياجات الناس: يجلس ويدرس ويتأمل، ماذا يحتاج إليه الغير، وكيف يدبر لهم احتياجاتهم.
وهذا أيضًا هو عمل الراعي النشيط والخادم الروحي الناجح، الذي يدرس ما يحتاج إليه الناس، ويدبر المشروعات والأنشطة التي تفي بكافة احتياجاتهم روحية ومادية، دون أن يطلبوا منه ذلك.
كثير منا من ينتقدون الآخرين، وقليلون من يهتمون بإصلاحهم.
النقد سهل يستطيعه كل أحد. ولكن إصلاح هؤلاء المخطئين، هو العمل الروحي، المملوء من المحبة العملية، النافع للملكوت، لأنه “لاَ يَحْتَاجُ الأَصِحَّاءُ إِلَى طَبِيبٍ بَلِ الْمَرْضَى” (مت12:9، مر2: 17، لو5: 31).
سهل أن تطرد ولدًا شاذًا من فصلك. والمطلوب إصلاحه.
ولا شك أنها خدمة عميقة ولازمة، أن يتفرغ البعض لخدمة الأطفال والطلبة الشواذ. ما أعظم أجر هذه الخدمة عند اللّه!
ما أجمل أن تخدم الأماكن التي لا يوجد فيها اسم المسيح على الإطلاق، أو أن تخدم الذين يسخرون من الدين والتدين! أو الذين لم يخدموا الكنيسة قبلًا ولا يريدون…
غالبية الخدام يبحثون عن الخدمة السهلة المعدة، وأن يدخلوا على ما لم يتعبوا فيه، ويبنوا على أساس وضعه آخر…
أما المجاهدون الكبار، فهم الذين يتعبون في تأسيس خدمات غير موجودة، ولا مانع أن يدخل خدام آخرون على تعبهم… فهكذا فعل السيد المسيح، وترك لنا مثالًا لنعمل.
قال الرب: “الْحَصَادُ كَثِيرٌ وَلَكِنَّ الْفَعَلَةَ قَلِيلُونَ. فَاطْلُبُوا مِنْ رَبِّ الْحَصَادِ أَنْ يُرْسِلَ فَعَلَةً إِلَى حَصَادِهِ” (مت9: 38، لو10: 2). وفي كل مكان نجد هذا الاحتياج.
ولكن العجيب، أنه على الرغم من احتياج الخدمة، نجد خدامًا يتشاجرون ويتنافسون في مكان للخدمة، تاركين ميادين عديدة غير مخدومة.
في تشاجرهم وتنافسهم، لا يعطون مثالًا عن روحانية الخدمة، بل يكونون عثرة، إذ يفقدون روح المحبة والتعاون وإنكار الذات، وفي نفس الوقت توجد مجالات عديدة تستوعب كل طاقة مستعدة للخدمة، وهم يتجاهلونها، من أجل محبتهم لمكان أو وضع بالذات، دون محبة النفس البشرية أينما كان موضعها…!
إننا لو أحببنا النفوس المحتاجة في كل مكان، ما تنافسنا مطلقًا على خدمة. فالميادين واسعة. والخدمة بذل وليست تنافس.
الذي يتنافس في الخدمة، إنما تهمه ذاته وليس الخدمة.
فإن كانت الخدمة تشغل كل قلبه، فإنه يعمل على نجاحها بأية الطرق، وعلى يد أي شخص غيره. فالمهم نجاح الخدمة.
والذي يحب الخدمة، لا يشكو إن ثقلت أعباؤها عليه.
بل هو على العكس يفرح بنمو الخدمة، ويجد لذة في أن يحمل أثقال الناس، كما حمل المسيح أثقال العالم كله.
ولذلك فإن هذا الخادم لا يرفض أية خدمة تعرض عليه، ولا يفضل خدمة على أخرى فيقبل هذه ويرفض تلك…!
لأن هنا يبدو المزاج الخاص، وليس الاهتمام باحتياج الآخرين! إن الخدمة تتسع للجميع. كل من يريد، يجد مجالًا.
*ما أجمل أن نجد مجالًا في الخدمة للأشخاص الفاضلين الذين “يحالون إلى المعاش”، مستفيدين من وقت الفراغ الذي لهم، ومن وقار السن، ومن خبرة الحياة، ومن مواهبهم ومقدراتهم المتعددة. كما أن الخدمة تعطيهم حيوية ونشاطًا، وتشعرهم بأن رسالتهم في الحياة لم تنته، وأن الكنيسة والمجتمع لا يستغنيان عنهم. فالخدمة تستفيد منهم، وهم أيضًا يستفيدون منها.
*كذلك توجد مجالات واسعة لخدمة النساء في الكنيسة.
سواء في مدارس الأحد، أو الخدمة الاجتماعية، أو الإشراف على نظافة الكنيسة، وعلى تنظيم النساء فيها…
والمرأة يمكن أن تكرس للخدمة، وتعمل عمل الشماسة.
وفي هذا المجال يمكن أن تشرف على خدمات معينة، مثل دور الحضانة، وخدمة المشاغل، وترتيب النساء في التناول، وأثناء المعمودية. كما تخدم في افتقاد العائلات، وفي زيارة المرضى، وفي مجال العزاء، وفي الإشراف على بيوت الطالبات، وعلى بيوت المغتربات…
حقًا كما قال الرب: في بيت أبي منازل كثيرة.
ليس فقط في الأبدية، وإنما على الأرض أيضًا، يوجد منزل ومنزلة لكل أحد، في بيت الله…
[1] مقال: قداسة البابا شنوده الثالث “في الخدمة”، الكرازة 29 أغسطس 1980م.



