فرحًا مع الفرحين وبكاء مع الباكين

فرحًا مع الفرحين وبكاء مع الباكين [1]
“فَرَحًا مَعَ الْفَرِحِينَ وَبُكَاءً مَعَ الْبَاكِينَ” (رو12: 15).
إنها وصية تدخل في نطاق المشاركة الوجدانية.
فالله لا يريد الإنسان أن يكون منفصلًا في مشاعره وعواطفه عن الوسط المحيط به، وعن المجتمع الذي يعيش فيه. بل يريدنا أن نحس بإحساسات الناس، ونشعر بشعورهم، ونتجاوب معهم. على اعتبار أننا جميعًا أعضاء في جسد واحد. وكما قال الرسول: “… لِكَيْ لاَ يَكُونَ انْشِقَاقٌ فِي الْجَسَدِ بَلْ تَهْتَمُّ الأَعْضَاءُ اهْتِمَامًا وَاحِدًا بَعْضُهَا لِبَعْضٍ”
“فَإِنْ كَانَ عُضْوٌ وَاحِدٌ يَتَأَلَّمُ فَجَمِيعُ الأَعْضَاءِ تَتَأَلَّمُ مَعَهُ“.
“وَإِنْ كَانَ عُضْوٌ وَاحِدٌ يُكَرَّمُ فَجَمِيعُ الأَعْضَاءِ تَفْرَحُ مَعَهُ” (1كو12: 25، 26).
فإن دخلت شوكة في قدم إنسان، لا تستطيع الرأس أو اليد أن تقول: “وما شأني بها”. بل يتألم الإنسان كله. ومن الناحية الأخرى، إن شرب الإنسان شيئًا منعشًا، ينتعش الجسد كله… وبهذا المثال يريدنا الرب أن نكون جميعًا بشعور واحد. باعتبارنا أعضاء في جسد واحد.
طالما نحن في المجتمع، فلا ننغلق على أنفسنا، بل ننفتح على هذا المجتمع، ونشعر بمشاعره “فَرَحًا مَعَ الْفَرِحِينَ وَبُكَاءً مَعَ الْبَاكِينَ” (رو12: 15).
السيد المسيح نفسه، كان هكذا في فترة تجسده على الأرض.
حضر عرس قانا الجليل، وشارك الناس في فرحهم، بل ساعدهم على ذلك (يو2). ولما مات لعازر، ذهب مع تلاميذه ليعزي. بل فعل أكثر من هذا، إذ قيل عنه في تلك المناسبة “بَكَى يَسُوعُ” (يو11: 35). ولم يكتف بهذا، بل أقام لعازر من الموت. وتأثر لبكاء أرملة نايين لموت وحيدها. وقيل في ذلك “فَلَمَّا رَآهَا الرَّبُّ تَحَنَّنَ عَلَيْهَا وَقَالَ لَهَا: لاَ تَبْكِي.”… ثم أقام ابنها “فَدَفَعَهُ إِلَى أُمِّهِ” (لو7: 13، 15).
كان السيد مملوءًا بالمشاعر الحساسة من جهة الناس.
“جَالَ يَصْنَعُ خَيْرًا وَيَشْفِي جَمِيعَ الْمُتَسَلِّطِ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ” (أع10: 38) “وَلَمَّا رَأَى الْجُمُوعَ تَحَنَّنَ عَلَيْهِمْ إِذْ كَانُوا مُنْزَعِجِينَ وَمُنْطَرِحِينَ كَغَنَمٍ لاَ رَاعِيَ لَهَا” (مت9: 36). وكان يشفق على كل أحد. حتى أنه أشفق على المرأة الخاطئة المضبوطة في ذات الفعل، وأنقذها من راجميها، وقال لهم: “مَنْ كَانَ مِنْكُمْ بِلاَ خَطِيَّةٍ فَلْيَرْمِهَا أَوَّلًا بِحَجَرٍ!” (يو8: 7).
ولما أقام لاوي العشار وليمة، حضرها السيد واتكأ معه ومع العشارين والخطاة، ولما انتقد الفريسيون ذلك وقالوا لتلاميذه: “لِمَاذَا يَأْكُلُ مُعَلِّمُكُمْ مَعَ الْعَشَّارِينَ وَالْخُطَاةِ؟”، أجابهم الرب: “لاَ يَحْتَاجُ الأَصِحَّاءُ إِلَى طَبِيبٍ بَلِ الْمَرْضَى… لَمْ آتِ لأَدْعُوَ أَبْرَارًا بَلْ خُطَاةً إِلَى التَّوْبَةِ” (مت9: 11- 13).
وهكذا أيضًا دخل بيت زكا رئيس العشارين، وفرح لتوبته، ودخل إلى بيته، وقال: “الْيَوْمَ حَصَلَ خَلاَصٌ لِهَذَا الْبَيْتِ إِذْ هُوَ أَيْضًا ابْنُ إِبْرَاهِيمَ” (لو19: 9). ولم يبال بتذمر اليهود، لأنه دخل بيت رجل خاطئ!
كان يفرح بتوبة الخطاة، ويشاركهم فرحهم. بل قد قال:
“هَكَذَا يَكُونُ فَرَحٌ فِي السَّمَاءِ بِخَاطِئٍ وَاحِدٍ يَتُوبُ أَكْثَرَ مِنْ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ بَارًّا لاَ يَحْتَاجُونَ إِلَى تَوْبَةٍ” (لو15: 7).
السماء أيضًا تسير بمبدأ “فَرَحًا مَعَ الْفَرِحِينَ”… فإذا ما فرحت في توبتك، لا تظن أنك تفرح وحدك، بل تفرح معك أيضًا ملائكة الله في السماء.
وكما فرح الرب بهؤلاء، قيل عنه من الناحية الأخرى أنه بكى على أورشليم. وهكذا كتب في الإنجيل: “وَفِيمَا هُوَ يَقْتَرِبُ نَظَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَبَكَى عَلَيْهَا. قَائِلًا… إِنَّهُ سَتَأْتِي أَيَّامٌ وَيُحِيطُ بِكِ أَعْدَاؤُكِ… وَيُحَاصِرُونَكِ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ. وَيَهْدِمُونَكِ وَبَنِيكِ فِيكِ… لأَنَّكِ لَمْ تَعْرِفِي زَمَانَ افْتِقَادِكِ” (لو19: 41- 44).
شعور الرب هنا أكثر من عبارة “بُكَاءً مَعَ الْبَاكِينَ“. لأنه بكى حزنًا عليهم، حتى قبل أن يبكوا هم…
إننا نؤمن ليس بإله موجود في السماء فقط، إنما بإله يتمشَى معنا أيضًا على الأرض، ويشاركنا مشاعرنا في الفرح والحزن… ألم يقل الكتاب أن “اسْمَهُ عِمَّانُوئِيلَ الَّذِي تَفْسِيرُهُ: اَللهُ مَعَنَا” (مت1: 23). وهو نفسه قال: “وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ” (مت28: 20). وقيل عن مشاعره بالنسبة إلى شعبه: “فِي كُلِّ ضِيقِهِمْ تَضَايَقَ وَمَلاَكُ حَضْرَتِهِ خَلَّصَهُمْ” (إش63: 9).
ما أعجب هذا التجاوب العاطفي الذي بين الله وشعبه.
إنه لما وجد الخروف الضال، قيل أنه: “يَضَعُهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ فَرِحًا”، ودعا الأصدقاء والجيران قائلًا لهم: “افْرَحُوا مَعِي، لأَنِّي وَجَدْتُ خَرُوفِي الضَّالَّ!” (لو15: 5، 6).
حقًا يا أخي، أنك حينما تتوب، فلست تفرح وحدك بتوبتك، بل تقيم فرحًا في السماء وعلى الأرض. يفرح الله بك، وتفرح ملائكته وأرواح القديسين، وأعضاء الكنيسة كلهم، عملًا بذلك المبدأ الإلهي الكتابي “فَرَحًا مَعَ الْفَرِحِينَ”.
في سفر الرؤيا، نرى أنه لما صرخ إلى الله الشهداء الذين تحت المذبح… قال لهم: “أَنْ يَسْتَرِيحُوا زَمَانًا يَسِيرًا أَيْضًا حَتَّى يَكْمَلَ الْعَبِيدُ رُفَقَاؤُهُمْ، وَإِخْوَتُهُمْ أَيْضًا، الْعَتِيدُونَ أَنْ يُقْتَلُوا مِثْلَهُمْ” (رؤ6: 9- 11). وكأنه يقول لهم: انتظروا قليلًا أننا سنقيم الحفلة الكبرى بعد أن يكمل أخوتكم جهادهم على الأرض، الحفلة التي يشترك فيها الملائكة، وأرواح القديسين الذين انتقلوا، والذين سيأتون بعدهم من الأرض… الكل سيفرحون معهم. وسيأتون “فَرَحًا مَعَ الْفَرِحِينَ”…
في قصة الابن الضال، نرى فرحًا عامًا، قد أُقيم لعودته…
قال أبوه لعبيده: “أَخْرِجُوا الْحُلَّةَ الأُولَى وَأَلْبِسُوهُ، وَاجْعَلُوا خَاتَمًا فِي يَدِهِ، وَحِذَاءً فِي رِجْلَيْهِ، وَقَدِّمُوا الْعِجْلَ الْمُسَمَّنَ وَاذْبَحُوهُ فَنَأْكُلَ وَنَفْرَحَ، لأَنَّ ابْنِي هذَا كَانَ مَيِّتًا فَعَاشَ، وَكَانَ ضَالاًّ فَوُجِدَ” (لو15: 22- 24). الكل فرحوا معًا. الوحيد الذي لم يكن فرحًا مع الفرحين هو أخوه الكبير الذي رفض أن يدخل البيت، فخرج إليه أبوه ليقنعه، قائلًا له “كَانَ يَنْبَغِي أَنْ نَفْرَحَ وَنُسَرَّ، لأَنَّ أَخَاكَ هذَا كَانَ مَيِّتًا فَعَاشَ، وَكَانَ ضَالُا فَوُجِدَ” (لو15: 32).
حذار إذن أن تظن أنك جزيرة منفردة في المحيط، لا صلة لها بباقي الأراضي والبلدان.
لا تفصل نفسك عن الاشتراك في أفراح الناس وأحزانهم. فهم لحم من لحمك، وعظم من عظامك. وإن كنت لا تشترك في مشاعرهم، إما أن تكون منطويًا على ذاتك، أو تكون غير محب لغيرك، أو تكون أنانيًا لا تفكر إلا في نفسك فقط! وحاشا لك أن تكون هكذا… لأنك إن عشت بهذا الشكل، كيف ستكون مشاعر الناس من نحوك؟ وماذا تكون ردود فعلهم؟!
ما أجمل قصة السامري الصالح التي قدمها لنا السيد الرب:
هذا السامري رأى إنسانًا مجروحًا ملقى على الطريق ما بين حي وميت: “وَلَمَّا رَآهُ تَحَنَّنَ، فَتَقَدَّمَ وَضَمَدَ جِرَاحَاتِهِ… وَأَرْكَبَهُ عَلَى دَابَّتِهِ، وَأَتَى بِهِ إِلَى فُنْدُق وَاعْتَنَى بِهِ” (لو10: 33، 34). وأنفق عليه ماله، في الوقت الذي رآه فيه كاهن ولاوي، وجاز كل منهما مقابله دون أن يفعل شيئًا!
وهنا عبارة “بُكَاءً مَعَ الْبَاكِينَ” ترجمها السامري الصالح ترجمة عملية، تحولت بها إلى عطف وحنو وانقاذ وعطاء.
فلا يكفي أن تبكي مع الباكين، دون أن تفعل شيئًا تجلب به العزاء إلى قلوبهم… ولا تكن علاقتك بالناس مجرد مجاملات لفظية، أو زيارات تؤدي بها واجبًا. إنما يجب أن تكون مشاعرك حقيقية ومن كل القلب. وبقدر إمكانك تفعل من الناحية العملية ما يمليه عليك ضميرك.
من القصص المشهورة في هذا المجال، قصة أيوب الصديق وأصحابه:
أصحاب أيوب الثلاثة: لما سمعوا بالتجربة التي حلت به، أتوا إليه “لِيَرْثُوا لَهُ وَيُعَزُّوهُ”، “رَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ وَبَكُوا وَمَزَّقَ كُلُّ وَاحِدٍ جُبَّتَهُ وَذَرُّوا تُرَابًا فَوْقَ رُؤُوسِهِمْ نَحْوَ السَّمَاءِ. وَقَعَدُوا مَعَهُ عَلَى الأَرْضِ سَبْعَةَ أَيَّامٍ وَسَبْعَ لَيَالٍ وَلَمْ يُكَلِّمْهُ أَحَدٌ بِكَلِمَةٍ لأَنَّهُمْ رَأُوا أَنَّ كَآبَتَهُ كَانَتْ عَظِيمَةً جِدًّا” (أي2: 11- 13).
فهل انطبقت عليهم عبارة “بُكَاءً مَعَ الْبَاكِينَ”؟، أم كان ما فعلوه مجرد رد فعل مؤقت لِما رأوه من حالة أيوب التي تدعو إلى الرثاء؟ إننا نرى أنهم فيما بعد دخلوا معه في حوار جرحوا به مشاعره إلى أبعد حد، واتهموه اتهامات ظالمه، وأضافوا آلامًا نفسية إلى آلامه الجسدية. حتى قال لهم أيوب: “مُعَزُّونَ مُتْعِبُونَ كُلُّكُمْ!” (أي16: 2)، “حَتَّى مَتَى تُعَذِّبُونَ نَفْسِي وَتَسْحَقُونَنِي بِالْكَلاَمِ. هَذِهِ عَشَرَ مَرَّاتٍ أَخْزَيْتُمُونِي” (أي19: 2، 3).
لم يكن هذا “بُكَاءً مَعَ الْبَاكِينَ” بعكس أصحابه بعد التجربة.
يقول الكتاب: “فَجَاءَ إِلَيْهِ كُلُّ إِخْوَتِهِ وَكُلُّ أَخَوَاتِهِ وَكُلُّ مَعَارِفِهِ مِنْ قَبْلُ وَأَكَلُوا مَعَهُ خُبْزًا فِي بَيْتِهِ… وَرَثُوا لَهُ وَعَزُّوهُ… وَأَعْطَاهُ كُلٌّ مِنْهُمْ قَسِيطَةً وَاحِدَةً وَكُلُّ وَاحِدٍ قُرْطًا مِنْ ذَهَبٍ” (أي42: 11).
هنا محبة صادقة، ومشاركة وجدانية عملية.
هناك تنفيذ عميق لوصية الرسول في محيط العائلة.
إن نجح الابن بتفوق، تجد الأسرة كلها في فرح حقيقي، تكاد الأرض لا تسعهم، وكذلك إن حصل على وظيفة عالية أو على ترقية. ونفس المشاعر تكون عند زواج الابنة بزيجة مشرفة تسعدها. الكل يكون في فرح من عمق قلبه فوق الألفاظ… إنها مشاعر حقيقية طبيعية.
يشترك فيها أيضًا الأقارب والأصدقاء بما يقدمونه من الهدايا، أو من عبارات التهنئة، أو من الاشتراك في حفلات لكل تلك المناسبات المفرحة…
ونفس المشاركة الوجدانية تكون في مناسبات الحزن أو الضيق أو المرض، أو في المشاكل والكوارث عملًا بوصية “بُكَاءً مَعَ الْبَاكِينَ“.
هناك أشخاص لا يكتفون بإظهار مشاعرهم أثناء المشكلة، بل يساهمون بقدر طاقتهم في حلها، فالبكاء وحده لا يحل المشاكل.
مثال ذلك إبراهيم أبو الآباء، “لَمَّا سَمِعَ أَبْرَامُ أَنَّ أَخَاهُ سُبِيَ جَرَّ غِلْمَانَهُ الْمُتَمَرِّنِينَ” (تك14: 14). لم يقف عند حد البكاء على سبي لوط، بل حارب حتى أنقذه من السبي، هو وكل أهل بلدته.
إلهنا الصالح هو الذي قدم لنا المثال الصالح في أمثال هذه الأمور… مثلما فعل مع الشعب المستعبد من فرعون… وفي هذا، قال لعبده موسى: “إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ مَذَلَّةَ شَعْبِي الَّذِي فِي مِصْرَ وَسَمِعْتُ صُرَاخَهُمْ مِنْ أَجْلِ مُسَخِّرِيهِمْ. إِنِّي عَلِمْتُ أَوْجَاعَهُمْ. فَنَزَلْتُ لأُنْقِذَهُمْ” (خر3: 7، 8). وقد كان. إذ أنقذهم بيد قوية ومعجزات عجيبة… ولم يكن الأمر مجرد اشفاق، بل عمل خلاص عجيب…
يوجد صنف رديء من الناس، لا يبالي بآلام الآخرين. أما الصنف الأردأ، فهو الذي يشمت بهم في آلامهم:
إنه لا يبكي مع الباكين، بل على العكس يفرح لبكائهم!! عن هذا يقول الكتاب: “لاَ تَفْرَحْ بِسُقُوطِ عَدُوِّكَ وَلاَ يَبْتَهِجْ قَلْبُكَ إِذَا عَثَرَ. لِئَلاَّ يَرَى الرَّبُّ وَيَسُوءَ ذَلِكَ فِي عَيْنَيْهِ” (أم24: 17، 18).
إن الإنسان الذي يشمت بغيره، هو إنسان مملوء القلب بالحقد. وما أسهل أن يصيبه ما أصاب من يشمت هو به…
نكتفي بهذا الآن وللموضوع بقية…
[1] مقال: قداسة البابا شنوده الثالث “المقال السابع عشر (سلسلة رو12) – فرحًا مع الفرحين وبكاء مع الباكين”، وطني 6 سبتمبر 1998م.




