فاعلية الخدمة

فاعليـــــة الخدمـــــة[1]
هل خدمتكم لها فاعلية في نفوس المخدومين؟ وهل لها قوة وتأثير وعمق في قلوب الناس؟ هل لها ثمر روحي يتكاثر يومًا بعد يوم؟! هل لك خدمة ملتهبة، كأنها جمر نار؟ أم أن خدمتك شكلية، لها صورة التقوَى؟
هل استطاعت خدمتك أن تحدث تغييرًا جذريًا في الكنيسة؟ هل شعر بها المخدمون، وهل ظهرت ثمارها فيهم؟ هل أورقت؟ هل هي تزيد أم تنقص؟
ماذا تقول عن الخدمة التي يكون لها في الابتدائي 200 طالبًا؟ وفي الإعدادي 100، وفي الثانوي 20-30؟ والعدد يتناقص باستمرار؟
السيد المسيح أرسل رسولًا للخدمة في أقطار المسكونة كلها، ومعهم سبعون آخرون. وحسب الفكر المبني على التخطيط، لا يمكن أن يكون هذا العدد كافيًا، لدولة واحدة، فكم بالأولى العالم كله؟!
إن السيد المسيح لم يخطط بناءً على القدرة البشرية للخدام، وإنما على قدرة الروح القدس للخدمة..
وهكذا عَيَنَ 12 خادمًا، مملوئين من الروح القدس، قد لبسوا قوة من الأعالي، فاستطاعت أصواتهم أن تصل إلى أقاصي المسكونة…
اسطفانوس الشماس، كان مملوءًا من الروح القدس والحكمة.
لذلك لما وقفت أمامه ثلاثة مجامع فلسفية: “لم يقدروا أن يقاوموا الحكمة والروح الذي كان يتكلم به”.
إذن المسألة ليست في عدد الخدام، إنما في القوة والعمق والروح، في كلمة الرب الفعالة، الحية على أفواههم.
قيل عن الكنيسة في أيام الرسل: “كانت كلمة الرب تنمو، وعدد الكنائس يزداد يومًا بعد يوم، وكان الرب في كل يوم يضم إلى الكنيسة الذين يخلصون”.. الخدمة كان لها تأثير وفاعلية وقوة..
فهل خدمتك أنت أيضًا لها قوة؟
وهل لها قوة الروح في تغيير النفوس؟
الروح المعطي كلمة للمبشرين، يعظم قوة، ليتكم كخدام، تتأملون في كلمة (القوة) هذه، التي وردت في الأناجيل وفي أعمال الرسل والرسائل.
قال السيد المسيح: “الحصاد كثير والفعلة قليلون”. ولعلنا نقول: لقد كانو قليلين في أيامك يا رب. أما الآن فلنا عشرات الآلاف من الخدام.
فهل تنطبق علينا عبارة (الفعلة قليلون)؟
نعم الفعلة الذين لهم قوة الروح قليلون.
الفعلة الذين يعمل فيهم روح الله، الذين لخدمتهم تأثيرها العميق، وثمرها المتكاثر، لا شك أنهم قليلون.. عندنا خدام للفصول العادية. أما الذين يخدمون اجتماعات الشبان والشابات، والأسرات الجامعية، والذين يتكلمون في المؤتمرات، لا شك أنهم قليلون.
إن كلمة خادم أعمق من كلمة مدرس. ونحن لنا عشرات الآلاف من المدرسين، أما الخدام العاملون بالروح، فأنهم قليلون.
خادم من نوع بولس الرسول مثلًا، لا شك أن اختياره حدثًا خطيرًا في الكنيسة. لقد تعب أكثر من جميع الرسل: “عدا الاهتمام بجميع الكنائس”… ويكفي قوله: “من يفتر وأنا لا ألتهب؟!”.. هذا الذي دُعِيَ “رسول الأمم” ووصلت كرازته إلى إسبانيا غربًا، وكتب 14 رسالة.
إننا مستعدون أن نستغني عن عشرات الآلاف من الخدام الذين معنا، في مقابل بولس واحد… وستكون خدمته أجدَى من الآلاف.
إن المسألة ليست مسألة عدد، وإنما فاعلية، وتأثير، وقوة، وروح. ربما نجد في فرع ثلاثين خادمًا، لا حرارة إطلاقًا في خدمتهم. ثم يدخل في الفرع خادم جديد يجعله لهيب نار..
إن ألسنة النار التي حلت على التلاميذ، أعطتهم لسانًا ناريًا، وكلمات نارية، وخدمة لها لهيب وفاعلية، وحرارة في الروح، وحرارة في الصلاة، وحرارة في الافتقاد..
إنها جمرات نار، ظل العالم يتقاذفها، اشتعل العالم كله نارًا.
صدقوني، إن لقب خادم، لا يستحقه كثير من الخدام، وليست كل خدمة فيها الصفات الروحية للخدمة.
لذلك فكرت في بعض الأوقات، أن أجمع الخدام القدامَى الذين عشنا بينهم، وكان روح الله فيهم، وأجعل منهم مجموعة تفتقد الفروع، وتمنحها روحًا، أعني الروح الذي كان يعمل في ذلك الزمان، حينما كانت الخدمة لهيب نار.
انظروا ماذا فعل أوغسطينوس مثلًا، حينما دخل في محيط الخدمة؟ إن تأثيره لم يقتصر على جيله فقط، فحتى الآن ما زلنا نستفيد من خدمته وتأملاته.
تادرس تلميذ باخوميوس، حينما صار راهبًا، ما أعمق التأثير الذي كان له في الحياة الرهبانية، في جميع الأديرة.. كذلك يوحنا القصير الذي قيل عنه: إنه علق الأسقيط كله بأصبعه.
هناك أشخاص في كل جيل مميزوين عن غيرهم، خدام من طراز خاص، كما قالت عذراء النشيد: “حبيبي.. معلم بين ربوة”..
[1] مقالة لقداسة البابا شنوده الثالث: فاعلية الخدمة، بمجلة الكرازة 3 /4/ 2009





