عوائق الإيمان

تكلمنا في الأسابيع الماضية عن القيامة وعن الإيمان بها. ونريد أن نذكر أن بعض الناس، على الرغم من قيامة الرب من بين الأموات، وعلى الرغم من رؤية الملائكة ومن رؤية القبر الفارغ، إلا أنهم لم يسلكوا في حياة الإيمان…!!
فما هي عوائق الإيمان. وما هي عوائق الحياة الروحية..
عوائق الإيمان1
الكهنة والكتبة والفريسيون، رأوا القبر الفارغ، وتحققوا قيامة السيد المسيح. ولكنهم لم يؤمنوا، واستخدموا الرشوة، واخترعوا أكاذيب يضللون بها الناس في شأن القيامة. ووضعوا هذه الأكاذيب في أفواه الجنود: ” قُولُوا إِنَّ تَلاَمِيذَهُ أَتَوْا لَيْلاً وَسَرَقُوهُ..”(مت13:28).
فما هو السبب الأول الذي عطل إيمان هؤلاء؟ إنه الذات..
+ الذات كعائق للإيمان:
أحيانًا تقف الذات حائلًا بين الإنسان والله. فيظن أن الله منافس له، أو معرقل لطرقه ورغباته..
هؤلاء الكهنة كانوا يظنون أن السيد المسيح منافس لهم، سيأخذ منهم سلطتهم وشعبيّتهم، وسيأخذ منهم مراكزهم.. حقًا، إن أكبر عدو للإنسان هو ذاته إذا انحرفت، لذلك قال الرب لكل من يريد أن يتبعه ” فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعْنِي..
طالما يفكر الإنسان في ذاته، فمن الجائز أن يفقد الله من أجل ذاته. هكذا الشيطان، سقط وهلك، لأنه ركز على ذاته، كيف تكبر، ولو في ذلك نافس الله..
ممن سقطوا أيضًا بسبب الذات، الوجوديون الملحدون. يقول الواحد منهم: إن وجود الله يعطل وجودي. فمن الأفضل أن لا يوجد الله، لكي أوجد أنا…!!
هؤلاء يحاربون وجود الله، لأنهم يخافونه. يخافون أن يعطّل الله حريتهم، وينظرون إلى وصاياه كقيود. لذلك فإن هذا الاهتمام المنحرف بالذات وحريتها، يعوق إيمانهم..
هل ذاتك أنت أيضًا تعطل إيمانك. هل تتعطل صلتك بالله بسبب رغباتك، غرائزك، أفكارك، شهواتك، اتجاهاتك…؟!
هل هناك تعارض بين الله وذاتك؟ أنكر إذًا ذاتك.. قاومها، انتصر عليها. لأن “مَالِكُ رُوحِهِ خَيْرٌ مِمَّنْ يَأْخُذُ مَدِينَةً فلتكن إذًا ذاتك في يدك. ولا تكن أنت في يدها..
الكتبة والفريسيون والكهنة والشيوخ، كانوا يحرصون على ذاتهم حرصًا خاطئًا. كانت في ذاتهم عيوب، وكان المسيح يكشفها، حتى دون أن يتكلم عنها. بمجرد المقارنة تنكشف. لذلك كانوا يكرهونه، لأنه يكشفهم! لأنه نور يهتك ظلمتهم..
كاللص الذي يعمل في الظلام، ويكره النور لأنه يكشفه..
وهو يريد أن يعمل في الظلام لكي يبقى مستورًا.. لهذا قال الكتاب عن هؤلاء إنهم “أَحَبَّ النَّاسُ الظُّلْمَةَ أَكْثَرَ مِنَ النُّورِ، لأَنَّ أَعْمَالَهُمْ كَانَتْ شِرِّيرَةً”
من المفروض إذا كشف الله لك ذاتك، أن تفرح وتسر. بل تشكره قائلًا: “أشكرك
يا رب لأنك أفهمتني حقيقتي، وعرفتني خبايا نفسي وأمراضها، لكي أعالجها..”
لكن كثيرين، أنفسهم جميلة في أعينهم. ذاتهم هي صنمهم. يعز عليهم أن يروا فيها عيبًا يلومونه، أو يلومه الناس.
القديسون فقط هم الذين يلومون أنفسهم، وينكرونها..
أما الكتبة والفريسيون فعاقهم عن الإيمان، الذات، ومحبة الذات، والاعتداد بالذات، والرغبة في تكبير الذات، وتفخيم الذات، والهروب من الله الذي ظنوه سيضيّع ذاتهم… كالابن الضال، الذي ظن أن ذاته ستضيع في بيت أبيه، فترك الأب لتنال ذاته حريتها…! كانت ذاته هي التي تتعبه..
كثير من الناس يريدون أن تحيا ذاتهم في جو من التدليل، والمجاملة، والمديح. لذلك فكل من يكلمهم بصراحة يتضايقون منه. ويرفضون كل توبيخ، وكل تأديب…!
إن القديسين الذين ساروا في طريق الله، لم يهتموا بالذات. بل أنصتوا إلى قول الرب ” مَنْ وَجَدَ حَيَاتَهُ يُضِيعُهَا، وَمَنْ أَضَاعَ حَيَاتَهُ مِنْ أَجْلِي يَجِدُهَا” (مت39:10).. وهكذا نرى رجلًا كبولس يقول: “ خَسِرْتُ كُلَّ الأَشْيَاءِ، وَأَنَا أَحْسِبُهَا نُفَايَةً لِكَيْ أَرْبَحَ الْمَسِيحَ” بولس الرسول عمل ما لم يستطع الكتبة والفريسيون أن يعملوه. هم خافوا على مراكزهم. أما هو فضحى بمركزه. وبعد أن كان ذا سلطة يستطيع أن “يَجُرُّ رِجَالاً وَنِسَاءً وَيُسَلِّمُهُمْ إِلَى السِّجْنِ” (أع3:8)، دلوه في زنبيل في دمشق وتعرض للسجن وللضرب والجلد، والرجم، وتعب أكثر من الجميع وصار شعاره:
“مَعَ الْمَسِيحِ صُلِبْتُ، فَأَحْيَا لاَ أَنَا، بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ”(غل20:2). لقد أضاع ذاته. فوجدها في المسيح.
الكهنة والشيوخ، وجدوا أنفسهم.. وجدوا السلطة والمركز، والمتكأ الأول، والاحترام. وتخلصوا من المسيح. فإذا بهم قد ضيعوا أنفسهم ولم يجدوها. إن الذات ضيّعتهم، وحالت بينهم وبين الإيمان.
هناك نوع آخر رأى القيامة، ولم يؤمن بها، بسبب ضعف الشخصية، أو ضعف النفس، أو التأثر بكلام الناس.
ضعف الشخصية يُضعف الإيمان:
من هذا النوع، مريم المجدلية: لقد رأت القبر الفارغ، وسمعت بشارة الملاك، بل إنها رأت السيد المسيح بعد قيامته وأمسكت بقدميه، وسمعت صوته، وكلّفها برسالة.. ولكنها مع ذلك قالت لبطرس ويوحنا: “أَخَذُوا سَيِّدِي وَلَسْتُ أَعْلَمُ أَيْنَ وَضَعُوهُ”.. فما السر في هذا التحوّل، وكيف ضَعُف إيمانها؟
كانت المجدلية صغيرة في سنّها. وضعفت شخصيتها أمام الشائعات التي نشرها الكهنة. كما ضعفت أمام عدم تصديق التلاميذ للقيامة. فبدأت تلعب بها الشكوك والأوهام.
لم يستطع إيمانها أن يصمد أمام الشائعات وكلام الناس. فاهتزّت من الداخل بسبب التأثير الخارجي.
كثير من الناس يهتزون في الداخل بسبب كلام الناس.. بسبب استهزاء الناس بسلوكهم الروحي، شخصيتهم أضعف من أن تصمد.
إن الله يريد أن تكون شخصيّاتكم قوية، كما يقول الرسول: ” مُسْتَعِدِّينَ دَائِمًا لِمُجَاوَبَةِ كُلِّ مَنْ يَسْأَلُكُمْ عَنْ سَبَبِ الرَّجَاءِ الَّذِي فِيكُمْ إن أولاد الله ليسوا ضعفاء، ليسوا من النوع الذي يهتز إيمانه، أو تهتز روحياته، لأي سبب خارجي. إنهم يعملون بقول الرسول:
“ إِذًا يَا إِخْوَتِي الأَحِبَّاءَ، كُونُوا رَاسِخِينَ، غَيْرَ مُتَزَعْزِعِينَ، مُكْثِرِينَ فِي عَمَلِ الرَّبِّ كُلَّ حِينٍ، عَالِمِينَ أَنَّ تَعَبَكُمْ لَيْسَ بَاطِلاً فِي الرَّبِّ”(1كو58:15).
لا تكونوا مثل ذلك الذي قال عنه الشاعر:
كريشة في مهب الريح طائرة.. لا تستقر على حال من القلق
بل كونوا أقوياء، تعمل فيكم قوة القيامة، تعطيكم الرجاء والإيمان والثقة. وبهذه القوة تحفظون إيمانكم من الضياع.
هناك نوع آخر ضعيف، يفقد إيمانه بسبب الخوف..
+ الخوف يضعف الإيمان:
بيلاطس البنطي، كان مؤمنًا في أعماقه أن يسوع الناصري بريء من التهم التي يلصقها به اليهود، وكان واثقًا أنهم أسلموه إليه حسدًا. وقد حاول أن يطلقه. ولكنه أخيرًا استسلم لضعفه، وأسلم المسيح للصلب. خاف أن يقال عنه إنه ضد قيصر..
كان واليًا وفي يده كل السلطة. هيرودس الملك من قبل قتل كل أطفال بيت لحم، ولم يهتم. وبيلاطس نفسه أهلك الجليليين. ولكنه في هذه المرة خاف، وأضاعه الخوف.
كثيرون فقدوا الإيمان بسبب خوفهم، ولهذا فإن سفر الرؤيا يضع الخائفين قبل عبدة الأوثان، ويذكر أن مصيرهم هو البحيرة المتقدة بالنار والكبريت.. وفي ذلك يقول الوحي الإلهي.
” وَأَمَّا الْخَائِفُونَ وَغَيْرُ الْمُؤْمِنِينَ وَالرَّجِسُونَ وَالْقَاتِلُونَ وَالزُّنَاةُ وَالسَّحَرَةُ وَعَبَدَةُ الأَوْثَانِ وَجَمِيعُ الْكَذَبَةِ، فَنَصِيبُهُمْ فِي الْبُحَيْرَةِ الْمُتَّقِدَةِ بِنَارٍ وَكِبْرِيتٍ، الَّذِي هُوَ الْمَوْتُ الثَّانِي” (رؤ8:21).
بطرس الرسول العظيم، عندما خاف، أنكر المسيح، وسب ولعن… لا يصح أن يملك الخوف على أولاد الله، فالخوف لم يدخل إلى العالم إلا بعد الخطية (تك10:3).
هناك عبارة جميلة سجلت للقديس أوغسطينوس، قال فيها:
“جلست على قمة العالم، حينما أحسست في نفسي، أني لا أخاف شيئا، ولا أشتهي شيئا”..
حقًا إن الشهوة تولد الخوف. فالذي يشتهي شيئًا، يخاف ألا يحصل عليه. وإن حصل عليه، يخاف أن يفقده.. أما أولاد الله، فلا يحبون العالم ولا الأشياء التي في العالم. شهوتهم الوحيدة هي الله، ويحبون كل ما يوصل إليه..
إن الإنسان الروحي لا يفقد إيمانه إطلاقًا، لأنه لا يخاف. وجماعة المؤمنين هم جماعة الذين لا يخافون، بل يقولون مع داود: “ إِذَا سِرْتُ فِي وَادِي ظِلِّ الْمَوْتِ لاَ أَخَافُ شَرًّا، لأَنَّكَ أَنْتَ مَعِي”، “ إِنْ نَزَلَ عَلَيَّ جَيْشٌ لاَ يَخَافُ قَلْبِي. إِنْ قَامَتْ عَلَيَّ حَرْبٌ فَفِي ذلِكَ أَنَا مُطْمَئِنٌّ”(مز23،27).
هناك أناس فقدوا الإيمان بسبب الخوف، وآخرون بسبب الضعف، وآخرون بسبب الذات. وغيرهم فقدوه بسبب الشهوة.
الشاب الغني الذي مضى حزينًا، مثال لفقد الإيمان بسبب الشهوة.. الإيمان أيضًا، يحتاج في ثباته، إلى ثقة، وإلى اختبار عملي..
إن الذين اختبروا حلاوة الحياة مع المسيح، وذاقوها، من الصعب أن يضعف إيمانهم.
من الجائز أن يضعف الإيمان العقلي. أما الإيمان العملي الاختباري فهو قوي. إنه لا يعرف الله من الكتب، وإنما من الحياة.. إنه إيمان بالمسيح ” الَّذِي سَمِعْنَاهُ، الَّذِي رَأَيْنَاهُ بِعُيُونِنَا، الَّذِي شَاهَدْنَاهُ، وَلَمَسَتْهُ أَيْدِينَا”.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السادسة (العدد الثاني والعشرون) 30-5-1975م




