عظة الميلاد

عظة الميلاد1
ميلادان:
ربنا يسوع، ابن الله، وابن الإنسان، له ميلادان: أحدهما إلهي والآخر بشري، وكل منهما معجزي: في ميلاده الأول ولد من الآب بغير أم، فخلق جميع الأيام. وفى ميلاده الثاني ولد من أم بغير أب، فقدس هذا اليوم.. في ميلاده الإلهي كان غير مرئي، وفي ميلاده البشري كان مرئيًا، وكان الميلادين يوحيان بالرهبة. ولد من أبيه كمبدأ للحياة، وولد من أمه كنهاية للموت…
ليس من السهل أن نقرر أي الميلادين خاصة تنبأ عنه إشعياء قائلًا” من يعلن جيله؟!” (اش53: 8). هل كان يشير إلى ميلاده الدائم الذي يشترك فيه في الأزلية مع الآب، أم ذلك الميلاد الذي ولد هو فيه في وقت معين من أم هو الذي صنعها!، أم ذلك الميلاد الذي هو فيه دائماً كائن ودائماً مولود؟؟ من يستطيع أن يخبر كيف ولد النور من النور، وكلا النورين واحد؟ ّ وكيف ولد الله من الله، وليست هناك زيادة لله في العدد؟! أو من يستطيع أن يتكلم عن ذلك الميلاد حيث لم يكن هناك زمن ماض أو زمن آتٍ أو زمن حاضر؟! حيث من يستطيع أيضًا أن يعلن جيله، إذ أن هذا الذي يُراد إعلانه هو فوق حيز الزمن.. هذا هو الميلاد الأول “في البدء كان الكلمة، والكلمة كان مع الله، وكان الكلمة الله”. أي كلمة؟ إنه الابن نفسه. والآب لم يكن أبداً بدون ابن. ومع أنه لم يكن أبدًا بدون ابن، إلا أنه ولد الابن. ولده بغير بداية إذ ليس له ابتداء.
القديس أوغسطينوس
تعالَ معي إلى الميلاد الآخر، الميلاد البشري. تعال معي إلى ذلك الميلاد الذي فيه “أخلى نفسه آخذًا صورة عبد “وأنظر ما إذا كنا نستطيع أن نفهمه، أو ما إذا كنا نستطيع أن نقول عنه شيئًا…!
فإن كنا لا نستطيع أن ندرك ميلاده البشري، فكيف نستطيع إدراك ميلاده الإلهي؟! من يستطيع أن يدرك أعجوبة الأعاجيب هذه: عذراء تحبل! عذراء تلد! عذراء تبقى عذراء بعد الولادة!! ولكن ما لا يستطيع العقل أن يفهمه، يستطيع الإيمان أن يدركه. حيثما يقف العقل، فإن الإيمان يتقدم.
القديس أوغسطينوس
بك سأتكلم عنك يا رأس جميع المخلوقات (رؤ3: 14) أنا سأفتح فمي، ولكنك أنت الذي ستملأه… ولكن من هو الإنسان المائت حتى يتكلم عن معطي الحياة للكل، الذي ترك علو جلاله ووضع ذاته؟! ليس لي أن أفحص جلالك، وإنما لي أن أعلن نعمتك.. نعمتك أمسكت بك وأنزلتك إلى حقارتنا. نعمتك جعلتك طفلًا. إنها ضيقت على جلالك وهي مجدته.
إنك عجيب من كل ناحية نلتمسك. أنت قريب وبعيد، فمن يمكنه أن يدركك؟! لا يجدي البحث، لا يمتد اليك. حيثما يمتد ليصل اليك، يصدم فيقف ويقصر عن جيلك. الإيمان هو الذي يصل هناك والمحبة مع الصلاة.
مار إفرام السرياني
لم يستطيع إنسان أن يتكلم عن أزليتك، فلأتكلم عن مجيئك، يا معلمي بالدهش. لو لم تتنازل إلى عالمنا، ما كنا نتكلم عنك. فمن يستطيع أن ينطق بمكانك، لأنك مخفي عن الكل! أطلب لأتكلم يا سيدي عن مجيئك، لأن مراحمك وضعتك تحت الكلمة. لم أتفرس في العلو، المكان الذي ترتعش فيه النار منك، بل نظرت في العمق، ههنا في بلدنا أخبر عنك.. لذا أتقدم وأعطي قربان كلامي وأسجد للحبر الآتي ليكون ذبيحًا عوضًا عن الخطاة. أرمي فلسي على المائدة بإفراز، للراعي الذي نزل ليكون حملًا في وسط غنمه…
القديس يعقوب السروجي
يا للعجب! .. أن يُسمع أن الله الذي لا يوصف ولا يحد ولا يفهم، المساوي لأبيه، جاء إلى مستودع البتول، وولد من امرأة، وأخذ له داود بن ابراهيم أبًا، وثلاثًا من النسوة الساقطات جدات له.. (متى1: 3، 5، 6).
احتمل ابن الله أن يدعى ابنًا لداود ليجعلك أنت ابنًا لله. لقد ولد بذات الجسم، لتولد أنت بذات الروح..
كان مولده مزدوجًا: مناسبًا لنا، وفائقًا على مولدنا. لأن ولادته من إمراه هي ولادة عرضت لنا. أما ولادته ليس من مشيئة إنسان، ولا من إرادة جسد، بل من الروح القدس فتلك ولادة فائقة علينا، سبق فأظهر بها المولود المزمع أن يكون لنا. الذي اعتزم أن يهبه لنا من الروح القدس..
القديس يوحنا ذهبي الفم
لماذا قبل الرب أن تكون في سلسلة أنسابه نسوة خاطئات؟
أظهره متى] الانجيلي [مشتركًا في طبيعتنا، حتى لا يقول أحد إنه ظهر كخيال أو وهم.. ولهذا السبب في الواقع، ذكر الانجيلي في سلسلة الأنساب جملة أسماء، وأيضًا بعض المعاشرات التي لا تليق.. إذا كتب بعناية وفي قصد “ويهوذا ولد فارص وزارح من ثامار”. “وداود ولد سليمان من تلك التي لأوريا”.. وهما امرأتان عوشرتا بالنجاسة والزنا، ذكرهما ليكشف أن طبيعتنا التي أخطأت وسقطت، ودارت وتعثرت في الشهوات غير اللائقة هي التي جاء المسيح لعلاجها.. فالإنجيلي يهزأ هنا بجنسنا، ويكشف القناع عن آلامه وعن مخازيه وأمراضه التي من أجلها نزل كلمة الله بدافع رحمته.. فبينما كان يمكن أن يقول “وداود ولد سليمان من بثشبع” – لأن هذا هو اسم المرأة – كتب في وضوح عن هذه الفاسقة “وداود ولد سليمان من تلك التي لأوريا”، مظهرًا أن المسيح – الذي بالتناسل نزل من هذا الجنس – “أخذ ضعفاتنا وحمل أمراضنا” (إش53: 3)
فلا يحمر الوجه خجلًا من التجسد ومن التواضع الكامل… ظانين أن الخطية] التي للأجداد الخاطئين[ قد دنست مخلصنا!! فإنه في الواقع حيث يوجد الله فبالضرورة تكون الخطية بعيدة. وإذ هي بعيدة، فأي شيء يقدر أن يدنس أو يوسخ؟! لأنه لا توجد قذارة أو عيب الخطية.
لذلك فإن هؤلاء الذين كانوا هم أنفسهم الشهود المعاينين وخدام الكلمة، بشروا بنسب حسب الجسد في حرية بدون إخفاء ما يبدو مخزيًا، وبه علمونا وثقفونا في نفس الوقت لنغض نظرنا إلى أسفل وتحمر وجوهنا بسبب أن آباءنا الأول كانوا مستحقين الاحتقار ما كانوا يستحقون المديح، لا يرتفع أحد ويقول “إن جدي كان شهيداً، وأبي كان يشغل المنصب الأول في أمور الكنيسة… وأمي كرست نفسها للحياة النسكية…”. بالحقيقة يقال لمثل هذا “اظهر لى يا عزيزي أنك أنت نفسك تقتفي آثار آبائك الأول.. ” .
من أجل هذا فإن اليهود الذين يرفعون جباههم في مزيد من التشامخ قائلين في مباهاة نحن نسل ابراهيم” (يو 8: 38 و39) ويوحنا المعمدان قطع قبله على هذا التعالي قائلًا لا تظنوا قائلين في انفسكم أن لنا ابراهيم أباً” (متى 3: 9) … لم تكن لهم أية منفعة من آبائهم الأول، حيث أنهم هم لم يقبلوا الانجيل.. وبولس أيضًا خاطبهم بنفس الأسلوب قائلًا “أعلموا إذن أن الذين من الإيمان أولئك هم أبناء ابراهيم” (غل3: 7)
القديس ساويروس بطريرك انطاكيا
لماذا ذكر الانجيلي النسوة الخاطئات، وأهمل ذكر الناميات في فضيلتهن؟ إنه يعلمنا ألا نزدري في وقت من الأوقات من رذيلة أجدادنا، لكن نطلب شيئًا واحدًا وهو الفضيلة… فمن كان هكذا، فلا تحزنه رذيلة أجداده أصلًا…
لذلك قمع تشامخ اليهود الذين ظنوا أنهم يمتلكون من فضيلة أجدادهم اعتذارًا، فأراهم إنهم لا يفتخروا بفضائل غيرهم، وإنما بفضائلهم.. كما قدم فائدة أخرى إذ أراهم أنهم كلهم الفساد، وقد أخطأوا هم وأجدادهم..
هذا تقدمه الكنيسة.. إن كنت عبدًا أو كنت حرًا، فليس لك في ذلك محل أدنى ولا أعلى، ولكن الهدف المطلوب هو سجية أنفسنا.
إن المسيح لم يأت ليهرب من تعييراتنا وإنما ليزيلها.. وكما أن أولئك الأجداد أخذوا نسوة زانيات، كذلك ربنا والهنا خطب لذاته طبيعتنا التي زنت. الكنيسة كثامار تخلصت دفعة واحدة من أعمالها الشريرة ثم لبته. وراعوث تشبهنا. كانت قبيلتها غريبة وفي غاية الفقر، ومع ذلك لما أبصرها بوعز ما أزدرى بفقرها ولا رفض دناءة جنسها، كما أن المسيح لم يرفض كنيسته وقد كانت قبيلتها غريبة وهي في فقر من الأعمال من الصالحة. وكما أن راعوث لم تترك منزلها ووطنها وأنسبائها… لما ذاقت هذا المجد، كذلك الكنيسة.. التي خاطبها النبي بقوله “أنسي شعبك وبيت أبيك، فإن الرب قد اشتهى طهرك”.
فلا يفتخر أحد بأجداده إذا تفطن في أجداد سيدنا.. وحتى فضائله لا يفتخر بها، لأنه بهذا الافتخار صار الفريسي دون العشار… فلا تفسدن أتعابك وتحاضر باطلًا. لا تفرغن تعبك كله، بعد سعيك فيه فراسخ كثيرة، لأن سيدك يعرف الفضائل التي أحكمتها أكثر منك.. حتى إن ناولت ظمآناً قدح ماء بارد، فلن يعرض عن هذا ولا يغفله…
فلا نترفعن إذن، لكن ينبغي أن ندعو ذواتنا مرفوضين.. إن محامدنا التي لا يعرفها إلا الله – الذي يجب أن يعرفها وحده – هي في صيانة تحوطها. فلا نكرر ذكرها لئلا يسلبها منك سالب، ويصيبك ما أصاب الفريسي إذ كرر محامدة فأختلسها إبليس المحتال…
القديس يوحنا ذهبي الفم
- مقال لنيافة الأنبا شنوده أسقف التعليم – مجلة الكرازة السنة الأولى – العدد الأول – يناير 1965





