صوم الرسل

يبدأ قداسة البابا شنوده الثالث بتهنئة الشعب ببداية صوم الرسل، موضحًا أن هذا الصوم من أقدم الأصوام في الكنيسة، إذ بدأ الرسل الصوم بعد صعود المسيح تنفيذًا لكلمته: “حينما يُرفع عنهم العريس فحينئذٍ يصومون.”
ويؤكد أن الصوم هو أول وصية أعطاها الله للإنسان منذ الجنة عندما قال لآدم: “من جميع شجر الجنة تأكل، وأما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها.” وهكذا كان أول تدريب روحي للبشرية هو ضبط النفس.
🕊️ الصوم كوسيلة روحية عظيمة
يشرح قداسته أن الصوم من أهم الوسائط الروحية في حياة المؤمن، لأنه يدرّب الإنسان على السيطرة على شهواته وضبط إرادته.
كل الأنبياء صاموا، والمسيح نفسه صام عنا، ولهذا فالصوم علامة الاتحاد بالله والاشتراك في آلامه.
ويذكر مثال جبل التجلي حيث اجتمع المسيح وموسى وإيليا، وكل واحد منهم كان قد صام أربعين يومًا، فظهروا ممجدين معًا.
🌿 الصوم فائدة للجسد والروح
الصوم ليس ضررًا للجسد كما يظن البعض، بل فيه راحة للأعضاء الداخلية، وتنقية للجسد من الدهون والسموم والمواد الزائدة.
ويقول البابا بروح الدعابة إن الإنسان يقضي نصف عمره في الأكل والتسمين، ثم يقضي النصف الآخر في محاولات “الرجيم”، ولو صام من البداية لربح جسده وروحه معًا.
⏳ الصوم ليس طعامًا نباتيًا فقط
يحذر قداسته من الفهم الخاطئ للصوم، فيقول إن الصوم ليس مجرد أكل نباتي، بل هو انقطاع فترة من الزمن يعقبها طعام خالٍ من الدسم الحيواني.
الانقطاع هو تدريب على قول كلمة “لا” للجسد، فتُولد في الإنسان فضيلة ضبط النفس.
أما من يأكل ما يشتهيه ولو نباتيًا، فليس هذا صومًا حقيقيًا، بل مجرد شكليات خالية من الروح.
🙏 الجوع كطريق للاتضاع
يشدد البابا أن الجوع في الصوم فضيلة نافعة، إذ يعلّم الإنسان الاحتمال، ويكسر الكبرياء، ويجعله يشعر بضعفه فيصلي بعمق أكثر.
ويقول: “احتمالك للجوع يزرع فيك التواضع، ويجعل صلاتك أصدق.”
ولهذا دعا داود النبي: “أذللت بالصوم نفسي.”
🍞 لا للأكل الشهي… نعم للزهد
يستشهد البابا بما قاله دانيال النبي: “لم آكل طعامًا شهيًا.”
ويحث المؤمنين ألا يبحثوا أثناء الصوم عن المأكولات اللذيذة حتى لو كانت نباتية، بل يعيشوا بروح الزهد، لأن الصوم الحقيقي يقود إلى النسك واحتقار الماديات، وليس إلى التنويع في “أكلات صياميّة شهية”.
💒 الصوم وسرّ التوبة
يؤكد قداسة البابا أن الصوم بلا توبة لا يُقبل أمام الله.
ويضرب مثال أهل نينوى الذين لم يُقبل صومهم إلا بعدما “رجعوا عن طرقهم الرديئة”، لأن الله رأى توبتهم قبل أن يرى صومهم.
لذلك يدعو البابا إلى أن يكون الصوم فترة مراجعة للنفس وترك للخطية، لا مجرد تغيير في نوع الطعام.
🔥 تغذية الروح أثناء الصوم
حين يُجاع الجسد يجب أن تُغذّى الروح، لأن الهدف من الصوم هو إضعاف الجسد ليرتفع الروح.
يقول البابا: “كما تمنع طعام الجسد، أعطِ طعامًا للروح — بالصلاة، والقراءة، والتأمل، والتسبيح.”
فالصوم الذي بلا صلاة ليس روحيًا، بل هو مجرد حرمان جسدي بلا فائدة.
🌿 “قدّسوا صومًا، نادوا باعتكاف”
يستشهد البابا بقول النبي يوئيل: “قدّسوا صومًا، نادوا باعتكاف.”
أي أن الصوم يجب أن يكون فترة مقدسة يعيشها الإنسان في اعتكاف مع الله، مبتعدًا عن الضجيج والحديث الباطل، ومكرّسًا وقته للتسبيح والخلوة الداخلية.
💫 نتائج الصوم الحقيقي
يشرح البابا أن الصوم المقدس يقود إلى الزهد، وضبط اللسان، ونقاوة الفكر والقلب، حتى يمتنع الإنسان عن كل خطية.
ويختتم بقوله: “الصوم الجسدي إن لم يصاحبه صوم النفس، يكون بلا نفع.”
لذلك يجب أن تصوم العيون عن النظر الشرير، واللسان عن الكلام الباطل، والقلب عن الشهوات، فتتحول فترة الصوم إلى حياة سماوية.




