سر الكهنوت

سر الكهنوت[1]
ما معنى لا تدعوا سيدي؟ وهل ألغى الله الرئاسات؟
27– إن المسيحية لم تلغي الرئاسة أو السيادة، إنما أعطتها مفهومًا روحيًا، يبعدها عن التسلط وعن الكبرياء:
قال السيد المسيح لتلاميذه: “أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رُؤَسَاءَ الأُمَمِ يَسُودُونَهُمْ وَالْعُظَمَاءَ يَتَسَلَّطُونَ عَلَيْهِمْ. فَلاَ يَكُونُ هَكَذَا فِيكُمْ. بَلْ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ فِيكُمْ عَظِيمًا فَلْيَكُنْ لَكُمْ خَادِمًا. وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ فِيكُمْ أَوَّلًا فَلْيَكُنْ لَكُمْ عَبْدًا” (مت20: 25- 27).
وهنا حارب الرب روح العظمة والتسلط، ودعا تلاميذه إلى الاتضاع، وضرب مثلًا بنفسه “كَمَا أَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ” (مت20: 28). فهل كون ابن الإنسان أخذ شكل الخادم، يمنع هذا من كونه سيدًا؟! كلا، بل أنه قال أيضًا في ذلك “أَنْتُمْ تَدْعُونَنِي مُعَلِّمًا وَسَيِّدًا وَحَسَنًا تَقُولُونَ لأَنِّي أَنَا كَذَلِكَ” (يو13: 13).
أما الكتبة والفريسيون فكانوا – كقادة – يحبون العظمة والتسلط وأن يدعونهم الناس سيدي، الأمر الذي حاربه الرب…
أما عن السيادة، فقد منحها الله للإنسان، لأنه صورته…
منذ أن خلق الله الإنسان، جعله سيدًا، ومنحه هذه السيادة على الطبيعة، فقال لآدم وحواء: “أَثْمِرُوا وَاكْثُرُوا وَامْلأُوا الأَرْضَ وَأَخْضِعُوهَا وَتَسَلَّطُوا عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ…” (تك1: 28). وقال: “نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا فَيَتَسَلَّطُونَ…” (تك1: 26) وهذه السلطة ذاتها، منحها الله لنوح وأولاده، بعد الفلك (تك9: 2).
28- الإنسان كصورة الله وشبهه، هو سيد. وكيل الله الذي يمثله (تي1: 7) هو سيد. وسيادة الإنسان لا تتعارض مع سيادة الله.
إنها منحة منه، وليست منافسة له. وتمارس في اتضاع.
يقول يوسف الصديق أن الله “جَعَلَنِي أَبًا لِفِرْعَوْنَ وَسَيِّدًا لِكُلِّ بَيْتِهِ وَمُتَسَلِّطًا عَلَى كُلِّ أَرْضِ مِصْرَ” (تك45: 8).
فالسيادة هنا، والسلطة، والأبوة، منحة من الله، أعطاها بنفسه ليوسف، وسلك فيها يوسف باتضاع ومحبة…
29- وما أكثر الأمثلة في الكتاب المقدس، التي منح فيها الله أولاده، أن يكونوا سادة، بغير كبرياء…
هل تعجبون من أن الله جعل يوسف أبًا لفرعون وسيدًا لكل بيته. هوذا ما هو أكبر من هذا: قول الرب لموسى “أَنَا جَعَلْتُكَ إِلَهًا لِفِرْعَوْنَ” (خر7: 1). وقوله أيضًا لموسى عن هارون “هُوَ يَكُونُ لَكَ فَمًا وَأَنْتَ تَكُونُ لَهُ إِلَهًا” (تك4: 16).
هل تتعبون أيها (الأخوة) من هذا المجد الذي أعطاه الرب لموسى؟! وهل تصفونه بالضلالات الشيطانية والتجاديف؟! كلا، إذن كلمة (إله) هنا تعني (سيد). فهل تقبلون كلمة (سيد) من فم الله؟
استمعوا إذن إلى البركة الي أخذها يعقوب أبو الآباء:
“لِيُسْتَعْبَدْ لَكَ شُعُوبٌ وَتَسْجُدْ لَكَ قَبَائِلُ. كُنْ سَيِّدًا لإِخْوَتِكَ وَلْيَسْجُدْ لَكَ بَنُو أُمِّكَ” (تك27 :29).. إنها بركة ومنحة من الله..
وطبعًا هذا سجود الاحترام والخضوع، وليس سجود العبادة وهذه السيادة التي منحها الرب ليعقوب على أخوته! لم يستخدمها في كبرياء، بل أنه – وهو السيد – سجد لأخيه عيسو (تك23: 3)
عوبديا البار، منقذ الأنبياء، لما قابل إيليا النبي العظيم “خَرَّ عَلَى وَجْهِهِ وَقَالَ: أَأَنْتَ هُوَ سَيِّدِي إِيلِيَّا؟ فَقَالَ لَهُ: أَنَا هُوَ” (1مل18: 7، 8). فهل أخطأ إيليا النبي العظيم في قبوله هذا اللقب؟! وهل أخطأ عوبديا في هذا وفي قوله أيضًا “أَلَمْ يُخْبَرْ سَيِّدِي بِمَا فَعَلْتُ حِينَ قَتَلَتْ إِيزَابَلُ أَنْبِيَاءَ الرَّبِّ، إِذْ خَبَّأْتُ مِنْ أَنْبِيَاءِ الرَّبِّ مِئَةَ رَجُلٍ… وَعُلْتُهُمْ بِخُبْزٍ وَمَاءٍ؟” (1مل18: 13).
دانيال النبي، كان يخاطب الملاك الذي ظهر له في الرؤيا بعبارة “يَا سَيِّدِي” (دا12: 8)، فهل أخطأ دانيال النبي العظيم؟!
30- ولئلا يقول أعداء العهد القديم “هذه أمثلة من العهد القديم” سنورد أمثلة من العهد الجديد أيضًا:
*ولعل من أبرز هذه الأمثلة، مثال سجان فيلبي مع بولس، سيلا: حدث لما زعزع الملاك أساسات السجن، وتفتحت أبوابه، وأراد حافظ السجن أن يقتل نفسه، فمنعه بولس وسيلا. يقول الكتاب عن هذا السجان أنه “أَخْرَجَهُمَا وَقَالَ: يَا سَيِّدَيَّ مَاذَا يَنْبَغِي أَنْ أَفْعَلَ لِكَيْ أَخْلُصَ؟ فَقَالاَ: آمِنْ بِالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ…” (أع16: 30، 31). وقبل الرسول العظيم بولس، وزميله سيلا، لقب يا سيدي. ولم يشق بولس ثيابه، ويعتبر كلمة (سيدي) خاصة بالله وحده، ولم يفهم عبارة “لا تدعوا سيدي” فهمًا حرفيًا منحرفًا..
31- حقًا، إن “الْحَرْفَ يَقْتُلُ”، كما يقول الكتاب (2كو3: 6).
فالمقصود بالآية هو منع محبة السيادة، ومحبة الألقاب، ومحبة العظمة وعبارة (يا سيدي) التي يحبها الكتبة والفريسيون، والتي لا ينبغي أن تقال لهم فيما بعد… وهذا لا يمنع أن الله وضع في كنيسته رئاسات وسيادات، تسلك باتضاع، وليس بتسلط.
*هوذا بطرس الرسول، يطوب أدب أمنا سارة التي كانت تدعو إبراهيم زوجها يا سيدي، ويقدمها كمثال تقتدي به النساء. “خَاضِعَاتٍ لِرِجَالِهِنَّ، كَمَا كَانَتْ سَارَةُ تُطِيعُ إِبْرَاهِيمَ دَاعِيَةً إِيَّاهُ «سَيِّدَهَا». الَّتِي صِرْتُنَّ أَوْلاَدَهَا، صَانِعَاتٍ خَيْرًا” (1بط3: 5، 6).
فهل إذا سلكت امرأة في أدب أمنا سارة، تكون قد أخطأت ونسبت إلى رجلها لقبًا من ألقاب الله؟!
*إن القديس يوحنا الرسول في سفر الرؤيا، استخدم لقب (يا سيدي) في مخاطبته لأحد الشيوخ، كان قد سأله عن المتسربلين بثياب بيض (رؤ7: 14).
فهل أخطأ يوحنا، ولم يكن يفهم كلام المسيح؟!
32- إن عبارة سيدي تقال لله بمعنى، والناس بمعنى:
فهي لله تفيد معنى الألوهية، وللبشر أو الملائكة تفيد مجرد الاحترام وأدب الحديث. حقًا “الْحَرْفَ يَقْتُلُ وَلَكِنَّ الرُّوحَ يُحْيِي” (2كو3: 6).
هل إذا أرسلت خطابًا وبدأته بعبارة السيد/ فُلان، تكون قد أخطأت إلى الحق الإنجيلي؟ وهل إذا بدأ أحدهم محاضرة عامة بقوله “سيداتي سادتي” يكون قد أخطأ إلى الحق الكتابي؟
وهل استخدام الرسل لهذه العبارة، أو تقبلهم إياها من آخرين، يدل على عدم فهمهم للكتاب، أم يدل على أدب التعامل؟!
وهل أخطأ بولس الرسول إلى الحق الكتابي حينما قال: “أَيُّهَا الْعَبِيدُ، أَطِيعُوا سَادَتَكُمْ حَسَبَ الْجَسَدِ… كَمَا لِلْمَسِيحِ” (أف6: 5).
أنظر أيضًا (كو3: 22)، (1تي6: 1، 2)، (تي2: 9).
وهل أخطأ بولس الرسول أيضًا، حينما قال “أَيُّهَا الْخُدَّامُ، كُونُوا خَاضِعِينَ بِكُلِّ هَيْبَةٍ لِلسَّادَةِ…” (1بط2: 18).
33- حقًا، إن خطورة استخدام الآية الواحدة تتلف كثيرين… وأيضًا، الفهم الخاطئ لآيات الكتاب، يتلف كثيرين…
لهذا لم يعطِ الله سلطة التعلم لكل أحد، إنما لمن أخذ هذه الموهبة من الله “… أَمِ الْمُعَلِّمُ فَفِي التَّعْلِيمِ” (رو12: 7).
لقد منح الكتاب مسئولية التعليم “أنَاسًا أُمَنَاءَ، يَكُونُونَ أكْفَاءً أنْ يُعَلِّمُوا آخَرِينَ أيْضًا” (2تي2: 2).
أما الذين يتطوعون من تلقاء أنفسهم لمهمة التعليم، ويقدمون مفهومهم الخاص كعقيدة ينشرونها وسط الناس، فهؤلاء يقول لهم معلمنا يعقوب الرسول: “لاَ تَكُونُوا مُعَلِّمِينَ كَثِيرِينَ يَا إِخْوَتِي، عَالِمِينَ أَنَّنَا نَأْخُذُ دَيْنُونَةً أَعْظَمَ! لأَنَّنَا فِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ نَعْثُرُ جَمِيعُنَا” (يع3: 1، 2).
[1] مختصر من محاضرات أيام الأربعاء التي يلقيها قداسة البابا شنوده الثالث في القاعة المرقسية بالقاهرة “سر الكهنوت 4″، الكرازة 29 فبراير 1980م.



