روحانية الكاهن

روحانية الكاهن[1]
نود أن نتكلم في هذا المجال عن بضع نقاط منها:
الأسلوب الروحي للكاهن.
عدم محبته للمال.
الكاهن بين الوداعة والغضب.
الكاهن والصلاة.
الأسلوب الروحي:
1- ينبغي أن يكون أسلوب الكاهن أسلوبًا روحيًا، كما تكون أهدافه روحية، ووسائله أيضًا روحية.
لأنه يوجد الكثير من الكهنة: خدمتهم مجرد نشاط. الواحد منهم عبارة عن شعلة من نشاط وحركة، ولكن بلا روح.
البعض خدمته مجرد خدمة اجتماعية، والبعض منهمك في خدمة معمارية والبعض خدمته كلام.
لكن المهم أن تكون خدمته روحية
حتى في كل الأنشطة السابقة…
وفي تعليمة ينبغي أن يكون له الأسلوب الروحي.
2- وفي الحوار اللاهوتي، يجب أن يكون أسلوبه روحيًا.
فلا يكون قاسيًا في نقاشه، ولا يستخدم الشتائم والتهكم والاستهزاء بعقلية غيره. بل يهتم بالنقاط الموضوعية بقوة الأدلة والمنطق، وبالإثبات الكتابي والمنطقي. لأن أسلوب السخرية لا يمكن أن يكسب به من يتحاور معه.
ومن أمثلة الحوار الروحي النبيل، كان أسلوب القديس ديديموس الضرير.
الذي كانت طريقته أن يكسب من يحاوره، لا أن يهزمه.
وبهذا الأسلوب القوي المهذب استطاع أن يجذب إلى الإيمان المسيحي كثيرًا من الفلاسفة الوثنيين. واستحق أن يُعَيِنَهُ القديس أثناسيوس الرسولي مديرًا للكلية اللاهوتية في الإسكندرية…
3- ينبغي أن تكون طريقة الكاهن في الافتقاد طريقة روحية.
فيكون افتقادًا روحيًا، وليس مجرد زيارة اجتماعية أو علاقة شخصية. إنما ينبغي أن تكون زيارته لأية أسرة أو فرد، زيارة روحية. لها أهداف روحية، ووسائل روحية، ويخرج منها بنتيجة روحية لصالح من يفتقدهم.
4- كذلك يكون أسلوبه روحيًا في الاعتراف أيضًا.
فلا تكون جلسة الاعتراف جلسة مودة، وتبادل عبارات مجاملة ومحبة! بل يجب أن يشعر المعترف أنه أمام الله في حضور الكاهن، أو أمام الكاهن في حضور الله.
فالتائب يعترف أمام الله في سمع الكاهن:
في جلسة روحية جادة متزنة، تبدأ بالصلاة وتنتهي بصلاة التحليل، التي يشعر فيها المعترف أنه يأخذ الحل من الله، من فم الكاهن.
وقد خصصنا للاعتراف بابًا خاصًا…
5- في رعاية الفقراء ينبغي أن يكون أسلوب الكاهن روحيًا.
فلا يهتم بمساعدة الفقراء ماديًا، بينما يجرح مشاعرهم، أو يهينهم!! أو يقابلهم بأسلوب السلطة والانتهار!!
ولا يقابلهم باستمرار بأسلوب الشك، طاعنًا في صدق كل ما يقولون!! ويتهمهم بالكذب والاحتيال… أو يجعلهم ينتظرون وقتًا طويلًا بلا سبب، يشعرون فيه بالإهمال أو التجاهل واللامبالاة…
وقد يأخذ الفقير منه، ويخرج وهو ساخط بسبب سوء المعاملة.
6- كذلك في العظات ينبغي أن يتصف الكاهن بالروحانية.
ولا تكون مجرد فكر، أو مجرد معلومات! تخاطب العقل دون أن تخاطب الروح!
يشعر فيها السامع أنه ينصت إلى عالم أو مفكر، وليس إلى أب روحي!!
الكاهن الروحي، حتى في العقائد واللاهوتيات يتحدث فيها بأسلوب روحي. ومن أمثلة ذلك القديس أثناسيوس الرسولي في كتابه (تجسد الكلمة). الكتاب في أصله كتاب لاهوتي، ولكنك في نفس الوقت تشعر أنه كتاب روحي يخاطب روحك… وهو في نفس الوقت تعليم كتابي…
7- تقييم الكاهن لخدمته ينبغي أن يكون تقييمًا روحيًا.
لأن كثيرًا من الكهنة يقيمون خدمتهم بمقاييس روحية بالبناء والتعمير مثلًا، بينما يكون الفقراء لا نصيب لهم في خدمته، مما يدعو بعضهم إلى الانحراف أو الارتداد!! ومع ذلك هو في فرح شديد بما قد شيده وبناه. نحن لا نمنع الاهتمام بالتعمير، ولكن ليس على أساس إهمال العناية بالفقراء، الذين قال عنهم الرب: “بِمَا أَنَّكُمْ فَعَلْتُمُوهُ بِأَحَدِ إِخْوَتِي هَؤُلاَءِ الأَصَاغِرِ فَبِي فَعَلْتُمْ” (مت25: 40).
وقد يقيم الكاهن خدمته بمقدار ما قدمه في عظاته من معلومات، حتى إن كانت لا تغير في حياتهم شيئًا، إنما مجرد تراكمات على محصولهم الذهني!
وهناك كاهن قد يجعل النظام في الكنيسة هو أهم ما يحرص عليه، حتى لو فقد في سبيل النظام قيمًا كثيرة:
وفي سبيل النظام ينتهر كثيرًا، ويطرد ويشتم ويخسر كثيرين فيما هو يأمر وينهي. بل أحيانًا يمنع الخدمة أو يوقفها، بحجة أن أطفال مدارس الأحد يحدِثون ضوضاء وشوشرة في الكنيسة. في نظرة النظام هو أهم شيء… لا مانع طبعًا من النظام، لكن بحكمة، بحيث لا نخسر كل شيء بسببه!!
هناك كاهن يكثر نشاطه، وتقل روحياته!
ولا يكون هناك توازن بين النشاط والروحيات. إنها مأساة أن يكسب النظام، ويخسر نفسه، ويخسر الناس. لأنه لم يُحسِن ترتيب التوازن بين الهدف والوسيلة…
مصداقية الكاهن
مصداقية الكاهن جزء من روحياته.
ومن نتائج مصداقيته أن يثق الناس به.
ويعتبرون أن كلمته هي الحق كله فيعتمدون عليه مطمئنين.
وللمصداقية فروع كثيرة، إذ هي داخلة في كل معاملات الكاهن.
+ فهناك مصداقية في كل خبر يقوله. فيكون فيه الحق كل الحق. ولهذا لا يليق بالأب الكاهن أن ينقل خبرًا عن شائعات ربما لا تكون حقيقة، أو ينقل عن شخص ربما لا يكون حديثه سليمًا…
كذلك ينبغي للكاهن أن يكون مدققًا في كل كلمة. فلا يكون مبالغًا فيما يقوله. ولا يستخدم كلمة تحمل معنيين. لئلا يفهم السامع معنى منهما، بينما يقصد الكاهن المعنى الآخر.
+ ومثل مصداقيته في أخباره، تكون أيضًا مصداقيته في وعوده:
فلا يعد بشيء لا يقدر على تنفيذه، ولا يعد بعطاء ليس في طاقته أن يعطيه، ولا يعد بموعد ثم يتخلف عنه، ولا يكون خياليًا في وعوده. كل هذا يجعل وعوده تفقد مصداقيتها…
+ هناك أيضًا مصداقية الكاهن في تعليمه:
فلا يجيب على سؤال بسرعة دون أن يكون متأكدًا من إجابته. ولا ينسب قولًا لقديس إن لم يكن واثقًا من نسبته إليه، مع ثقته بصحة الكلام. ولا يبالغ في اعتماده على ذاكرته، وإن كان غير متأكد يذكر ذلك أيضًا فيقول مثلًا: “حسبما أظن، الأمر هكذا، ولكني غير متأكد”.
ولا يدعي المعرفة بأمور لم يدرسها. فلا بد أن تنكشف عدم معرفته.
هناك من يعامل الكبار معاملة الند للند، غير واضع في ذهنه فارق السن، أو فارق المركز، أو نوع القرابة، أو فارق العمل.
وهناك من يتطرف أكثر، فيعامل الكبار كأنهم أقل منه. وهكذا يفقد اللياقة في الكلام وفي التصرف. وقد يتعامل بهذا الأسلوب مع أبيه في البيت.
وفي كل حديث لك مع من هو أكبر منك، يجب أن تراعي أدب الحديث، والتواضع في التعامل، واحترام الكبار. فالأسلوب الذي تكلم به من هو في مستواك، أو أقل منك لا تكلم به من هو أكبر منك.
وقد يصل الإنسان إلى درجة من الكبرياء، ويشعر فيها أنه لا يوجد من هو أكبر منه!!
الكاهن والمال
من شروط الكاهن، أنه لا يكون محبًا للمال، ولا محبًا للنصيب الأكبر، ولا طامعًا في الربح القبيح.
هكذا ورد في الرسالة الأولى إلى تيموثاؤس (1تي3: 3)، وفي الرسالة إلى تيطس (تي1: 7).
وبالأكثر يكون زاهدًا بعيدًا عن الرفاهية، يطيع قول الرب:
“لاَ تَكْنِزُوا لَكُمْ كُنُوزًا عَلَى الأَرْضِ” (مت6: 19).
إن كان الرب قد قال هذا لجموع المؤمنين، هي للكهنة بالأكثر، فالمفروض فيهم أن يكونوا قدوة في كل فضيلة.
والكتاب يعلمنا أن الرب حينما أرسل تلاميذه، قال لهم:
“لاَ تَقْتَنُوا ذَهَبًا وَلاَ فِضَّةً” (مت10: 9).
بل قال أيضًا: “وَلاَ نُحَاسًا فِي مَنَاطِقِكُمْ”. والعملة النحاسية هي الأقل سعرًا، وكانت تسمى في أيامهم خردة. وكان منها المليم ونصف المليم… بل قال الرب أيضًا لتلاميذه: “لاَ تَحْمِلُوا كِيسًا” (لو10: 4). وكذا افترض فيهم البعد الكامل عن المال وعن الغنى.
السيد المسيح نفسه عاش على الأرض فقيرًا.
ما كان يملك شيئًا على الأرض، ذلك الذي هو مالك السماوات والأرض. وكل ما كان الناس يضعونه في الصندوق، كان يأمر بتوزيعه على الفقراء. ولما قال ليهوذا في يوم العشاء السري: “مَا أَنْتَ تَعْمَلُهُ فَاعْمَلْهُ بِأَكْثَرِ سُرْعَةٍ”… ظن التلاميذ أنه “قَالَ لَهُ: اشْتَرِ مَا نَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِلْعِيدِ أَوْ أَنْ يُعْطِيَ شَيْئًا لِلْفُقَرَاءِ”، “إِذْ كَانَ الصُّنْدُوقُ مَعَ يَهُوذَا” (يو13: 27- 29).
وهذا هو الذي كان يُتعِب يهوذا: “مبدأ الصندوق الفارغ”… كل ما يوضع فيه، يوزع أولًا بأول على الفقراء…
تلاميذ السيد المسيح، كانوا أيضًا فقراء.
مرقس الرسول حينما جاء إلى مصر، كان لا يملك شيئًا، بل كان حذاؤه ممزقًا من سيره في الطريق…
ولما مر القديسان بطرس ويوحنا على باب الهيكل، وكان يجلس عنده، رجل أعرج يستعطي “فَلاَحَظَهُمَا مُنْتَظِرًا أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمَا شَيْئاً” (أع3: 5).
قال له بطرس: “لَيْسَ لِي فِضَّةٌ وَلاَ ذَهَبٌ” (أع3: 6).
وأكمل قائلًا: “وَلَكِنِ الَّذِي لِي فَإِيَّاهُ أُعْطِيكَ”، وهكذا أمسكه بيده وقال له: “بِاسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ النَّاصِرِيِّ قُمْ وَامْشِ… فَوَثَبَ وَوَقَفَ وَصَارَ يَمْشِي” (أع3: 6، 8).
وتعليقًا على هذه القصة قيل إن فيلسوفًا مشهورًا زار كاتدرائية مار بطرس، بكل ما فيها من غنى وديكورات عجيبة… وقيل له: “لقد مضى الوقت الذي قال فيه بطرس: “ليس لي فضه ولا ذهب”. فأجاب الفيلسوف: “نعم وقد مضى أيضًا الوقت الذي قال فيه بطرس للأعرج قم، فقام”…!!
في كفر ناحوم، عندما سئل بطرس: “أَمَا يُوفِي مُعَلِّمُكُمُ الدِّرْهَمَيْنِ؟” (مت17: 24).
لم يكن للسيد ما يدفعه فقال لبطرس: “اذْهَبْ إِلَى الْبَحْرِ وَأَلْقِ صِنَّارَةً وَالسَّمَكَةُ الَّتِي تَطْلُعُ أَوَّلًا خُذْهَا وَمَتَى فَتَحْتَ فَاهَا تَجِدْ إِسْتَارًا فَخُذْهُ وَأَعْطِهِمْ عَنِّي وَعَنْكَ” (مت17: 27).
التلاميذ أيضًا ما كانوا يملكون شيئًا. وهكذا قال القديس بولس:
“كَفُقَرَاءَ وَنَحْنُ نُغْنِي كَثِيرِينَ. كَأَنْ لاَ شَيْءَ لَنَا وَنَحْنُ نَمْلِكُ كُلَّ شَيْءٍ” (2كو6: 10).
كيف كان الرسل فقراء؟ وقد قيل في بداية العصر الرسولي: “كُلَّ الَّذِينَ كَانُوا أَصْحَابَ حُقُولٍ أَوْ بُيُوتٍ كَانُوا يَبِيعُونَهَا وَيَأْتُونَ بِأَثْمَانِ الْمَبِيعَاتِ. وَيَضَعُونَهَا عِنْدَ أَرْجُلِ الرُّسُلِ” (أع4: 34، 35).
نعم، هذا كان موضع المال… عند أرجل الرسل، وليس في جيوبهم. فماذا كان الرسل يفعلون؟ “كَانَ يُوزَّعُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ كَمَا يَكُونُ لَهُ احْتِيَاجٌ” لذلك: “لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ أَحَدٌ مُحْتَاجًا” (أع4: 35، 34).. ويبقى الرسل فقراء. على الرغم من كل هذا. ويتحقق قول بولس الرسول: “كفقراء ونحن نغني كثيرين”…
فليأخذ الإكليروس إذن درسًا من الرسل في علاقتهم بالمال…
لا يجوز للكاهن، أن يجمع المال.
ولا يجوز له، أن يكون له مظهر أرستقراطي.
عندما قامت الثورة الفرنسية، واستولت على مال الأسرة والأمراء والنبلاء والإقطاعيين، وكانت الكنيسة في فرنسا وقتذاك تمتلك خُمس أملاك الدولة…! وحينما قامت الثورة الشيوعية في روسيا، كان الغنَى سائدًا في القيصرية وفي الكنيسة… حتى الأناجيل كانت تغلف بالذهب والأحجار الكريمة وكذلك كان إطار الأيقونات، وكانت الصلبان… ولا يزال شيء من كل هذا باقيًا يُعرَض في صالات الكرملين في موسكو…
إن كرامة الكهنوت تكون في روحياته لا في مظهره.
قديمًا كان كبار رجال الإكليروس يضعون على صدورهم الصلبان والأيقونات الذهبية، ويمسكون في أيديهم صلبانًا من ذهب، وقد يتحلى صدرهم بسلسلة من ذهب، في آخرها ساعة من ذهب. أما الآن فقد ذهب كل هذا وانقضَى.
إن غنى الكاهن قد يكون موضع انتقاد أو إدانة من شعبه، كما أنه يثير الفقراء الذين لا يملكون القوت الضروري!!
أيضًا الكاهن الذي لا يحب المال، لا يأخذ مالًا مقابل صلواته. ولا يبيع الأسرار المقدسة بالمال!!
إنه لا يأخذ مالًا في زياراته لبيوت المؤمنين. لأنه يذهب إليهم لافتقادهم وللاطمئنان عليهم وعلى روحياتهم وليس ليأخذ منهم مالًا… يذهب إليهم بأسلوب الراعي وليس المحصل!!
إن جمعه هكذا للمال، يقلل من قيمته الرعوية، ويقلب هدف الزيارة، ويجعله مجاملًا للأغنياء ومهملًا للفقراء…
لا يجوز للكاهن أن يأخذ أجرًا على المعمودية.
وقد أصدرت أمرًا بهذا لكل كنائس القاهرة منذ سنوات، إننا نسعى وراء كل طفل لنعمده، وأنا شخصيًا كلما أرى أمًا تحمل طفلًا رضيعًا، أسألها هل عمدت هذا الطفل أم لا؟ ذلك لأن العماد لازم لخلاص الطفل حسب حديث السيد المسيح مع نيقوديموس (يو3: 5)، وحسب قول الرب أيضًا: “مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ” (مر16: 16). فهل يصح أن يتحول العماد إلى مصدر للإيراد؟! حاشا…
أيها الأب الكاهن: إن أراد أحد أن يعطيك شيئًا عندما تعمد ابنه اعتذر عن القبول، وإن ألح وأصر، قل له ليس في هذه المناسبة…
إننا نفرح بعماد الأطفال، من أجل صيرورتهم أبناء لله، وانضمامهم إلى عضوية الكنيسة، وبدء تمتعهم بالأسرار المقدسة. ولكن لا يجوز أن يكون الفرح بمال تعطيه أسرة المعمد…
أما إن أرادت أسرة الطفل أن تقدم شيئًا لله في فرحها بعماد طفلها، وليس ثمنًا لعماده!!
فليكن ذلك بما يضعونه في صندوق الكنيسة، وليس في يد الكاهن، وليس له هو… في كل ما يقيمه الأب الكاهن من أسرار كنسية ومن صلوات طقسية، فليتذكر قول الرب لتلاميذه:
“مَجَّانًا أَخَذْتُمْ مَجَّانًا أَعْطُوا” (مت10: 8).
إن الأسرار الكنسية، هي أعظم من أن تقدر بمال. وهي لازمة للكل، ويجب أن نقدمها للجميع، لكل واحد حسبما يكون احتياجه. والكاهن هو خادم للأسرار وليس بائعًا للأسرار، نتذكر ذلك في المعمودية، كما في باقي الأسرار.
كذلك في زيارة المرضى، لا يجوز أن يأخذ الكاهن مالًا.
إنه يزور المريض حبًا لله، باعتباره واحدًا من أولاده. يحب أن يطمئن عليه، ويصلي لأجله لكي يمنحه الله الصحة والعافية. والمال يفسد طابع الزيارة وهدفها، سواء إن كانت الزيارة في المستشفى، أو إن صلى له الكاهن صلاة مسحة المرضى في البيت، أو حتى مجرد صلاة قصيرة مع رشمه بالزيت…
بل إن الأب الكاهن قد يزور المريض، فيفتقده ويقدم له هدية، سواء كانت هدية دينية كأجبية أو صليب… أو هدية اجتماعية كباقة من الزهور تعبر عن شعوره، أو هدية من الحلوى توزع على زائري المريض من معارفه وأصدقائه.
وهكذا يتعود الأب الكاهن أن يعطي، كقول الرب:
“مَغْبُوطٌ هُوَ الْعَطَاءُ أَكْثَرُ مِنَ الأَخْذِ” (أع20: 35).
إنه الأب الذي يشترك مع أولاده في مشاكلهم وفي احتياجاتهم… قد يعرف أن المرض قد كلف هذا الابن أو أسرته مالًا لا قدرة لهم عليه، فيساهم معهم بطريقة مناسبة لكي يساعدهم في تكاليف العلاج.
نقطة أخرى أحب أن أقولها: عن الجنازات.
أهل المتوفي يحتاجون إلى من يواسيهم، وليس من يأخذ منهم.
وكثيرًا ما يكون الموت قد سبقه مرض استنفذ كل ما عندهم، وربما استدانوا بسببه. يضاف إلى هذا تكاليف النعش والصندوق والدفن… فإن أرهقهم الكهنوت بطلبات مالية أخرى، يكون هذا فوق طاقتهم، أو كما يقول المثل (موت وخراب ديار)!!
يعجبني صديق كان زميلًا لي في الخدمة، قبل الرهبنة. هذا كان حساسًا جدًا نحو هذه الأمور… توفي والد صديق لنا في مدارس الأحد. وكان كل الذين يذهبون للعزاء، يقتصرون على جلسة صامته، ثم عبارة “البقاء في حياتكم”، ثم ينصرفون… أما هو فلم ينصرف هكذا، وإنما أخذ الزميل ابن المتوفي جانبًا، وسلمه ظرفًا في يده وقال له: أنا أعرف كم تكلف هذه الأحاديث وقد جربتها بنفسي، واعتبرني أخًا لك يشاركك ما أنت فيه.
هناك أعذار يقدمها بعض الآباء الكهنة – وليس كلهم طبعًا – في موضوع جمع المال، نذكر منها:
1- إنه لا يجمع لنفسه، وإنما لأسرته وأولاده. فماذا يفعل هؤلاء من بعده، لذلك لا بد أن يجمع لهم ما يكفيهم، سواء من جهة السكن، أو احتياجات المعيشة – أو مصروفات المدارس وتجهيز البنات.
2- يقول الكتاب: “الْفَاعِلَ مُسْتَحِقٌّ أُجْرَتَهُ” (لو10: 7).
3- ويقول الكتاب أيضًا: “خادم المذبح من المذبح يأكل”، “الَّذِينَ يَعْمَلُونَ فِي الأَشْيَاءِ الْمُقَدَّسَةِ مِنَ الْهَيْكَلِ يَأْكُلُونَ”، “الَّذِينَ يُنَادُونَ بِالإِنْجِيلِ مِنَ الإِنْجِيلِ يَعِيشُونَ” (1كو9: 13، 14).
4- من المفروض أن نُعَوِد الناس أن يدفعوا في الكنيسة، لأن هذه وصية إلهية أن يدفعوا العشور والبكور والنذور. وكأبناء للكنيسة يجب أن يهتموا بكل احتياجاتها.
وهناك أسباب أخرى غير هذا يقدمها البعض.
ونرجو أن يتسع لنا الوقت لمناقشتها جميعًا إن شاء الله.
[1] مقال: قداسة البابا شنوده الثالث “الرعاية (14) – روحانية الكاهن”، وطني 10 سبتمبر 2006م.




