ذكريات المحبة مع الله

نتابع تأملاتنا في سفر نشيد الأناشيد، في قول العروس: “في الليل على فراشي، طلبت من تحبه نفسي، طلبته فما وجدته”(نش3: 1) …
ونود أن نتناول من هذا الموضوع كله، “ذكريات المحبة في علاقة النفس مع الله”
ذكريات المحبة مع الله1
خبرات الحياة مع الله:
ما أجمل أن نرى النفس البشرية هنا تسجل ذكرياتها الروحية مع الله، وتحكي خبراتها وعشرتها وتاريخها….
تمامًا كما فعل سليمان في سفر الجامعة، وحكى حياته مع الرب، وعلاقته به، وكيف مرت به مشاعر متنوعة حتى وصل إلى الله … لون من الاعتراف تحكيه النفس في خبراتها …
كل إنسان في الدنيا، له قصة مع الله أو مجموعة من القصص. ليتكم تستعرضون حياتكم مع الله، وتكتبون لنا خبراتكم الروحية، وقصص عشرتكم الطويلة، وننشر منها ما يصلح… قصة النشيد، قصة نفس عاشت مع الله، واختبرت الحلو والمر. جربت المتعة في مذاقه الله، وجربت البعد عنه.
اختبرت جبل التجلي، كما اختبرت بستان جثسيماني. قالت في خبرتها: “صوت حبيبي قارعًا: افتحي لي يا أختي يا حبيبتي يا حمامتي يا كاملتي” وقالت أيضًا “دعوته فما أجابني”. اختبرت “أنا لحبيبي، وحبيبي لي”، “شماله تحت رأسي، ويمينه تعانقني”. واختبرت أيضًا التجلي والحرمان بقولها: “حبيبي تحول وعبر”، “طلبته فما وجدته”…
اختبرت كيف تكون سوداء، وكيف تكون جميلة… سمعت عبارة “أنت جميلة يا حبيبتي، عيناك حمامتان”. وقالت في مقابلها: “بنو أمي غضبوا علي، جعلوني ناطوره الكروم”..
مشت في طريق الرب الطويل، بهدوئه وبمشاكله، بما فيه من نجاح ومن فشل. ومازلت أقول لكم إن من أصدق أوصافه، قول الرب لنوح بعد الطوفان (تك8: 22) “مدة كل أيام الأرض زرع وحصاد، وبرد وحر، وصيف وشتاء، ونهار وليل، لاتزال”.
لن تعيشوا أيها الأحباء، في نهار دائم، أو في حرارة دائمة أو دفء دائم. أن يكون في حياتكم أيضًا: ليل وبرد وشتاء…
ستختبرون هذا، مهما كنتم من أبناء النور ومن أبناء النهار… وهذه العروس تحكي فترات الحرمان والبعد، وبحثها عن الله دون أن تجده، وضرب الحراس لها، ونزع إزارها عنها… ولكنها على الرغم من كل ذلك لم تفقد محبتها لله. وفي فترات الحرمان، كانت تقول: “أرأيتم من تحبه نفسي؟”…
علاقة حب:
لم تفقد حب الله إطلاقًا، وإن كانت قد فقدت عشرته أحيانًا. الحب في قلبها على الدوام، مهما ضعف الجسد، ومهما بدا من الخارج أنها بعيدة، تطلب فلا تجد …
علاقتها بالله هي علاقة حب، وليست علاقة رسميات ولا علاقة واجبات ووصايا، أو مجرد طقوس أو ناموس مما انتقده الرب في سفر إشعياء (أش1)، ولا هي علاقة خوف …
إنما هي علاقة حب، مبني على أسس عميقة باستمرار…
عندما تتكلم عن الله، لا تقول “إلهي”، إنما في كل مناسبة تقول عنه: “حبيبي” “الذي تحبه نفسي”. كما أنه علمنا أن نقول في الصلاة “يا أبانا” علامة على الحب…
وهكذا تقول هذه النفس: “حبيبي لي وأنا له” “كالتفاح بين شجر الوعر، كذلك حبيبي بين البنين” “تحت ظله اشتهيت أن أجلس، وثمرته حلوة لحلقي…”.
إياكم أن تنظروا إلى الله كمجرد جبار يحكم في السماء، بل عليكم أن تحبوه من كل القلب. هكذا علمتنا المسيحية…
محبة الله هي الأساس، هي الوصية العظمى. وكل الفضائل، وكل الوصايا، وكل الممارسات الروحية، إنما تنبع من هذه المحبة. ولا توجد وصية منفصلة بذاتها. فكل الفضائل إن هي إلا تعبير عن حب الإنسان لله، أو نتيجة لهذا الحب…
يقول الرب: “من يحبني يحفظ وصاياي”، أي أنه نتيجة لمحبته، يحفظ الوصايا. أما حفظ الوصايا بدون حب، فليس هو عملًا روحيًا، وليس هو فضيلة مسيحية. هناك أناس يسلكون حسنًا بالمستوى الأخلاقي، أو المستوى الاجتماعي، ولكنهم ليسوا روحيين. سمعتهم طيبة، ولكن سلوكهم الطيب ليس نابعًا عن محبتهم لله.
أسباب محبة النفس لله:
حب العروس للرب في سفر النشيد، له أسباب عديدة، منها:
1-أول كل شيء، هو أن حب الله متعتها ولذتها:
تقول له: “حبك أطيب من الخمر” محبة تسكر، تنتشي بها النفس. بل تقول أكثر من هذا “إنني مريضة حبًا” أي أن محبة الله دغدغت أعضاءها، فلم تعد تحتمل تلك الطاقة الجبارة من الحب الإلهي.
جسدها أضعف من طاقات الروح، فلم تعد طاقة الجسد على احتمال الحب الروحي، فأصبحت مريضة حبًا…
إنسان ترتفع درجة حرارة جسده، إذ هو مريض جسديًا، وإنسان ترتفع بالحب درجة حرارة روحه، فإذ هو مريض حبًا، “مدروخ” من الحب الإلهي. مثلما قيل لبولس: ” كثرة الكتب حولتك إلى الهذيان يا بولس”.
هذا الهذيان البولسي المقدس، نشتهي جميعًا أن نصاب به …
إنسان من فرط الحب الذي فيه، يتكلم كلامًا لا يفهمه الناس، ويشعر شعورًا لا يدركه الناس، فيحسبونه يهذي …!
مشكلتنا أن محبة العالم تتصارع مع محبة الله فينا. فالجسد يشتهي ضد الروح، نحن نحب الله، ونلتذ بالعالم، ويوجد فينا شيء من التضاد ومن التناقض ومن الصراع.
أما الإنسان الذي يحب الله حقًا، ومحبة الله لذته، فليس فيه صراع ولا جهاد. ولا يتعب في تنفيذ الوصية، لأنها لذته.
يتغنى بوصايا الله، كما تغنى بها داود في مزاميره: “وصاياك هي لهجي، هي لذته. سراج لرجلي ونور لسبيلي. وجدت كلامك كالشهد فأكلته”. واسم الله أيضًا حلو في فمه، كما نقول: “حلو اسمك ومبارك في أفواه قديسيك”، وكما قال داود: “محبوب هو اسمك يا رب، فهو طول النهار تلاوتي”. وكما تقول عذراء النشيد: “اسمك دهن مهراق”، ونترجمها في القداس “طيب مسكوب هو اسمك القدوس”.
“طيب مسكوب هو اسمك، لذلك أحبتك العذارى”.
العذارى هي النفوس التي لم تعط ذاتها لآخر، وأحبت الرب من كل القلب، سواء أكانت من البتوليين أو المتزوجين. لذلك لقب الكتاب كل الذين يخلصون بخمس عذارى حكيمات.
ثانيا: العروس تحب الله، لأنها لا تجد له شبيهًا بين الآلهة.
كما نغني له في التسبحه “من في الآلهة يشبهك يا رب، أنت الإله الحقيقي صانع العجائب؟!”. إن وضعنا الله وسط كل مشتهيات العالم، وكل آلهته، نجده يفوقها. لذلك تقول عذراء النشيد:
“حبيبي أبيض وأحمر، معلم بين ربوة”
الربوة هي 10.000، أي إذا وضعت حبيبي بين عشرة آلاف، تجده مميزاً بينهم. متى إذن يتميز الرب في قلبك عن كل مشتهيات الدنيا، وكل سكانها، وتجده يفوقهم جميعًا.
ثالثًا: العروس تحب الرب أيضًا، لأنه جميل:
“ها أنت جميل يا حبيبي” هكذا تقول عروس النشيد للرب. ماذا تعني بعبارة (جمال الرب)؟ تعني أن إنسانًا يسير في طريق الرب فيجد الباب ضيقًا، والوصية ثقيلة، ولولا خوف الأبدية ما كان يستمر. فيقول للرب: من أول معرفتي بك، عرفت التجارب والضيقات، وعرفت الصليب وجثسيماني، وعرفت البكاء والدموع.. وهكذا لا يرى الرب جميلًا…
أما محب الله، فكل شيء جميل في عينيه، الله وصليبه وتجاربه ووصاياه. ويرى طريق الرب حلوًا مهما كان ضيقًا…
يغني مع يعقوب الرسول: “احسبوه كل فرح يا إخوتي حينما تقعون في تجارب متنوعة”. وينشد مع بولس: “افرحوا في الرب كل حين، وأقول أيضًا افرحوا”. ومن أجل محبته لوصايا الله، يقول مع يوحنا: “وأما وصاياه فليست ثقيلة”.
العذراء تتغنى بجمال الرب فتقول: “حلقهُ حلاوة، كله مشتهيات.. فتى كالأرز، طلعته كلبنان”، وتشرح باقي صفاته الجميلة…
ربنا هذا، هو شهوة نشتهيها، ونستبدل به شهوة العالم. وكما قال أحدهم: “إن القداسة هي استبدال شهوة بشهوة، استبدال شهوة العالم بشهوة الله”. نشتهي الله وكل ما يحيط به، ونجد فيه لذة وفرحًا. ومعه لا يعوزنا شيء.
ما أجمل التأمل في صفات الله. إنها تغرس محبته في القلب. “حلقه حلاوة، كله مشتهيات”. صدقوني لو أنكم لم تأخذوا من سفر النشيد سوى عبارة “كله مشتهيات” لكان هذا يكفي …
إن الله ليس ضريبة مفروضة عليكم، وليس نيرًا موضوعًا على أعناقكم، وليس حاكمًا جبارًا، بل هو كل مشتهياتكم. كله مشتهيات.
لما أحب أوغسطينوس الله، صغر العالم في عينيه بكل شهواته، ولما أحب بولس الله، قال: “خسرت كل الأشياء، وأنا أحسبها نفاية”. وأنت عندما تحب الله، ستموت محبة العالم في قلبك. قد تعتقد الآن أنه من الصعب التخلص من إحدى الخطايا، لأن محبة الله لم تملك عليك بعد. أما إن أحببته، فستجد أن الخطية فارقتك بكل سهولة…
رابعا: العروس أحبت الله، لأنه راعيها
يهتم بها، يرعاها بين السوسن، في مواضع خضرة، عند مياه الراحة. يرعاها في الجنات، عند خمائل الطيب “حبيبي نزل إلى جنته، إلى خمائل الطيب، ليرعى في الجنات، ويجمع السوسن” كلام موسيقي وجميل…
لعلك تقول أين هذه الجنات والسوسن والطيب، ولسنا نجد سوى صوم ومطانيات وتجارب؟!
لو أحببت الله لأحبيت كل هذا ووجدته خمائل من الطيب.
خامسًا: والعروس أحبت الرب لأنه قوي، يحرس ويسند، تشعر النفس في رعايته أنها محاطة بقوة عجيبة… إله جبروته ليس ضد الإنسان، وإنما من أجل الإنسان، لحمايته ورعايته…
ما أكثر الصفات التي من أجلها نحب الله، لو أحصيناها واحدة فواحدة، ما كان العمر كله يكفي لسردها …
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السادسة (العدد الرابع والأربعون) 31-10-1975م



