خطوات في الطريق إلى الله – علامات الاتضاع

خطوات في الطريق إلى الله
أتابع معكم حديثنا عن الاتضاع… ما هو الاتضاع، وما هي علاماته؟
وهو حديث طويل نود أن نأخذ فكرة عن بعض منه:
علامات الاتضاع[1]
التواضع هو عدم اعتداد بالذات. هو عدم ارتفاع القلب من الداخل: والقلب إذا ارتفع من الداخل، تكون له علامات خارجية تدل على ذلك. ولهذا فإن للاتضاع علامات داخلية وخارجية. وهو قبل كل شيء يبدأ في القلب من الداخل.
التواضع هو أن تشعر أنك إنسان خاطئ وضعيف، وأنك لا تستحق شيئًا. وأن تعامل نفسك وغيرك طبقًا لهذا الشعور…
كل خير تعمله، تنسبه إلى عمل الله فيك، الله الذي يُخرج من الجافي حلاوة.
تقول لنفسك: أنا من ذاتي لست شيئًا، ولكن الله الرحوم “الْمُقِيمِ الْمَسْكِينَ مِنَ التُّرَابِ، الرَّافِعِ الْبَائِسَ مِنَ الْمَزْبَلَةِ لِيُجْلِسَهُ مَعَ أَشْرَافٍ، مَعَ أَشْرَافِ شَعْبِهِ” (مز113: 7، 8). وعندما يقيمك الرَّب من التراب، تظل تردد مع المرتل: “لَصِقَتْ بِالتُّرَابِ نَفْسِي” (مز119: 25).
هذا من الناحية المطلقة، أما من الناحية النسبية.
فتقول: “أنا أكثر خطية من جميع الناس، وأكثرهم ضعفًا وجهلًا، وأيضًا أكثرهم عدم استحقاق. فلا تظن أنك أفضل من أحد”.
ويكون لك هذا الشعور حقيقيًا في أعماقك، ويستمر معك دائمًا.
سُئل أحد القديسين: ما هو الاتضاع؟ فقال: هو معرفة الإنسان لذاته… إذًا فليس الاتضاع أن ترى نفسك كبيرًا، ولكنك حبًا في الفضيلة تصغر نفسك! ففي معرفتك أنك كبير نوع من الكبرياء، وبالمثل شعورك بأنك تُصغّر نفسك…
إنما الاتضاع أن تعرف نفسك تمامًا أنك ضعيف وخاطئ وغير مستحق… وأن تعامل نفسك بما يناسب هذا.
والتواضع كما يكون أمام النفس وفي أعماقها. يكون أيضًا أمام الله، وأمام الناس وحتى أمام الشياطين…
فأنت أمام الله تعترف بضعفك وبفضله عليك، وبأنك بدونه لا تستطيع شيئًا، ولذلك كما تعترف له، تصلي طالبًا معونته.
وأمام الناس لا تتحدث عن ذاتك، ولا تتكبر ولا تنتفخ، ولا ترتفع على أحد، ولا تعامل أحدًا كما لو كنت أفضل منه. بل تعامل الكل باحترام، وكما قال الشيخ الروحاني: “في كل مكان حللت فيه، كن صغير إخوتك وخديمهم”.
أما التواضع أمام الشياطين، فمن أعظم أمثلته القديس أنطونيوس الكبير، الذي كان يقول للشياطين: “أيها الأقوياء، ماذا تريدون منّي أنا الضعيف؟ أنا عاجز عن مقاتلة أصغركم”.
القديس المتواضع لا ينتهر حتى الشياطين…
ولذلك فإن الملاك ميخائيل لما انتهر الشيطان، قال له: “لينتهرك الرَّب يا شيطان، لينتهرك الرَّب”. القديسون المتواضعون، ما كانوا يشتمون الشياطين، ولا يأمرونهم في عظمة، لأن شيطانًا لا يخرج شيطانًا.
التواضع الحقيقي ليس مظاهر خارجية أو لونًا من التمثيل…
هناك إنسان يضرب مطانية بغير اتضاع. تكون رأسه في التراب وقلبه مرتفعًا فوق السحاب… يقول كلمة اتضاع، وكلمة أخطأت، وقلبه ليس مقتنعًا بما يقوله لسانه، بل ربما يضرب مطانية بلون من السياسة أو كسب المواقف!!
ليس التواضع رقة من الخارج وألفاظًا متنازلة، وفي القلب كبرياء وعظمة، وثقة واعتداد بالنفس…
التواضع أيضًا على نوعين تواضع في الجسد وتواضع الروح…
الجسد يتضع في منظره، فلا يجلس أو يمشي في خيلاء. وأيضًا نظراته وملامحه تكون متواضعة، وألفاظه وحركاته وملابسه وزينته تكون كذلك، أما تواضع الروح فهو ما يسمونه مسكنة الروح، أو المسكنة بالروح، التي أعطاها السيد المسيح أولى التطويبات.
يقول البستان إن هناك عجرفة علمانية، وعجرفة رهبانية…
العجرفة العلمانية: خاصة بالعظمة في المظهر الخارجي، كالملابس الفاخرة، والزينة العالية، والتحلي بالحلي، ومظاهر الثراء والأثاثات، والفرح بالألقاب والشهرة والمناصب، وما إلى ذلك…
أما العجرفة الرهبانية: فهي التباهي بألوان النسك الظاهر، كالصوم إلى ساعة متأخرة، ورفض أنواع معينة من الطعام، وأخذ مظهر الوحدة والحبس والصمت أمام الناس، وربما الفرح بأن يكون الإنسان نحيلًا حتى يعرف الناس عنه أنه ناسك!!
الراهب المتواضع قد لا يرفض أي طعام يقدم إليه، يأخذه أمام الناس، ولا يأكله، بل يعطيه في الخفاء صدقة للفقراء…
إن الله يريد اتضاع القلب، يحب الروح المتضعة المنسحقة… وإذا كان القلب متضعًا، فكل العلامات الخارجية للاتضاع تكون طبيعية.
كلام الاتضاع، والسلوك المتضع في المعاملة، ونكران الذات، كل ذلك يكون مجرد تعبير طبيعي غير مقصود. وكما يقول الكتاب: “اَلإِنْسَانُ الصَّالِحُ مِنْ كَنْزِ قَلْبِهِ الصَّالِحِ يُخْرِجُ الصَّلاَحَ… فَإِنَّهُ مِنْ فَضْلَةِ الْقَلْبِ يَتَكَلَّمُ فَمُهُ” (لو6: 45).
أول سقوط في العالم، كان تشامخ الروح، كان ارتفاع القلب، حينما ارتفع قلب الشيطان من الداخل، وأراد أن يكون الأعظم…
فما هو القلب المتضع إذًا؟ وما هي علاماته؟
أول علامة للقلب المتضع هي الهدوء الذي يقول عنه الكتاب: “الرُّوحِ الْوَدِيعِ الْهَادِئِ، الَّذِي هُوَ قُدَّامَ اللهِ كَثِيرُ الثَّمَنِ” (1بط3: 4).
الشيطان دائمًا يحب الضجيج والبهرجة التي تتنافى مع الوداعة. أما القديسون المتواضعون فكانوا دائمًا ودعاء وهادئين…
السيد المسيح قيل عنه إنه: “لاَ يُخَاصِمُ وَلاَ يَصِيحُ، وَلاَ يَسْمَعُ أَحَدٌ فِي الشَّوَارِعِ صَوْتَهُ. قَصَبَةً مَرْضُوضَةً لاَ يَقْصِفُ، وَفَتِيلَةً مُدَخِّنَةً لاَ يُطْفِئُ” (مت12: 19، 20). وهذا منتهى الوداعة والهدوء.
حتى في يوم صلبه كان بنفس الوداعة “ظُلِمَ أَمَّا هُوَ فَتَذَلَّلَ وَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ. كَشَاةٍ تُسَاقُ إِلَى الذَّبْحِ، وَكَنَعْجَةٍ صَامِتَةٍ أَمَامَ جَازِّيهَا فَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ” (إش53: 7).
في قصة لقاء الله مع إيليا
نسمع أنه كانت هناك زوبعة ولم يكن الله في الزوبعة، ونار ولم يكن الله في النار، وزلزلة ولم يكن الله في الزلزلة. وإذا صوتٌ منخفضٌ خفيفٌ يقول له: “مَا لَكَ ههُنَا يَا إِيلِيَّا؟” (1مل19) وكان صوت الله.
إن الإنسان المتشامخ المرتفع، يُعرّض نفسه لسخط الله عليه!
انظروا ماذا يقول الكتاب: “فَإِنَّ لِرَبِّ الْجُنُودِ يَوْمًا عَلَى كُلِّ مُتَعَظِّمٍ وَعَال، وَعَلَى كُلِّ مُرْتَفِعٍ فَيُوضَعُ، وَعَلَى كُلِّ أَرْزِ لُبْنَانَ الْعَالِي الْمُرْتَفِعِ، وَعَلَى كُلِّ بَلُّوطِ بَاشَانَ. وَعَلَى كُلِّ الْجِبَالِ الْعَالِيَةِ، وَعَلَى كُلِّ التِّلاَلِ الْمُرْتَفِعَةِ. وَعَلَى كُلِّ بُرْجٍ عَال، وَعَلَى كُلِّ سُورٍ مَنِيعٍ. وَعَلَى كُلِّ سُفُنِ تَرْشِيشَ، وَعَلَى كُلِّ الأَعْلاَمِ الْبَهِجَةِ. فَيُخْفَضُ تَشَامُخُ الإِنْسَانِ، وَتُوضَعُ رِفْعَةُ النَّاسِ، وَيَسْمُو الرَّبُّ وَحْدَهُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ” (إش2: 12-17).
حقًا، قبل الكسر الكبرياء، وقبل السقوط تشامخ الروح. ويسقط المتشامخون لأن الرب يقاومهم، لأن للرب يومًا عليهم.
المتواضع وديع هادئ. يقدم الخد الآخر، ويمشي الميل الثاني. إذا أخذوا ثوبه، يترك الرداء أيضًا. لا يقاوم الشر. لا يدافع عن نفسه، بل الرب هو الذي يدافع عنه. لا يرتفع، وإنما كلما يتواضع فإن الرب يرفعه.
المتواضع يقول: “لا أنا بل الرب… أنا لست شيئًا”.
أما المستكبر فيتركز حول كلمة أنا، وتدور حولها كل اهتماماته.
مثلما وقف الفريسي المتكبر، يتحدث عن أعماله. ومثل التجربة الشديدة التي وقع فيها أيوب الصديق، حينما تحدث عن نفسه (أي29).
وهكذا قال أيوب: “حِينَ كُنْتُ أَخْرُجُ إِلَى الْبَابِ فِي الْقَرْيَةِ، وَأُهَيِّئُ فِي السَّاحَةِ مَجْلِسِي. رَآنِي الْغِلْمَانُ فَاخْتَبَأُوا، وَالأَشْيَاخُ قَامُوا وَوَقَفُوا، صَوْتُ الشُّرَفَاءِ اخْتَفَى، وَلَصِقَتْ أَلْسِنَتُهُمْ بِأَحْنَاكِهِمْ. لأَنَّ الأُذُنَ سَمِعَتْ فَطَوَّبَتْنِي، وَالْعَيْنَ رَأَتْ فَشَهِدَتْ لِي. لَبِسْتُ الْبِرَّ فَكَسَانِي. كَجُبَّةٍ وَعَمَامَةٍ كَانَ عَدْلِي. أَبٌ أَنَا لِلْفُقَرَاءِ” (أي29: 7-15).
مشكلة أيوب الصديق، إنه كان بارًا وكاملًا، ويعرف عن نفسه أنه بار وكامل. فكان يتعبه ما يعرفه عن نفسه من برٍ.
لذلك متى انتهت تجربته؟ انتهت حينما شعر بضعفه أمام الله، ووضع يده على فمه، وقال: “نَطَقْتُ بِمَا لَمْ أَفْهَمْ. بِعَجَائِبَ فَوْقِي لَمْ أَعْرِفْهَا”، وقال أيضًا: “لِذلِكَ أَرْفُضُ وَأَنْدَمُ فِي التُّرَابِ وَالرَّمَادِ”. ولما وصل إلى التراب والرماد انتهت تجربته وردّ الرَّب سبيه (أي42).
على أن قومًا قد لا يتركزون حول كلمة (أنا) وإنما حول كلمة (نحن). إنها كبرياء الذات في شكل (المجموعة).
كما يفتخر إنسان ببلده، أو بعشيرته أو بجنسه، أو بجامعته. أو كما افتخر الألمان بأنهم من الجنس الآري، وكما افتخر اليهود بأنهم أولاد إبراهيم، وكما افتخر الفريسيون بأنهم الجماعة المدققة…
وقد يحاول من يفتخر أن يخفي افتخاره بعبارة شكر لله…
كما بدأ الفريسي افتخاره بقوله: “اَللّهُمَّ أَنَا أَشْكُرُكَ أَنِّي لَسْتُ مِثْلَ بَاقِي النَّاسِ” (لو18: 11). وكما بدأ أيوب افتخاره وبقوله: “يَا لَيْتَنِي كَمَا فِي الشُّهُورِ السَّالِفَةِ وَكَالأَيَّامِ الَّتِي حَفِظَنِي اللهُ فِيهَا، حِينَ أَضَاءَ سِرَاجَهُ عَلَى رَأْسِي، وَبِنُورِهِ سَلَكْتُ الظُّلْمَةَ. وَرِضَا اللهِ عَلَى خَيْمَتِي” (أي29: 2-4).
وما أصعب ما يتطور إليه الإنسان في كلمة (أنا)، حتى لا تعجبه كل عظمة ذاته، فيطلب المواهب واجتراح المعجزات.
وينسى كل الآيات الداعية إلى الاتضاع، ولا يتذكر إلاَّ “وَلكِنْ جِدُّوا لِلْمَوَاهِبِ الْحُسْنَى” ناسيًا ما قيل بعدها “وَأَيْضًا أُرِيكُمْ طَرِيقًا أَفْضَلَ” (1كو12: 31).
يظنُّ أن الإنسان لا تكون له علاقة طبيعية بالروح القدس، إلا إذا تكلم بألسنة، أو شفى المرضى أو أخرج الشياطين، ناسيًا أن كثيرين قالوا للرب: ” يَا رَبُّ، يَا رَبُّ! أَلَيْسَ بِاسْمِكَ تَنَبَّأْنَا، وَبِاسْمِكَ أَخْرَجْنَا شَيَاطِينَ، وَبِاسْمِكَ صَنَعْنَا قُوَّاتٍ كَثِيرَةً؟” فسمعوا منه عبارة: “إِنِّي لَمْ أَعْرِفْكُمْ قَطُّ! اذْهَبُوا عَنِّي يَا فَاعِلِي الإِثْمِ!” (مت7: 22، 23).
وينسى قول الرَّب لتلاميذه عن المعجزات: “لاَ تَفْرَحُوا بِهذَا” (لو10: 20).
وينسى أن ثمار الروح أنفع لخلاصه من مواهب الروح، وأن يوحنا المعمدان أعظم من ولدته النساء، لم يذكر عنه الكتاب أنه كان صاحب معجزات… كان أعظم ما فيه هو اتضاعه على الرغم من امتلائه من الروح القدس بل بهذا الامتلاء قال: “لَسْتُ أَنَا… هُوَ الَّذِي يَأْتِي بَعْدِي، الَّذِي صَارَ قُدَّامِي، الَّذِي لَسْتُ بِمُسْتَحِقّ أَنْ أَحُلَّ سُيُورَ حِذَائِهِ” (يو1: 20-27).
لم يحدث أن إنسانًا رأى عجائب مثل السيدة العذراء، ولكنها في اتضاعها ظلت صامتة، لا تتحدث عن (اختباراتها)، كما يتحدث كثيرون عن (اختباراتهم) دون أن ينالوا شيئًا مثلها!!
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة التاسعة – العدد الحادي والعشرون 26-5-1978م



