خطوات في الطريق إلى الله – انسحاق القلب

خطوات في الطريق إلى الله
أود أن أبدأ معكم اليوم سلسلة مقالات عن خطواتنا في الطريق إلى الله. ولتكن الخطوة الأولى هي حديثنا عن التوبة وانسحاق القلب.
انسحاق القلب[1]
حينما يبدأ الإنسان في معرفة الله، والسير في طريقه، تكون خطوته الأولى إليه، هي التوبة.
يترك طريقه القديم البعيد عن الله، ويقول للرب: “طُرُقَكَ يَا رَبُّ عَرِّفْنِي. سُبُلَكَ عَلِّمْنِي، دَرِّبْنِي فِي حَقِّكَ وَعَلِّمْنِي” (مز25: 4، 5). وإذ يشعر بسوء حالته، يندم على حياته القديمة كلها ويدينها. ولا يمكن أن يدين نفسه وينسحق قلبه، إلاَّ بالاتضاع…
والتوبة ليست خطوة يخطوها ويتركها، بل تستمر معه كل الحياة. لأنه كلما سار في طريق الرب، تتكشف له في حياته ضعفات وأخطاء لم تكن ظاهرة في بدء حياته الروحية، وهكذا يومًا بيوم، يشعر بمقدار الخطية التي كانت فيه، فيزداد ندمًا، ويزداد انسحاقًا واتضاعًا…
ولكن كيف يمكن للإنسان أن يتوب؟
لا يمكن أن يتوب، إلاَّ إذا شعر بسوء حالته، وبأنه سائر في طريق خاطئ؛ كما اتضح للابن الضال…
أما الإنسان البار في عيني نفسه، الذي لا يشعر أنه أخطأ، بل يبرر نفسه باستمرار. ويعذر ذاته في كل عمل يعمله، فهذا لا يقترب أبدًا من التوبة. لأنه “لاَ يَحْتَاجُ الأَصِحَّاءُ إِلَى طَبِيبٍ، بَلِ الْمَرْضَى” (لو5: 31)؛ إذًا ينبغي أن تشعر أنك مريض، لكي يشفيك الطبيب الأعظم، وإلاَّ فستبقى في مرضك…
والذين يتوبون على نوعين: نوع نادم منسحق القلب. ونوع آخر تفرحه توبته، فيفتخر بها ويرتفع قلبه، فيسقط.
هناك شخص تتعبه خطايا كبيرة. كالخمر والزنا والرقص والتدخين والبعد عن الكنيسة. فإن تخلص منها، يظن أنه قد وصل. وفي ذلك ينسى أخطاء أخرى في داخله، لم يلتفت إليها بسبب تركيزه في التعب من البشاعات التي يقع فيها…
ويظن هذا المسكين أنه خلص! أو أنه تاب، ويظل يحكي عن هذا (الخلاص) ويردد عبارة “كنت… وصرت…”. وينسى في افتخاره الباطل، ما في داخله من كبرياء، أو عناد، أو اعتداد بالرأي، أو ذاتية، أو تحايل، أو قسوة… وتبقى هذه الخطايا داخل نفسه، تنمو وتزداد وتحطمه…
والعجيب أن بعض المعلمين أو المرشدين، تشجيعًا لهؤلاء المبتدئين في التوبة، قد يمدحونهم ويشجعونهم أو يتملقونهم بألفاظٍ تلقي ستارًا على خطاياهم الباقية فلا يرونها.
والآفة الكبرى، أن يتحول هذا التائب! إلى الخدمة سريعًا. إذ يقولون له: “اذهب وحدث بكم صنع الرب بك”! فيملأ الدنيا حديثًا في كل مجال، أنا كنت خاطئًا، وكنت أفعل كذا وكذا. والآن أشكر الله ما عدت أعمل شيئًا من كل هذا. حياتي تغيّرت وتجدّدت، وتطهّرت وتقدّست، وصرت طبيعة أخرى…”.
ووسط هذا الحديث عن نفسه، يفقد شعور الانسحاق… ولأن التوبة لم تكمل بعد، ولم تأخذ نصيبها النافع لها من الانسحاق ومن الندم ومن الشعور بفداحة الخطية، ولم ترتوِ النفس بالدموع وبالتذلل أمام الله… لذلك سرعان ما ينسى هذا الإنسان خطيته، وينتقل بسرعة إلى تعليم غيره وإلى شرح خبراته! دون أن يكتمل نضجه الروحي…
وما أسرع وهو خادم أن تعود إليه ضعفاته، فيصبح عثرة! وهذه الضعفات قد يبقى فيها، دون أن يشعر بها، ودون أن يدين ذاته عليها، بل يتجاهلها في مشاغل الخدمة!
أما الإنسان المنسحق، الذي يضع خطيته أمامه في كل حين، يبكي عليها، ويلوم نفسه عليها، مهما بلغ من فضيلة، فإن مثل هذا الإنسان، يحتفظ على الدوام باتضاعه، ويحتفظ بالنعمة، فلا يسقط. وما أصدق قول القديس الأنبا أنطونيوس: “إن ذكرنا خطايانا، ينساها لنا الله؛ وإن نسينا خطايانا، يذكرها لنا الله”.
نماذج لشخصيات منسحقة
داود النبي أخطأ، وغفر له الله، فقال له ناثان الكاهن: “الرَّبُّ أَيْضًا قَدْ نَقَلَ عَنْكَ خَطِيَّتَكَ. لاَ تَمُوتُ” (2صم12: 13)؛ ولكن داود بعد سماعه كلمة المغفرة، لم ينقطع إطلاقًا عن الدموع، حتى صارت له دموعه شرابًا نهارًا وليلًا، وحتى بلل فراشه بالدموع، وقال للرب: “انصت إلى دموعي”.
كانت دموعه دليل انسحاق وتوبة، وكانت دليل حب وتأثر.
إن العبد الذي يخاف العقوبة، يبكي خوفًا. أما الابن فيبكي حبًا وهو متأثر، كيف أغضب أباه…
ومثل داود في انسحاق قلبه، كان بولس الرسول… اضطهد الكنيسة حينما كان شاول الطرسوسي، ولكنه رُحم لأنه فعل ذلك بجهل. وغفر له الله خطيئته، بل اختاره للخدمة رسولًا للأمم. وغَير اسمه إلى بولس، وارتفع بولس في الفضيلة، حتى صعد إلى السماء الثالثة ورأى أشياء لا ينطق بها. وارتفع في الخدمة حتى تعب أكثر من جميع الرسل، وبشر من بلاد آسيا غربًا حتى أسبانيا، وكانت له كثرة من الاستعلانات، وتكلم بألسنة أكثر من الجميع.
ومع كل هذه الخدمة، ومع عمق الفضيلة، ظلّ بولس منسحقًا، يذكر خطيئته القديمة في خجل وفي أسى، على الرغم من مغفرتها.
يقول: “الْخُطَاةَ الَّذِينَ أَوَّلُهُمْ أَنَا… لِيُظْهِرَ يَسُوعُ الْمَسِيحُ فِيَّ أَنَا أَوَّلًا كُلَّ أَنَاةٍ…” (1تي1: 15، 16). ويقول أيضًا: “وَآخِرَ الْكُلِّ كَأَنَّهُ لِلسِّقْطِ ظَهَرَ لِي أَنَا، لأَنِّي أَصْغَرُ الرُّسُلِ، أَنَا الَّذِي لَسْتُ أَهْلًا لأَنْ أُدْعَى رَسُولًا، لأَنِّي اضْطَهَدْتُ كَنِيسَةَ اللهِ” (1كو15: 9).
نقول: هذا الاضطهاد قد مضى وانتهى، وأنت الآن الرسول العظيم، مجد خدمة الأمم، رجل الاستعلانات، فيقول: أنا لن أنسى خطيئتي، لأنني اضطهدت كنيسة الله! ما أعجبها نفسًا منسحقة!
وبطرس الرسول أخطأ، وغفر له الرب خطيئته، وأعاده إلى رسوليته، وقال له: “ارْعَ غَنَمِي، ارع خرافي” (يو21: 17). وتعب كثيرًا في الكرازة والخدمة، وآمن الآلاف على يديه، وكان شجاعًا في الشهادة للرب، وصنع معجزات عديدة. ومع ذلك في وقت استشهاده، أصرّ أن يُصلب وهو منكس الرأس، لأنه كان ما يزال يذكر خطيئته التي تركها منذ زمان، وغفرها الرب له. إنما هي النفس المنسحقة.
الذي يعرف الانسحاق، ويختبر الشعور بعدم الاستحقاق، لا شك أنه يكتسب فضائل عديدة جدًا تنقي قلبه.
1) يتخلص من قساوة القلب، ويصير عطوفًا على كل أحد، في حنان حتى على أشرّ الخطاة. لا يدين الخاطئ بل يبكي عليه بحرقة قلب، متوسلًا لأجل خلاصه.
2) ويكتسب أيضًا الاتضاع مثل العشار الذي لم يستطع أن يدخل إلى داخل بيت الرب، إنما وقف من بعيد، لا يجرؤ أن يرفع عينيه إلى فوق، يقرع صدره وهو منكس الرأس، ويقول: “اللّهُمَّ ارْحَمْنِي، أَنَا الْخَاطِئَ” (لو18: 13).
أين هذا من التائب الذي فقد انسحاقه وصار يقول: “حينما كنت في الخطية كنت أفعل… أما الآن فإني…”، “في أيام خطيئتي كنت وكنت…”.
إن أسلوب التحدث عن الخطية كعمل مضى، لا يتفق مع الانسحاق، فالقلب المنسحق يقول كل حين: إنني إنسان خاطئ.
إننا نصلي في الكنيسة باستمرار ونقول للرب: “الخطية هي من طبعي، وأنت طبعك الغفران”.
عبارة “كنت خاطئًا” تحمل لونًا من الكبرياء، وتحمل دليلًا على عدم معرفة النفس، وعدم التدقيق في محاسبتها.
إن الفرق بيني وبين الأيام الأولى “هو أنني كنت قبلًا خاطئًا، ولا أدري أنني خاطئ”. أما الآن فإنني خاطئ، وأعرف تمامًا أني خاطئ.
لا أقسم عمري إلى حياة قبل التوبة، وحياة بعد التوبة، إنما أقول إن عمري كله هو سعي إلى التوبة، أنا محتاج اليوم إلى التوبة، مثلما كنت محتاجًا إليها في بدء حياتي الروحية. أنا أعرف جيدًا مقدار ضعفي وقابليّتي للسقوط. وأعرف أنه لو تخلت النعمة عنّي لحظة واحدة، لشابهت الهابطين في الجب…
أنا لست أقوى من الذين سقطوا، لأني أسقط كل يوم. بل إنني أستمع في حرص شديد إلى قول الكتاب عن الخطية، أنها: “طَرَحَتْ كَثِيرِينَ جَرْحَى، وَكُلُّ قَتْلاَهَا أَقْوِيَاءُ” (أم7: 26).
لستُ أفتخر باطلًا وأقول عن توبتي كما يقول البعض: “إنني تجددت، وتقدست، وتخلصت، وتطهرت”. إنما أطلب هذه القداسة كل يوم، وأطلب الخلاص كل يوم، وأصرخ إلى الله في كل صلاة: “قَلْبًا نَقِيًّا اخْلُقْ فِيَّ يَا اَللهُ، وَرُوحًا مُسْتَقِيمًا جَدِّدْ فِي دَاخِلِي” (مز51: 10). وأنا أعرف أخطائي وضعفاتي ونجاساتي وأقول: “طَهِّرْنِي بِالزُّوفَا فَأَطْهُرَ. اغْسِلْنِي فَأَبْيَضَّ أَكْثَرَ مِنَ الثَّلْجِ” (مز51: 7).
إن الذي لا يشعر بخطيئته، يرتكب بذلك أكبر خطيئة.
ما أحوجنا أن نتأمل صلوات القديسين، وبكاءهم على خطاياهم، واتضاعهم أمام الله وأمام الناس، بل حتى أمام الشياطين، واعترافهم بخطاياهم في ذلة، كل حين.
إن الذي لا تنسحق نفسه، سيصل إلى العجرفة يومًا ما.
والذي ينسى خطاياه، ولا يذكر سوى اختباراته الروحية، هو عُرضة لمحاربة الشياطين التي تخفض رأسه المتعالية. بل إنه قد تتخلى عنه النعمة حينًا، لكي يعرف ضعفه، ولا يذكر إلا أنه “مُنْتَشَلَ مِنَ النَّارِ” (زك3: 2).
إن الذي يظن أنه قد ارتفع عن مرحلة التوبة، وبدأ يصعد في درجات القداسة، هو حتمًا مخدوع من الشياطين.
مسكين مَن يظن أنه ترك التوبة، وبدأ في الثيئوريات وحدود ما فوق الصلاة. ويفتخر بأنه ذاق المواهب الروحية، واستحق أن يتكلم بألسنة، وذاق حياة الملء التي لم يختبرها غيره من الضعفاء!! بل أصبح يمنح هذه المواهب للآخرين!
أرسانيوس القديس العظيم بعد سنوات طويلة في الجهاد الروحي وفي عمق الفضيلة، يعترف أنه لم يفعل شيئًا، ويصلي قائلًا: “هبني يا رب أن أبدأ”. وبولس الرسول العظيم يقول: “لَيْسَ أَنِّي قَدْ نِلْتُ أَوْ صِرْتُ كَامِلًا، وَلكِنِّي أَسْعَى لَعَلِّي أُدْرِكُ” (في3: 12).
هذا هو الاتضاع وإنكار الذات، اللذان استطاع بهما القديسون أن يستأهلوا لعمل النعمة. وكلما وضعوا أنفسهم وأخفوها، رفعهم الله وأظهرهم.
ما أجمل قول مار إسحاق في أعمال المتضعين المنسحقين، وفي قيمة الاتضاع الذي يفوق عمل المعجزات… يقول:
“الذي يعرف خطاياه، خير ممن ينفع الخليقة بمنظره”…
“والذي يتنهد على نفسه كل يوم، أفضل من الذي يقيم الموتى بصلاته”.
“والذي استحق أن ينظر خطاياه، أفضل من الذي ينظر ملائكة”.
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة التاسعة – العدد التاسع عشر 12-5-1978م




