خطوات في الطريق إلى الله – “الهدف” في الحياة الروحية

خطوات في الطريق إلى الله
أحدثكم عن (الهدف) في الحياة الروحية، ما هو هدفنا الحقيقي؟ وما هي الأهداف الزائفة والوقتية؟ وكيف يقودنا الهدف السليم إلى عمق الحياة مع الله.
“الهدف” في الحياة الروحية[1]
إن الهدف يحدد طريق الإنسان في الحياة.
والذي يعيش بلا هدف، يحيا حياة مقلقلة، بلا طعم، بلا معنى. إنه شخص يقضي مجرد أيام على الأرض، بلا ثمر، مثل هذا الإنسان قد يسأل باستمرار: لماذا نحيا؟ لماذا خلقنا الله؟ ما الحكمة في وجودنا؟
وحياة هؤلاء، يدركها الضجر والملل والقلق…
وهناك أشخاص لهم أهداف مؤقتة أو قصيرة المدى، مثل شخص هدفه أن ينجح، أو فتاة هدفها أن تتزوج. ثم يتم النجاح أو الزواج، ويبقى صاحبه بلا هدف.
إننا لا نسمي هذه أهدافًا، وإنما مجرد رغبات.
وهناك أشخاص قد تكون لهم نظرة روحية، فيقولون إن هدفهم هو التوبة أو النقاوة، أو الرهبنة أو الخدمة.
ومع جمال هذه النظرة وروحانيتها، إلا أننا نقول: إن التوبة ليست هدفًا في حد ذاتها، ولا النقاوة، والرهبنة ليست هدفًا، ولا يمكن أن تكون الخدمة هدفًا. كلها مجرد وسائل توصل إلى الله. أما الهدف الوحيد الحقيقي، الذي لا هدف غيره، فهو الله نفسه.
كذلك قد يوجد إنسان حكيم يفكر في أبديته، ويرى ذلك هدفًا. وما أسمى التفكير في الأبدية، ولكن الأبدية بدون الله ليست شيئًا، ولا قيمة لها بدونه. وما أجمل قول السيد الرب في حديثه مع الآب: “وَهذِهِ هِيَ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ: أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ الإِلهَ الْحَقِيقِيَّ وَحْدَكَ” (يو17: 3).
إذًا الأبدية ليست هدفًا، ولا السماء ولا الفردوس كذلك. الهدف هو الله. ونحن نحب كل هذا لأجله.
هدفنا هو الله.. ومن أجله نحب أورشليم السمائية، التي هي مسكن الله مع الناس. من أجله نحب الملكوت، حيث نتمتع بعشرته، وحيث يكون هو نكون نحن أيضًا.
ليس من اللائق أن تتحول الوسائل في نظرنا إلى أهداف.
إنسان قد يحب البرَّ أو الخيرَ أو القداسة، ويجعل ذلك هدفه. ولكن ما البر وما الخير وما القداسة، إلاّ حالة شركتنا مع الله، الذي هو الهدف، والذي نسمي الالتصاق به برًا وخيرًا وقداسة، وتبقى أنشودتنا مع المرتل: “أمَا أنَا فخيرٌ لي الالتصاق بالرَّبِ” (مز73: 28). إنه الهدف.
هدفنا إذًا هو أن نعرف الله، ونلتقي به، ونُكَوِّن علاقة معه: نصادقه، نعاشره، نحبه، نثبت فيه وهو فينا، كما يثبت الغصن في الكرمة، نكون مسكنًا له، وهيكلًا لروحه القدوس، نعيش فيه، ونعيش به، ونعيش معه، بِهِ نَحْيَا وَنَتَحَرَّكُ وَنُوجَدُ (أع17: 28). ويصير هو مركز عواطفنا ومركز مشاعرنا، نعطيه كل الحب وكل القلب. ويكون الله بالنسبة إلينا هو الكل في الكل.
وبهذا الوضع نقول أيضًا: إن العبادة من صلاة وتأمل وسجود ليست هدفًا. إنها مجرد تعبير عن حبنا للهدف أي الله.
كثيرون يجعلون هدفهم حياة الصلاة أو التأمل، أو حياة السكون أو الهدوء، أو تكون أهدافهم أن يدركوا درجات في حياة الصوم أو الصمت… وربما من أجل هذا يضطربون ويختلفون. وفي كل ذلك ينسون الهدف الحقيقي، الله الذي يوجهون إليه الصلاة…
فليكن الله هو هدفنا، وليست الوسيلة الموصلة إليه.
وإن صار الله هدفنا، نكتفي به، ولا نحتاج إلى شيء.
نقول له مع داود: “وَمَعَكَ لاَ أُرِيدُ شَيْئًا فِي الأَرْضِ” (مز73: 25). داود الذي لما عرف الله قال: “الرَّبُّ رَاعِيَّ فَلاَ يُعْوِزُنِي شَيْءٌ” (مز23: 1). لم يعد معتازًا إلى شيء، لأن الله قد أشبع قلبه، وملأه، ولم تعد فيه شهوة إلى غيره.
صار الله هو شهوة قلبه الوحيدة، وتضاءل كل شيء، ومن أجل الله، أصبح القلب مستعدًا أن يترك الكلَّ ما عداه.
قال بطرس للسيد المسيح: “تَرَكْنَا كُلَّ شَيْءٍ وَتَبِعْنَاكَ” (لو18: 28). ولماذا تركوا كل شيء؟ لأنه لم تعد لأي شيء قيمة في ذاته بعد معرفة المسيح.
أصبحت القيمة الوحيدة، محصورة في هذا الهدف الوحيد، الذي هو الرب، الذي من أجله قال بولس الرسول: “إِنِّي أَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ أَيْضًا خَسَارَةً مِنْ أَجْلِ فَضْلِ مَعْرِفَةِ الْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّي، الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ خَسِرْتُ كُلَّ الأَشْيَاءِ، وَأَنَا أَحْسِبُهَا نُفَايَةً لِكَيْ أَرْبَحَ الْمَسِيحَ. وَأُوجَدَ فِيهِ” (في3: 8، 9).
حقًا، إن صار الله هو هدفك، يصبح كل شيء نفاية في نظرك، ولا تحزن على فقد أي شيء آخر، بل إنك أكثر من كل هذا، تقول مع الرسول: “وَلاَ نَفْسِي ثَمِينَةٌ عِنْدِي” (أع20: 24).
وهكذا تختفي الذات أيضًا التي يهتم بها الكثيرون!
الذي ينشغل بنفسه، وتكبر ذاته في عينيه، ويريدها أن تكبر في أعين الناس، ويجاهد لأجل هذه النفس، هذا لم يجعل الله هدفًا له. فإن الله نفسه يقول له: “مَنْ وَجَدَ حَيَاتَهُ يُضِيعُهَا، وَمَنْ أَضَاعَ حَيَاتَهُ مِنْ أَجْلِي يَجِدُهَا” (مت10: 39).
الذين جعلوا الله هدفهم، سكروا بمحبة الله، وأصبحوا لا يهتمون بشيء مما حولهم. يكفيهم الرَّب، ومعه لا يريدون شيئًا على الأرض.
مثال ذلك المتوحدون في البراري والقفار، والسواح الذين قضوا عشرات السنوات لا يرون فيها وجه إنسان. أترى كان لهؤلاء هدفٌ آخر، أو كانت لهم رغبة أخرى؟!
والذي يجعل الله هدفه، يعيش دائمًا سعيدًا، فرحًا بالرب.
ولا يستطيع أحد أن ينزع فرحه منه. لأن هدفه معه في كل حين، لا يستطيع أحد أن يفصله عنه. هو فرح بالرَّب حتى في قلب السجون، كما قال القديس باسيليوس الكبير لما هددوه بالنفي: “هل سأنفى إلى أرضٍ لا يوجد فيها الله “لِلرَّبِّ الأَرْضُ وَمِلْؤُهَا. الْمَسْكُونَةُ، وَكُلُّ السَّاكِنِينَ فِيهَا” (مز24: 1)”.
أما إن دخلت رغبة أخرى إلى قلب الإنسان إلى جوار الله، فإنها تتعبه، لأنها قد تتحقق وقد لا تتحقق.
انظروا إلى نبي عظيم مثل موسى النبي، تمتع بالله بكل الصور، تحدث معه عند العليقة، وفوق الجبل حيث قضى معه أربعين يومًا. وكان الله يحدثه عند باب خيمة الاجتماع، ومن فوق تابوت العهد، ورأى عجائب الرب وعاش فيها. وبعد هذه العشرة الطويلة، رأينا رغبة في نفس موسى أن يدخل أرض الموعد، أو على الأقل أن يراها!
ما هذا، يا سيدي العظيم، الذي لا أستحق تراب قدميك بركة! هل الذي رأى الله نفسه، وتحدث معه فمًا لأذن، يهمه أن يرى أرضًا أيًا كانت تفيض لبنًا وعسلًا؟ أليس أن العين الشبعانة تدوس العسل…
لهذا فإن الله لما رفض أن يدخله أرض الموعد، فإن ذلك لم يكن عقابًا، بقدر ما كان عتابًا.
إن كل أرض تلتقي فيها بالله هي أرض موعد…
كان أتون النَّار أرض موعد بالنسبة إلى الثلاثة فتية، لأنهم هناك التقوا بالرب. وكانت جزيرة بطمس التي نُفي إليها يوحنا الحبيب أرض موعد، لأنه فيها رأى الرب وكشف له ما لا بد أن يكون…
ما دام هدفنا هو الله، فكل مكان نلتقي فيه بالرب هو أرض موعد، ولو داخل بطن الحوت كيونان، ولو في أرض السبي كدانيال…
يتوه الإنسان الذي له شهوات كثيرة، أو الذي يجد نفسه ضائعًا وسط أهداف عديدة، والحاجة إلى واحد…
لقد وبخ السيد المسيح مرثا بقوله: “أَنْتِ تَهْتَمِّينَ وَتَضْطَرِبِينَ لأَجْلِ أُمُورٍ كَثِيرَةٍ، وَلكِنَّ الْحَاجَةَ إِلَى وَاحِدٍ” (لو10: 41-42)، وطوّب مريم أختها لأنها اختارت هذا الواحد… فهل أنت أيضًا توجد في قلبك “أشياء كثيرة” أم تحصر كل اهتمامك في الواحد؟! لذلك حسنًا وصف الآباء حياة الرهبنة في عبارة واحدة، لها عمقها ومغزاها، وهي: “الانحلال من الكل للارتباط بالواحد”.
وهذا الواحد هو بالنسبة إليهم “الكل في الكل”…
ولهذا لا يكفي أن تعطي الله قلبك، إنما كل القلب…
فلا يبقى في القلب مكان لهدف آخر تشتهيه.
“فَتُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ وَمِنْ كُلِّ قُوَّتِكَ” (تث6).
ولذلك فإن أحد الآباء وصف حياة التوبة، بعبارة عميقة تتعلق بالقلب، فقال: إن التوبة هي استبدال شهوة بشهوة، هي وضع شهوة الله، بدلًا من شهوة العالم والخطية…
حقًا، كلما يتعمق الإنسان في محبة الله والارتباط به، يتعمق تلقائيًا في فضيلة التجرد، فيموت العالم من قلبه.
ذلك لأنه لا يستطيع أن يعبد ربّين، أو يخدم سيدين. لا يمكن أن يحب الله والعالم معًا، فمحبة العالم عداوة لله، ومحبة الله نار تحرق كل محبة أخرى عالمية…
والذي يتخلص من كل محبة العالم، ويصير الله هدفه الوحيد، مثل هذا يعيش في سلام كامل مع الله ومع الناس.
وكما قال أحد الآباء: “ازهد فيما في أيدي الناس، يحبك الناس”. وهذا الذي لا يشتهي شيئًا، كما يمتلئ قلبه بالسلام، يمتلئ أيضًا بالشجاعة، ويعلو مستواه، كما قال القديس أوغسطينوس: “جلست على قمة العالم، حينما أحسست في نفسي أنّي لا أشتهي شيئًا، ولا أخاف شيئًا”.
علينا إذًا أن نسعى نحو الهدف، ونركز كل قلوبنا فيه، ولا نجعل لله منافسًا في قلوبنا أو شهواتنا، وبالأكثر الذات التي تُضيّع نفسها برغبات لا تُحصى.
آدم كان له الكثير ولكنه أراد أن يكبّر ذاته بأن يصير مثل الله، فأضاع نفسه، وفقد الذي معه. والشيطان نفسه أراد أن يرتفع فوق كل كواكب الله، ويصير مثل العلي، فسقط إلى الهاوية.
أما الذي يركز كل محبته في الرَّب، يشبه ذلك التاجر الحكيم الذي وجد درة غالية الثمن، فباع كل ما له واشتراها (مت13). هذه الدرة الثمينة هي الله نفسه.
عليك أن تسأل: ما هو مركز الله في حياتك؟
هل هو هدف ضمن أهداف كثيرة لك؟
أم تراه غير موجود في حياتك على الإطلاق؟ أم هو بالنسبة إليك كل شيء، معه لا تريد شيئًا على الأرض؟
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة التاسعة – العدد الحادي الثلاثون 4-8-1978م





