حياة السكون

حياة السكون -2-[1]
لمار إسحق أسقف نينوى
غرض السكون
أهمية وجود الغرض:
اسمع أيها الأخ الحبيب: إن أردت ألَّا تكون اتعابك فارغة، وأيامك باطلة وعديمة من المنفعة التي يترجاها ذوو الافراز من السكون:
(ليكن دخولك إلى السكون بإفراز ومعرفة، وليس كيفما اتفق، ولا بحسب جرى العادة، لئلا تكون مثل كثيرين).
بل ليكن لفكرك غرض وقصد، تصوب إليه كل عمل سيرتك. واسأل الذين يعرفون هذا بالتجربة في ذواتهم، وليس من القراءة فقط. ولا تهدأ حتى تتخرج في جميع طرق أعمالك.
(وكل قدم تضعها، فتش وافحص إن كنت في الطريق سائرًا، أو زغت إلى بعض السبل التي توصل إلى التوهان).
فتش وافحص عن عمل السكون ما هو. ولا تَجرِ وراء الاسم فقط. بل غص وانقبض، واهتم بلجاجة، لتدرك مع القديسين ما هو ارتفاع هذا العمل وعمق هذه السيرة..
والذي من مبدأ سكونه، ما يضع لنفسه هذا القصد وهذا الغرض، وإليه يصوب استعمال عمله، بل يعمل هكذا كيفما اتفق، فهو مثل من يرعى الريح، ولا يتخلص أبدًا من روح الضجر كل أيام حياته.
واحد من أمرين يعرض له: إما أنه ما يقدر أن يتجلد في ثقل صعوبة الحبس، فيخرج من السكون بالكلية. أو أنه إن تجلد وثبت فيه، تكون قلايته له مثل السجن وينقلى فيها!!
قبل كل شيء، محتاج هو الذي يجلس في الوحدة والحبس والسكون، وبالأكثر الأخ المبتدئ، إلى هذه الأشياء الثلاثة:
إلى الغرض المستقيم، وإلى تكميل خدمة الأوقات، وإلى المرشد. إلى هذه الثلاثة بالضرورة مفتقر الأخ.
أما القصد المستقيم، فمضطر إليه المتوحد. لأن بدونه جميع عمل الفضيلة باطل هو. وليست له مكافأة.
كثيرون يعملون أعمالًا كثيرة بغير غرض مستقيم. مع أن الأثمار الحقيقية لا تخرج من العمل، وإنما من القصد الذي لأجله عمل العمل.
قال القديس أنطونيوس لبولا البسيط تلميذه:
من غير تدبير السكون، لا يمكن أن ينظر الإنسان نفسه، ويفهم آلامه. وذلك أن النفس من الاضطراب الذي يلاقيها من الخارج، ما تقدر أن تتأمل ذاتها في الحروب المتحركة عليها خفية. أما في السكون والهدوء، فتقدر على الفتك بما يتحرك من الداخل.
مغبوط هو الإنسان الذي يعرف هذا، ويلازم السكون والهدوء.
(إجلس في قلايتك، لتأخذ تجربة حروب الشياطين).
لتتميز الأفهام الروحانية والعزاءات الإلهية التي تُعطىَ لك بنعمة الله، حسبما يليق بطقس عمل السكون الصغير الذي هو حفظ الأسابيع.
قال أحد الآباء: هذه هي منفعتي من السكون: إنه إذا بعدت عن المعسكر الذي أنا فيه جالس، يتفرغ عقلي من استعداد القتال، ويرجع إلى عمله.
وقال آخر: وبالمداومة على السكون، بدأ قلبي يرتاح من الملاقاة واضطراب التذكارات، وتطلق عليه بغتة أمواج الطرح التي من معاني الحركات الداخلية.
وقال آخر: السكون يقطع الأسباب التي تجدد الأفكار، وداخل حصنه يبيدها. وينسى التذكارات القديمة. وإذا ما بليت الأمور القديمة ونُسيَت، عند ذلك يرجع العقل إلى التقويم الطبيعي.
وقال آخر: إذا الإنسان عاين وجوهًا كثيرة، وسمع أصواتًا كثيرة مختلفة. غريبة عن هذا الروحاني، وإذا ما تَحدَث وتَفَاوض مع هؤلاء، ما يقدر أن يتفرغ عقله لينظر ذاته في الخفاء، ويتذكر خطاياه، ويهدم أفكاره، ويرصد ما يأتي عليه، ويتفاوض بالصلاة خفيًا..
ولا يقدر الإنسان بدون السكون أن يقمع حواسه..
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السابعة عشرة – العدد 14 (16-6-1989م)



