حياة السكون

حياة السكون1
لمار إسحق أسقف نينوى
التجرد والحث عليه:
الانحلال من الكل، يتقدم الارتباط بالواحد:
بادر إلى حل كل رباط براني من ذاتك، وحينئذ تقدر أن تربط قلبك بالله… إن الخبز يعطى للطفل بعد الفطام. والإنسان الذي يريد أن يحظى بالإلهيات، ينبغي له أولًا أن يتغرب عن العالم، كالطفل عن ثدي أمه.
إذا أردت أن تدنو من الله بقلبك، اظهر له أولًا شوقك، بترك الأمور الجسدانية…
وذلك حتى لا يرتبط العقل بشيء، لا بنظر، ولا بسمع، ولا يهتم بالأشياء: لا بفسادها ولا بتدبيرها، ولا بإنسان ما. لأن الله ربط عقلنا برجائه فقط… بالانحلال من الكل… اترك الحقيرات لتجد العظيمات. كن ميتًا بالحياة، ولا تعش بالميتوتة.
ليس أحد يشتهى السمائيات، وهواه مرتبط بالأمور الجسدانية. لأن الشهوة التي في الإنسان، من أعماله تُعرف. لا تطلب عزاءً موضوعًا خارجًا عن القلب.
ابتعد عن كل عزاء يحدث بتوسط خدمة الحواس، لتؤهل لذلك العزاء الذي يُقتنى من الداخل.
كل الخيرات والشرور التي تعرض للجسد، فلتكن عندك شبه الأحلام. لأن ليس فقط بموت الجسد تنحل منها، بل مرارًا كثيرة قبل الموت تتركك وتذهب. فإن كان شيء منها مشتركًا في
نفسك، فاحسب أنه هو قد اقتناك إلى الأبد…
إن كانت لك قنية، ففرقها دفعة واحدة. وإن لم يكن لك، فلا تؤثر أن يكون لك…
أزل من قلايتك النعم والفضلات. لأن هذا يقودك إلى النسك وإن لم تشأ. لأن العوز إلى الأمور، يعلم الإنسان الإمساك. وأما إذا تمكنا في الأمور وانغمسنا فيها، فما نقدر على إمساك أنفسنا.
لا تظن أن اقتناء الذهب والفضة فقط هو حب القنية، بل كل ما تعلقت إرادتك بشهوته…
إياك أن تحب القنية من أجل الأنفاق على المساكين..
إن أنت هجرت أمور الدنيا، فلا تنازع أحدًا في شيء البتة.
وسائل التجرد:
ليس أحد يقدر أن يحصل على هذه الفضيلة بالحقيقة، التي هي عدم القنية، دون أن يقنع ذاته بأن يصبر على التجارب بمسرة. وليس أحد يتمكن من احتمال الضوائق والصبر عليها، دون أن يؤمن بأن هناك شيئًا موجودًا أشرف من الراحة الجسمانية… حينئذ يلم به فكر الزهد.
ومن أعدم نفسه الأمور الهيوليه، ولم يتجرد من فعل الحواس. أعني النظر والسمع. فقد جلب لذاته حزنًا وضيقًا متضاعفًا… إذ رجع فتنعم بها (بالحواس)، فيتأذى وينفعل بالآلام… إذًا فالابتعاد والوحدة أمر حميد. إنه يعاضد جدًا، لأنه يسكت الأفكار بشجاعة، ويعطى قوة لاقتناء الصبر. ابتعد عن محبي القنية والشغوفين بالحشد، مثلما تهرب من المقتنيات.
فوائد التجرد:
بقدر ما ينعتق الجسد من رباطات الأشياء، هكذا ينعتق الفكر. وإن لم ينفك من كل ما يُرى ومن اقتنائه، فلا ينعتق من الحركات التي من أجله، ولا يكون بطالًا من الأفكار التي تظلم العقل.
العقل الذي مات بالحقيقة عن العالم، فبالله يتحرك جمعه. الميتوتة الحقيقية هي التحرك بالحق.
كلما كان الإنسان في التجرد، فالانتقال من الحياة يتحرك في قلبه كل وقت على الدوام. وبالحياة التي بعد القيامة يهدس في كل وقت، ويسعى أن يقتنى الاستعداد إلى هناك.
وينشأ في قلبه الصبر على فقد كل كرامة وراحة. ويختلج في فكره احتقار هذا العالم. ويقتني قلبًا شجاعًا، ويجسر على كل أمر مخوف وكل شيء خطر ومميت.
لأنه ولا من الموت يخاف، لأنه ينتظره كل وقت.
أما إذا اتفق له سبب أن يحصل بيده شيء من الأمور الزائلة، اقتناه بغواية ذلك الحكيم في كل الشرور- أعنى الشيطان- تبدأ تتحرك في فكره محبة الجسد ونياحه. ويتفكر في حياة طويلة. ويتحفظ على جسده، إن أمكن لا تدنو منه أذية. ومن هذا الموضع، يتفكر ويهدس في حركات الخوف والرعب..
المتوحد الذي خرج في اهتمام المنظورات، قد نسى وعده الأول.
جمع العقل
ما هو جمع العقل؟ الحث عليه:
جمع العقل وسكون الضمير، يقال إذا ما هذت الأفكار بالهذيذ الروحاني على عناية وسياسة حكمة الله.
الجمع الحقيقي للعقل ُيعرف، إذا كان العقل منعتقًا من تصور أشكال الآلام.
الطياشة تسمى رديئة، عندما يطيش الذهن في الأمور الجسدانية العالمية. أما الطياشة الجيدة، فهي إذا طاش العقل بهذيذ معرفته المخصبة، بانتقاله من ثاؤرية إلى ثاؤرية.
كما أن الهذيذ بالمنظورات هو طياشة بالقياس إلى المعقولات، وهكذا أيضًا الهذيذ بالمعقولات هو طياشة بالنسبة إلى الهذيذ بأسرار معرفة الثالوث القدوس.
لا يعجب أحد من هذا، إنه ليس بسهولة يوجد جمع العقل، حتى ولا ذاك الجزئي الذي في وقت الخدمة والصلاة… لأنه ليس من أعمال الجسد فقط يكون، وليس لأناس مبتدئين، ولا كيفما اتفق، ولا بوقت قليل يوجد متسهلًا…
بل بسكون كثير، وبعمل القلب، يُعطى لأناس قد تركوا العالم بالكلية. وبالكمال قد ماتوا عن نظر الناس وسماعهم.
لا يليق بالمتوحد أن يحرك وينزل فكره عن القيام قدام الله، وهمُّ شيء من الأشياء.
الحكمة الحقيقية هي النظر بالله. والنظر بالله هو صمت الأفكار.
جمع العقل، بالبعد عن الأمور، وعن الاهتمامات:
إن كنت تريد أن تنقبض من طياشة الأفكار، وتجد فسحة للصلاة بعقلك، اجمع ذاتك من الهيولي، واهتمام الأشياء، وطموح وطياشة الحواس. وأعلم أنه بقدر ما ينعتق الجسد من رباط الأشياء، هكذا ينعتق الفكر.
هدئ نفسك من الاهتمام الباطل، لتجد نفسك الفهم. الفضيلة هي أن يكون الإنسان خاليًا من العالم بفكره.
المبتعد عن العالم، هو الذي يبغض المفاوضة مع أفكار واهتمامات هذا العالم.
الذي يهتم بأشياء كثيرة، هو عبد لكثيرين. والذي يرفض كل شيء، ويهتم بإصلاح نفسه، هو محب لله. ينبغي إذن للراهب، أن يقف ذاته لدى وجه الله، ويكون شخوصه إليه، إن كان يؤثر بالحقيقة أن يحفظ عقله، وينقيه من الحركات اللطيفة التي تدب فيه.
الأفعال الكثيرة تحدث اهتمامات شتى. والاهتمامات الكثيرة تولد أفكارًا غزيرة. وبهذا يخرج العقل من الهدوء، ومن أن يكون مرتفعًا عن كل هم أرضي.
النفس التي أحست بالحياة التي تفوق الجسد، لا تهتم بما للعالم.
ما هي الضرورة التي تلجئنا إلى أن نبحث عن الله في السماء والأرض، وأن نطوف
بعقلنا وراءه في الأماكن؟! طهر نفسك أيها الإنسان، وأزل عنك ذكر الاهتمام بالأمور الخارجة عن طبيعتك، وهذيذ التذكارات البرانية. وعلق على باب حركات ذهنك ستر العفة والاتضاع. فإنك بتوسط هذه الأمور، تجد الله داخلك. والدليل على هذا أن الأسرار تنكشف للمتواضعين.
جمع العقل بترك الهذيذ الباطل الرديء:
إن كنت تخاف من الطياشة اقطع عنك الهذيذ الرديء، الذي قد انجمع من انحلال السيرة.
المتوحد الذي ما يزجر الفكر، أو التذكارات التي تصعد على قلبه ويسكتها، بل بأمان يتفاوض معها بفرح، ويتجاوب معها، بل ويخرج في طلبها… هذا سوق عظيم…!
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الرابعة عشرة – العدد الأول 1-1-1986م




