حياة التواضع والوداعة تطويب التواضع

حياة التواضع والوداعة
سيصدر هذا الكتاب قريباً بإذن الرب، شاملاً لكل ما أمكن وصوله إلينا من أقوال الآباء القديسين. وإلى أن يصدر سنقتبس لك منه الآن بعض كلمات عن:
تطويب التواضع1
أريد أن أفتح فمي يا أخوتي وأتكلم عن خبر التواضع الشريف، ولكني خائف كمن يريد أن يتكلم عن الله. لأن التواضع هو حلة اللاهوت التي لبسها الكلمة الأزلي لما تجسد، وتكلم بها معنا بواسطة الجسد الذي أخذه منا. وكل من يرتدى هذه الحلة، يكون في الحقيقة قد تشبه بالذي نزل عن ارتفاعه، وأخفي شعاع عظمته، وحجب شرف مجده…
ولهذا كل من تنظره الخليقة الصامتة أو الناطقة لابسًا هذا الشبه، تسجد له كما للرب، لأجل كرامة سيدها الذي نظرته قد لبس هذا وتصرف به في العالم.
من ذا الذي لا يستحي من رؤية المتواضع؟! قبل أن يظهر مجد التواضع، كان منظره المملوء قدسًا محتقرا من كل أحد. أما وقد ظهرت عظمة الاتضاع في العالم كله، فإن كل أحد يوقر ويكرم هذا الشبه…
مار اسحق (ك 2 ف 35)
سئُل الأب مقاريوس “أي الفضائل أعظم؟”، فأجاب وقال: إن كان التكبر يعتبر شر الرذائل كلها، حتى أنه طرح طائفة من الملائكة من علو السماء، فبلا شك يكون التواضع أعظم الفضائل كلها. لأنه قادر أن يرفع المتمسك به من الأعماق، حتى لو كان خاطئا. من أجل هذا أعطى الرب الطوبى للمساكين بالروح.
وقال أنبا باخوميوس: سألني أحد الأخوة مرة قائلًا “قل لنا منظرًا من المناظر التي تراها لنستفيد منه”. فأجبته قائلًا “إن من كان مثلي خاطئًا لا يعطي مناظر. ولكن إن شئت أن تنظر منظرًا بهيًا يفيدك بالحق، فإني أدلك عليه وهو: إذا رأيت أنسانًا متواضع القلب طاهرًا، فهذا أعظم من سائر المناظر. لأنك بواسطته تشاهد الله الذي لا يرى. فعن أفضل من هذا المنظر لا تسأل”.
ومن أجل الثلاث الفضائل الكبار قال الأنبا برصنوفيوس: أن الفضائل الثلاث الآتية جليلة جدًا، ومن يقتنيها يستطيع أن يسكن في وسط الناس وفي البراري وحيثما أراد، وهي: أن يلوم الإنسان نفسه، ويقطع هواه ويسير تحت كل الخليقة. فالمتضع كائن في أسفل، والذي هو في أسفل فلن يسقط. ومن ذلك يتبين أن المتعالي هو الذي يسقط بسرعة.
قال شيخ: “الاتضاع خلص كثيرين بلا تعب. وتعب الإنسان بلا اتضاع يذهب باطلًا. لأن كثيرين تعبوا فاستكبروا وهلكوا”.
وقال آخر: “أحب أن أكون مغلوبًا باتضاع، من أن أكون غالبًا بافتخار”. وقال ثالث: “إن نزل الاتضاع إلى الجحيم، فإنه يصعد حتى إلى السماء. وإن العظمة إلى السماء، فاتها تنزل حتى إلى الجحيم”.
وقال أنبا بيمن: “كما أن الأرض لا تسقط لأنها كائنة إلى أسفل، هكذا من يضع نفسه لا يسقط”.
(بستان الرهبان)
قال مار أوغريس: إن الشياطين تخاف من المتواضع، لأنهم يعرفون أنه قد صار مسكنًا للرب (م15). وقال أيضّا “كما أن كثرة الأثمار تضع أغصان الأشجار، كذلك كثرة الفضائل تضع قلب الإنسان”.
وقال كذلك “الاتضاع سياج يحفظ الصاعد… وهكذا إذا ارتفعت إلى علو الفضائل، فإنك تحتاج إلى تحفظ كثير. لأن الذي على الأرض إذا سقط فإنه يقوم سريعًا، وأما الذي يسقط من العلو فهو يعذب إلى الموت”.
(الميمر 35)
سئُل شيخ “كيف أنه يوجد رجال يقولون: أننا نرى ملائكة؟” فأجاب “طوباه الذي يرى خطاياه كل حين”.
قال أنبا ابراكسيوس “إن شجرة الحياة التي ترتفع إلى العلاء هي التواضع” وقال أيضًا “اجعل نفسك شبيهًا بالعشار، فلا تدان مع الفريسي”.
(بلاديوس: 10)
قال القديس سمعان العمودي: “الاتضاع هو مسكن الروح وموضع راحته. المتضع لا يسقط أبدًا. كيف يسقط وضميره وفكره تحت جميع الناس. سقوط عظيم هو الكبرياء، وعلو عظيم هو الاتضاع. فلنعود نفوسنا الآن أن نتمسك بالاتضاع ونجعله لنا عادة، وإن كان قلبنا لا يشاء”.
(الميمر 18)
قال الشيخ الروحاني: “من لا يحبك أيها المتضع الطيب، إلا المفتخر والمتقمقم، الذي أنت غريب عن عمله؟!”.
(الميمر الأول)
قال القديس أوغسطينوس في تفسير المزمور93 “إن كانت القوة إذن في الاتضاع، فلا تخافوا المتكبرين. إن المتواضعين كالصخرة: قد تنزل إلى أسفل، ولكنها ثابتة راسخة. ومن هم المتكبرون؟ هم كالدخان: على الرغم من أنه يرتفع إلا أنه يتلاشى..”
(ف3)
وقال أيضًا ” من ذا الذي لا يريد أن يرتفع؟! إن الرفعة تسر كل أحد. ولكن الاتضاع هو الخطوة الأولى إليها. فلماذا تضع قدمك خارجًا… ابدأ بالخطوة فتكون قد ارتفعت”.
(العظة 46)
وقال أيضًا: “قريب هو الرب من المنكسري القلب، ويخلص المتواضعين بالروح” (مز22: 18). “الله عال، فليكن المسيحي متواضعًا. إن كان يريد أن يقترب منه العلي، فليكن هو إلى أسفل. سر عظيم يا اخوتي! الله فوق الكل: ترفع نفسك فلا تلمسه. تضع ذاتك ينزل اليك… أنت تعلم أن الله عال. فإن جعلت نفسك عاليًا فسيبعد عنك، وإن وضعت ذاتك فسيقترب منك. “الرب عالٍ ويعاين المتواضعين” (مز 138).
وقال أيضًا متأملًا في المزمور” من مثل الرب إلهنا الساكن في الأعالي، والناظر إلى المتواضعات في السماء وعلى الأرض؟!” (مز113): ما هو مسكنه العالي الذي منه يعاين المتواضعات التي في السموات وعلى الأرض؟ هل هؤلاء المتواضعون الذين يعاينهم هم ذات مسكنه العالي؟ لأنه هكذا يرفع المتواضعين… لذلك فهو يسكن في أولئك الذين يرفعهم إلى الأعالى ويجعلهم سموات لنفسه أي مسكنًا خاصًا به… لأن الروح هكذا يتكلم” هكذا يقول العلي، الساكن في الأعالي، الساكن إلي الأبد، الرب العالي، الساكن في القديسين”، ففسر ما يقصد بالسكنى في الأعالي بالتعبير الكامل “الساكن في القديسين”.
(أوغسطينوس: تفسير المزامير)
أبصر القديس الأنبا أنطونيوس فخاخ الشيطان مبسوطة على وجه كل الأرض، فتنهد وقال ” يا رب من يفلت من هذه؟” فأتاه صوت يقول “المتواضعون يفلتون منها”.
قال القديس دوروثينوس: في الواقع لا يوجد أقوي من التواضع. لأنه لا شيء يمكن أن يقهره.
(عن كتاب الفيلوكاليا)
قال مار أفرام السرياني “فليؤدبك رسم الذي يكنس بيته، إذ يطأطئ إلى الأرض وينظفه. فكم بالأكثر يحتاج الإنسان أن يطأطئ باهتمام كثير ويتضع من أجل تنظيف النفس ولا يترك فيها الاشياء التي يمقتها الله..
وقال أيضا: في النفس المتواضعة يسكن الآب والابن والروح القدس.. وفي الكبرياء يسكن القائل: لأصعدن الى السماء وأجلس في الجبل
الشامخ.. وارتقى فوق الغيوم، وأصير مثل العلى، (اش ١٤)
(الميمر الثالث)
قال مار اسحق، الذي أحس بخطاياه، خير له من أن ينفع الخليقة بمنظره. والذي يتنهد على نفسه كل يوم خير له من أن يقيم الموتى بصلاته والذي استحق أن ينظر خطاياه خير من الذي ينظر ملائكة والذي بالنوح يتبع المسيح كل يوم في الوحدة، خير من الذي يمدحونه في المجامع.. (ك ٢ ف ٢٦)
وقال أيضا. الشجرة الكثيرة الاثمار، تنحني اغصانها من أثمارها، ولا تتحرك لكل ريح. والشجرة العادمة الاثمار تتشامخ أغصانها، ومع كل ريح تتحرك، كما قال، مقبول عند الله سقوط باتضاع وندامة، أكثر من القيام بافتخار»
(الكتاب الرابع)
وقال في مدح المتواضعين:
المتواضع لا يبغضه أحد ولا يحزنه بكلمة ولا يزدرى به، لان سيده جعله محبوبًا عند الكل، وكل أحد يحبه. وكل موضع يوجد فيه، كملاك نور ينظرون اليه ويفرزون له الكرامة.
يتكلم الحكيم أو المتفلسف ويسكتونه، ويعطون فسحة للمتواضع أن يتكلم وآذان الجميع منصتة إلى منطق فمه. وتكون الفاظه عندهم كألفاظ الله كلامه حلو في مسامع الحكماء، أشهى من الشهد لذوق آكليه.
الذي يتكلم على المتواضع بالاستهزاء والازدراء، لا يحسبونه من الأحياء وكانسان قد أطلق لسانه على الله. وكلما يحقر المتواضع نفسه ويرذل ذاته، كلما تتواتر كرامته عند سائر الخليقة
يدنو المتواضع من الوحوش الكاسرة. وحالما تنظره، تهدأ وحشيتها وتدنو منه … تحرك أمامه أذنابها ورؤوسها وتلحس يديه ورجليه، لأنها تستنشق منه الرائحة التي كانت تستنشقها من آدم في الفردوس قبل أن يتجاوز الوصية لما اجتمعت اليه ووضع لها اسماء في الفردوس…
حتى الشياطين – مع جميع شرورها وافتخار قلوبها – إذا دنت من المتواضع صارت مثل التراب، وبطل شرها جميعه وكل حيلها وأعمالها…
(ك ٢ ف ٣٥)
وقال أيضًا: ان كان الاتضاع يعلى شأن الأمي والذي لا علم له، فالقوم الاجلاء الاماثل كم تكون الكرامة التي يسببها الاتضاع لهم!
(ك ۳ ف ۲)
- مقال لنيافة الأنبا شنوده أسقف التعليم – مجلة الكرازة السنة الأولى–العددان الثاني والثالث- فبراير ومارس 1965



